الخميس، 5 فبراير 2026

شوكة الآلهة. علي شنينات

 

 

الهويَّة التاريخيَّة

لرواية "شوكة الآلهة" للروائي "علي شنينات". الأردن

 

بقلم. محمد فتحي المقداد. سوريا

 

حينما صدرت رواية "شوكة الآلهة" للروائي الصديق "علي شنينات" رنين العنوان الجاذب؛ مُحفِّزٌ قويٌّ للقراءة، والرواية وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية "كتارا" لعام 2025. وبعد قراءتها اِسْتنتجت بأنَّها أنموذج مُتوهِّجٌ للرواية التاريخيَّة العربيَّة، وقد أخذت مكانها الحقيقي إلى جانب مواطنتها السَّابقة لها زمنيًّا لأكثر من عِقْد رواية "أوراق معبد الكُتُبا" لــ"هاشم غرايبة". وليس غريبًا اِقْتران هذين العملين على الأقلِّ بذهني، كونهما انتصرا لرواية أصحاب الأرض التاريخيِّن من "بترا" إلى "بُصرى"، وما لهما من تـأويلات دلاليَّة إذا ما أسقطنا رمزيَّتهما على الصراع العربيِّ الإسرائيليِّ. كما أنّهما أعادتا استنهاض جُغرافيا المكان الأردنيِّ منذ عصور العرب الأنباط، وهو ما يُعزِّز فكرة الدِّفاع عن حقوقنا التاريخيِّة. وإذا ذكرنا الرَّواية التاريخيَّة فقد أضاف علي شنينات إلى المكتبة الروائيَّة العربيَّة إضافة إلى جانب روايات كلٍّ من: "جرجي زيدان"، و"علي أحمد باكثير"، و"نجيب محفوظ"، و"جمال الغيطاني"، و"واسيني الأعرج"، و"هاني الرَّاهب" و"محمد الحفريِّ"، ومُواطنه "جلال برجس"، و"منذر قبَّاني"، و"علي أبو الرِّيش"، و"أمين معلوف"، و"إبراهيم الكوني". القائمة تطول وتطول؛ إنَّما أوردت هذه الأسماء على سبيل الاستشهاد بها.

بهذا المنحى فإنَّ رواية "شوكة الآلهة" تُصنَّف على أنَّها رواية تاريخيَّة، جاءت على امتداد مساحة جغرافيَّة امتدَّت من بابل إلى مؤاب، وما بينهما من مسافات مليئة بالحروب للسَّيطرة على المُقدَّرات، والبحث عن الماء والكلأ، لمئات السنين وهذه  الجغرافيا بمساحاتها الشّاسعة كانت ميدانًا للخروب والغزو، وهو ما ناقشته "شوكة الآلهة" منذ عهد "بختنصَّر" الذي يُمثِّل عهد القوّة للمملكة البابليَّة العظُمى في وقتها.

وهذا النَّوع من الرِّوايات تهدف إلى تقديم المعرفة التاريخيَّة في قالب سرديٍّ فنٍّي على محمل روائيٍّ مقروء، يهدف لترسيخ الهوية، وإعادة تقييم الأحداث الماضية برؤية معاصرة، مُبتَعِدة عن السَّرد التاريخيِّ الجافِّ والمُملِّ لتشكيل نواة وعي الجمعيِّ لأجيال الحاضر والمستقبل، ليكون حجر مقاومة وتعزيز فكرة عدم التَّفريط بالأرض. من هُنا يجب التوقُّف عند محنة الكاتب الروائيِّ للمادَّة التاريخيَّة. إنَّ المُعاناة في استطاعة نقل المعلومة وتحويلها لعمل أدبيٍّ مُتسلسلٍ ضمن قالب سرديٍّ، هو من الصُّعوبة بمكان، وهذا يستلزم من الكاتب جهودًا مُضاعفة، وأثناء قراءتي للرواية أشفقتُ على صديقي "علي شنينات"، كم قضى من الأيَّام واللَّيالي، وهو يبحثُ ويستجمع ويحشد جميع قِواه للكتابة، بلا شكٍّ بأنَّه يتمتَّع بمحتوى ثقافيٍّ وازن بثقله المعرفيِّ، هذا وحده جانب لا يُمكن تجاوزه وإغفاله، والنُّقطة المهمَّة هو سِعَة مخياله ورُؤاه لما بعد الحدث التاريخي، الذي يحتاج لابتكار تأثيث للحدث، حتَّى اصبح مادَّة مُتوازنة مُتماسكة مُتوالِفة ضمن سياق سرديٍّ مُشوِّق، جاء ذلك على محمل لغة رقراقة سلسة التناول، سليمة بنحوها وصرفها وإملائها وترقيمها، والكلمات والجمل والتعابير المُختارة بعناية لتكون دلالتها دقيقة على المعنى المُراد ضمن السِّياق العام لنسق الرِّواية، حُسنُ الصَّنعة اللُّغويَّة دليل خبرة عريقة من كون "علي شنينات" جاء إلى الرَّواية مع طريق الشِّعر. وليس غريبًا أن يكون مهجوسًا بوهج المكان في مدينة "مأدبا" بجوار جبل "نيبو"، وهو يتمثَّل مع كلِّ صباح استرجاع من كانوا... ومن جاؤوا غُزاة وإلى أين صاروا؟. ذهب الغُزاة إلى ذمَّة التَّاريخ الواسعة، وبقي المُؤابيُّون مقيمون على أرضهم يحرسونها ويفتدونها بأغلى ما يملكون.   

بتوقيت بُصرى ــا 5. 2. 2026