الثلاثاء، 9 نوفمبر 2021

بطاقة هجرة البلانفورد

 

لصحيفة آفاق حرة

 

بطاقة تعريفية بكتاب

"هجرة البلاندفورد" للأديبة الأرتيرية "فاطمة الموسى"

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

المقدمة:

الدماء جاءت مع أول لحظة لميلاد البشرية، وبدأت علاقة القوي والضعيف تتبدّى، القوي ظالم، والضعيف والمُستضف يقع عليه ظلم وجبروت الظالم. بلادنا العربية وفي مرحلة ما بعد الاستعمار الأوربيّ، لم تنعُم بالهدوء والاستقرار، ولم يتحقّق شيء من شعارات العدالة والمساواة، ولم يُحترم قانون ولا دستور ولا مواطن.

فالأنظمة العسكريّة أقامت لنفسها دكتاتوريّات، مؤسّسة على أساس متين من الأجهزة الأمنية السرية والعلنية، لتدوس ببساطيرها كل القيم والمبادئ، ونقض العهود والوعود والمبادئ. فالنتيجة سجون ومعتقلات، ونشأت ثقافة الخوف على نطافات اجتماعيّة واسعة، صبغت حياتها، بعدم الثقة في أحد وإن كان قريبًا مُقرّبًا، أو رفيق درب النضال، وانسدّت كافة آفاق الحياة في الأوطان، وأظلمت دروبها، لكن الحياة عزيزة، فكانت دروب الهجرة والتهجير واللجوء، هي السّالكة والمفتوحة أمام الجماهير. والأدباء والكتّاب والشعراء ينتمون للحياة برؤاهم، وهم أشدّ إحساسًا بعمق وهول المأساة، وبالتوقّف أمام نموذج لهذه الطائفة، نتوقف ونحطّ رحالنا في رحاب ديوان "هجرة البلاندفور " للشاعرة الأرتيريّة "فاطمة الموسى"، المُقيمة في ألمانيا كلاجئة، هجرت بيتها وأهلها ومدينتها "أسمرة" و أرتيريا، لتحتسي لواعج أحزانها، وحنينها وأشواقها، فكان القلم والكلمة والقصيدة، مُتنفّسها الوحيد، لتتنسّم صباحات ومساءات "أسمرة"، وتُعاقر ذكرياتها، فلا عيش هنيء  ببُعادها عن مسقط رأسها.

 

العنوان:

بالتوقف في رحاب العنوان "هجرة البلاندفورد" المكوّن من كلمتي *"هجرة" ومن الهجرات العربيّة الساميّة من الجزيرة العربية، إلى الهجرة النبوية الشريفة، إلى موسم الهجرة إلى الشمال، إلى هجرة البلانفورد، ولن تكون آخر الهجرات. والهجرة: الترك والمغادرة للمكان، إلى هجرة الذنوب والمعاصي والعادات السيّئة.

*"البلانفورد" اسم غريب، وتزول الغرابة حينما نعلم أنّه طائرمهاجر موسمي، ومن التقديم للكتاب نقتبس: "طل البلانفورد على النافذة صغير بحجم البراءة كبير بحجم وطن مهاجر لي وقفة يلفها الشوق ويحيط بها الشوك أنتظرك هناك عند عتبات الميناء الباردة أرتق ثوب صبري بالمنى ليلي صار ضحى بلون تلك الأمسيات تجدني واقفة أعانق أحلامي". ص8.

 

ستلهمت عنون الديوان (هجرة البلانفورد) وهو من الطيور التي توجد بإرتريا وجعلته رمزاً للمهاجرين لأنها هي نفسها كانت من المهاجرين قسريا بسبب الحروب الإرترية الإثيوبية". ص9.

وللتوضيح وتأكيد والمعلومة، كان لا بد من اللجوء"للعم جوجل: "قبرة بلانفورد (الاسم العلمي: Calandrella blanfordi)، طائر من الجواثم الصغيرة من فصيلة القبرات. تتواجد في الشمال الشرقي من أفريقيا وشبة الجزيرة العربية وقد سميت على عالم الحيوان الإنجليزي وليم توماس بلانفورد، في السابق كانت هذه الفصيلة مدرجة ضمن قبرة قصيرة الأصابع أو قبرة حمراء الرأس لكن حاليا تعامل كنوع منفصل. في بعض الأحيان تشمل هذه الأنواع قبرة إرلنجر). عن موقع الويكبيديا

وللعنوان إيحاءات نستنتج منها على سبيل المثال لا الحصر: تشابه حالة الهجرة بين الطيور والإنسان، يتلاقى نزوع الإنسان للحرية مع الطائر المحلق بحرية متجاوزًا الحواجز والحدود والموانع الطبيعية والمصطنعة، كلاهما يسعى للبقاء والتشبّق بالحياة. كما أن العنوان "هجرة البلاندفورد" هو عنوان لنص داخل الكتاب. ولدهشة هذا العنوان ودلالاته الإيحائية، فرض على الأديبة "فاطمة الموسى"، لتتخذ منه عن عنوانًا رئيسًا للمجموعة.

 

وصف الكتاب:

من خلال مطالعة الكتاب، تبيّنت هويته الأدبيّة، وهو من أجناس الأدب النثري، وبما اصطلح عليه "قصيدة النثر"، والتي لا تزال مثار خلاف بين النقّاد والشعراء بين أخذ وردٍّ بحجج مقنعة وغير مقنعة.

وكما أنّ هناك ما اصطلح عليه ب"أدب القضية الفلسطينية"، فنحن هنا أيضًا أمام أدب "القضيّة الأرتيريّة" في هذه المجموعة الشعرية النثرية، تناولت القضايا الوطنية الأرتيرية، والتهجير واللجوء، ولواعج الشوق والحنين، والأحلام والآمال والطموحات، كل ذلك تمازج فيه الروحي مع الذاتي للشاعرة فاطمة. على محمل لغوي سلس، سهل التناول وفهم مراميه وأهدافه، وبأبعاد إنسانية بملامح شاملة للبشر جميعًا.

وهذا ما يمكن ملاحظته، رغم تباعد المسافات بين بلد الإقامة والمنشا للشاعرة، لكنها جسرت البعد بأحساسيها، ومن نجيع قلمها، بما أثبته في مجموعتها، وما تراه وراء الحدود هناك في مخيمات اللاجئين. وهي أيضًا مدافعة عن الشعراء الأحرار المكممين، والأقلام الحرة في نص (الشاعر والخفافيش) حيث أنها تعتبر حرية التعبير ليست بجريمة: "شاعرنا لا يجيد الصمت بعد الترهيب، ولا حياكة لغة الكذب، والتملق بعد الجلد، والوعيد، والتهديد. كتب ... ثم شكل صورا ورموزا تبرق".

 

أثر التهجير على الأدب:

بمتابعة بسيطة لبعض نصوص المجموعة النثرية "هجرة البلاندفورد" نرى الآثار النفسيّة والروحيّة على الأديب الإنسان المُنحاز لقضاياه الوطنية؛ في نص:

أ‌-     نص (رنين الحنين):" تبوح الروح وللذكرى حنين/ تنادي: لعل الشوق من الهواجر يشتكين/ تدق نواقيس الغياب ، تطول أصقاع اليباب/ ولا دواء ولا معين/ منهك القوى في فيافي الظما ، يكون الشراب رفيق النجاة/ تناجي النجوم وتخفي الشجون/ في ثنايا وطيات القمر" ص. ١١

ب‌-  (القربان): "تنادي الأرض في روحي، کظمآن بحرمان إلام القهر في ظلي ؟! وفيم الابن سجاني ؟!/ وورد الشمر يغشاه ظلوم هذ أركاني يغيب الخير والبشرى ويبقى الظلم يغشاني لماذا القلب ملتاعاً ؟! ومخزونا بهجران ؟! يغيب النور عن عيني وأبنائي بفرقان" ص١٢

 ج- نص (ثورة رجل): "

لبلاد النسيـان. صرت رجـلاً أدمن الترحـال من بلد إلى بلد بحار، غارقا في ضباب لندن. أحتسى فنجان قهوة مرة بالشام. مشرد في باريس. راحل لبرلين. مهاجر لمدريـد أحارب طواحين طيفك الفاتن في أشبي لية ولشبونـة وحتى الإسكندرية" ص16

 

الخاتمة:

وبهذا نستطيع وصف مجموعة "هجرة البلانفورد" بأنه أدب واقعي، كونه استقى مادّته النثرية، ذات الموسيقى الداخلية للنصوص من الحياة ومعطياتها، وبلغة سهلة التناول للقارئ، ومواضيعها ذات البعد الاجتماعي والإنساني، كما أن الوطن ومفرداته كانت نسيجًا مُتكاملًا على نهج عميق بصدقه، المشحون بالشوق والحنين. وتتشابه النوستالوجيا بكافة أشكالها في مثل حالة "فاطمة الموسى" مع كل المهجرين في العالم، لا فرق بينهما إلا بكثرة الهموم التي يتشاركونها.

عمّان – الأردنّ

5/ 11/ 2021

 

 

بطاقة سفينة بروكرست

 

لصحيفة آفاق حرة

بطاقة تعريفية بالمجموعة القصصية "سفينة بروكرست" للأديب الأردني " علي محمد الخريشة".

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثاً مجموعة القصة القصيرة "سفينة بروكرست" للآديب الأردني "علي محمد الخريشة"، احتوت على ثمانية عشر نصًا بديعا، جميعها ذات محتوى مليء بالترميز للابتعاد عن التشخيص والمباشرة، بصيرة الدرب بعمق تأنّيها على اللحظة، لتجعل القارئ يتملّى بوظيفتها الرساليّة، بأبعاد فكرية دالّة على سعة اطلاع ودراية وخبرة في الحياة.

غرابة العنوان"سفينة بروكرست" خاصّة الكلمة الثانية منه، "بروكرست" ولن يتّضح المعنى الدقيق للكلمة، إلّا باللّجوء "للعم جوجل"، فكان الجواب كالآتي: " بروكرست شخصية من المثيلوجيا اليونانية، حيث كان حداداً وقاطع طريق من أتيكا، كان يهاجم الناس ويقوم بمطّ أجسادهم أو قطع أرجلهم؛ لتتانسب مع أطوال أجسامهم مع سريره حديدي. يطلق لفظ البروكرستية: أي النزعة إلى "فرض قوالب" على الأشياء (الأشخاص أو الأفكار..) أو إلى الحقائق أو تشويه المعطيات؛ لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق".

وبتتبّع عناوين نصوص المجموعة، نجد أن نصّا كان قد اتّخذ منه القاص"علي الخريشة" ليكون عنوانًا رئيسًا للمجموعة. كما أن جمال السرد في هذا النصّ الذي جرت أحداثه على متن سفينة مُبحرة إلى وجهتها، القبطان يشكو من ثقل الأحمال التي تنوء بها السفينة، التي تكاد تتهاوي، فأمر جنوده بنصب الميزان، في محاولة للتخلص من الحمولات الزائدة، بالقوة خضع جميع المسافرين للارتقاء على الميزان، وقبل ذلك تخلصوا من ملابسهم، وقس شعورهم الزائدة، حتى امتلأت الحمامات بفضلاتهم، بينما الطبيب،*سكينه لم تتوقف في قص قطعة توازي الوزن الزائد عند صاحبه، وللسيطرة على الجرح، تُصبّ فوقه ماء البحر، ويُكبس بالملح. بعد انتهاء العملية، خرج القبطان ذي الوزن الثقيل على الجميع، وشكرهم على الاستجابة الضروريّة للتخلص من الأحمال الزائدة، والتضحية من أجله.

باسقاط رسالة النص على الواقع المؤلم الغارق بالظلم والدكتاتورية، والأمجاد التي تبنى على تعاسة الجماهير. ويتوافق ذلك ليكون نص "التمثال" رافدًا أساسيًا للنص السابق، كل دكتاتور ومتسلط، لا بد من وجود المنتفعين والطفيليين والانتهازيين من ذوي استغلال المواقف، وتجييرها لمصلحتهم، وإطفاء كل شمعة أو فكرة، هم أعداء العمل والنجاح.

النصوص ليس بينها أي رابط سوى أنها قصص قصيرة. في كل قصة نجد أسلوبًا، وفكرة مختلفة، ونهاية غير متوقعة، دهشة الخاتمة بمفارقتها الانزياحيّة عن اليهل المألوف والمطروق، إلى مساحة فكرة تولّد شهوة التساؤلات لدى القارئ.

وما هو سرّ السفّاح الذي يقتل الفتيات في أعياد ميلادهن؟

ولماذا يسرق الشموع بعد كلّ جريمة؟

وما قصة المغارة التي تضاعف كل شيء فيها.

وكيف تتخيل نهاية العالم على ظهرة سفينة تجري في البحر، لتلك السفينة قوانين صارمة، وغريبة؛ فحين تسمعها لن تتمنى أن تكون من ركابها.

وأين اختفت لوسي؟

وهل سيتمكن المخلص من تخليص العالم من تلك الوحوش الغريبة؟ وماذا حدث لطبيب الأسنان، وصديقه عند المنعطف الأخير.

وما حكاية المدينة التي تتشابه منازلها بطريقة عجيبة، وغريبة، ولماذا لا يشعلون الأضواء فيها؟

أخيرًا: تعتبر مجموعة "سفينة بروكرست" نصوصًا قصصية قصيرة، متقنة السبك السردي، بتسلسل منطقيّ لا يترك مجالًا للهروب، بينما لغتها سلسة سهلة تبدأ بمقدمة سليمة، لتأتي النتائج على شاكلتها صحيحة. ولعلّ انتقاء العبارة بعناية، تنمّ عن موهبة تفجّرت لدى "علي الخريشة" بدقّة متناهية، وصبر عليها كثيرًا حتى خرجت بأبهى حلّة أدبيّة، ويبدو أن طبيب الأسنان تعلم الصبر والدقة وإتقان عمله، وهو ما انعكس على هوايته الأدبية.

 

عمّان – الأردنّ

7/11/ ٢٠٢١

 

 

 

 

 

الحكواتي. أقصوصة

الحكواتي

(أقصوصة)

 

بفلم – محمد فتحي المقداد

 

 

الحكواتي على غير عادته توقّف فجأة عن الاسترسال في حديثه. لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة، كوجه ذاك التمثال المُنتصب في ميدان العاصمة الرّئيس، بإطلالته العُلويّة من فوق القاعدة الرُّخاميّة العالية بمشهدية نانوراميّة.

خطوط وجهه العميقة حفرها النحّات بعمق جراحات وعذابات الحكواتي مع أبطاله. عينا الرّجل ما زالتا مُصوّبتَيْن إلى فم الحكواتي. الحكواتي مُجهَدٌ من أثر  معارك جسّاس والزّير، حاول إزاحة تراكُم نظرات زبائن المقهى جميعًا عن شفتيْه، تثاءب على غير عادته، وضع كفّه اليُمنى على فمه، بحركة من أصابعه، دفع بالعوائق المُتراكمة إلى جوفه.

فطن بأنّ الجميع صامتون بانتظار إكمال المشهد، وأعينهم تتركُز  نظراتها في وجهه، من جديد مسح وجنتيْه وحول أنفه ومحيط فمه، وآثار تعرّق جبينه. اعتدل في جلسته، وأصلح طُربوشه الأحمر ذي الشربوشة السوداء المتناغمة بحركاتها المنفعلة بفعل اهتزاز رأسه مع نهاية كلّ عبارة حارّة إذا حمي الوطيس.

وتنحنح بصوت مسموع في أرجاء صالة المقهى، وضرب بعصاه الرّفيعة على طاولته، نظّارته ثابتة على رأس أنفه، لكنّ عيناه تنظران من خارج الإطار إلى صفحات الكتاب العتيق ذي الورق الأصفر، استأنف سرده في القسم المخصص لهذه الأمسية من السيرة الهُلاليّة، وابتدأ قوله: "يا سادة.. يا كرام...إلخ".

تذكّر حدّة نظرات التمثال الجامدة والمُحدّقة في وجوه العابرين جميعًا بلا استثناء، استعاد تفاصيل مروره في نفس المكان؛ تلعثُم لسانه نبّه جمهور المُستمعين لشيء ما، أوخلل خفيّ على إثره اجتمعت كلّها في لحظة واحدة، شعر بثقل نظراتهم في وجهه، كان على وشك أن يصرخ فيهم: "كفى.. كفى.. أرجوكم". أدركته صحوة نفسه في اللحظة الأخيرة، توقّف، كأنه حرّك لسانه في فمه بكلام، لم يسمعه إلا هو: "ما الذي جرى لي، كأنّني جُننتُ..!!".

كلام زوجته  حينما حدّثته في الليلة الماضية شتّت تركيزه الآن، وبدّد طاقته، وهي تحكي نقلًا عن قريبتها التي تسكنُ في الضاحية الراقية على أطراف العاصمة، في زيارة لها بمناسبة نجاح ابنتها.

كلماتها ما فتئت تقرع سمعه.. عندما قرع بعصاه الطاولة: "شاب اختفى منذ أسبوع، قيل: "أنه أشار بإصبعه الوسطى إلى وجه التمثال في ليلة باردة بامتياز، وهبوب الريح منعت الناس من الخروج إلّا للضرورة القُصوى، حتّى رجال الرّصد والمُراقبة  على أطراف السّاحة الواسعة، أغلقوا عليهم باب مكتبهم، مُتحلّقين حول مدفأة المازوت، ومصّاصات المتّة في أفواههم برتشفون شرابها الدّافىء".

حديثها الطويل عن زيارتها استغرق السّهرة كاملة، يستمع لها باهتمام، سألها: "ومن الذي أخبرهم إذًا عن الشاب؟".

دوّامة من الصمت غيّبته تفكيرًا في متاهاتها، ولم يعِ شيئًا من إجابتها: قالوا: "هناك كاميرات مراقبة داخل عيني التمثال".

اعتذر من زبائن المقهى، وغادر قبل انتهاء موعده عند ختام المشهد كما هو معتاد في كلّ سهرة. تأفّفٌ، وضجرٌ، وقرقرة النراجيل سيطرت، ودخانها لم يتوقّف صدوره من أفواههم.

 

عمّان – الأردن

9/ 11/ 2021


تأملات قرآنية