الثلاثاء، 19 مايو 2020

البُعد الإنساني في كتاب (منخفض جوّي) للأديبة\ جملا ملحم

البُعد الإنساني في كتاب

(منخفض جوّي) للأديبة\ جملا ملحم

 

بقلم \ الروائي محمد فتحي المقداد

 

   من خلال مُتابعتي مسيرة الأديبة (جملا ملحم)، ومع مؤلّفها البِكْر (ربوع أدبيّة)، وصولًا إلى مولودها الثّاني (منخفضٌ جوّيٌّ)، تبدّى الفرق الواضح في تقدّمها بخطىً ثابتةٍ نحو هدف وضعته نصب عينيْها، بإصرار؛ فطوّرت من أدواتها برؤية جديدة، ومن خلال كتابتها لفنّ الخّاطرة الذي أبدعت فيه.

   تجربتها الأولى تمحورت حول ذاتها، بخطاب ذاتيٍّ مونولوجيٍّ، حديث النّفس للنّفس، ومن أجل النّفس الحاملة للهَمّ الدّاخليّ المأزوم بتداخلات الحياة الاجتماعيّة والأسرة والمجتمع، والعاطفة المختبئة خلف تعابير تُشير برمزيّة غارقة بدلالات تحتاج للتوقّف، والتأويل، والتفسير القريب والبعيد؛ لاستبيان على ما وراء الكلام، وفهم لرسالة الكاتبة بدقّة. وما تُريد إيصاله.

   أمّا في هذا الكتاب (منخفضّ جوّيٌّ) فالأمر مختلف تمامًا بكثير في جوانب طرح قضايا المحيط العامّة والخاصّة، بالتكنية، والتّلميح التي تأتي في كثير من جوانبها، فتكون أرقى من التّصريح.

والنصّ (منخفضّ جوّيٌّ) الذي هو عنوان الكتاب، ما جعلني أنحو بهذا الاتّجاه، والخروج من فضاء محور الذّات، إلى فضاءات واسعة لافتة للعديد من المواضيع (اشتدّت الرّيح.. سقط الورق.. بانتْ عورة الشّجر

(تعرّت مساكنُ الطّيور.. باتت بلا مأوى). رمزيّة الفقرتيْن تحكي واقع المحيط العربيّ المليء بالحروب والدمّ والموت؛ لتقول: (اشتدّت الكُروب.. سقطت الضّمائر.. تهدّمت بُيوت الفقراء.. باتت بلا جدران).

الحرب دمار للحجر والبشر، للبيئة، ومكوّناتها النباتيّة والحيوانيّة. قبل الإنسان. (سكت الحقّ.. فرح الباطل).

   الرؤية ذات البُعد الإنسانيّ تكلّلت بها معظم خواطر الكتاب، نسيج الألم، دروب الخوف، أنين الجراح، صور الحنين والأشواق، البوْح الدّاخليّ، حديث الرّوح، والطّفولة، هذه المواضيع في كثير من جوانبها؛ طغت عليها الصّفة الخطابيّة، والوعظيّة، والتعليميّة.

   كما أنّ كثيرًا من الخواطر مُموْسَقة بنغمة قريبة من الشعريّة، وطغى عليها الحسّ الشعريّ. تعاطت الكاتبة برشاقة مع أفكارها، ونسجتها بحسّها الأدبيّ الأنثويّ المُرهف بشفافيّته، وصدقه بالتّعبير الصّريح والمُضمر، وما بينهما بإتقان مُحبّب لنفس القارئ.

أمنياتي بالنّجاح الدّائم.. والتفوّق.

إربد ــــا 13\2\2020


تقديم كتاب ربوع أدبية لجملا ملحم

 

 

الروائي: محمد فتحي المقداد

 

عندما اتّخذتِ الأديبة (جملا ملحم) عنوانًا لكتابها (ربوع أدبيّة)، كأنّها أرادت للقارئ أن يمكث طويلاً في ربوعها، بعد أن نصبت عرائش خواطرها فوق مصطبة توسّطت إحداها، بجوار معبدها الأدبي، بعد أن أجرَت نهرًا رقراقًا صافيًا من قصائدها، وهناك جلست لتحكي: كان يا مكان في حاضر الأيام وغابرَها.

جاء العنوان فضاءً شاملًا بدلالاته المنفتحة على فضاءات الخاطرة والشعر والقصة القصيرة، هذه الألوان المْتجلّلة بأوشحتها الأدبيّة، تجعل من عرائشها مُتفيَّئًا يُستطاب المُقام به. 

فقد جاء مولودها الأدبيّ الأوّل بُستانًا زاخرًا بثمار يانعة؛ فحان قطافها من ربوعها لتعانق القلوب، وتداعب الأرواح دغدغةً بلمسات شفّافة رقراقة ترطّب الأشواق، وتروي ظمأ النّفوس الجامحة؛ فتهبط عليها الطمأنينة بردًا وسلامًا. 

الأديبة (جملا ملحم) مادت في ربوعها ذات اليمين، وذات الشّمال ما بين الأشواق والأحلام، تبصر الآلام والأحزان فتكبّل القارئ معها، ومن ثم تأخذه في نقلة نوعيّة إلى عالم السرور والأفراح بسلاسة ويُسرٍ

مزاجها الأدبي يتجلّى في جودة خواطرها بأبعاد البوْح الجُوّاني، تُصوّر النفس الإنسانيّة بسموّها الرّاقي، ولم تنس رسم الخطّ البيانيّ هبوطًا إلى الحضيض المترافق بحمولات من الحبّ والكراهيّة، واللّوم والعتاب، والصّدق والأمانة، والغدر والخيانة، هذه الصّفات من صميم النفس البشريّة على الإطلاق.

وبالانتقال إلى ربوع الشّعر تأخذنا معها إلى عوالم القلوب، وهي تنادي: "هات الفؤاد"، وهي ترنو إلى طهارة القلب للانتقال على أجنحة النقاء والبياض إلى "مدينة الطّهر" يا قدس.. يا مدينة السلام.. قلوبنا ترحل إليك كلّ يوم، وهي تتلو من هناك على وقع أجراس كنيسة القيامة وأذان الأقصى: "مولد الحبيب"، وهي تُعاند "ظروفًا طارئةً"، وتعلن للدنيا أجمع أنا "عندي حنين" لكنّني أعرف لمن على خلاف من قال: "أنا عندي.. مش عارف لمين".

بينما تبثّ "شكوى" للخالق المقصود في مثل حالات الضيق والضّنك، وما دامت "أمٍّي" شاركت أحزان ودموع "أمّ الشّهيد" هذا "العصفور الجريح" من أجل "أرض العزّ" الأردن الوطن المفدّى يتلألأ تحت "بريق القمر.

خاضت (جملا ملحم) معمعة الأدب بثقة عالية بما تكتب إيمانًا منها بفائدته، وإسهامًا في ميدان الأدب، وفي نصوصها القصصيّة القصيرة القسم الثالث من رُبوعها، كانت واقعيّة في نظرتها، بمعالجة عقلانيّة للسرد القصصي بتسلسل منطقيّ منسجمة ما بين الفكرة والحدث مفعمة بروح أدبيّة راقية. 

والتجربة الأولى تُعتَبر خطوة جريئة رائدة واعدة بالأفضل، بالرّغم مما اعْتَوَرَها من بعض الهنّات والزّلّات في بعض الأحيان، لكنّ فيها من الأنوار البرّاقة، وواثق الخطوة يمشي ملِكًا.

 

عمّان – الأردن 
ـــا 8 \ 3 \ 2019

 

                                                       

 


نداء القلق في ديوان لحن الخلود لطالب الفراية

 

 

نداء القلق

في ديوان لحن الخلود للشاعر طالب الفرّاية

 


بقلم/ محمد فتحي المقداد


 الشاعر طالب الفرّاية يروم الخلود على أوتار ألحانه الشعرية العبقة بنبضه وروحه المترعة بكل كلمة من قصائد ديوانه (لحن الخلود)، وهو يطرق من خلاله بوابة التاريخ الأولى (الكرك)، وما ذكرت الكرك إلا وهي مقرونة بـ (ميشع) المؤابيّ، ولعلّ مقولة:«ارفع رأسك أنت في الكرك»، كانت منطلق الشاعر الذي نشأ وتربّى في أكنافها إلى الوطن الأكبر الأردن و الحبّ و الولاء الذي عشعش في وجدان الشاعر لم ينسه وطنه الأكبر العربي من المحيط إلى الخليج، و التحديّات الحضاريّة وهو يطمح للارتقاء بها إلى المستويات المرضية، و التنبيه للخطر الدّاهم بكلّ أشكاله و ألوانه.

 الشاعر ممتلىء بهواجسه التي يغلفها القلق الظاهر للعيان، فإحساسه لم يخطىء، وعزيمته على الطريق ماضية، وقناته لم تلن في استحضار التاريخ كلّما أصابه الإعياء واليأس و الإحباط ليناشد البطل التاريخيّ (ميشع، عنترة، خالد بن الوليد، صلاح الدين .....)، وكان أن اتّخذ منه مجازًا وجسر عبور من الحاضر إلى المستقبل، بقوله: "أنا الفجر ليس يداري النجوم// وتشرق شمس الضحى من سناه – وهبتُ الزّمان صدى خاطري// وما كنتُ يومًا صدًى للحياة"، فهو لم يرتض إلا أن يكون ليس كالفجر بل الفجر بعينه الذي يزيح الظلام عن كاهل الكون، وينبلج من سناه الضحى وشمسه التي تنير الأرض، وتكتب تاريخًا جديدًا في حياة كلّ يوم جديد.
 
قصائد الديوان جاءت حُبلى بكلمة التاريخ، فكان حملًا شرعيًّا ولد بين طيّات وثنايا القصائد، ففي قصيدة رسالة إلى عنترة يقول: (أشكول يراودني ذات مساء// كالليل سجى... كالبوم أتى// أدخلني نفق التاريخ المظلم// أجبرني أن أحفظ تاريخًا مسخًا// وحفظت التاريخ// و عرفتُ الآن // من سرق تصاميم الأهرام// و لماذا أرض الميعاد).

وفي قصيدة مدينة لاتنام يقول: (هي الكرك الحبيبة وجه أمّي// أطالع وجهها قمرًا غريقًا ــ هي التاريخ و الدنيا يراع// يسطّر مجدها إرثًا عريقًا).

 وعن المدينة الورديّة البتراء يقول: (و يحييني بها أبدًا غروب// من التاريخ دفّاقًا دِفَاقًا).

 فالأماكن على اختلافها رسمت خطّا بيانيّا عند طالب الفرّاية يرتفع للذروة بجماليّات ذكرياته، وينخفض للحضيض حين يستشعر الشاعر الخطر، فتتأجج عواطفه حنينا وشوقا وهو يتفيّأ بظلالها، ويعتبرها أجمل الأوطان على الاطلاق، و إن ابتعد عنها حاول أن يشكل وعيا جماعيّا، وعامّة الناس يقولون: (مسقط الرأس غالي)، بينما ميزّ الكاتب زكريّا تامر: "بين الأوطان الحقيقية، موطن الأحرار، والأوطان المزوّرة وهي أوطان الطغاة التي لا تمنح الناس سوى القهر والذلّ و الفاقة، ومدُنها وقُرَاهَا لها صفات القُبور و السّجون"، وجاءت قصيدة "موطني" عند طالب الفرّاية؛ لتكرّس حبّه للوطن مقرونا بالعبادة يقول: "و أتيتُ بابك عاشقًا متصوّفًا// صلّيتُ حبّك تابعًا و إمامًا".

 ونسج عباءة لحن الخلود موشّاة بأسماء الأماكن: (الكرك ومؤتة و المزار و سهول إربد وعمان وضانا و العقبة و البتراء و الحسا)، هذا في الأردن، ومن خارجه: (فلسطين و عاصمتها القدس و الشام و بغداد و القاهرة وتونس و صنعاء).

وتولد الخوف و القلق لدى الشاعر من رحم حبّه للوطن، و ضاقت عليه المساحات، لتأتي قصيدته (قلق و أغاني) طافحة بهواجسه الحيرى يقول : (قلقي أنا خبزي ونبض قصائدي// أحلام ليلى دفتر ألواني.. قلقي أنا كحلي وهمس جدائلي// دمعي الحنون وسادتي أحزاني).

 من هنا انفجرت ذاتيّته ليطلق نداءاته بأعلى صوته محذّرا و منبّهًا ومستنجدًا، وفي قصيدته التي حمل الدّيوان عنوانها، خاطب المكان، ووقف ينادي قائلًا: "أيا صوت أبهى الأماكن // و يا نسمة من عبير الجنوب // ويا صرخة في سديم السّكون// ويا أيها الحلم// فيا أيّها الكركيّ"، وفي قصيدة عمّان كان النداء ظاهرًا جليًّا يقول: "يا شمس يعرب يا فجرا لنهضتنا// يا دمع ليلى على كفّ لمعتصم).

 وللمتتبّع لديوان لحن الخلود؛ يستنتج أنّ ظاهرة النداء عند الشاعر لافتة للنظر، يهرب من مناداة القريب الغافي الذّاهل عمّا حوله، إلى البعيد القابع في مجاهل التاريخ، البطل الأسطوري المخلّص من القهر و الذلّ نزوعًا إلى مستقبل مشرق يليق بنا كأمّة ذات حضارة، حينما أرسل رسائله:

-          رسالة إلى صلاح الدّين الأيّوبي فيها يقول: "لمّا مررتٌ ساح المجد أسألها \\ أين البطولة، أين المجدُ، والشمم؟ - أنت الصلاحُ صلاحُ الدّين سيّدها\\ أنت الرّسول لها مُذ ماتت الشيَم"، ومناداته: يا سيدي الرّيحُ - يا سيّد الكون -  يا سيّد الشّرق- يا رمزًا لعزّته.

-         رسالة إلى عنترةوفيها يقول : "يا عنتر أين صهيلُك؟\\ أين الرّفض السّاكن قنديلك\\ ندعوك بطُهرك\\ وقداسة هذا اللّيل\\ ندعوك بحقّ رغيف الخبز\\ وبحق الدّاحس و الغبراء\\ وبحقّ ميادين التحرير\\ بأن تحضر\\ مزّق أوراق العار\\ واصنع لي قمرًا حُرًّا وحصان"، ومناداته لم تتوقّف من أجل الخلاص: "ياعنتر - يا بن الآلام العربيّة -  يا ثورة كلّ جياع الأرض يا وجع الجلّاد – يا صرخة كلّ ضحيّة – يا إسبارتا العرب الأوّل – يا قبلة كلّ جياع الأرض".

-         رسالة إلى أبي العلاء المعرّي: "يا شاعرًا لاك المرارة\\ واحتسى\\ ما في الدّجى من حنظل و كآبة\\ فغدا لسانُه بلسمًا للجُرح ترياق السّعادة"، وينادى  أبا العلاء: "يا شاعرًا – يا نخلة – يا بن المعرّة".

-         يا بن الوليد: "لو كان قيدُك جارحًا\\ أو كان دربُك عاثرًا\\ لو كان شوكًا أو حريق\\ ما زلتَ رغم أنوفهم\\ أملًا جديد"، ومناداة الشّاعر لم تتوقف: "يا بن الوليد – يا سيفَ خالدنا العظيم – يا نخلة تٌرمى – العزّ عزّك يا وليد – يا كربلاء".

و للمتأمّل في حياة الشّاعر طالب الفرّاية، فهو المعلّم المتألّق لمادّة اللغة العربيّة يلقّنها لطلبته، وهو الشاعر المرهف بأحاسيسه حينما يخاطب محبوبته في قصيدة"يا مي"، وفي "شكرًا لهاتيك العيون"، وله وقفة مع النفس و الدموع، وتوقّف في ساحة الموت بعد تجاربه في الحياة، و في حلّه و ترحاله؛ ليعلن على الملأ: أنه  عرف الله في قصيدة عرفت الله.

وفي خطابه للموت في قصيدة حملت عنوان (الموت)، يقول:

 "أيّها الموت كسيفٍ مُصلتٍ \\ كم قصمتَ الظهرقصمًا مُحكما

 أنت في حلّ فزدني سقما \\ أفن صبري واجعل الدّمع دما"

 وهو يتماهى مع نداء السيّاب للموت في رائعته (رئة تتمزّق): "كم ليلة ناديت باسمك أيها الموت الرهيب\\  وودت لو طلع الشروق\\ علي إن مال الغروب\\ بالأمس كنت أرى دجاك\\ أحب من خفقات آل\\ راقصن آمال الظماء ... فبلها الدم واللهيب".

وأجمل رسائل الشّاعر الفرّاية أختم بها قراءتي قصيدة  همسات حيث يقول: "مِنْ مُهْجَتِي أُهْدِي الفِقِيرْ\\ قَارُوْرَةً  مِنْ عِطْر\\ مِنْ مِاءِ زَمْزَمَ  والفُرَاتْ\\ مِنْ نِيْلِنا  النّيْلِ  العَظِيِمْ\\ مِنْ زَيْتِ تُوْنس\\ مِنْ نَخِيلٍ فِيْ  الخَليْج\\ من دمع غزّةَ ..\\ من جنونٍ في المعرّة\\ و المُكلاّ و الخليل".

 

عمّان \ الأردن

13-4-2017

 

 

 


تقديم لكتاب خربشات أدبية لتوفيق جاد

تقديم الكتاب

حدائق الأدب كثيرة ومتنوّعة، وللأديب أن يتفيّأ ظلالها في أيّ من دوحاتها، وجاءت خربشات أدبيّة، للروائيّ والقاصّ توفيق أحمد جاد، لتكون إسهامًا تفاعليًّا في إكمال ما ابتدأ به في مجموعته القصصيّة (الصّرير)، وروايته (الغداء الأخير)، وما يزال مشروعه يتصدّر اهتماماته في عمل روائيّ قادم، يُكلّل به تجربته.

ومما وصلنا من أواخر العصر العبّاسيّ من كتب التراث، كتاب (صيد الخاطر- لابن الجوزيّ)، وقال عنه صاحبه في سبب تأليفه: "لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تُعرَض ثم تُعرِضُ عنها، فتذهب. كان من أولى هذه الأمور حفظ ما يخطر لكيلا يُنسى". فالكتاب يُعتبر من أفضل ما كتُب في هذا المجال.

وحديثًا فإن كتاب (هكذا علّمتني الحياة - مصطفى السباعيّ)، فإنّه من أجود ما قرأتُ من خواطر، تكتسي ثوبها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، بمسحة روحيّة وعقائديّة، مُتحرّرة وثائرة على كثير من المعتقدات السّائدة والبالية، والتي لا سند لها، يسند دوامها.  

وهكذا جاءت خربشات توفيق جاد، لتكون ضمن هذا السّلك، وتعبيرًا صادقًا لما يجيشُ في دواخله من تأمّلات وتطلّعات، لتكون إضافة جديدة، تنمّ عن ثقافة الأديب المتعدّدة الجوانب، ومن تجارب حياته التي تمخّضت عنها، تلوّنت بأشكال كثيرة، حسب تفاوتها الزماكاني.

أحسَنَ الأديب توفيق جاد بتدوينها؛ لحفظها من الضياع، فالأحرف والكلمات، لا تعدو إلّا أن تكون كالعصافير تتفلّت في كلّ اتّجاه، وقيدها الوحيد هو الكتابة.

فلا شكّ أبدًا من أنّ الخواطر جزء، لا يتجزّأ من أبواب الأدب التي يُعتَدّ بها، فهي خفيفة على النفس، لطيفة بكلماتها المُقتصَدَة، ولكلّ كاتب الحقّ في التعبير عمّا يجول في خاطره.

نصوص هذا الكتاب لا تحتاج لمعرّف لها، فهي أصدق تعبير عن نفسها، والإفصاحِ عن هويّتها.

الكرك - الأردن  ــا   26 \ 9 \2018

                                           الروائي - محمد فتحي المقداد

 


قراءة على مجموعة الصرير لتوفيق جاد

قراءة

على مجموعة " الصرير " للقاص توفيق أحمد جاد

 

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

صدرت مجموعة الصرير القصصية، للقاص توفيق أحمد جاد في (103) صفحة من القطع المتوسط، تصدّرَها الإهداء من المؤلف، وتلاه التقديم للأستاذ يوسف أحمد أبو ريدة من فلسطين، ومن ثم جاءت دراسة نقدية للشاعر و الأديب عبد الرحيم جداية بعنوان " التوتر السطحي و المشاعر الكامنة " في مجموعة صرير. توزعت المجموعة على مساحة إحدى عشر نصّا، ما بين المتوسط والطويل نسبيًا.

البساطة السردية كانت ميّزة المجموعة، بتركيزها الشديد على إيصال الفكرة المتمثلة بمجموعة من القيم الاجتماعية السائدة، في محاولة الارتقاء المجتمعي من خلال تسليط الضوء على السلبيات المتضخمة في واقع ينسلخ شيئًا فشيئًا منها، لأسباب كثيرة، منها الانفتاح على العولمة، ودخول التقنيات لدقائق الحياة على نطاقات واسعة، وكان لها التأثير المباشر على اكتساب قيم جديدة ربما لا تتوافق، و تختلف كثيرًا أو قليلًا مع قيمنا العربية و الإسلامية المحافظة.

المجموعة متأججة بالمشاعر الإنسانية الفيّاضة دِفقًا فيما بين النفس الأمّارة، وبين إشراقات الروح الناصعة، لتأصيل مفهوم القيمة الحقيقية الموحية بالتماسك الاجتماعي الذي كان فيما مضى، متقابلًا مع واقع متناقض كُليًا مع موروثنا، مُستخْرَجًا من ذاكرتنا الجمعية، والعودة إلى مكنوناتها، لاستخلاص العبر و العظات منها.

الوعظيّة واضحة غير متوارية خلف غِلِالةٍ من أوشحة النسج الأدبي الجانحة عند كثير من الكتاب إلى الرمزية، أو الإغراق في الرمزية التائهة في مدارات تجعل العقدة تنفلت من يد القارئ. 

والنص الأول في المجموعة كان تربويًا بامتياز، وتسليط الضوء على صبر الجد على حفيده الطائش الأرعن يتيم الأبوين، ومحاولات الجد الحثيثة لتقويم سلوكيات الحفيد المنحرفة، وتحذيراته المتكررة من رفقاء السوء و ذوي الأخلاق السيئة، وكان أسلوب الجد حكيماً، وحكمة الشيوخ صبورة وقورة اكتسبت الخبرة، و دفع بحفيده من خلال خوض التجربة بنفسه، لزيادة الاقتناع، و رسوخه في حياته كمبدأ، ليجعل منه عنصراً صالحاً مفيداً لمجتمعه.

و النص الثاني " الصرير" هو الذي اتخذت المجمعة عنوانها منه، حيث أصبح الصرير ظاهرة نفسية مقلقة لها الكثير من التعرجات، و المنحنيات الجديرة بتفسيرها، وبسط الكلام عنها باستفاضة.

 و في النص الثالث " الحُلٌم" جاء موضوع الرفق بالحيوان هو علامة النص المميزة، وأنّ اللُّقَمْ تردّ النقم، وهو ما أذهب عن بطل النص الهواجس النفسية التي منعته من النوم والراحة.

و هكذا باقي نصوص المجموعة، لا يخلو منها نص من فائدة مقتنصة، أو موعظة مكتسبة، أو تأكيد على قيمة عالية السمُوّ في النفوس الصافية.

تتسم المجموعة بالصفاء الروحي و النفسي، و تأكيدها على الإعلاء من شأن القيم الروحية والنفسية، لترسيخها في دروب الجيل من جديد، بإعادة التأكيد عليها في كل مناسبة دون التردد في ذلك.

أهيب بصديقي توفيق جاد أن يكون قد تأنّى قليلًا بالمراجعة، وإعادة التنقيح أكثر من مرة، لتلافي الأخطاء الكيبوردية التي أساءت لجماليات نصوصه، وإعادة النظر في نسج بعض التعابير، لتتوافق أكثر في استقامتها مع السياق للتوضيح، التعجّل أضر بالمجموعة، ورغم هذه التحفظات فإنها لا تنقص شيئًا من قيمة المجموعة، ولكن النقد هو الذي يظهر جماليات الكتابة الإبداعية, وتجليتها بأفضل صورة.

عمّان \ الأردن

17 \ 7 \ 2016


الروائي/ محمد فتحي المقداد: السخرية في شعر عبدالله البردوني

الروائي/ محمد فتحي المقداد: السخرية في شعر عبدالله البردوني: السخرية في شعر عبدالله البردوني  بقلم محمد فتحي المقداد يعتبر الشاعر اليمني عبد البرّدوني من الشعراء المجددين في العصر الحديث, ولد الشاعر في...

السخرية في شعر عبدالله البردوني

السخرية في شعر عبدالله البردوني 

بقلم محمد فتحي المقداد




يعتبر الشاعر اليمني عبد البرّدوني من الشعراء المجددين في العصر الحديث,
ولد الشاعر في قرية ( برّدون) في العام 1929-1348هجري, في إقليم ذمار, وقد أصيب بمرض الجدري في صغره , وقد عاني منه على مدى سنتين , وعلى إثر ذلك فقد بصره وهو في نحو الخامسة أو السادسة من عمره, والبرّدوني هو عبدالله صالح  درس في مدارس ذمار لمدة عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم وتخرج فيها عام 1953م. . ثم عُين أستاذا للآداب العربية في المدرسة ذاتها. وعمل أيضا مسؤولاً عن البرامج في الإذاعة اليمنية

وقد امتزجت فيه روح القرية بأصالتها وبساطة العيش , مع روح المدينة العامرة بشتى أصناف الحياة التي تختلف جذرياً عن قريته التي أتي منها , وكون المرء ذمارياٌ وصنعانياً , فبكل تأكيد سيكون يمانياً بامتياز, كما حصل للبرّدوني, التي تفجرت موهبته مبكراً, لافتاً الأنظار إليه, بخفة الروح الساخرة, والبساطة التي تتدثر بحسن الصنعة الشعرية.
" وقد سئل يوماً وهو خارج الوطن، كيف حال اليمن؟
فأجاب انظروا في وجهي.. تروها". 
وفي مثل هذا المعنى قال :
- "حبيبٌ " هذا صداك اليوم أنشده
 لكن, لماذا ترى وجهي وتكتئب؟.
إني ولدتُ عجوزاً ,,كيف تنتحب؟.
وقد كان العمى الحافز القوي لتفجير موهبة البرّدوني, ونبوغه اللافت للنظر, و هو الطفل القادم من القرية البعيدة المنزوية, وفي هذه الرحلة يلمس المرء الشبه بينه وبين (طه حسين) برحلته من القرية إلى المدينة , التي رواها في كتاب  (الأيام) , مع الفرق الكبير فيما بين الرجلين والرحلتين .
والعمى الذي اكتست به حياته, قد حدّ من ممارسته للحياة الفلاحية , وهو الذي يتخيل الفلاح يعمل في أرضه والحرفي في صنعته, والجباه المكسوة بالعرق , كل ذلك أثار لديه السخرية من الواقع بشكل لافت.
وعلى هذا النحو امتازت حياة البرّدوني الشعرية, باستخدام مقتدر للغة العربية وقد تميزت بالفصاحة, التي استطاع بموهبته الفذة , تطويعها لنثر السخرية في كل الاتجاهات , بشكل استثنائي في الشعر اليمني بشكل خاص وفي مسيرة الشعر العربي بشكل عام, فيما بين الفصحى والعامية بتهجين لطيف وغير شاذ.
والملمح الثاني في الشاعر البرّدوني هو قدرته الفائقة على كسر القوالب الكلاسيكية المتوارثة من القديم , وفي الاشتقاقات اللغوية, والتي ابتكر منها الصور الساخرة, التي تميز فيها, بحسن واقتدار. 
وفي هذا يقول عنه - د-عبد العزيز المقالح :(كسر حدّة الرتابة,, بكسر حدّد الدلالات اللغوية , وبناء الصورة بناءً لا يمت إلى الذاكرة الشعرية القديمة , ولا يستسلم لم تفرضه القوالب الجاهزة من استخدام لغوي مباشر ).
وكما يرى - د- المقالح أن التجديد الشعري عند البرّدوني ( ليس في محتويات فحسب, بل في بناء هذه القصائد القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقليدية وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية, صحيح أن إيقاعه كلاسيكي محافظ لكن صوره و تعابيره  حديثة تقفز في أكثر من قصيدة وبخاصة في السنوات الأخيرة, إلى نوع من السريالية تصبح فيه الصورة أقرب ما تكون فيما يسمى باللامعقول).
وفي حوارية رائعة للبرّدوني فيما بين ( السندباد) الذي يرد على أسئلة المحقق

تحديت بالأمس الحكومة , مجرم= رهنت لدى الخبّاز, أمس جواربي
مَنْ , الكاتب الأدنى إليك؟. ذكرته= لديه, كما يبدو كتابي, وكاتبي 
لدى مَنْ؟- لدى الخمّار, يكتب عنده= حسابي , ومنتهى الشهر يبتزّ راتبي
قرأتَ له شيئاً؟, كؤوساً كثيرة   = وضيّعت أجفاني لديه وحاجبي
قرأت كما يحكون عنك, قصائداً= مهربة, بل كنت أول هارب

ويستمر الشاعر بحواريته تلك في السخرية من المحقق والذي هو رمز عقلية النظام البوليسي:

أما كنت يوماً طالباً؟ كنت يا أخي= وقد كان أستاذ التلاميذ طالبي
قرأت كتاباً مرة, صرت بعده    = حماراً, حماراً لا أرى حجم راكبي
وكم متُّ مرات؟- كثيراً كعادتي = تموت و تحيا؟- تلك إحدى مصائبي
وماذا عن الثوار؟- حتماً عرفتهم= نعم حاسبوا عني , تغدوا بجانبي
وماذا تحدثتم؟- طلبت سجارة   = أظن وكبريتاً.. بدوا من أقاربي

وتبلغ السخرية ذروتها, في حدة وجمال تلك اللوحة الجميلة:
لدينا عنك ملف!, شكراُ لأنكم= تصونون ما أهملته من تجاربي
لقد كنت أمياً حماراً, و فجأة = وفجأة ظهرت أديباً , مذ طبختم مآدبي

ولا يزال ينتقد الممارسات الخاطئة للأجهزة الأمنية ضد المواطنين الذين عانوا من هذه الأشياء في حياتهم 
قلت يوماً: أحبَّ شعري " المعري"= بلّغوا بي أن المعري عشقي
وبأني أزوره كل يوم               = وله ورشة جوار " العريقي"
     **                  **                **
قلت يوماً كان" امرؤ القيس " صاحت= عمتي : كيف تمدحين طليقي
   **                   **                ** 
لو تحولت فرخةً, ثعلبوني = لو تضفدعت , خبّروا عن نقيقي
لو رأوني أمسي حماراً, لنادوا= خبراء يترجمون نهيقي

وهذه القصيدة هي قمة السخرية وهي بعنوان" يوم 13 حزيران" وهي تحكي قصة حركة انقلابية, وإذاعة البيان الأول من الإذاعة , ككل بلدان العالم الثالث وهذه الحركات الانقلابية التي يدعي فيها الجيش المحافظة على الوطن ومصلحة المواطنين . يقول البرّدوني
جبينه دبابة واقفة = أهدابه دبابة زاحفة
ليس له وجه.. له أوجه= ممسوحة كالعملة التالفة
ساقاه جنزيران.. أعراقه= إذاعة مبحوحة راجفة
تلغو كما تسقي الرياح الحصى = تحمّر كالجنيّة الراعفة
بعد قليل .. مئتا مرة =وعدٌ كسكر الليلة الصائفة 
وبعد عشرين احتمالاً بدت =لا ولادةً مكروره زائفة
حماسة صفراء معروقة = أنشودة مسلولة راجفة
شيء بلا لون , بلا نكهة = ماذا تسميه؟ اللغة الواصفة
                 **           **             **
يا عم دبابات !!, إني أرى = انقلاب , جدتي عارفة
نفس الذي جاء مراراً كما = تأتي وتمضي دورة العاصفة 

ولعل هناك الكثير من اللقطات الساخرة من الأوضاع واللوحات التي يرسمها بلغته البسيطة الممتنعة, هذا الشاعر الذي قاوم الفساد في المجتمع , ومقاومة المفسدين في جميع الاتجاهات, واستخدم فنون اللغة, وبما تفتقت به قريحته من استنباط ألفاظ  لم تكن مستخدمة من قبل . وهنا كانت لنا هذه الوقفة , أمام اللوحة الساخرة في شعر البرّدوني , وهي إحدى الأغراض الأدبية التي طرقها الشاعر في أشعاره .
ـــــــــــــــــــــــــــــ  
بصرى الشام - سوريا
24-11-2010م

 
 


تأملات قرآنية