الأربعاء، 4 فبراير 2026

عرض مسرحي أقصوصة

 عرض مسرحيٌّ

أقصوصة
بقلم. محمد فتحي المقداد
قبل إزاحة السِّتارة بدقائق كانت السَّاعة تُشير إلى السادسة مساء، أعتَم المسرح كُليًّا.
سارَع الفنيُّ لتشغيل الطّاقةالبديلة، عاد بعدملل وتملمُل الجمهور وهمهمتهم، أخبرهم: "لسوء الحظّ لم أجدالبطاريَّة كأنَّها سُرقت".
ردَّ الممثل المتأهِّب لبدءالعرض: "يعني أنتَ متأكِّد أنَّها سُرقت..!!".
الفنيُّ صامتٌ وملامحه تختفي في متاهة العتمة.
صوت من الحضور: "أنا مُتأكِّدٌ بأنَّ هناك مُؤامرة كونية حصلت على أمسيتنا اليوم".
الصَّالة امتلأت بالضَّحك، وتداخُل الكلام...هرجُ أصوات مُتداخلة
صوت آخر: "الاستعمار لعنه الله".
تشبَّث الجمهور بموقفهم ورفضوا مغادرة الصَّالة، عاد الهدوء، وبدأ تتابُع ظهور الممثِّلين حسب أدوارهم، وسط التَّصفيق الحارِّ، والتفاعُل، عندما إن أعلن المُخرج انتهاء المسرحيَّة. عاد النُّور إلى الصَّالة.
بأعلى صوته أحد الحضور صرخ بعصبيَّة ونّزَق: "لا استعمار ولا مؤامرة ولا يحزنون... إنَّهم الفُلول قولًا واحدًا". جاء الجواب من آخر: "بل إنَّها الثَّورة المُضادَّة تريد إيقاف عجلة الحياة".
في الصَّباح حملت الصَّفحة الثقافيَّة من الجريدة اليومية الخبر، تحت عنوان عريض: (شاهدوا المسرحيَّة على العتمة، ولم تحدُث أيَّة مُشاجرات، ولا سرقات، ولا تحرُّشات).

الأحد، 18 يناير 2026

أم الدويس. الجمل المفتاحية

نقد

أدبي

محمد فتحي المقداد

 

 

 

 

الجمل المفتاحيَّة

(من ثمرات القراءة)

 

 

 

 

 

 

 

 

نموذج. رواية أمُّ الدُّويْس. للروائي علي أبو الرِّيش

 

 

 

 

محمد فتحي المقداد

    (نقد أدبي)

 

 

 

 

 

الجمل المفتاحية

في رواية أمُّ الدُّويس، علي أبو الرِّيش

 

 

 

 

 

 

من ثمرات القراءة

2026

 

 

التصنيف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

الحمد وبعد:

لذَّة القراءة بالفهم، والوعي الدَّقيق لقيمة الأفكار المُتوهِّجة، الفكرة ترتفع قيمتها بطرافة طرحها غير المسبوق، وبدلالاتها ذات الأبعاد التي تطرح الأسئلة، أو تُجيب عمَّا يجيش في الخاطر، أو تُحاكي حاجة، وتُدغدغ مشاعر من يتشبَّعُ بها، عن طريق سماعها من أحد، أو يكون قد قرأها.

واختيار تعبير (الجمل المفتاحيَّة) لأنَّها تفتح آفاق التأويل والتدليل على أشياء ظاهرة للعيان، وخفيَّة يُستدلُّ عليها من خلال التحليل والتركيب؛  لتهيئة أرضيَّة صالحة للانطلاق منها إلى مسارات التأويل. بينما هي تُستخدم في مجال مُحرِّكات البحث عبر شبكة الأنترنت. لفهم مُحتويات نتائج البحث المُختزنة بمُخدِّمات، بمثابة بَنْكٍ يحتفظ بمعلومات هائلة وفق رغبات الباحث.

وهي  أيضًا تكون الجمل الأدبيَّة العميقة ذات الدَّلالات المتعدِّدة هي التي تتجاوز المعنى الحرفيِّ؛ لتُكثِّف طبقات من المعاني في بنية لغوية واحدة، مُستَخدِمَة الانزياح اللُّغويِّ، التكثيف الدلالي، والغموض الإيجابي وكثيرًا ما تكون واضحة الكلمات وبسيطة وغير معقدَّة، لخلق وتوليد "معنى قريب جديد يُؤشِّر على المعنى البعيد" وتحفيز خيال القارئ وتأويله في فضاءات سردية وجمالية واسعة. كما هو مُتداول على الألسنة: "علينا الاعتقاد الدّائم بأنَّ هناك شمعة في نهاية الطَّريق". أو مثل "أن تضيء شمعة صغيرة خير لك من أن تنفق عمرك تلعن الظلام".

للمرَّة الثانية وبعد ثلاث سنوات، عُدْت لقراءة رواية "أمُّ الدُّوَيْس" للروائي الإماراتي "علي أبو الرِّيش"، بالطبع قراءتي الأولى لها بهُتَت في ذاكرتي، ولثقل طريقتها السرديَّة، الأمر المُحفَّز لي بمعاودة قراءتها للتأكيد على معان رسخت في ذهني، لكن من سوء حظِّي أنَّني في المرَّة الأولى لم أكتُب. لماذا؟ وإلى هذه اللَّحظة لا أستطيع تحديد السَّبب.

بالطَّبع اختياري للجُمُل إنَّما هو أدبي بحت، وهذا يعني بأنَّني أتوافق مع كثير من آراء الكاتب، وأختلف معه أيضًا في كثيرها. إنَّما انصباب القراءة على النص بعيدًا عن شخصيَّة الكاتب، كي لا يُساء فهمه حتَّى لا تتحوَّل مفاسد الوصف السردي لتعميمها وإلصاقها بالكاتب، الأمر المسيء الذي لا يقبله عاقل أبدًا.

 رواية أم الدُّويْس، تستحق عناء العودة إليها مرَّة ثانية وثالثة، على الرَّغم من المأخذ على تقنيَّة السرد فيها، الذي احتلَّ فيه الكاتب العليم أو البطل الموازي للكاتب، أدوار أبطاله، بما حكى على ألسنتهم، ممَّا خلق نمطيَّة دكتاتوريَّة الكاتب، والأجمل من ذلك حياديَّة الكاتب الروائي، وأن يبقى خارج نصِّه، ويترك مجال الحركة والحرية لأبطاله للتعبير عن آرائهم، لا أن يُمسك بألسنتهم، ويُسيِّرهم ويسمح لهم بالكلام وفق إرادته، وحين يُريد. وتبقى الرواية شمن طائفة الرِّوايات الأجمل في برامج الكتابة.

والله من وراء القصد.          بصرى الشَّام ــــــا 19. 1. 2026

 

علي أبو الريش في سطور

(حسب مصدر ويكبيديا)

 

علي أبو الريش روائي وشاعر وإعلامي إماراتي، حاصل على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب للرواية من قبل رئيس الدولة عام 2008م. والتي قال عنها "أغلى هدية في حياتي".

 

مولده ونسبة:

ولد علي عبد الله محمد أبو الريش في 9 يونيو 1956 في منطقة المعيريض في إمارة رأس الخيمة.

 

ترجمته:

تخرج من جامعة عين شمس قسم علم النفس، وبعد تخرجه سنة 1979م انضم إلى عالم الصحافة وإلى جريدة الاتحاد حيث عمل في القسم الثقافي فيها، وأخذ يترقى في المناصب حتى وصل في 2007 إلى منصب مدير التحرير. له عمود يومي بالجريدة. يعمل حالياً مدير لمشروع (قلم) بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

 

مؤلفاته:

v    الاعتراف 1982. (وقع اختيارها كواحدة من ضمن أفضل مائة رواية عربية)

v    السيف والزهرة.

v    رماد الدم.

v    نافذة الجنون.

v    تل الصنم.

v    ثنائية مجبل بن شهوان.

v    سلائم.

v    ثنائية الروح والحجر.

v    التمثال 2001.

v    زينة الملكة

v    فرت من قسورة

v    الغرفة 357

v    ثنائية الحب والماء والتراب

v    أم الدويس. 2016.

v    جلفار

v    امرأة استثنائية

v    قميص سارة. 2014.

v    عبد التواب البغدادي

v    عقدتي أنا

v    وجوه إماراتية.

v    الغربية طائر بثمانية أجنحة : تأملات في فلسفة الرمز والمكان. 2015.

v    رؤى فلسفية في الحكم والفروسية : مقاربة فلسفة محمد بن راشد آل مكتوم بالفلسفات الكبرى. 2016.

v    زايد الشخصية الأخلاقية. 2017.

v    حقيقة الإرهاب : المشي يسبق الوعي. 2018.

v    دبي .. أيقونة الحياة. 2018.

v    الحرية خارج الحرية : سحر اللحظة .. رقصة الموت. 2018.

v    تأملات في السعادة والإيجابية : مقاربة فكر محمد بن راشد آل مكتوم بأفكار فلاسفة التنوير. 2018.

v    البحر في الذاكرة الإماراتية : تراجيديا الحياة والموت. 2019.

v    الليل الأبيض (رواية). 2020.

v    ورطة آدم (رواية). 2020.

v    تجليات محمد بن راشد آل مكتوم في حب الخيل وفلسفة القصيدة. 2021.

v    الإنسان ذاك الكائن الخيالي : الألعاب الشعبية نموذجاً. 2021.

v    عصائب الجائحة (مجموعة قصصية). 2021.

v    الخوف من شيء ما (رواية). 2022.

 

الجوائز والتكريم:

v    جائزة التميز الإعلامي في الدورة الرابعة لجائزة تريم عمران الصحفية عام 2000م.

v    جائزة مهرجان الرواد العرب من جامعة الدول العربية في الدورة الثانية عام 2002م.

v    جائزة أفضل تأليف إماراتي عن روايته زينة الملكة عام 2004م.

v    جائزة مسرح رأس الخيمة الوطني للإبداع الأدبي عام 2004م.

v    جائزة أفضل كاتب محلي في مجال الإبداع الأدبي عام 2007م

v    حصل على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب سنة 2008 تسلمها من يد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.

 

 

دلالة العنوان

 

تدور قصة "أم الدويس" حول كيان أنثوي من الجن يظهر في الظلام، خاصة في المناطق المهجورة أو الطرق المنعزلة. تظهر هذه الكائنة في هيئة امرأة فاتنة تفتن الرجال بجمالها الأخّاذ وصوتها العذب ورائحتها الزكية، فتجعلهم يتبعونها دون وعي.

أمُّ الدُّوَيْس هي إحدى الشخصيات الأسطورية المخيفة في الفلكلور الشعبي لدول الخليج العربي، وتحديدًا في الإمارات العربية المتحدة. تنتمي هذه الشخصية إلى عالم الجن، وتُوصف بأنها امرأة فائقة الجمال، تفوح منها رائحة زكية وتتمتع بجاذبية لا تُقاوم. إلا أن جمالها الظاهري يخفي خلفه طبيعة مرعبة، حيث تتحول من امرأة مغرية إلى كائن قاتل يستدرج الرجال ويقضي عليهم بوحشية. تُعد "أم الدويس" من أبرز رموز الخوف في التراث الشعبي، وتشكّل جزءًا من الموروث القصصي الذي تناقلته الأجيال، سواء في المدن أو القرى، بهدف التحذير أو التسلية أو التوجيه الأخلاقي.

موضوع القصة

تدور قصة "أم الدويس" حول كيان أنثوي من الجن يظهر في الظلام، خاصة في المناطق المهجورة أو الطرق المنعزلة. تظهر هذه الكائنة في هيئة امرأة فاتنة تفتن الرجال بجمالها الأخّاذ وصوتها العذب ورائحتها الزكية، فتجعلهم يتبعونها دون وعي. ما إن ينخدع الضحية بمظهرها الجميل، حتى تظهر حقيقتها المرعبة: تمتلك عينين تلمعان في الظلام كعيني قطة، وذراعًا تنتهي بمنجل حاد. تستخدم هذا المنجل لقتل الرجال الذين يُفتنون بها، وفي بعض الروايات تأكلهم بعد قتلهم. وتختلف تفاصيل القصة باختلاف الروايات المحلية، لكنها جميعًا تتفق على الطابع الدموي والتحذيري للشخصية، مما يعكس القلق المجتمعي من الانجراف وراء الشهوات والمظاهر الخادعة.

الانتشار الجغرافي

رغم أن "أم الدويس" تُعد جزءًا أصيلًا من التراث الإماراتي، إلا أن حضورها لا يقتصر على الإمارات فقط، بل تمتد الحكايات عنها إلى مختلف دول الخليج العربي مثل سلطنة عمان، السعودية، قطر، إضافة إلى مناطق الساحل الإيراني التي يسكنها عرب الهولة. هذا الانتشار الجغرافي يُعزى إلى الروابط التاريخية، والتجارية، واللغوية بين شعوب الخليج، فضلًا عن تقاليد السرد الشفهي التي نقلت القصص والأساطير من جيل إلى جيل. وفي بعض القرى مثل المدام في الإمارات، تتمتع القصة بطابع محلي خاص، حيث تُروى بتفاصيل أكثر دقة، وتُشكّل جزءًا من الهوية الثقافية للمجتمع.

 

المغزى:

تحمل قصة "أم الدويس" أبعادًا تربوية وأخلاقية تتجاوز الترفيه أو الرعب. فهي خرافة وظفتها المجتمعات التقليدية كوسيلة تحذير رمزية موجهة بشكل خاص للرجال، بغرض ردعهم عن الانجراف خلف الشهوات أو الدخول في علاقات محرمة. تُجسد "أم الدويس" نتائج العصيان الديني والأخلاقي في صورة امرأة جميلة، لكنها في حقيقتها قاتلة وشيطانية. بذلك تصبح القصة أداة فعالة للترهيب الأخلاقي، ولترسيخ مفاهيم الحياء، والانضباط، والحذر من المظاهر الخادعة. كما تعكس القصة جانبًا من المخاوف المجتمعية المتعلقة بالشرف والسلوك، وتُبرز كيف يستخدم الخيال الشعبي عناصر الرعب والغموض لضبط السلوك الفردي والجماعي.

 

قصص مشابهة:

لا تُعد "أم الدويس" حالة فريدة في الفلكلور، بل توجد شخصيات مشابهة لها في ثقافات مختلفة حول العالم، تشترك معها في الخصائص الأساسية مثل الجمال الفاتن، الإغواء، والعقاب الدموي. ومن أبرز هذه الشخصيات:

لا يورونا أسطورة مكسيكية عن امرأة تبكي على أطفالها الذين غرقتهم، وتُرعب الرجال الذين يقتربون من الأنهار.

النداهة من الفلكلور المصري، امرأة تُنادي الرجال بأصوات عذبة في الليل، فيتبعونها ويختفون بعدها في ظروف غامضة.

عيشة قنديشة جنية مغربية تظهر للرجال في هيئة فاتنة، وتُعد من أكثر الشخصيات رعبًا في التراث المغربي.

أم الصبيان منتشرة في اليمن وإقليم الأحواز بإيران، وتُعرف بإيذاء النساء الحوامل أو الأطفال حديثي الولادة.

كل هذه الشخصيات تُظهر كيف أن المجتمعات المختلفة تستخدم الرموز الأنثوية المخيفة كوسيلة لضبط السلوك وتكريس قيم الحذر والانضباط.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

فكرة وإضاءة

حول رواية أم الدويس

 

"أم الدويس" هي أسطورة إماراتية شعبية عن كيان أنثوي من الجن يظهر بمظهر امرأة فاتنة لفتنة الرجال ثم قتلهم بمناجلها، وتختلف تفاصيلها لكنها تحذير من المظاهر الخادعة، وقد تحولت إلى روايات أدبية وفيلم رعب إماراتي، ويُطلق الاسم اليوم على النساء المبالغات في الزينة، بحسب ويكيبيديا وموسوعة المرأة الإماراتية وقناة البيان.

ملخص الأسطورة:

·         الشخصية: جنية تظهر في الليل، تتمتع بجمال أخاذ وعطور فواحة وصوت عذب.

·         السلاح: تستخدم "الدواس" (المناجل) لقتل ضحاياها، وتختلف الروايات في وصف أجزاء جسدها الأخرى (قدمي حمار أو يدين بمناجل).

·         الهدف: إغواء الرجال الذين ينجذبون لجمالها، ثم تظهر حقيقتها المرعبة وتقتلهم.

·         الرسالة: تحذير اجتماعي من الانجراف وراء الشهوات والمظاهر الخادعة، وتعكس المخاوف المجتمعية. 

في الثقافة والأدب:

·         في الأدب: هناك رواية تحمل اسم "أم الدويس" للكاتب علي أبو الريش، تتناول هذه الأسطورة وتربطها بالواقع النفسي والاجتماعي للشخصيات.

·         في السينما: فيلم رعب إماراتي يحمل اسم "جن" يتناول قصة أم الدويس ويُعتبر أول فيلم رعب إماراتي.

·         في اللغة اليومية: يُطلق اللقب في الإمارات على النساء اللاتي يبالغن في الزينة والعطور بقصد الإغواء. 

.......................

تتعرض إلى فكرة الخوف في محاولة لمعالجته روائياً، معتمدة أسلوباً يستقي من الخوف فكرته السردية، متنقلاً ما بين ضمير الغائب والحاضر للعب على منطقة اللاشعور الجمعي، كونه يشكل المسافة المتوترة للعقل الباطن. تدور أحداث الرواية في رأس الخيمة وضواحيها وقراها، متعرضةً لقصة شخص يعاني عقدة الخوف، فأراد أن يتخلص منها فسلك سلوكاً حياتياً مغايراً أدى إلى خلقه امرأةً تخالف فكرته عن «أم الدويس» التي تمثل فكرة الخوف المُرَكَّز، فقد كان يتخيل كل امرأة يقابلها على أنها أم الدويس، إلى أن صادق شخصاً معروفاً بأنه زير نساء، فكان يقضي معه الوقت ويتعرف إلى الكثير من النساء، ما وزع فكرة أم الدويس شكلاً ومضموناً على كل هؤلاء النساء، فوجد أن المرأة بحد ذاتها ممتعة، وأن الخوف ليس إلا صناعة اجتماعية وثقافية. من جانب آخر كان قد قرر إدخال الخوف بداخله ليصارعه حتى ينتهي من عقدته، وقد ساعده في إتمام هذا الصراع بنجاح صديق آخر قديم، يعيش منعزلاً عن المجتمع كونه ناقماً على الواقع، ولا يرى أنه يستحق المشاركة معه، لأنه بكل بساطة واقع وهمي. وفي تعريف دار النشر بالرواية تقول «يدخل علي أبو الريش إلى عمق المشاعر الإنسانية. إلى عمق علاقة الجسد بالمشاعر وسطوة جروحه التي يصعب شفاؤها. وعبر ركضه بحثاً عن أم الدويس يكشف معنى الخوف الذي يتراكم ليتحول إلى أسطورة

.......................

«أم الدويس».. رحلة في العقل الاجتماعي

«أم الدويس».. رحلة في العقل الاجتماعي

12 مارس 2013 20:45

من البدهيات في النقد الحديث أن يتطرق الناقد إلى موضوع مهم، وهو توظيف الأسطورة والحكاية الشعبية في البناء الروائي، وذلك من أجل خلق ترابط عضوي بين دلالة الحكاية أو الأسطورة في ماضيها الاجتماعي ودلالاتهما في الحاضر الذي استدعى هذا التوظيف، وذلك لدواعي المشابهة أولاً، وقد يأتي هذا التوظيف لزيادة المتعة والكشف ثانياً ما دامت الحكاية كونها فعلاً لا سبباً، حيث تعتمد التشويق والإبهار، وكذلك الأسطورة ولا أدل على ذلك أعمق من الرواية العالمية الكبرى، وهي يوليسيس للأيرلندي جيمس جويس التي أطلق عليها ملحمة القرن العشرين التي حال قراءتها لا بد من الرجوع إلى أوديسه هوميروس أولاً وإلى التوراة والإنجيل ثانياً وإلى قصص دبلن القصيرة لجويس نفسه ثالثاً، لسبب بسيط كون يوليسيس تتعالق مع كل هذه الأعمال السابقة، أي باختصار أنها توظف الأسطورة في دلالة تؤثر بقوة على سير الحدث العام لبناء الرواية. التوظيف يختلف عن التضمين، إذ التوظيف الحكائي والأسطوري يرتبط بالدلالة، فيما يرتبط التضمين بالنسق، وفي التوظيف يتحرك العمل القديم ليكون رمزاً في العمل الجديد، بينما نجد التضمين كتلة ماضية تحتل مساحة في كتلة نص حاضر، والتوظيف تلاعب في الحكاية والأسطورة، أما التضمين فهو رسوخ فيهما عدم المساس في النص الأصل والتوظيف فتح الأقواس، أما التضمين فهو الإبقاء على الأقواس لعزل النص الأقدم عن النص الحاضر. ومن أجمل أنواع التوظيف الحكائي هو الإيهام، أي استغلال الحكاية لإيهام القارئ عبر جدلية الحوار بين نصين سابق ولاحق، على أن هذه الحكاية ليس مسلماً بها، بل هي تخضع للفحص والدقة والمصداقية، وأنها تمتلك قناعاتها في الماضي، بينما لا قناعات لحاضرها؛ ولهذا فإن استغلالها في النص الحاضر يأتي للاشتغال على الدلالة ليس إلا. قادني إلى هذه المقدمة البسيطة ما قرأته من منتج روائي جديد للروائي الإماراتي علي أبو الريش تحت عنوان أم الدويس والصادرة حديثاً. قبل كل شيء لا بد لي أن أؤشر أن عنوان الرواية جاء مجرداً من الإضافة أو التوصيف، وإنما هو اسم لحكاية شعبية متداولة هي حكاية أم الدويس، الامرأة الغولة التي صورها العقل الجمعي العربي على أنها امرأة مشوهة، ذات جسد خرافي، تدعو للرعب والقتل والإقصاء من الحياة بالموت لكل من لا ينصاع للأوامر التي تصدر إليه، وقد ارتبطت إلى حد بعيد بالطفولة التي كانت ترعب من أجل الامتثال للآلية الاجتماعية، وقبل تناول الحكاية بالتحليل لا بد من تأكيد أن هذه الحكاية أكثر شيوعاً في المجتمعات الخليجية والعربية المجاورة كالعراق مثلاً، وقد تتعداه إلى شعوب كثيرة أخرى وموروثات حكائية قريبة من النص الأصل، وهي لا تخص بنية اجتماعية بعينها، وربما هذا يعود إلى تشابه الحكايات العربية، بل وحتى مع كثير من مفاصل الحكايات الشرقية، بل والعالمية أيضاً؛ لأن الخيال البشري يشترك في مفاصل متشابهة وأنساق متقاربة إلى حد بعيد بالرغم من اختلاف البيئة الحاضنة للحكاية. هيمنة البنية أقول، إن أم الدويس الحكاية الأكثر دلالة على هيمنة البنية الاجتماعية الصارمة، وهي وسيلة أداة لتقويض حرية الطفولة منذ بدء تشكلها باتجاه تكريس الخوف الأبدي، إذ إن أي فعل بشري يقابله خوف من مجهول يمتلك خصائص الإقصاء، وهي التي توافرت في مقاصد حكاية أم الدويس؛ ولهذا فإن البنية الاجتماعية لم تكتف بالتوجيه النصائحي للتعرف إلى ما هو مستقيم في السلوك، بل عمدت إلى استغلال الفن الشعبي الحكائي لترسيخ هذه النصائحية عبر الحكاية التي تجسد رؤية لا تتوفر في الفعل النصائحي، وهي «الموت»/ القتل/ الإقصاء. هذا الخوف ـ الذي خلقته البنية الاجتماعية ـ استطاع أن يتجلى في الفن الشعبي بشكل فاعل من خلال الحكاية الأكثر قوة في التأثير؛ ولهذا فإن العلاقة الجدلية بين الرؤية الاجتماعية الشعبية والحكاية استدعت خلق عالم لا مرئي يمكن تخيله أو الإحساس به، بينما لا يمكن لمسه أو معايشته، أي أن يبقى بعيداً عن اكتشافه كي يحتفظ بغموضه الأبدي. وفي ضوء ذلك، جرّب الروائي علي أبو الريش أن يستغل حكاية أم الدويس ليقرأ من خلالها واقع البنية الاجتماعية التي خلقت هذه الحكاية مع قناعته كسارد من خلال بطله فيروز في أن الحكاية هذه ليست بناء يخص مجتمعاً بعينه، ولا توجد تنويعات مختلفة على الحكاية بين بنية اجتماعية وأخرى، بل الحكاية في موروثها الاجتماعي، كما هي، لا زيادة أو نقصان فيها، وعليه فإن العنوان المجرد أم الدويس لم يقرن بتوصيف إضافي، بل هو اسم مجرد، وعليه نجد أبو الريش قد ترك توصيف هذا العنوان للمتلقي الذي يستطيع أن يخلق عنوانه الخاص به، إذ ظل الروائي في حقل البحث الجدلي عن المعنى الغائب للحكاية وللعنوان. افترض أبو الريش أسساً عدة في روايته أم الدويس، أهمها أن أم الدويس هي امرأة أسبغت عليها العقلية الاجتماعية والخيال الجمعي صفة القسوة والموت والإقصاء، بينما تتجلى في الرواية إلى حدود اللذة من خلال شخصيات أنثوية ثلاث وهن عذاب وماسة ونيران. الشخصيات الأنثوية من الغرابة أن أسماء أولئك الشخصيات الأنثوية ذات دلالة قهرية وهن: (عذاب) المشتق من الألم والقسوة والقهر. و(ماسة) التي تحمل دلالة داخل النص الروائي بعيداً عن دلالتها المعجمية التي تقود إلى المس والجنون. و(نيران) التي تشير إلى الاحتراق والتلاشي. وفي هذا الصدد، يقول السارد فيروز: لم تمض أكثر من ساعة واختفت، هل عذاب.. أم ماسة، أم نيران، بطبيعة الحال، فهي لا تشبه أحداً منهن، (ص310). ومن جانب آخر، يفترض علي أبو الريش أن أم الدويس امرأة قد لا تكون نتاجاً لخيال اجتماعي، وإنما هي جسد حي ربما شاهده أحدهم ولهذا فإن السارد فيروز كونه بطلاً ممسرحاً في الرواية، يبحث عن شخصية في الواقع، قد اطلعت من قبل على حكاية أم الدويس بشكلها الواقعي لا الخيالي، وقد تكون شاهدتها فعلاً ما دامت هي ليست نتاجاً لذلك الخيال الجمعي الذي خلق شخصية حاملة للموت المنتظر لكل فعل مشين. والشيء الأهم إننا من الضروري أن نؤكد أن رواية علي أبو الريش تندرج تحت وصف جديد إلى حد بعيد، وهو الرواية المفاهيمية/ الجدلية، أي أن الرواية تعتمد على الحكاية الموروثية أولاً ولا تخلق حكايتها الخاصة، أي لا تخلق صراعاً، إلا صراع المفاهيم التي يضطلع بها السارد ليحاور البنية الاجتماعية التي افترضها بالقاسية والقامعة للرغبات الشخصية عند الطفل تهيئه للانضمام للبنية الاجتماعية بأخلاقية الخوف والرعب من الفعل المشين، ومثال على ذلك شخصية السارد فيروز التي جعلته تلك الحكاية غير قادر للتواصل مع النساء اللواتي التقى بهن. تبتدئ الرواية بحلم مغتال/ موت الحلم، حيث يقدم أبو الريش شخصية بطله فيروز المستباح، وهو في عمر الـ14 عاماً، وهو سارد النص الممسرح، أي الفاعل في الرواية، كونه صاحب الضمير السردي الذي يعلن عن نفسه، والعليم بكل ما يحدث، غير أنه الجاهل بمصادر حكاية أم الدويس، إذ هو العليم/ الجاهل. إنه العليم بالشخوص الداخلين معه في بنية الرواية، الجاهل بالحكاية التي يحاول البحث عن حقيقتها، أي أن أبو الريش يفترض جهلاً في حكاية الماضي، ومعرفة في رواية الحاضر. في السطور الأولى للرواية، يقول السارد فيروز: في تلك اللحظة المباغتة ولحظة اغتيال الحلم، كنت واعياً جداً لما يجري في جسدي، كما كانت الأرض التي استبيحت، والنخلة التي فاجأها العدوان.. كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما اقشعر بدني (ص5). ومن الضروري أن نؤشر أن فيروز السارد، أولاً قد فَقَدَ والديه وبقي وحيداً، مرعوباً من مجتمع تهيمن عليه الحكاية، وثانياً أنه حين شب وتعلّم تخصص في علم النفس وهذا كان سبباً مبرراً لكي يقوده للبحث عن أصل وحقيقة الحكاية التي أقصت فعله الغريزي بالتواصل الإنساني مع المرأة، وهنا يقول ضمن نص طويل ملخصاً حياته: في رحلة الشتات توارت أحلام ونشأت أحلام... ذهب (ويقصد أبوه) وحيداً، ذهب بعيداً.. وبقيت وحدي، فكان الفراق الأليم الثاني بعد فراق أمي التي وافاها الأجل، وهي لم تزل على الأرض المقدسة. (ص9). الرواية المفاهيمية قلت إن الرواية مفاهيمية ولم أرد بمصطلح مفاهيمية إلا لأنني أقاربها بالفن المفاهيمي الذي يحاول تركيب عالم متخيل من أشياء ليس لها دلالات مشتركة لخلق دلالة شاملة تجمعها ببعضها، وهذا المصطلح المفاهيمي يعني الأعمال غير المرئية، الوهمية، التي تعتمد الإيهام المؤثر، أي الاشتغال على حرية التعبير الأدائي والسردي، إذ الفكرة هي فن المفهوم وهي الأداة التي تصنع الفن، حيث تعلو الفكرة على العمل الفني ذاته فتصبح العملية الإبداعية مثل الفلسفة يحددها الجدل ووضع التساؤلات، وتطرد قضية وظيفة الفن وعلاقته بالمتلقي ليتحول الفن من: المضمون Content إلى المفهوم Concept. أو التحرر من القيود الاجتماعية والأشكال الفنية التقليدية والخاصة بالعمل الفني إلى آفاق غير متصورة يقودها الجدل الدائر داخل هذا الفن نفسه، أي أن الفكرة هي الهدف الفعلي بدلاً من العمل الفني نفسه. يرتحل فيروز بعد اغتيال حلمه خارج أرضه، باحثاً عن المرأة التي يحلم بها، والتي لم يجدها، طوال بحثه، ما دامت أم الدويس هي الحكاية الصادمة التي تشكل عائقاً لتساؤل فلسفي مهم يطرحه السارد على نفسه ويتلخص بـلماذا ألصقت حكاية الخوف بالمرأة ولم تلصق بالرجل؟ وهل المرأة عنصر مخيف يتبطنه الموت والغدر والخيانة فعلاً؟ وهل الحكاية لها جذور واقعية؟ وما أصلها؟ ومن يمتلك حقيقتها فعلاً؟. يقول فيروز السارد: أمضيت هذا العمر من دون امرأة، وكيف سأقضي السنوات وما تبقى من العمر من دون أنثى، تؤثث المشاعر، بسجادة أنثوية، تنعم على القلب بالسعادة والاطمئنان (ص21). ومن الغرابة أن ثنائية الرجولة/ الأنوثة هنا تتحول بشكل غير واعٍ إلى المشابهة، حيث يفقد فيروز رجولته عبر عذريته التي افتضحت بما يعني أن شخصيته الذكورية قد تهشمت، وتحولت إلى المشابهة مع الأنثى، حيث لم يستطع أن يمنح المرأة رجولة كاملة، بدليل أنه لم يستطع أن يقيم تواصلاً مع النساء الثلاث اللائي مررن به في حياته التي خرج من تجاربه معهن بالفشل، كما يشير النص السابق الذي اقتبسناه من الرواية. الذات المنشطرة ولكن من هو فيروز؟ فيروز سارد عليم ـ بنائياً داخل الرواية ـ وهو عارف بالشخوص من الخارج والداخل وعارف بنفسه أيضاً حيث يصل في نهاية الرواية إلى أن كل الشخوص الذين أقام معهم حواراً وعايشهم هم ذاته المنشطرة إلى ذوات أخرى في داخله وهم كثر في الرواية، وأهمهم أبوسيف صديقه ونبهان، حيث تختم الرواية بهذه الحقيقة: «تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، وأزحت، وبدلت، وغيرت صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين العابسين، وصرت وصرت..» (ص348). وهذه خلاصة حركة السارد منذ بدء الرواية حتى خاتمتها. البديل السردي من الطبيعي أن يعتمد علي أبو الريش ـ كونه يبني نصاً روائياً مفاهيمياً ـ مبدأ التأجيل، إذ لا يصل في كل حكاية يسردها إلى خواتيمها بل يؤجلها باستمرار، وذلك كي يخلق نسقاً مفتوحاً، من أجل أن ينشئ نصاً مشوقاً ـ وهذا جزء مهم في الرواية ـ ولهذا يعتمد التضمين بشكل مطرد بوصفه نسقاً مجاوراً لنسق التوظيف الدلالي للحكاية الذي تحدثنا عنه في بداية المقالة، ومن تضميناته: أولاً: حكاية السارد فيروز مع المرأة المتزوجة التي غادرها زوجها التي تستعين به لكتابة الرسائل إلى زوجها المسافر والتي تقرب أنفاسها منه حال روايتها له وصاياها لزوجها البعيد، التي لم يقم حتى نهاية القصة المضمنة أي تواصل معها، مما تكرس هذه الحكاية المضمنة إخفاقات السارد فيروز في التواصل مع الأنثى التي تعتبر بذلك حكاية كاشفة عن بنية شخصية فيروز نفسه وتشكلها. ثانياً: حكاية الشجرة المخيفة والرجل الذي كان يقطع أغصانها بسكينه الحادة وتحول السكين إلى عنقه ونزيفه حتى الموت، والتي تتشابه فيها الشجرة مع المرأة ام الدويس، حيث يقول السارد: ومنذ تلك الحادثة والناس يخشون هذه الشجرة، وإذا أراد الصغار أن يطاردوا العصافير أو يقتربوا من أعشاشها فإنهم يداهمونها نهاراً وقبل حلول الظلام يعودون إلى مأواهم فرحين بالظفر. أي أن الشجرة هي البديل السردي الحكائي عن أم الدويس في القصة المضمنة الثانية، بدلالة عنصرين في القصة وهما الصغار والليل، إذ إن أم الدويس بوصفها حكاية شعبية تروى للصغار في الليل تحديداً لكي تضفي الحكاية الشعبية على نسقها المخيف صفة أعلى للرعب والقسوة التي ولدتها البنى الاجتماعية المغلقة. ثالثاً: قصة عذاب المرأة الأذرية ومأساة أسرتها في أذربيجان وزوجة الأب القاسية التي سلطت عليها أخاها لاغتصابها، وتكاد زوجة الأب هذه أن تكون أقرب إلى أم الدويس، حيث تصبح منبع الخوف الأبدي الذي تولد لدى عذاب منذ طفولتها حين تم اغتصابها، وهذه القصة تصب كعنصر فاعل في بنية الدلالة داخل القصة الكبرى أم الدويس. كل هذه القصص المضمنة نرى فيها أن الفاعل هو الأنثى الشجرة، زوجة الأب، المرأة المتزوجة زوجة المسافر وغيرها الكثير في نص رواية أبو الريش ليحاول السارد فيروز أن يبرر أسباب اختيار الأنثى بطلة في حكاية أم الدويس الشعبية بدلاً من الرجل (ص199)، أي أن تخلي الأنثى عن أنوثتها سوف يحيلها إلى كائن خرافي/ قاتل، أكثر شراسة من الرجل القاتل بطبعه عبر تاريخ الموت البشري الذي ارتبط به، بينما ارتبط بالأنثى مفهوم الدسيسة والمكر، ولهذا فان صفة أو فعل القتل لا يغير ولا يدهش المتلقي عندما تسبغ به شخصية الرجل، أما مع المرأة فهو صفة تثير الدهشة والصدمة كونها ليست كذلك وهذا ما تريده الحكاية الشعبية. لا يخفي السارد فيروز تحليلاته لكل هذه القصص المضمنة ودلالاتها لأنه خريج علم النفس، حيث يقول: نسيت كل ما قرأته في علم النفس، ونسيت تعليمات الأب سيجموند فرويد (ص25). ولم يستطع فيروز أن يتواصل مع نسائه في الرواية نيران الصحراوية التي قال لها، إن اسمك نار، وهنا يتلاعب أبو الريش بالمعنى الآخر للاسم ويوظفه في الرواية لزيادة الرؤية المفاهيمية حيث يقول السارد: لو حدثت أحد أصدقائك القدماء عن المرأة التي رأيتها واختفت فجأة سيقول لك، هذه القديسة أم داس، أو كما يحكى عنها أم الدويس، وسوف يحذرك من التعاطي معها لأنها جنية خطيرة تستدرج الرجال إلى مخادعها ثم بعد أن تمضي أرواحهم تقطعهم أشلاء وترميهم في الصحراء لتنهش جثثهم الكلاب (ص40 ـ 41) وهذا الاقتباس يشير إلى تصورات فيروز نفسه حيث أعتقد أن نيران الصحراوية هي ذاتها أم الدويس، إذ إن أبو الريش هنا يأخذ بجغرافية المكان من خلال: 1 - نيران/ عالم الصحراء 2 - عذاب/ ماسة/ العالم البعيد ـ أذربيجان 3 - الشجرة/ العالم المحاذي للماء 4 - المرأة المتزوجة زوجة الرجل المسافر/ عالم المدينة وكأنه بذلك يحاول أن يقدم قراءة متعددة الجوانب تشير إلى أن حكاية أم الدويس موزعة في جغرافيات متعددة، وليست محصورة في بنية منفصلة، أي أنها حكاية يمكن وصفها بالشيوع. وعي الناس نتعرف في الرواية إلى صديق السارد، وهو أبوسيف الذي لم يتزوج أيضاً ولم ينجب وهو الذي أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب (ص49). يبدو أبو سيف شخصية واقعية في الرواية، حيث يغذي أبو الريش واقعيتها إلى حد يشعرنا بوجودها كلحم ودم، غير أنه في خاتمة الرواية يتضح لنا أنها الشخصية المنشطرة عن فيروز السارد نفسه (الذي لم يتزوج ولم ينجب أيضاً)، بالرغم من أن أبو سيف شخصية عربيدة وجريئة، بينما شخصية فيروز أكثر هدوءاً وخوفاً ولهذا فهي الشخصية النقيض: وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً أن أبا سيف، رفيق العمر القديم (ص53). يشغل ذهن فيروز مكونات وعي الناس، ومن خلال حكاية أم الدويس يحاول قراءة هذا الوعي مفاهيمياً: أريد أن أعمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس (ص57). كونه متخصصاً - كما قلنا - بعلم النفس، هنا تشتغل عند شخصية فيروز عقدتا الكترا وأوديب الفرويديتان، الكترا التي هي (عقدة الأم) التي ترى أن البنت تقترب اكثر من أبيها والولد من أمه، وهي تتلخص بشخصية الفتاة الطروادية الكترا التي أحبت في اللاوعي أباها آجاممنون، وكانت تغار من والدتها فقتلتها بالاتفاق مع أخيها. وما يقابلها من عقدة أوديب التي تتعلق بعلاقة الولد بأمه وانتقامه من الأب، وهي تتلخص بحكاية اوديب الذي قتل أباه الملك وتزوج من امه، أي أن فيروز يحمل العقدتين معاً ولكن بشكل أكبر نجد عقدة أوديب مهيمنة في جميع الأحوال: كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق (ص61). وتبدو شخصية ماسة الأذرية أيضاً ذات نسق مشابه لشخصية عذاب وكلتاهما مسلمة وتنتمي إلى عالم شرقي يحفل بالخرافة. يلجأ فيروز حين البحث عن حقيقة حكاية أم الدويس إلى الشيخ ضاوي، وهو الشخصية الوهم، ويروي الأخير قصة أم الدويس التي هي ليست حكاية مجتمع بعينه، وإنما هي موروث إنساني تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، ويروي ضاوي قصة مضمنة رابعة، حيث يصبح سارداً ممسرحاً أيضاً يأخذ بزمام السرد من فيروز، وهي قصة كورونوس الاسم القديم في الحضارات القديمة ابن ملك الجن أورانوس، فيستدل ضاوي على أن أم الدوس هي الموت. الفضيلة في رواية أم الدويس نسبية، حيث يتعلمها أبو سيف الشخصية المنشطرة عن فيروز، كما يتضح فيما بعد، من عذاب الأذرية، وهي المرأة المغروسة في الرذيلة. هيمنة المكان يشتغل أبو الريش على عنصر المكان في الرواية: عين خت، ومعيريض، ومقهى السيد كندر، ودكان أسد، ودكان حسن الشامسي، والمرسى القريب من البنك البريطاني، وسدرة قرواش ليقرب عوالمه لبنى اجتماعية بعينها. كما يولد أبو الريش من شخصياته ثنائياتو حيث تقابل شخصية فيروز شخصية نيران البداوة، وتقابل شخصية أبو سيف شخصية عذاب الحضارة، وبذلك تتحول الرواية إلى رؤية في الحياة والوجود والفلسفة والجنس، أي باختصار كل المفاهيم اللامرثية التي تشكل الفن المفاهيمي. يقيم علي أبو الريش حوارات متعددة بين فيروز ورجل المقبرة، وفيروز وأبو سيف، وفيروز ونبهان، وفيروز وضاوي حول مفهوم الخرافة، ويظل يحافظ على نسق مهم وهو الشاي بوصفه عنصر روندو يدور في فلك الرواية، يولد تحفيزاً ذهنياً لما يريد أن يشتغل عليه الراوي، إذ مثلما يشتغل إبراهيم الكوني على الشاي الأخضر الذي يتناوله أبناء الصحراء في المغرب العربي، يتناول علي أبو الريش الشاي الساخن الذي يملح الرأي (ص167 وص195). ويقدم أبو الريش حوارات أخرى رؤيوية ليست لها علاقة بالشخوص وهي: 1 - حوار الخوف بوصفه تشابهاً دلالياً مع الموت. 2 - حوار الشياطين بوصفه تشابهاً دلالياً مع شخصية الغولة. 3 - حوار الجبل بوصفه تشابهاً دلالياً مع الغموض. 4 - حوار السواد بوصفه تشابهاً دلالياً مع الخوف. ويستعين أبو الريش بحكايات من زمن ماضٍ، مثل حكاية زمن الجدري والحرب العالمية الأولى والنفي إلى الشريشة (القرية التي تبعد 20 كيلومتراً عن معيريض). ونتساءل هنا: هل تحولت هذه الرواية إلى رواية سيرية للرؤية الذاتية لبطلها فيروز الذي ظهر؟: 1 - في بداية الرواية وعمره 14 عاماً (ص5). 2 - في منتصف الرواية وعمره 40 عاماً (ص251). 3 - في نهاية الرواية وعمره 50 عاماً (ص269). ويظل علي أبو الريش يغذي عمله بالحكايات التي تتجاور مع حكاية أم الدويس من مثل حكاية سالم الإنجليزي مايكل بوصفها قصة مضمنة خامسة استفاد منها أبو الريش كي يكشف ملامح البنية الاجتماعية التي تؤمن بالخرافة. ومثلما بدأت الرواية تنتهي بذات النسق، حيث خرج فيروز من جزيرته مسحوقاً (ص5)، ليعود في نهاية الرواية إلى الجزيرة ثانية (ص301)، ليؤكد دورة الحياة التي عاشها هذا الشخص السارد الذي لم يخرج من الحياة بما ينعش ذاته حيث عاش انشطارات متعددة: يا فيروز هذا ليس أنت وأنت الحقيقي هو الشخص الخائف المرتجف اللاهث خلف مشاهد وهمية تضعها لتهرب من عذاباتك (ص305). حاول فيروز أن يهزم خوفه فتقمص شخصيات عدة غير أنه لم ينجح في التخلص من خوفه الذي غرسته الحكاية الشعبية، وبهذا تحولت الرواية إلى رحلة في المفاهيم والأسطورة والمكان والشخوص المنشطرين عن الذات في اللاوعي.

.............

(أم الدويس) وصورة البطولة المقلوبة.. أو سلبية المذكر 1 / 2

صحيفة الايام. البحرينية

العدد 8923 السبت 14 سبتمبر 2013 الموافق 8 ذو القعدة 1434

قالت عنها لجنة التحكيم التي قضت بفوز رواية «أم الدويس» في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2011م للدكتور خالد الكندي أنها : «على الرغم من تقليدية الأداء السردي العام في هذه الرواية، وانتمائها، ربما، إلى مرحلة سابقة من تاريخ التطور الروائي في عمان، فإن موضوعها المحلي وضبط لغتها وطبيعة حواراتها، تجعلها من أفضل الأعمال السردية المقدمة إلى هذه المسابقة. لقد اعتمدت الرواية حسب لجنة التحكيم أيضا على جذور حكائية شعبية، ونجحت في توظيف بعض مفردات الحياة البدوية والعمانية بشكلها الواقعي والخرافي ضمن الفضاء الاجتماعي المحافظ نفسه، وما ينطوي عليه من حرص على توكيد المبادئ الأخلاقية والدينية السائدة. وقد فعلت هذه الرواية كلَّ ذلك كما تقول لجنة التحكيم أيضا من خلال وحدات سردية تبدو منفصلة، ولكنها تظل متساندة وقادرة بطريقة لا بأس بها على خدمة الهدف العام وتطور السرد، على ما يبدو في بعض أجزائها ولاسيما الختامي منها من تصنع وحرص من الراوي على أن ينتهي كل شيء على الوجه المطلوب، وليس على أساس المقتضيات والمتطلبات الروائية حتى بشكلها الواقعي، فيما يتصل ببناء الشخصية وطبيعة العلاقات القائمة بين أبطالها»(1) وبعد، فقد أوردتُ رأي لجنة التحكيم في رواية «أم الدويس» باعتباره رأيا سابقا لهذه الوقفة مع الرواية ذاتها، إذ من شأن كل قارئ أن يعود إلى ما قيل سابقا في النص الذي هو بصدده، وإذا كان رأي اللجنة رأيا تقييميا ترجيحيا بالدرجة الأولى، فإن هذه الورقة إنما تقدم قراءة لا تدعي تقييما، ولا تروم صياغة حكم إلا بالقدر الذي ستكشفه ثيمة البحث وزاوية الرؤية التي حددتها القراءة، فاختارت صورة البطولة المؤنثة مدخلا تلج من خلاله إلى عتباتها. إذ لا يفوت قارئ رواية «أم الدويس» أن يلاحظ الحضور الكثيف للمرأة .. ذلك الحضور الذي لا يكتفي بتقديم المرأة في أكثر من شخصية داخل البناء الروائي وحسب كما هي في كثير من الروايات ولكنه يقدمها في صورة معكوسة تبادل الرجل أدوارها تارة وتلغيه تارة أخرى، ليبقى على الهامش غالبا إزاء حركة الأحداث في خط سير الرواية التي رسمت لنفسها منحى يجعل العمل البطولي فعلا أنثويا بالدرجة الأولى في ظروف زمانية ومكانية تصور حالة أمنية مضطربة في الزمن الذي اختاره الكاتب من ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما يعني في المقابل حسب المعطى النصي سلب المذكر سماتِه المميزةَ وإكسابَها للمرأة. ووفقا لهذه الملحوظة الأولية، ستحاول هذه الورقة الوقوف على أبعاد مفهوم البطولة الذي نروم تجليته من خلال الشخصيات الروائية النسائية، ومقارنتها بالشخصيات الذكورية فيها. كما لا يفوت القارئ أيضا أن رواية «أم الدويس» تعوّل على الغاية التعليمية في حبكتها الروائية، من خلال سعيها الحثيث للإجابة عن سؤال محوري في الموضوع العقدي المباشر، وقد سعت من أجل هذه الغاية سعيها، ولعله من المناسب الوقوف على الأدوات الفنية التي توسلها الكاتب من أجل تصوير رؤيته الروائية الباحثة من خلال الحدث المحسوس عن الأفكار المجردة في رحلة تشكيل الفكرة حدثا، دون أن ننسى أن للكندي عملا سابقا يكاد يختط الأسلوب نفسه المرتكز على الحدث في أقصى درجاته في روايته الأولى الموسومة بـ»صراع العقول». وعلى ذلك، فإن هذه الورقة ستحاول الوقوف على محورين اثنين، أولهما: - شخصية المرأة وصورة البطولة المقلوبة، أو سلبية المذكر: وفيه ستتناول تحليلا للشخصية المؤنثة، واستدعاءً لحالات انسحاب الرجل وتركه لفراغات الفعل الإيجابي مكثفا حضوره في السلبي منها. - وثانيهما: الغائية في البناء الروائي، ووسائله المفضية إلى إنتاج رواية تعليمية في الفكرة والتقنية، ومن خلال هذه الأخيرة ستتسنى معاينة عناصر البناء الفني للعمل الروائي بالفحص والتحليل. عتبة البدء: تحكي رواية «أم الدويس» قصة وقعت أحداثها في ثلاثينيات القرن الماضي «تحديدا عام 1934م»، عن فتاة من صحار اختطفها فارسان ملثمان ليسلماها لقاطع طرق وتاجر بشر يقطن في البريمي يدعى «سويلم» - أو الشيخ سويلم كما يطمح أن يكون - نظير مبلغ من المال. تتعرف أسماء على مختطفة سابقة في خيمة سويلم تدعى «عفرة» وقد تعهدت السابقة منهما اللاحقة بالرعاية والاهتمام، بعد أن أطلعتها على جزء من حكايتها ومجيئها من مكران إلى البريمي، تحكي «عفرة» ذلك في محاولة ناجحة للتخفيف عن أسماء وقع مصيبتها، دون أن تكون لعفرة القدرة على تذكر أهلها وبلدها الأصلي بسبب فقدانها للذاكرة عندما كانت في سن السابعة من عمرها. تتمكن أسماء من العودة إلى صحار بمساعدة الفارسة «جهيرة» التي تعمل في بيت الشيخ «قحطان» زعيم القبيلة أنيسةً لابنته «فيحاء» وصانعة للأدوية العشبية فضلا عن حياكتها للثياب .. تتمكن جهيرة من تهريب أسماء بعد خطة حاكت خيوطها الشيخة فيحاء، وقد اكتنفت رحلة العودة مغامرات لا حصر لها استطاعت أن تظهر ذكاءً وفطنةً وشجاعةً اتصفت بها الفتاتان جهيرة وأسماء، فتمكنتا من الوصول إلى صحار بسلام. وفي صحار تُخرج أسماء عقدا - كانت قد أهدتها إياه «عفرة» لتريه لأمها، وليبقى ذكرى تستعيدها به كلما حنت إليها، فإذا بأم أسماء تقع مغشيا عليها لدى رؤية العقد، إذ كان ذلك العقد هو نفسه الذي كانت تلبسه الأخت الأكبر لأسماء عندما كانت صغيرة قبل أن تختفي. وفي سياق موازٍ يسير خط قصة أخرى للفتاة مريم التي خرجت للعب مع صويحباتها على الشاطئ، فتغريها السفن وحكايات أبيها عن البحر لركوب إحدى السفن الكبيرة التي توشك على الإقلاع، فتتمكن من الاختباء في أحد صناديق حفظ الأطعمة، فينقلها البحارة مع بقية الأمتعة من الشاطئ إلى بطن السفينة، وتبقى حبيسة في الخن خشية اكتشاف البحارة لحقيقة وجودها، ولكنها عندما اطمأنت إلى نوم الجميع خرجت لتأكل مما حولها في الخن، فإذا بها تستسلم لسنة من النوم وتغفو حيث جلست في بطن السفينة، لتصطدم رِجلُ أحد البحارة - بعد حين - بجسد الطفلة النائمة، فيُعلم قائد السفينة بوجودها، وينبثق السؤال عن كيفية التصرف حيالها وقد أصبحت السفينة في عرض البحر. ولكن لم يمض وقت طويل حتى هبت عاصفة أغرقت السفينة بمن فيها على دفعتين، وتقع مريم ليرتطم رأسها بجسم ثابت تفقد على إثره وعيها وذاكرتها، فتسلمها الظروف إلى يد القراصنة الذين باعوها على الشاطئ حتى وصلت أخيرا إلى خيمة سويلم، فاتخذتها زوجته ابنتا لها، وأحسنت رعايتها وتربيتها قبل أن تموت وتتركها لوحدتها. فقد كانت «عفرة» - إذن - هي مريم أخت أسماء المفقودة منذ سنوات، وقد شاء القدر أن تختطف أسماء حتى تلتقي بأختها في بادية البريمي، وبمجرد ان تكشف هذه الحقيقة يذهب والد أسماء ومريم مع من ذهب إلى البريمي لاستعادة ابنته المفقودة، فتتحقق بذلك مقولة القدر بأن كل ما أصاب الإنسان إنما هو لخير أريد له به، وهو ما كانت تحاول أسماء أن تعلمه لجهيرة في رحلة عودتهما إلى صحار، فكان الخير متمثلا في التوصل إلى المفقودة مريم وعودة الأختين معا. ويلاقي سويلم بعد ذلك المصير الطبيعي والمستحق من أهل بلدته بنفيه وإبعاده عنها، إلى أن قضى عليه الشيخ «مشعان» ورجاله بعدما هجموا على خيمته التي كان يحتفل فيها مع رفاقه بخروجهم رابحين من معركة القبيلة. إن الاختصار السابق لمجريات أحداث الرواية كفيل بأن يطلعنا على مدى الارتكاز على الحدث الذي تنهض الرواية برمتها عليه، دون أن ننسى أن الأحداث السابقة مروية بلسان الجدة كما يفترض على أحفادها الثلاثة عائشة وريم وعبدالله «أو عبود الصغير» ذي الأعوام الأربعة، وهو الأمر الذي يضيف بعدا آخر متمثلا في المخزون الشعبي من الحكايات العمانية التي استطاعت هذه الرواية توظيفها واستغلالها في عمل أدبي استعيرت له تسمية من الموروث الشعبي نفسه ألا وهو «أم الدويس». منى بنت حبراس السليمية ناقدة من عمان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فضاء الشخصيات في رواية أم الدويس

 

نبذة باستخدام الذكاء الاصطناعي

الشخصية الروائية المتشظية هي كائن سردي يعاني من تفكك داخلي وهوياتي، متأرجح بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والرغبة، وغالباً ما ينتج عن صدمات، منفى، أو واقع مأزوم. لا تمثل هذه الشخصية ذاتاً موحدة، بل تعكس مشهداً نفسياً مكسراً، حيث يتفاعل تشظيها مع أماكن وأحداث سردية غير مستقرة. 

أبرز سمات الشخصية الروائية المتشظية:

تعدد الهوية: تعيش الشخصية صراعاً بين ذوات متعددة (أنا، هي، والأخريات).

الاغتراب والخيبة: الانفصال عن الواقع أو الوطن يُنتج ذواتاً مغتربة تبحث عن الخلاص.

السرد المتقطع: تظهر من خلال أساليب سردية تعتمد الذاكرة، الحلم، أو تيار الوعي لتعكس تشتت الأفكار.

شخصية محورية: غالباً ما تكون السارد أو البطل الذي يعكس أزمة الوجود في العمل الروائي. 

يستخدم الروائيون هذا النمط لتعرية النفس البشرية في حالات الانكسار، وتحويل التجربة الشخصية إلى تجربة وجودية عامة. 

..........

 

 

 

 

 

 

 

 

الذات في السرد الروائي

 

(فقرة من هوامش المقال التالي)

لاشك أن التحولات التي عرفتها الرواية في المجتمعات الحديثة التي يوصف واقعها بأنه متناقض ومتعدد، قد أفرزت نمطا جديدا من السرد، لا يقوم على المعرفة الكلية للسارد وحضور صوته بصورة قطعية، بل ينهض أساسا على تعدد الساردين وتعدد الأصوات ليعبر بذلك عن موقف الإنسان من ذاته ومن الآخر ومن العالم من حوله. وقد كان باختين أحد الذين أثبتوا كيف أنه لا توجد ذات فردية في الرواية، وأن هذه الذات تحتوي الآخر بداخلها مهما سعت إلى إثبات فرديتها؛ فكل كلمة هي نسيج بين فكر الذات وفكر الآخر الذي يعكس المجتمع.

فبروب على سبيل المثال اخنزل الشخصيات في نماذج بسيطة على أساس وحدة الأفعال التي يمنحها السرد للشخصيات، الشيء الذي يوحي، كما يرى رولان بارت، بأنه لا يوجد أي سرد في العالم من دون شخصيات أو على الأقل من دون عوامل[14]. كذلك يحرص التحليل البنيوي ألا يحدد الشخصية بوصفها جوهرا سيكولوجيا، بل باعتبارها "مشاركا"؛ هكذا تمثل الشخصية بالنسبة إلى كلود بريمون متوالية من الأفعال الخاصة بها. كما ينطلق تودوروف في تحليله للعمل الروائي من العلاقات الكبرى التي تنخرط فيها الشخصيات وليس من الشخصيات في حد ذاتها. بينما يقترح غريماس وصف وتصنيف شخصيات السرد ليس بوضعياتها وإنما بأفعالها، وتصنيفها باعتبارها تسهم في ثلاثة محاور دلالية كبرى نصادفها داخل الجملة وهي محاور التواصل، والرغبة ثم الاختبار. هكذا سعت السرديات على سبيل المثال إلى تحليل مكونات السرد وفق قواعد ثابتة؛ فحاولت من خلال مقاربتها للشخصية أن تحدد خصائصها، كما نظرت إلى السارد في وضعياته المختلفة (مشارك أو متعال أو متوار). لقد أنكرت مفهوم الذات لأنه في نظرها مجرد وغير محدد.

........

الذات في السرد الروائي- بقلم. هشام مشبال

تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في طبيعة الذات في نمط من النصوص الروائية التي تتسع فيها المسافة بين الكاتب والسارد والشخصية. كما تتوخى أيضا تلمس مختلف الصور أو الأساليب التي بموجبها يستطيع الكاتب أن يجعل من الذات موضوعا للتصوير ومقصدا رئيسا من مقاصد التخييل. فلاشك أن الذات تضطلع في السرد الروائي بوظيفة مغايرة لتلك التي تنهض بها في نصوص "التخييل الذاتي"؛ حيث تتركز غايتها في نقل التجربة الحقيقية واسترجاع تفاصيل الذاكرة.

 

لقد درج النقد المعاصر في مقاربته لمفهوم الذات على توثيق صلته بخطابات سردية تندرج جميعها ضمن ما يسمى ب"التخييل الذاتي"[1]؛ سواء السيرة الذاتية أو المذكرات أو اليوميات أو رواية السيرة أو السيرة الروائية أو السيرة الذهنية وغيرها من المحكيات التي تركز على الهوية؛ أي على غياب المسافة بين الذات الكاتبة والراوي أو السارد أو الشخصية. ولأجل ذلك نروم في هذه الدراسة تلمس الذات التي انفصلت عن مرجعيتها لتصبح أحد العناصر التي يتوسل بها الكاتب في نسج عالمه التخييلي. إنها بهذا المعنى، ليست ذات الكاتب الحقيقية التي تقوم على وجهة النظر الاسترجاعية كما هو الشأن في المحكي الذاتي، وإنما هي مكون تخييلي يرتكز على رؤية شمولية، تتجاوز نقل التجربة الذاتية الفردية إلى الاهتمام بجوهر الإنسان في شموليته ورحابته.

ولاشك أن إعادة النظر في موضوع الذات داخل حقل تخييلي يردم الهوة بين النص ومؤلفه، أو يوسع المسافة بينهما، يثير عددا من الإشكالات؛ فهل الذات في السرد الروائي واحدة أم متعددة؟ وهل هي انعكاس لكاتبها أم هي وعي متجدد وخفي؟ وكيف بالإمكان تحديدها عمليا مادامت تمثل جوهرا ووعيا وماهية وليس مادة أو حقائق ملموسة؟

 

1: من "التخييل الذاتي" إلى السرد الروائي

على الرغم من أن الحدود تظل أحيانا ملتبسة فيما يخص حضور الذات في التخييل عموما (الرواية أو محكيات الذات)؛ بحيث تتوارى في بعض النصوص التخييلية، بينما تتطابق تطابقا تاما مع الكاتب في نصوص أخرى وتتخذ من الحياة الشخصية مادة لها. إلا أن تلمس سمات تصويرها وحضورها في السرد الروائي من شأنه أن يوضح طبيعة هذه الذات التي تبدو أحيانا وكأنها قد انفصلت عن منتج النص أو الكاتب الحقيقي. ففي السير والتراجم واليوميات التي ينظر إليها في الغالب بوصفها تجارب ذاتية، تبدو الذات أكثر تجليا ووضوحا، قابلة للتحديد والتعريف؛ فالكاتب يقدم نفسه باعتباره شخصية سردية تضيء الحبكة وتقود الأحداث[2]. هكذا تندرج في إطار "التخييل الذاتي" معظم المحكيات التي "ترتكز على الهوية، أي على غياب المسافة الفاصلة بين شخصية السرد الرئيسة التي هي الذات وبين الراوي الذي يتحدث بضمير الأنا ويكتب بصيغة المتكلم"[3].

 

بينما يمارس الكاتب في السرد الروائي لعبة الخفاء والتشتيت والترميز في حبكة قائمة على التعقيد والتركيب، وتبدو شخصيات النص في ضوء ذلك أكثر نزوعا إلى الخصوصية والاستقلالية والتخييل؛ وكأن الكاتب يعمق المسافة بينه وبين شخصياته. في سياق هذا التقسيم نصبح إزاء نمطين سرديين مختلفين هما المحكي السيري والمحكي التخييلي، على الرغم من تداخلهما وتقاطعهما في كثير من الأحيان.

1-1: في التخييل الذاتي

لاشك أن إحدى دلالات "التخييل الذاتي" أن الذات الكاتبة تعمد إلى إضفاء سمة التخييل على تجربتها الشخصية، وتوسيع الهوة بين حياتها الحقيقية وفعل السرد الذي تضطلع به؛ باستخدام الاستعارات والمبالغة والاسترجاعات والإيهام والتصوير والتشظي والتبئير وغيرها من مكونات التخييل. فعلى  الرغم من أن السيرة على سبيل المثال، بوصفها أحد أهم أشكال "التخييل الذاتي"، توهم بفرادة التجربة المحكية وغرابتها أحيانا، إلا أنها تظل محافظة على بعدها المرجعي والواقعي[4]. وهي تقوم على استعادة الحياة الشخصية المرجعية، وعلى تسجيل لحظات مميزة في التجربة الإنسانية. ولا يعني التركيز على الحياة الشخصية إعادة التأريخ لماضي الشخص كاملا، بل من خلال لحظة مميزة في الحياة[5]. وبهذا المعنى ليست السيرة سوى حكاية ذات بعد انتقائي كما يرى بول ريكور[6]. ولعل هذا الانتقاء هو ما يمنحها بعدها التخييلي. بيد أن ما نود التركيز عليه هنا هو مدى التزام الكاتب بسرد حقيقته المرجعية وتطابق محكيه مع واقعه وحياته الشخصية. فهذا التطابق هو ما يمنح النص المنجز بعده الذاتي المرجعي على الرغم من تجنيس بعض الكتاب نصوصهم بوصفها روايات؛ ومثال ذلك محمد شكري في "زمن الأخطاء" وصنع الله إبراهيم في "تلك الرائحة" وعبد الحكيم قاسم في "أيام الإنسان السبعة" ولطيفة الزيات في "أوراق شخصية" ومحمد برادة في "الضوء الهارب"، ففي هذه النصوص تتقلص المسافة بين المؤلف والشخصية الروائية مما يجعلها أقرب إلى التخييل الذاتي الذي يتطابق فيه المؤلف والسارد والشخصية. بينما كلما توسعت تلك المسافة وأغرق المؤلف في التخييل ابتعد النص عن "محكيات الذات" وأُدرِجَ ضمن "التخييل السردي الروائي". رفوف كتب

الذات في السرد الروائي: دراسات نقدية

1-2: في السرد الروائي

إذا كانت نصوص "التخييل الذاتي" تقوم على مبدإ التطابق، فإن النصوص الروائية تفصل بين ما هو مرجعي وما هو متخيل، دون أن يفضي ذلك إلى انفصال تام بين تجربة المؤلف ونصه؛ فقد يعمد الكاتب إلى إخفاء ذاته في شخصيات مختلفة وأصوات متعددة مما يعني تعدد الذوات داخل النص[7]، بخلاف نصوص "التخييل الذاتي" التي تقوم على وحدة الذوات. إن الشخصية المرجعية هي محور الحدث والحكي في هذه النصوص، وهي تفترض الحقيقة والصدق الواقعي، بينما تمثل الذات في السرد الروائي عنصرا تخيليا يقوم على مبدإ المفارقة والتغريب والتنويع والتشتيت والانطلاق والفانطاستيك؛ إنها بتعبير أدق كائن خيالي[8]. ولاشك أن السؤال الأكثر التباسا هنا هو: كيف بالإمكان تلمس طبيعة هذه الذات في السرد الروائي؛ حيث تتوسع المسافة بين المؤلف والتجربة المسرودة؟

يدفعنا هذا الإشكال الجمالي إلى إعادة النظر في التصور الكلاسيكي لطبيعة العلاقة بين الذات والكتابة، فعلى الرغم من أن الذات اعتبرت على الدوام أصلا وماهية تتميز بالصفاء والوضوح والثبات[9]، فإن ثمة موقفا مناقضا يشكك في طبيعتها المكتملة هذه. يستمد هذا التصور مبدأه من مقولة فاليري الشهيرة "من يعترف يكذب"[10]. بل بالإمكان إثارة بعض التساؤلات كما يرى أحد الباحثين[11]: هل تحكي نصوص التخييل الذاتي كل ما مرت به الذات؟ وهل يمكن الحديث عن الثقب السوداء في الذاكرة وعن الحدود الاجتماعية والأخلاقية؟ وبإمكاننا التساؤل أيضا في السياق ذاته: هل يقول كاتب السيرة على سبيل المثال فعلا كل شيء أم يقول ما يريد فقط؟ يبدو أن للتخييل مقتضيات مختلفة؛ فتصوير الذات يفرض على الكاتب التحرر من القيود الأخلاقية والأعراف والتقاليد التي تفرض سلطتها الاجتماعية، وتصبح الكتابة لديه فعلا حرا غير مقيد. إنه يقول ذاته من خلال شخصياته المتعددة؛ رجلا كان أم امرأة، طفلا أم شيخا، ومن خلال فضاءات النص المختلفة، وكأنه يمارس التضليل على القارئ ويوهمه بموضوعية الأحداث واصطناع الحبكات المفارقة والموغلة في التخييل أحيانا.

بيد أن الغاية الرئيسة من هذه الدراسة ليست البحث عن معينات ذات الكاتب في منجزه الروائي التخييلي؛ فهذا يحتاج بالدرجة الأولى إلى معرفة السياق وخاصة ما يتعلق بحياته الحقيقية. وإنما تتمثل الغاية في إعادة النظر في طبيعة الذات نفسها؛ مادام البحث في خصوصيتها داخل السرد الروائي ليس مرتهنا بقياس مدى مطابقتها للكاتب، بل بالعكوف على تصوير النفس الإنسانية؛ أي "تشييد الذات الفاعلة بعيدا عن الحدود الضيقة، لإدماجها في فضاء إنساني رحب"[12]. تعني الذات في هذا السياق ردم الهوة بين الذات الحقيقية والكتابة، أو بين فعل التخيل والمرجع، واعتبار مقابل ذلك بعض السرود التخييلية بأنها تقوم على تصوير الذات بدرجات متفاوتة، على نحو ما تقوم أخرى على تصوير المجتمع والتاريخ كما في الروايات التاريخية والأخلاقية والنفسية التي تغيب فيها ذات الأديب أو يكون حضوره فيها ضعيفا جدا. إنها بعبارة أدق الذات التي تجعل من نفسها موضوعا تخييليا[13].

 

ليست الذات في السرد التخييلي حكاية انتقائية للحظات مميزة في حياة شخص ما، وليست محاولة إظهار أسلوب تلك الذات في العيش داخل العالم المعقد بقصد استخلاص الحكمة، وإنما هي توجه الكاتب إلى أن يجعل منها محورا للتأمل وموضوعا للحبكة. هكذا يعكف الروائي على حل اللغز الإنساني حين يتأمل النفس البشرية بعللها وتعقيداتها محاولة في فهم الأعماق الإنسانية المركبة. ليس مفهوم "الذات" في السرد التخييلي الروائي إذن صورة مطابقة للمؤلف تعكس تجربته في الحياة، أو مرآة تعكس تأملات الذاكرة والغوص في ماضي الشخصية الحقيقي. بل هي عنصر تخييلي وموضوع مثير للتأويل؛ بحيث عمد بعض الروائيين إلى جعلها مركزا للسرد ومحورا للتأمل.

 

1-3 : إشكال الذات

تكتسب الذات في نصوص التخييل السردي الروائي معنى جديدا يكرس جملة من الرؤى المغايرة لتلك التي رسختها السرديات[14] البنيوية والسيميائية بوجه عام؛ حيث ركزت على السارد ووضعياته المختلفة، وعلى أشكال توظيف الشخصية وحصر أنماطها. في حين اقتصرت معالجة الذات في الدرس الفلسفي على جدل الأنا والآخر وعلى موضوع الهوية وكذلك الهوية السردية[15]. بينما تشغل الذات في السرد الروائي أفقا مغايرا؛ فهي ماهية وجوهر ووعي، قد تطابق أحيانا تجربة المؤلف الخاصة، ولكنها لا تقتصر على دور المرآة حيث تغدو مجرد انعكاسات فردية، بل تعمل بإصرار على تحديد جوهر إشكال الوجود وتفسيره بصورة كلية وكونية. إن علاقتها بالمرجع يسودها التأمل والتفسير أكثر من نزوعها نحو التصوير الأمين والمحاكاة وإثارة العواطف. وهي بهذه المعاني جميعها ذات خيالية على الرغم من بعض التماثلات القائمة أحيانا بينها وبين حقيقة المؤلف. هذا الأخير الذي يسعى إلى إعادة إنتاج ذاته وأفكاره الداخلية في حبكة تخييلية وشخصيات مركبة تروم أولا وأخيرا كشف جوهر الوجود.

 

قد يلتقي مثل هذا المنظور مع ما يسمى برواية الشخصية حيث يكون موضوع السرد هو صياغة نماذج إنسانية متميزة على نحو ما عهدناه في روايات بالزاك وإيميل زولا ونجيب محفوظ. غير أن الشخصية تمثل انعكاسا لمجتمع معين أو لبيئة يطمح الروائي إلى أن يصور فضاءاتها وتفاصيلها. فبلزاك على سبيل المثال، حاول جاهدا أن يجعل من رواياته مرآة تعكس كل طبائع الناس وسلوكاتهم وكل ما يتصفون به من عيوب ومحاسن وأحقاد وآلام. كما سخر نجيب محفوظ كل النماذج الإنسانية في رواياته حتى أصبحت صورة مصغرة للواقع المصري. لقد أراد مثل هؤلاء الروائيين وغيرهم أن يكتبوا تاريخا للشخصيات التي لم يتسع لها المجال في المحكي التاريخي الحقيقي.

حاولت الرواية التقليدية التي عنيت بوصف الشخصيات والنماذج الإنسانية أن تنهض بعبء تجسيد كل النماذج البشرية العادية والعجيبة. ولكن الإشكال الحقيقي الذي واجهها هو: هل يكتب الروائي نصا أدبيا تخييليا أم تاريخا حقيقيا؟ لعل هذا الإشكال هو ما دفع بعض الروائيين إلى إهمال الشخصية والتركيز على صفاتها وأفكارها فأطلقوا عليها مجرد حرف كما فعل كافكا على سبيل المثال[16]. لقد حظيت الشخصية في الرواية التقليدية بمكانة متميزة؛ فهي كائن حي ينبغي وصفه جسديا وروحيا. وهو ما دفع ببعض الكتاب إلى منحها المكانة اللائقة والقوة المفرطة والأحاسيس الرفيعة على اعتبار أنها جزء من تكوينهم النفسي والعقلي. غير أن الشخصية لاقت عند الروائيين المحدثين نقدا شديدا، بل إن كثيرا منهم من تنكر لها وأهملها.رفوف كتب.

إن التحول الذي حدث في بنية الرواية من مرحلة العناية بالشخصية إلى مرحلة العناية بالأفكار هو ما يمنح الذات في السرد الروائي طبيعتها النوعية. فليست الذات كائنا ملموسا ومرآة لشخوص حقيقيين وواقعيين، وليست انعكاسا لكاتبها فحسب. إنها فكر ينطوي على رؤية أكثر شمولية ورحابة؛ أو هي وعي بالأفكار الداخلية العميقة للإنسان في المطلق. إن الذات كما سنتبين من خلال تحليل بعض النصوص الروائية، تجسيد للأحلام والآلام الإنسانية، وكذلك الأوهام والأفكار العميقة التي تنوء بها الذوات.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى الذات بوصفها منظومة من الأفكار والقيم والمبادئ والأحاسيس الإنسانية. لنقل إن الذات في السرد الروائي تتوجه إلى تأمل نفسها ومجادلة أفكارها وهواجسها سعيا إلى الفهم والإدراك. فليس بطل بروست في رواية "البحث عن الزمن الضائع" على سبيل المثال سوى تلك الذات العليلة التي تبحث عن السعادة في ماضيها. كما تبذل إيما بوفاري كل الجهد لتتعرف ذاتها من خلال قراءاتها الرومانسية المختلفة في محيط تافه من حولها. وكذلك الشأن بالنسبة إلى روايات كافكا وجويس وتوماس مان؛ فقد عكف هؤلاء الروائيون جميعا على تصوير الذات الإنسانية والتغلغل إلى أعماقها ومحاولة فهمها. إن معرفة الذات لهواجسها وفهم حيرتها وتأمل أفكارها العميقة تعد إحدى السمات النوعية لطبيعة هذه الذات في السرد الروائي. ولكن، كيف يمكن إدراك هذه الذات وتحديد سماتها؟ يجيبنا ميلان كونديرا قائلا: "عن طريق الفعل أولا، ثم في الحياة الداخلية"[17]. إن تحليل المواقف وأفعال الشخصيات والغوص في أفكارها وتأملاتها يمنحنا القدرة على فهم طبيعة الذات في السرد الروائي.

ولأجل ذلك، تنظر هذه الدراسة إلى الذات في السرد الروائي بوصفها مكونا تخييليا وليس انعكاسا أمينا للمؤلف أو تجسيدا لصورته الحقيقية ومواقفه الأيديولوجية. إنها تحمل صوته الإنساني الخاص وصوت مجتمعه لتعبر عن قضايا كونية، تمثل الذات فيها عنصرا مشتركا وهدفا نبيلا. إن جميع الذوات في النصوص الخاضعة للتحليل تثبت أنها تشترك في مبادئ وسمات خاصة على الرغم من الاختلاف الإيديولوجي للكتاب وتنوع رؤاهم ومنطلقاتهم الفكرية. إنها ذوات تتأمل أفكارها وتجادلها، وتبحث في ماضيها عن سعادتها، وتجعل من السفر وسيلة لتحقيق هدفها في الحياة، كما تركز على خيبتها وتكشف تناقضاتها الخاصة وأزمة مجتمعها. إنها تتوه في البحث عن أحلامها المفقودة، فلا تجد من سبيل أمثل لتثبيت هدفها سوى الكتابة بوصفها فعلا تواصليا حميما.

2: علل الذات

لا تتجاوز الذات عند محمد أنقار في روايتيه الاثنتين "المصري"[18] و"باريو مالقة"[19] حدودها النفسية وتكوينها الفردي الخاص؛ فهي لا تصطدم بالتاريخ أو الواقع أو السياسة أو الآخر، بل تخوض صراعا وجوديا مع نفسها وتواجه عللها بمفردها محاولة لفهم ذلك الخوف الساكن بأعماقها على الدوام؛ خوف من الزمن والموت والحب والفراغ والعزلة إلخ. إنها ذات هشة لا تكف عن تأمل هواجسها وتناقضاتها سعيا إلى إثبات وجودها وإعطاء معنى لحياتها سواء بتمسكها بالإرادة أو قيم الحب والصداقة والإيمان بالمعرفة. يسعى محمد أنقار بهذا المعنى إلى أن يصور تلك العلاقة المبهمة بين الإنسان وعلله الداخلية وواقعه المحيط به. إن الخوف الذي يتغلغل في أعماق شخصياته الروائية وما يتولد عنه من علل يُرَدُّ أساسا إلى تكوينها النفسي الخاص والهش. فكل من أحمد الساحلي بطل رواية "المصري"، وسلام بطل "باريو مالقة"، لم يقدرا على التكيف مع واقعهما مما يؤكد ذلك الصراع الخفي في الرواية بين الذات والعالم.

 

2-1: الذات وحلم الكتابة

يغوص الكاتب في رواية "المصري" في أعماق النفس الإنسانية العليلة التي تواجه الزمن وتخشى الموت؛ ذلك أن البطل العليل الذي يروم كتابة رواية عن مدينته المغربية "تطوان" بإيحاء مصري مثلما كتب نجيب محفوظ عن القاهرة[20]، يخوض صراعا قويا ضد الزمن لينجز حلمه الثقافي. فقد استبد به الخوف من الموت من دون أن يحقق مشروعه؛ وليس أمامه سوى أسبوع واحد فقط لينهي حياته العملية ويتقاعد. هكذا تمثل الكتابة بالنسبة إليه تحديا حقيقيا لتفادي المصير المحتوم. إنها أولا "مغامرة يخوضها كل مبدع لحسابه الخاص بحثا عن ذاته، ثم هي، ثانيا، تطلع إلى الاقتراب من الحقيقة المتلونة، المنفلتة باستمرار"[21]. غير أن هذه الذات العليلة التي تعي صعوبة المهمة آمنت بما توفرت لديها من إمكانات وطاقات بقدرتها على إنجاز مشروعها الإبداعي، على الرغم من السمات العليلة التي تتصف بها؛ فشخصية الساحلي "ذات بنية هشة وضعيفة، سريعة التأثر بالمواقف الحزينة والأجواء الطبيعية، كما أنها تعاني ضروبا من الأدواء وتعاني حساسية مفرطة نحو بعض الأطعمة وتعاني ألوانا من الخوف منذ طفولتها، كما أن تصرفاتها تنم على البخل. ومن سمات هذه الشخصية أيضا الانغلاق وقلة التجربة"[22].

توحي جميع هذه السمات بعلة الذات وتقوقعها وعجزها عن التواصل مع المجتمع. إن عدم امتلاك الساحلي للقدرة الجسدية والنفسية حال دون أن يحقق بالكتابة ما حققه نجيب محفوظ. يروم هذا الصراع الوجودي الذي تخوضه الذات العليلة تأكيد قوة الكتابة في إثبات الذات وتمكنها من مجابهة الموت. فعلى نحو ما استطاع سلام في رواية "باريو مالقة" أن يبعث الحياة في أعماقه من جديد بإيمانه بقوة المعرفة وضرورة العلم وتشبثه بهما في مواصلة الحياة باعتبارهما طاقة إنسانية متجددة، استطاع أحمد الساحلي في رواية "المصري" أن يدرك أن الكتابة هي الفعل الوحيد الذي سيجنبه الموت القادم. لكنه بعلله سيواجه المصير المحتوم في النهاية. هذا ما عبر عنه بقوله: "حتى الجدران والسحنات خانتك فلم تسلم لك مقاليدها فكان انهزامك إزاء العتاقة وطلب العمق. الأسبوع سينتهي بعد ساعات معدودات لم يبق لك سوى أن تتنازل عن عنادك الموروث عن سلالات غابرة وأن تفكر في الطريقة المثلى للتنازل. [...] تريد أن تضيف إلى ثرواتك ميزة الإبداع التي لم تستطعها؟ يكفيك أنك وقفت عند مشارف الحقيقة فلا تتجاوز حدك واعترف بهزيمتك. تطوان ستظل منتظرة فارسا آخر غيرك ليصوغها قصيدة جميلة أو رواية ساحرة."[23]رفوف كتب

تولَّدت رغبة هذه الذات في الكتابة في سياق إعجاب الساحلي بنجيب محفوظ؛ وقد مثلت هذه الرغبة أحد مبررات صراع الذات ضد الزمن، ومجالا تكتشف فيه هذه الذات عللها من أجل التأمل والتدبر. إن هذا الهوى الشرقي أو المصري ممثلا في جعل نجيب محفوظ مثالا يُحتذى ونموذجا يُفتَتنُ به، يشكل أداة لمقاومة عوائق الذات والطبيعة والمجتمع، وسبيلا للتواصل والانفتاح واكتشاف الذات[24]، على نحو ما فعل سلام في رواية "باريو مالقة" حين دفعه حبه لماري كارمن العاجز إلى أن يحدث تغيرا جذريا بداخله؛ حيث صار أكثر اهتماما بعقله وبمظهره فجعل من علله دافعا إلى بناء ذاته. يمكن القول إذن، إن القيم الروحية (العلم والحب والتأمل..) تمثل جميعها أداة للتواصل والانسجام وإثبات الذات.

2-2: الذات والخوف

لعل المصير المجهول الذي واجهه أحمد الساحلي في صراعه ضد الزمن، هو أحد مآزق الذات في رواية "باريو مالقة". فالسؤال الأساس الذي تسعى الرواية إلى الإجابة عنه هو: كيف يمكن أن تواجه ذات عليلة واقعا مخيفا ومجهولا بمفردها؟ هكذا يعكف محمد أنقار على تصوير ذات فتية تواجه خطرا مستمرا لوحدها في عالم بلا قيم. والحق أن ثمة نقيضين يلخصان جوهر هذه الذات هما؛ الحلم من جهة، والاستسلام للعلة من جهة ثانية. ولذلك تمثل الرغبة في امتلاك الإرادة سمة رئيسة في الرواية القائمة على تصوير الذات الإنسانية التي عجزت عن التواصل بحرية مع محيطها. لقد انتقلت هذه الذوات العليلة التي يتهددها شبح الاغتصاب من مرحلة إثارة الأسئلة وفهم واقعها إلى مرحلة مجادلة أفكارها الداخلية العميقة. وقد صاحب هذا التحول قدرتها على تقرير مصيرها بنفسها. هكذا أمكن القول إن إدراك الوجود والذات من القضايا التي تسهم في فهم طبيعة الخوف في الرواية. ذلك أن علة الشخصيات تنكشف في لحظات مفارقة داخل النص؛ أو بالأحرى لحظات تنكفئ فيها الذات عن التواصل مع الواقع إلى تأمل أعماقها.

الذات في السرد الروائي: دراسات نقدية

ولا شك أن إدراك طبيعة الذات في هذه الرواية يتم من خلال فحص سلوكها وسبر حياتها الداخلية. فالخوف الذي يعيشه سلام على سبيل المثال يتدرج عبر ثلاث مراحل؛ خوف من الفتوات وفعلهم اللأخلاقي المباشر، وخوف من شبحهم الملازم للذات والمصير المجهول، ثم أخيرا خوف من الزمن المبهم وظلم الحياة. وعلى هذا الأساس تروم صور الخوف في الرواية الكشف عن مسار الذات التدريجي في مواجهة العالم والحياة من حولها، والانفتاح على داخلها واكتشاف سماتها العليلة.

لقد حوَّل رعبُ الفتوات الصبيان إلى ذوات هشة تنسحب من عالمها لتركز على تأمل عللها الداخلية. كان لا بد أن تقاوم هذه الذوات علتها وتولد من جديد. فسلام على سبيل المثال أدرك علته وبدأ يفكر في حياته بطريقة جديدة. لقد وعى جيدا أن الحب هو الذي ينقذ الروح مثلما أنقذ سالما ولبنى في رواية "نقطة النور" لبهاء طاهر[25]. والحب أيضا هو الذي أنقذ "يوسف الفرسيوي" الذي وصل إلى طريق مسدود بعدما فقد كل أمل في التغيير، ولكنه تصالح مع كل التحولات الاجتماعية حين عاد إلى حبيبته "ليلى"[26]. هكذا يمثل الحب إحدى القيم التي تصنع الإرادة وتسهم في تحقيق الذات. لقد احتمى سلام من الخوف بعشق ماري كارمن وهو مدرك تماما أن قصة حبه لن تكتمل. لقد بدأ مغامرة عاطفية من جانب واحد، أو بمعنى آخر؛ دخل دائرة التيه العاطفي، وهو في حقيقة الأمر كان يتقدم في حيرته الأبدية. ولى زمن الضحك والمغامرة ليحل محلهما زمن التيه والعلل. فهل بإمكاننا القول إن الحب العاجز هو الذي قاده إلى تعرف ذاته وإدراك علله؟

واكب هذا التدرج المنطقي والمحبوك في وصف الخوف، تحولٌ من مواجهة مباشرة ومادية للفتوات ووسطائهم، إلى مواجهة الأفكار العميقة مثل الزمن والمصير والعلة. إن ثمة تجاوزا حصل لدى سلام من الاستسلام للواقع إلى محاولة فهمه وتأويله. يتقدم في عمره فتنكشف علته الداخلية وتتعمق. بيد أنه وجد في نهاية الرواية طريق الخلاص لمشكلته. لقد بدأ الفهم حينما وضع طاقيته أول مرة في حياته موضع السؤال:"ما الداعي إليها؟"، بعدما كان يرفض نزعها في البداية إلا للضرورة القصوى. لقد دفعه الحب العاجز إلى إعادة النظر في مظهره الخارجي وأفكاره الداخلية. هكذا أمكن القول، إن الحب يؤدي وظيفة الحافز الداخلي لمواجهة الخوف. فهو الذي دفع سلام على سبيل المثال لأن يصعد إلى "الكريان"[27] في لحظات الحزن ليغوص في تأملاته العليلة من دون أن يخاف "الفتوات". غير أن ثمة خوفا جديدا بدأ يستولي عليه؛ إنه الخوف من الزمن الآتي المبهم ومن ظلم الحياة نفسها.

هكذا يتدرج الكاتب في تصويره للخوف في نهاية الرواية ليبلغ حد التجريد وتأمل الأفكار المثالية الفردية. وينسجم مثل هذا التصور مع سمات سلام الذاتية؛ فهو يجنح إلى الصمت والتأمل والمقارنات التي تغوص في التفاصيل. وحينما تلتقي هذه السمات مع علته الذاتية العميقة تنتج عنها صورة شخصية مختلفة لا تقبل واقعها بل تتأمله وتجادله. إن حياة الجماعة التي سعد بها سلام طوال مراحل طفولته تلاشت وشق كل صبي طريقه في الحياة. كما هاجرت ماري كارمن إلى إسبانيا، لتجد الذات نفسها وحيدة في العالم بمفردها تواجه مصيرها المجهول. بعد موت الصبي الذي اغتصب في بداية الرواية، بدأ الخوف المباشر يتلاشى ليتشكل خوف جديد مبهم. وإذا كان الصبيان استطاعوا مواجهة الفتوات والدفاع عن نور الدين الكبير الذي تعرض للتحرش متحدين في دفاعهم، فإن هذا الفعل الجماعي مثل لحظة تحول في فكر الصبيان من الجماعة إلى الفرد. لقد شكل هذا الفعل انتصارا حقيقيا للحب والصداقة. ولكن هذا الانتصار يخفي كذلك أفقا جديدا سيدخله الصبيان، يتسم بالفردية ومواجهة الذات. على هذا النحو يجسد فعل الحب نقطة تحول في مسار الرواية التدريجي لصورة الخوف. وتتأكد هذه الفردية لحظة اعتقال سلام في الكوميسارية من دون أن يرتكب أي ذنب مما يوحي بتحول طبيعة الخوف في الرواية.

اعتقل سلام إذن، فلم يجد من يحميه من خوفه الجديد سوى دفتر البلاغة الذي يحمله بين يديه. احتمى به من البرودة، مثلما قدمه دليلا للضابط كي يتأكد من هويته. بيد أن هذا الاحتماء بدفتر البلاغة لم يأت مصادفة في الرواية، ذلك أن تدرج الكاتب في تصوير الخوف هو الذي انتهى به إلى هذه الصورة المقنعة. لقد احتمى سلام في البداية من الخوف بتماسكه مع الجماعة، ثم احتمى بالحب العاجز فحوله إلى قوة داخلية، وفي النهاية بالعلم. لقد حثه الحب على إكمال الدراسة والرغبة في التعلم بجدية وإصرار. مع الحب إذن، بدأ سلام يفهم ويقرر ويدافع عن نفسه منفردا بعيدا عن تفكير الجماعة.

على هذا النحو تحاول رواية "باريو مالقة" أن تعكس تحولات في الذات الإنسانية التي تواجه علتها الداخلية فتنكفئ عن مسايرة الواقع إلى تأمله ومحاولة فهمه. لقد صوَّر محمد أنقار عالما مركبا ومعقدا يمكن أن نقسمه قسمين رئيسين؛ عالم الألفة وعالم الخوف. وهما عالمان شديدا التداخل يرتبطان بالحياة الداخلية والعميقة للذات التي تكتشف علتها على نحو ما تواجه مصيرا مجهولا ومبهما ومخيفا. ولكن علة الذات التي تمثل إحدى الثيمات الكبرى التي يسعى الروائي دوما إلى الإمساك بها ونسجها روائيا، محاولةً لفهم الوجود الإنساني المعقد، ليست هي السمة الفريدة والوحيدة التي عكف الروائيون على تصويرها. هكذا حرص بعض الكتاب على جعل الذات الإنسانية مرآة لواقعها، بل إن عللها العميقة تمثل نتاجا لمجتمعها، ومن ثمة؛ يمثل إدراك الذات وتلمس الهوية الإنسانية التي فقدت يقينها، إدراكا واعيا وحقيقيا للمجتمع. ويمثل سيد البحراوي أحد الكتاب الذين سعوا إلى جعل الذات الإنسانية العربية مرآة لواقعها المأزوم، حيث غدت رحلة البطلة "هناء" إلى الأندلس في جوهرها رحلةً للبحث عن الذات واليقين والتوازن، وفضاء رحبا لأسئلة تتعدى هذه الذات إلى المجتمع بأكمله.رفوف كتب

3: الذات والمجتمع - فقدان الهوية

تأخذ الذات عند سيد البحراوي في روايته "ليل مدريد"[28] معنى مزدوجا؛ فهي تحيل إلى الإنسان (الفرد) من جهة، والمجتمع بأسره من جهة ثانية. إنها ذات شديدة الارتباط بهموم مجتمعها وتناقضاته وأزماته. ولذلك يمثل البحث عن الهوية والتوازن النفسي أحد مكونات هذه الذات المأزومة.

 يصور الكاتب ذاتا إنسانية تعاني إحباطا شديدا ويأسا لامتناهيا. بل يمكن القول إن أحد أهم مآزق بطلة الرواية "هناء" هو التمزق في هويتها وعدم قدرتها على فهم ذاتها والتكيف مع واقعها. هذا ما عبرت عنه بقولها: "أعرف أنني أعيش حالة ضياع كامل. لا أعرف من أنا، ولا ماذا أريد، ولا ماذا أفعل بحياتي"[29].

لاشك أنه سؤال الذات التي تعذر عليها التواصل مع واقعها، وعجزت عن تأكيد هويتها ووجودها في واقع مترد من حولها. ولذلك سعى سيد البحراوي في روايته إلى تجسيد أزمة وجودية تغلغلت في أعماق بطلته التي تبحث عن السكينة، وتتوخى تعرف عللها الداخلية وتفسير أسباب مرضها. ويمثل التناقض الداخلي أحد عوائق "هناء" بطلة الرواية في تحقيق توازنها. تناقض بين تربيتها الدينية وبين الحرية التي تتوق إليها، وتناقض أيضا بين مجتمع عادل وواقع محبط. لقد حولت هذه التناقضات جميعها، إضافة إلى رغباتها العاجزة، حياةَ البطلة إلى مزيج صعب ومعقد يوازي في الحقيقة تعقيد المجتمع وتناقضاته الحادة والضاربة في جذوره العميقة. وكأن الكاتب مشغول باستبطان الذات المتشظية في مجتمع اهتزت قيمه وتبدلت. هكذا تعكس الذات الممزقة هموم مجتمعها وانكساراته وتعقيداته اللامتناهية؛ إنها تحمل صوتها الخاص وصوت مجتمعها المأزوم.

يمكن تحديد هذه الرغبة المنكسرة التي تنوء بها الذات فيما يلي:

رغبة في فهم الذات- رغبة في الحب- رغبة في السكينة والأمان- رغبة في العلاج- رغبة في الجسد- رغبة في الأمومة- رغبة في مجتمع عادل- رغبة في السفر وتحقيق الذات.

 

تعكس هذه الوجوه المختلفة للرغبة الإنسانية ذاتا ممزقة عجزت عن التكيف مع واقعها، مما دفعها إلى الوهم ورحلة البحث عن اليقين والطمأنينة. بيد أن تركيز الكاتب على ذات هناء اللامتوازنة ينطوي على رؤية توازي بين تلك الذات والمجتمع الذي يعاني شتى ضروب القهر. هكذا تصبح الذات مرآة لحياة قاهرة فرضت على المجتمع؛ أو هي بمثابة منظومة من القيم المتدهورة التي مست عمقه ونسيجه الاجتماعي المتنوع. ولذلك عمد السارد إلى جعل الذوات جميعها تشترك في المأساة أو الفاجعة التي أثرت على الواقع المصري وعلى حياة الناس أيضا. يتجاوز الصراع في هذه الرواية ذات هناء الممزقة إلى صراع المجتمع المصري نفسه، وهو ما عبر عنه حمدي أحد شخصيات الرواية المنكسرة في رسالة إلى هناء: "أنا حزين. ليس فقط بسبب موت مجدي. جيلنا كله بدأ في طريق الموت. أنا حزين أيضا على نفسي، لا أدري لماذا. كل شيء يقودني إلى الحزن"[30]. على هذا النحو تجسد هناء صراعا يعانيه المجتمع بين تقاليد وأعراف وأمراض وتخلف وظلم وتفاهات من جهة، وحرية مأمولة وحلم بتحقيق الازدهار أو مجتمع نظيف تملؤه القيم الخلاقة من جهة ثانية.

 

لقد سعى سيد البحراوي في روايته إلى التغلغل في خفايا الذات الإنسانية التي أسهم الواقع المتردي والأوضاع المتدهورة في تعميق علتها. لا تتجسد الذات هنا في شخصية هناء فحسب، بل هي مبثوثة عبر كل الشخصيات المأساوية التي تنحدر إلى عمق الأزمة (الأب والخال خالد والأخت صفاء والزوج محمود والصديق حمدي). جميعهم ذوات تشترك في المأساة نفسها؛ مأساة التكيف مع الواقع المحبط. إن مغامرة البحث عن القيم النبيلة التي تعيد إلى المجتمع توازنه تمثل جوهر هذه الرواية؛ ذلك أن تفكير البطلة الدائم في مظاهر الاختلال، وحلمها بإقامة مجتمع عادل ونظيف، وكذلك انتقادها للأوضاع الفاسدة ومواقفها من الأزمات العربية، كل ذلك إنما يجسد تلك النزعة الإنسانية الحالمة بالتغيير. إن حيرتها ليست وجودية أو مجرد تعبير عن اختلال نفسي واجتماعي فحسب، وإنما هي نتاج ذات متمزقة عجزت عن تحقيق أحلامها الكبرى المتمثلة في العدالة والحرية والتغيير.

إن عدم تواصل هناء مع ذاتها وتناقضاتها الدائمة وعجزها الذي استسلمت له في النهاية، دفعها إلى البوح باعتباره الحل النهائي للخروج من المأساة. لقد استثمر الكاتب معاناة البطلة ومأساتها العميقة وتناقضاتها الحادة للتعبير عن جيل لا يملك سوى البوح بهمومه وإشراك الآخرين في حلها. تقول هناء وقد أدركت مأساتها: "اكتشفت أنني ممزقة داخل نفسي وفي علاقاتي مع الآخرين. وأن الآخرين كذلك ضائعون، حتى من الأجيال الأكبر"[31]. وبناء عليه يمكن القول إن البطلة تسعى إلى أن تخوض مغامرة فهم الذات. بل لعل روحها العليلة تحاول اختبار ذلك الفهم، وحين عجزت عن ذلك ناجت نفسها ومن حولها ثم استسلمت في النهاية لعلتها بعدما نفذ السهم: "لا أستطيع أن أفعل شيئا ولن يستطيع أحد مساعدتي. نفذ السهم وما من سبيل"[32].

جملة القول، لقد صور سيد البحراوي ذاتا تعكس مجتمعه، وتمثل هذه الذات في واقع الأمر وعيا بمأساة الواقع، ومحاولة لتفسير الأزمة أو الاعتراف بها على نحو يجعل كل الشخصيات تنحدر نحو مصيرها المأساوي. إن حيرة الذوات الممزقة ناتجة عن أزمة هوية وإدراك لفقدان يقينها وعدم قدرتها على مسايرة واقعها، مما يفسر كثرة التناقضات واحتدامها بداخل هذه الذوات وإسهامها الحقيقي في تشكيل صورة المأساة. وإذا كانت الذات عند سيد البحراوي تمثل نتاجا حقيقيا لمجتمعها؛ تعكس صورته الحقيقية وتعبر عن أزمته الحضارية، فإنها عند بهاء طاهر تخوض تجربة فهم أعماقها الخاصة وتحولات مجتمعها من جهة، كما تتجاوز ذلك إلى التواصل مع الآخر سعيا إلى تصوير تجربة مشتركة في المنفى قوامها الذات المغتربة التي تبحث عن وجودها.

4: الذات والآخر

تحمل الذات عند بهاء طاهر  معنى أكثر رحابة وانفتاحا، فهي تتجاوز الأنا الخاصة المنغلقة على نفسها أو المهمومة بقضايا وطنها إلى الآخر. إنها لا تدرك حقيقتها إلا بالتواصل مع هذا الآخر والاندماج في علاقات متشابكة معه. وبمعنى آخر؛ يتقابل تصوير الذات في رواية "الحب في المنفى"[33] لبهاء طاهر مع صورة الآخر. تتجاوز الذات هنا مآزقها الخاصة وعللها الداخلية ومشكلاتها الاجتماعية لتبلغ آفاقا رحبة ومشتركة تتوحد فيها الهموم الإنسانية الكبرى. فمن خلال علاقة حب في المنفى (مدينة فيينا على وجه الخصوص) بين مراسل صحفي مصري[34] و"بريجيت" الألمانية، يسعى بهاء طاهر إلى رصد جملة من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي شهدتها مصر وباقي الدول العربية بعد الهزيمة وانهيار الحلم القومي، كما يسعى إلى نقد الذات التي فشلت في تحقيق مشروعاتها الإنسانية الكبرى من عدل وحرية وكرامة وغيرها. هكذا أمكن القول، إن رصد خيبة الشخصيات المختلفة التي جمعها المنفى، والسخرية من الذات، وتعرية واقعها الثقافي والسياسي، وفهم علاقتها بالآخر، والنظر إلى الحب بوصفه خلاصا ومنقذا للذات من الاغتراب والتيه، تمثل جميعها أحد رهانات هذه الرواية.

يصور بهاء طاهر ذاتا تبحث عن حقيقتها وهويتها في سياق علاقتها بالآخر (سواء بحثها عن فضاء جديد "فيينا" أو انخراطها في علاقات إنسانية مختلفة "بريجيت والأمير حامد"). لقد كشف هذا التواصل مع العالم الجديد خيبة الذات وفشلها وتبدد أحلامها. والحق إن هذا الإحباط الملازم للذات لم يكن وليد جغرافيا بعينها تشهد تحولات ذات آثار سلبية، بل هو نتاج واقع سياسي مترد وعدم قدرة هذه الذات على التكيف مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم بأسره.

لقد هرب البطل إلى "فيينا" تحت وطأة الظروف السياسية؛ أي بعد تبدد الأحلام الكبيرة التي آمن بها، والمتمثلة في نجاح الثورة واستمرارها وتحقق الحلم الناصري ببناء وطن قوي وقومي يسود فيه العدل وتتحقق فيه الكرامة. إن وفاء السارد (البطل) لعبد الناصر كان السبب الرئيس لإبعاده عن الجريدة وعمله مراسلا لها بسويسرا. والحق أن هذا المنفى شبه الاختياري قد عمق أزمة الذات المحبطة؛ إذ يوازي هذا الشعور بانهيار الحلم وقساوة الواقع وتردي الأوضاع الداخلية، شعور بانهيار الحياة نفسها وانهيار القيم، وهو ما يفسره تواتر الأحداث في الرواية وانصهارها ضمن رؤية موحدة (اجتياح إسرائيل للبنان، سطوة الرأسمالية، توحد الذات العربية المغتربة في المنفى حول همومها المشتركة).

تدخل هذه الذات في صراع محتدم بين الحلم الناصري والانبهار به وإدانته في آن؛ إدانة انتهازية المثقفين، وكشف علاقة المثقف بالسلطة وفساد الأخلاق والصحافة وسطوة الانفتاح الاقتصادي. بل بالإمكان القول، إن مأزق هذه الذات وجودي بالدرجة الأولى؛ فالبطل يسعى إلى فهم حيرته الأبدية وأزمته الخاصة؛ والحق أنه يفهمها ولكنه لا يستطيع سوى أن يسخر منها ومن واقعه المحبط. فها هو يسخر من عمله بالمنفى: "قيدني العمل .. أي كذب ! .. لم أكن أعمل شيئا في الحقيقة. كنت مراسلا لصحيفة في القاهرة لا يهمها أن أراسلها. ربما يهمها بالذات ألا أراسلها"[35].

 

وهاهو أيضا ينتقد ذاته بصراحة حين اعترف أنه ترك الاهتمام بالسياسة لما اكتشف أنه لم يكن يفهم: "كل ما في الأمر أنني اكتشفت اليوم شيئا مهما جدا. ربما بفضل بيدرو إيبانيز أو ربما كنت أنت السبب، أو لعلها بريجيت أو لعلها منار: اكتشفت أنني أكذب"[36]. هكذا تكتشف الذات حقيقتها بواسطة الآخر الذي تتواصل معه. فمع بريجيت بدأت هذه الذات تراجع نفسها وماضيها وتفهم، بل وتبحث عن خلاصها: "أشرق في ذهني أنني كنت عبر تلك الشهور مع بريجيت أتلمس الطريق إلى حقيقة كانت هناك طوال الوقت، ولكني كنت أعمى عنها، أنني ظللت باستمرار أمثل أدوارا حتى غاب عني أنا نفسي، وسط كل تلك الأقنعة، وجهي الحقيقي .. أنني حتى لم أحلق في التمثيل عاليا .. كان جناحاي أنا أيضا من شمع ذابا في شمس الحقيقة .. ذابا في بطء معذب أوشك أن يقتلني .. فما أسعدني لأني أخيرا سقطت على الأرض. من أكون؟ ها أنذا أعرف أخيرا من أكون .. لست مهما على الإطلاق، لم أكن مهما في أي وقت"[37].

بيد أن هذه الذات المغتربة التي أرهقها واقعها الثقافي والسياسي والأخلاقي المأزوم، تشترك مع باقي الذوات في الرواية في الإحساس نفسه؛ فكل الشخصيات تعاني المصير المغترب وحالة الخيبة نفسها فرحلت لتبحث عن السكينة بمشاركة الآخرين (يوسف الذي هاجر بسب اشتراكه في مظاهرة ضد السادات، وإبراهيم الماركسي المتحمس الذي ينتهي به المطاف في لبنان، وبريجيت التي أحبت في صمت إفريقيا من غينيا الإستوائية وتعاني من ذاكرة أليمة بسب موليير عاشق أمها). إن المنفى هو الذي يكشف عن قصص هذه الذوات ويمكنها من البوح والاعتراف، على نحو ما يكشف صورة نزوح العشرات من المثقفين الذين ضاق بهم الوطن ولم يستجب لأحلامهم الكبيرة. ولكن المنفى على الرغم من وظيفة الاحتواء التي يضطلع بها في النص، إلا أنه لا يصنع السعادة الحقيقية، فهاهو إبراهيم يعترف للسارد في صيغة تساؤل يوحي بمشاركته باقي الذاوت حيرتها الوجودية: "هل يمكن أن تقول لي أنت ما الذي جرى؟ أقصد لماذا لم نعد نعرف أبدا أية فرحة حقيقية ولا حتى أي سكينة حقيقية؟ هل تعرف كيف صدر الأمر بحرماننا من السعادة"[38].

 

لقد فقد السارد الحلم بالتغيير وشاركته باقي الذاوت الشعور بالفقدان نفسه، ولكنه جعل من الحب خلاصه ومنقذا لروحه. أحب بريجيت المثقفة الرومانسية التي تعكس الوجه المشرق للحضارة الغربية. لقد أراد أن يحول تواصله المستمر معها وحكيه لما يختلج أعماقه علاجا لحيرته وتخفيفا لمحنته الخاصة. مثلما وجدت هي أيضا في الحب ملاذا لها من التيه، وجعلها تولد من جديد: "ألم نتفق على ألا يهزمنا العالم مرة أخرى؟ ألم نتفق حالا على ألا يكون في الدنيا سوى أنت وأنا؟ مدت يدها وهي تقول ذلك ثم رفعت ذراعي ووضعتها حول كتفيها فمددت يدي الأخرى وضمتها إلي بقوة وأنا أقول لنفسي نعم، يجب ألا يكون سوى هي وأنا .. يجب ألا تهزمنا الدنيا مرة أخرى. وكانت هي تكمل بصوت خافت ووجهها في صدري: نعم، هكذا .. هذا يدفئني .. هذا يحميني. لم أعرف أبدا هذا السلام وهذه السكينة. إلمسني. هل تشعر كيف تغيرت بريجيت.. هل تشعر بها الآن امرأة تولد من جديد في سلام الحب"[39].

 

هكذا جعل بهاء طاهر من المنفى فضاء لتواصل الذوات المغتربة التي عجزت عن تحقيق أحلامها في وطنها، فكان البوح والاعتراف والتواصل بينها حلا لمشكلاتها العميقة. إنها ذوات حائرة وجدت في الحب (أي في الآخر الذي تتواصل معه) خلاصها من كل المحن الداخلية وآلام الذاكرة  وفراغ الروح والخوف الدائم من فقدان الحرية والعدالة، وسطوة الثروة وطغيان الظلم. وإذا كان بهاء طاهر يمنح شخصياته فرصة للتواصل مع الآخر في المنفى من أجل إدراك جوهر وحقيقة الذات التي هزمها واقعها السياسي والثقافي، فإن ميرال الطحاوي جعلت من السفر وسيلة للعودة إلى هذه الذات وفهمها من خلال تأمل الذاكرة واسترجاع تفاصيل الماضي.

5: الذات والذاكرة - الحنين إلى الشرق

لاشك أن إحدى الدلالات الرئيسة التي تكشف عنها رواية "بروكلين هايتس"[40] لميرال الطحاوي، تتمثل في النظر إلى الغربة ليس باعتبارها فضاء تتواصل فيه الذات أو تعترف وتبوح للآخر بكل هواجسها، بل بوصفها منبها للذاكرة على الغوص في محتوياتها وتفاصيلها. إنها الذات التي تجتر ماضيها وطفولتها وتجعل منهما رمزا لهويتها المفقودة وخلاصا لحالتي الحيرة والخوف اللتين استبدتا بتجربتها في الحياة. بل يمكن القول إننا بصدد ذات تبحث عن معنى لوجودها، وتسعى إلى إدراك لايقينها وجوهر إشكاليتها الوجودية من خلال السفر والغوص في الذاكرة وسبر الأفكار الداخلية. وقد توسلت الكاتبة في بحثها عن الذات وسبر أغوارها بتقنية "التماثل" حيث الشخصيات تتلاقى وتتشابه لتعبر عن الإحساس بالتيه وتعثر الأحلام.

تجسد هذه الرواية قصة امرأة مطلقة وأم لطفل وحيد يبلغ من العمر سبع سنوات. رحلت من ريف مصر إلى منطقة "بروكلين" بأمريكا، رغبة في تحقيق أحلامها وإشباع ذاتها. ولكنها اصطدمت بواقع مرير مليء بالتناقضات عمَّق حيرتها وزادها اضطرابا وقلقا[41]. إنه الواقع الذي تتشابك فيه تفاصيل الماضي وخباياه مع واقع مدينة "نيويورك" بكل ما يعتريه من عنصرية وعنف ديني واغتراب.

 

تتوزع الذات في هذه الرواية عبر عالمين؛ عالم الذاكرة والحاضر. فالبطلة هند تجسد حيرتها الوجودية انطلاقا من ذلك التماثل القائم على امتداد السرد بين الحاضر والماضي؛ أو بين واقع تعيشه وماض بعيد بتفاصيله المعقدة. هكذا يصبح المكان (سواء القرية أو العالم الجديد المتحضر) فضاء للبحث عن الذات. يسهم مثل هذا التماثل القائم في الرواية بين عالمين متوازيين إلى حد كبير في تجسيد خصوصية هذه الذات وفهم حيرتها الوجودية. بل إن هذا التوازي هو إحدى الوسائل الضرورية المعتمدة في بناء الشخصيات والفضاءات المتنوعة في النص؛ فكل شخصية تقابلها البطلة تولِّد في ذاكرتها، بواسطة التماثل، شخصيةً أخرى، أو تستدعي بالضرورة حكاية أو مشهدا مستقلا بذاته، ولكنه يفضي أيضا إلى تأكيد أزمة الذات وحيرتها وترسيخ قلقها الوجودي. كذلك الشأن بالنسبة إلى الفضاءات؛ حيث تتعدد التقابلات بينها في النص فنغدو بذلك إزاء لوحات مكانية متعددة تعكس بدورها جوانب هامة وخفية من الذات التي تبحث عن الخلاص.

وبهذا المعنى يجسد السفر، أو يتحول قرار السفر إلى فعل، بعدما شعرت "هند" بأن تحقيق الذات رهين بالمغامرة. هكذا يمثل "جسر بروكلين"[42] بالنسبة إليها نقطة عبور إلى عالم جديد ستتمثل من خلاله تفاصيل حياتها المعقدة. بيد أن مغامرة السفر توازيها مغامرة أخرى أشد تأثيرا في الذات؛ وهي مغامرة الكتابة التي أمكن من خلالها لهذه الذات أن تحقق التواصل وتنشد الطمأنينة: "كانت تريد أن تكتب، كأنها ستموت لو ظلت الأشياء بداخلها كما هي مريرة ومتراكمة، وأنها تريد أن تنهي نصها الأول والوحيد "لا أشبه أحدا". لكن الكتابة عصية مثل أنثى جريحة، وأنها في الحقيقة لا تستطيع أن تتحرر من تلك الجروح. وأنها تبكي كثيرا، وتبحث حولها كالمجنونة عن تلك البنت الصغيرة التي كانت تسكنها. صارت فقط راغبة في التشرنق داخل هواجسها"[43].

 

على هذا النحو تصبح الكتابة فعلا يحيي الذاكرة ويبدد الهواجس ويعكس توق الذات إلى إضاءة بعض جوانبها الخفية والمعقدة؛ بل يمكن القول إنه يمنح معنى للحياة التي أصبحت مجرد ريح من الحنين الآتي من الشرق. بيد أن السفر على الرغم من أنه يسهم في تحقيق الذات، فإنه يضطلع كذلك بوظيفة أخرى هي وظيفة الكشف عن التناقضات الداخلية والاضطرابات النفسية التي تحيط بالشخصية. ف"هند" على سبيل المثال "لم تكن تعرف أن حياتها ستصبح هججا دائما، وتغريبة طويلة، مثل قصة أبو زيد. لم يعد ذلك فقط ما تتوق إليه روحها القلقة"[44]. لقد كشف فعل السفر عن غربة ليست مكانية فحسب، بل نفسية بالدرجة الأولى. أيقنت "هند" أنها وحيدة وبائسة[45]، وأنه كلما عمَّقت تجربتها في الحياة (من خلال السفر أو التأمل في الوجود والذاكرة) ازداد لايقينها في الطمأنينة وفي الخلاص.

 

ولعل ذلك التوازي أو التماثل الحاصل بين الحاضر والماضي في الرواية يكشف عن نزوع الذات إلى الغوص في ذاكرتها وطفولتها بحثا عن السكينة. تدفن "هند" "رأسها في الأغطية أكثر، وتحلم بأشباح طفولتها، تحلم بحياتها التي تنساها، وتضيع من يدها"[46]. ولكنها مع كل هذا الحنين تظل حياة قلقة مليئة بالتناقضات والأوهام والخوف. مما يدفعنا إلى القول، إن الذات كلما تقدمت في التجربة ازداد وعيها وإدراكها بماضيها. ولاشك أن هذه المراوحة بين الذاكرة والحاضر في توازٍ وتدرج مستمر هو ما يمنح هذه الذات نوعا من الإدراك ومن التقييم.

 

ولاشك أن فعل السفر مزدوج؛ سفر في الذات وفي الأمكنة، وهو يعكس بذلك رحلة بحث عن ذات ممزقة وحيدة لا تعرف الخلاص. وكأننا بصدد عزلة نفسية واجتماعية لذات تائهة تدرجت الكاتبة في تصويرها إلى نهاية الرواية؛ حيث تحتدم بصورة أشد في النص، فتشترك باقي الذوات الأخرى في المصير نفسه وفي تأملاتها الوجودية الخاصة. ولعل موت "ليليت" في نهاية الرواية أن يعكس رؤية الكاتبة حول رحلة الإنسان الحائر في البحث عن ذاته. لقد فقدت "ليليت" أو "ليلى السعيد" ذاكرتها أو جزءا منها ولزمت الفراش وكأنها تخلصت من ماضيها، فكان لابد لها أن تموت في بلد أشد قساوة على الذات. لقد عزمت على السفر لأنها لم تكن تعرف ما تريد، الرغبة في الخلاص هي الحافز نحو معرفة الذات ونشدان السكينة. تركت ابنها عمر وقالت باقتضاب: "أريد أن أمشي.. أنا لا أتحمل هذه الحياة.. سأسافر"[47]. مثلما سافرت "هند" بحثا عن حريتها وأملا في تحقيق أحلامها. رحلت "ليليت" تاركة أوراقها ومذكراتها وشرائطها الموسيقية: "بعد أيام أغمضت ليليت جفنيها إلى الأبد، حين هز الحنين زجاج النوافذ ودخل، ليلمس روحها، فرحلت معه. سافرت وحدها كما جاءت من بلاد بعيدة"[48].

تتماثل هنا صورة "ليليت" مع صورة "هند" وكأننا إزاء ذات واحدة تواجه مصيرا مشتركا. كلاهما قرر السفر استجابة للحافز نفسه: البحث عن الذات. فهاهي "هند" تبوح بهواجسها وهي تقرأ خطابات "ليليت":

 

"أشعر أنني كتبت كل كلمة فيها.. أنها أوراقي أنا، وأن تلك الخطوط بالفعل خطوط يدي، ولا أعرف كيف أخذت تلك المرأة التي ماتت كل ما أردت أن أقول، وأكتب؟"[49].

في سياق هذا التماثل تعكس تجربة "ليليت" صورة "هند" وهي تبحث عن معنى لحياتها قلما وجدته[50]. كما يؤكد هذا التماثل بين الذوات القلقة كذلك توجه السرد في الرواية إلى تعميق فكرة البحث الدائم عن جوهر الأنا. إن حيرة الوجود وقلق الروح والخوف المستمر الساكن في الأعماق والتناقضات الدائمة والرغبة في الحرية وتحقيق الذات، جميعها قيم سعت ميرال الطحاوي إلى بثها في شخصيات الرواية وليس "هند" فحسب. لقد أرادت أن تجعل من هذه الذوات المختلفة صوتا واحدا ووعيا يعكس موقفا نحو العالم الذي أصبح أشد وطأة على الإنسان وأكثر تعقيدا.

 

***

 

لقد تباين النظر إلى الذات في الروايات الخاضعة للتحليل هنا بكيفيات متفاوتة؛ فبينما يغوص محمد أنقار في علل الذات الداخلية ليفهم طبيعتها المعقدة، يعمد سيد البحراوي إلى توثيق صلتها بالمجتمع وجعلها مرآة لأزمته الحقيقية، بينما يسعى بهاء طاهر إلى البحث عنها من خلال الآخر، في حين تجعل ميرال الطحاوي من السفر المزدوج (سواء في الجغرافيا أو في الذاكرة) وسيلة للبحث عن هذه الذات ومنحها معنى إنسانيا.

ولكن هذه الذوات على الرغم من تباين وظائفها، فهي تشترك أيضا في سمات موحدة؛ فقد جعلت هند في رواية "بروكلين هايتس" من الكتابة حلما ومن السفر وسيلة لتحقيق هذا الحلم، شأنها شأن هناء في "ليل مدريد" التي يعكس سفرها إلى إسبانيا لاستكمال دراستها، رغبةً ملحة في إدراك هويتها واكتشاف أزمتها وأزمة المجتمع من حولها. وشأنها أيضا شأن أحمد الساحلي الذي حصر كل هدفه في الحياة في كتابة رواية عن مدينته، أو سلام في "باريو مالقة" الذي استطاع تجاوز علله الداخلية حين آمن بالعلم وصنع لذاته هدفا يضيء طريقه. تفسر هذه التحولات في الذات الإنسانية التي كشفت عنها الرغبة في الكتابة، تلك العلاقة المبهمة بين الإبداع والحياة. على هذا النحو تمثل الكتابة حافزا يسهم في تحقيق الذات، وفعلا خاصا يستطيع المرء من خلاله أن يدرك تناقضاته أو لغز أناه[51]. والواقع أن هذه الذوات التي تشترك في البحث عن الإرادة بواسطة الكتابة وحب المعرفة، تحمل طبيعة خاصة؛ فهي تعي وجودها أو تسعى إلى فهمه والإمساك بتفاصيله، كما أنها لا تكف عن إثارة الأسئلة ومجادلة الذات والبحث عن السكينة. إنها تحمل رؤية عميقة للحياة وقضايا المجتمع وجوهر الروح.

ولأجل ذلك حاولت هذه الدراسة أن تثبت أن الذات في السرد الروائي ليست مرتهنة بمدى مطابقتها للكاتب، بل هي تحمل صوته وصوت المجتمع كذلك؛ إنها تعبر عن أعماق الإنسان الحائر الذي يبحث عن معنى لوجوده في خضم واقع متغير على الدوام.

 

باحث في البلاغة وتحليل الخطاب-  من المغرب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تصوُّر حول الجمل المفتاحيَّة

أو الجمل المحوريَّة أو الجمل الدلاليَّة

منقول

 

طبيعة الجمل عند عبد القاهر الجرجاني

في النحو الجرجاني، الجملة ليست مجرد قواعد وتركيبات، بل هي نظام مترابط يعتمد على "النظم" (ترتيب الكلمات وعلاقاتها) للكشف عن المعاني الخفية ودلالات السياق، حيث تُعزى الفصاحة للفظ (كالمجاز) أو للنظم (علاقات الكلمات)، ويقوم النحو عنده على أسس كـ"التعليق" (المسند والمسند إليه)، و"الإعراب" (الوظيفة النحوية)، و"الوجوه والفروق" (تعدد الصور للمعنى الواحد)، لتفسير كيف ترتبط الألفاظ لتكوين المعنى

مبادئ الجملة عند الجرجاني:

·         ** النظم (العلاقات):** هو جوهر الجملة، ويعني ارتباط الكلمات ببعضها البعض، وهذا الارتباط هو ما يكشف المعنى الحقيقي، فالجملة ليست مجرد كلمات مصفوفة، بل هي "نظام" من العلاقات اللفظية والمعنوية.

·         ** التعليق:** يؤكد أن الجملة لا تكتمل بدون مسند ومسند إليه، وأن معاني النحو تنشأ من هذا الارتباط بين الأجزاء.

·         ** الإعراب:** ليس مجرد ضبط أواخر الكلمات، بل هو أداة لتحديد وظيفة الكلمة في الجملة وكشف المعنى، وهو جزء من النظام.

·         ** الصور المتعددة للمعنى:** يفسر كيف يمكن للمعنى الواحد أن يتخذ صورًا متعددة (وجوه وفروق) بتغير التركيب، مثل تقديم وتأخير المسند إليه

تجليات تفسير الجملة:

·         المجاز وطرقهيرى أن مزية اللفظ قد تكون في العدول عن الظاهر إلى المجاز (كناية، استعارة، تمثيل)، وهذه كلها أشكال من علاقات الكلمات.

·         السياق والموقعالكلمة تأخذ معناها من موقعها ووظيفتها وعلاقتها بالكلمات الأخرى في السلسلة الكلامية، وهو ما يسمى "نسق" الكلمات، وتعتبر هذه رؤية سبقت المدارس الحديثة.

·         نحو المعانيهو النحو الذي يفسر الظواهر اللفظية منطلقًا من المعنى والقصد، حيث ترتبط البنية اللفظية بالوظائف العقلية والاجتماعية، مما يفسر كيف تستقيم الألفاظ لتؤدي المعنى

باختصار، يرى الجرجاني الجملة كبناء متكامل، يكتسب جماله ودلالته من "نظمه" وعلاقات أجزائه، وكيف تخدم هذه العلاقات المعنى المقصود، لا مجرد قواعد إعرابها

_________

بيان الجهة التي يختص منها الشعر بقائله  

431 -
وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في الجهة التي يختص منها الشعر بقائله .

وإذا نظرنا وجدناه يختص به من جهة توخيه في معاني الكلم التي ألفه منها، ما توخاه من معاني النحو ، ورأينا أنفس الكلم بمعزل عن الاختصاص، ورأينا حالها معه حال الإبريسم مع الذي ينسج منه الديباج، وحال الفضة والذهب مع من يصوغ منهما الحلي، فكما لا يشتبه الأمر في أن الديباج لا يختص بناسجه من حيث الإبريسم والحلي بصائغها من حيث الفضة والذهب ولكن من جهة العمل والصنعة، كذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر لا يختص بقائله من جهة أنفس الكلم وأوضاع اللغة .

432-
وتزداد تبينا لذلك بأن تنظر في القائل إذا أضفته إلى الشعر فقلت : “ امرؤ القيس قائل هذا الشعر " . من أين جعلته قائلا له؟ أمن حيث [ ص: 363 ] نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه أم من حيث صنع في معانيها ما صنع، وتوخى فيها ما توخى؟ فإن زعمت أنك جعلته قائلا له من حيث إنه نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه على النسق المخصوص، فاجعل راوي الشعر قائلا له، فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر، وذلك ما لا سبيل لك إليه .

433-
فإن قلت : إن الراوي وإن كان قد نطق بألفاظ الشعر على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر، فإنه هو لم يبتدئ فيها النسق والترتيب، وإنما ذلك شيء ابتدأه الشاعر . فلذلك جعلته القائل له دون الراوي .

قيل لك : خبرنا عنك أترى أنه يتصور أن يجب لألفاظ الكلم التي تراها في قوله :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

هذا الترتيب من غير أن يتوخى في معانيها ما تعلم أن أمرأ القيس توخاه من كون " نبك " جوابا للأمر وكون " من " معدية له إلى " ذكرى " وكون " ذكرى " مضافة إلى " حبيب " وكون " منزل "

معطوفا على " حبيب " أم ذلك محال؟ فإن شككت في استحالته لم تكلم.

وإن قلت : “ نعم، هو محال .

ص: 364 ]قيل لك : فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في معانيها معاني النحو كان قولك : " إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا " قولا بما لا يتحصل .

لا يكون ترتيب حتى يكون قصد إلى صورة وصفة  

434-
وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصفة إن لم يقدم فيه ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به، أو ثني بالذي ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة . وإذا كان كذلك فينبغي أن تنظر إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصفة : أفي الألفاظ يحصل له ذلك أم في معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أن يشك عاقل إذا نظر أن ليس ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ هو " الوزن " وليس هو من كلامنا في شيء لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما إلا به وليس للوزن مدخل في ذلك .

 

10 كتب تكشف لك سحر الكتابة وعوالمها الثرية

من الجاحظ إلى ستيفنسون

إبراهيم عادل

آخر تحديث 29 يونيو 2023

عالم الكتابة من أكثر العوالم ثراءً واتساعا، سواء أكانت كتابة الرواية أو القصة أو الشعر، كلما قرأت واطلعت وغصت أكثر في هذا العالم، أدركت اتساعه، ولعل أكثر ما يعرفك إلى هذه العوالم واختلافاتها هي الكتب التي وضعت حول الكتابة سواء لتوضيح مهاراتها أو أدواتها وطرق التعامل معها، أو الحكايات التي يحكيها الكتّاب عن علاقتهم بالكتابة، والتي تحمل من جهة أخرى أسرارا مختلفة.

1. البيان والتبيين

تناول كبار الأدباء العرب منذ بدايات عصر التدوين موضوع الكتابة الأدبية التي عرفوها باسم "البيان"، ولا يذكر البيان إلا ذكر عمدته وإمامه الكبير أبو عثمان الجاحظ (ت: 868م) صاحب الكتاب الأيقوني "البيان والتبيين"، وقد طرح من خلاله مفهوم الكتابة الأدبية وآلياتها وجمالياتها، وذلك من خلال ما سماه نظم العبارات وبناء الجمل واختيار الألفاظ ونحت المعاني، فهو صاحب المقولة الشهيرة "إن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ". وقد جاء كتابه في ثلاثة أجزاء، جعل الأول في "البيان" ويقصد به كل ما يكشف المعنى ويوضحه، فتحدّث فيه عن أنواع الدلالة، والمعاني واختلافها من العظيم المهم إلى الحقير الفاسد، والبلاغة وكيف وصفها العرب وكيف تحدثوا عن أنواعها في بناء الجمل والكلمات، وفي نهاية كل جزء يعرض لطرف من أقوال البلغاء والخطباء على سبيل المثل.

..*..

في الجزء الثاني يتناول الجاحظ ما سماه "باب اللحن" وهو الخطأ في اللغة، لكنه ينقل عن بعض الخطباء كيف يكون لحنهم مقصودا وبليغا في الوقت نفسه، كما يتحدث عن اختلاف المعاني تبعا للهجات القبائل أو المناسبات التي ترد فيها، وغير ذلك بشواهد شعرية من سير المتحدثين والخلفاء والأمراء وعلماء اللغة والبلاغة وعدد من خطبهم وأقوالهم في مواقف مختلفة،

 

 

وفي الجزء الثالث من الكتاب يقدّم حديثه عن سنن الخطابة العربية، ويتحدّث عن الأسماء التي وضعتها العرب للأزياء، ثم ينتقل إلى الحديث عن الزهد، ويختم الكتاب بفصل عن نقد الشعر والشعراء. هكذا يخوض الكتاب في أكثر من فكرة وموضوع، وهو على الرغم من عنوانه وما بدا من حرص مؤلفه على الحديث عن "البيان" وأهمية تركيز الأديب على فنون الأدب والبلاغة، تشعب وانتقل إلى مواضيع أخرى عديدة، مما جعله مرجعا للعديد من النصوص والكتابات الأدبية العربية.

 

 

 

طرح الجاحظ في "البيان والتبيين" مفهوم الكتابة الأدبية وآلياتها وجمالياتها، وذلك من خلال ما سماه نظم العبارات وبناء الجمل واختيار الألفاظ ونحت المعاني

 

2. أدب الكاتب

 

لم يكن الجاحظ وحده في هذا الباب، بل وجدنا الكثير من القدماء يتحدثون بين ثنايا كتبهم عن أصول الكتابة وواجباتها وكان ذلك بداية حركة النقد العربي القديم، فذكروا خصائص وصفات ما يجب أن يكون عليه الكاتب والكتابة الأدبية المتقنة بشكل أكثر تفصيلاً، من ذلك ما وجدناه عند ابن قتيبة الدينوري (ت: 889م) في كتاب سماه  "أدب الكاتب" قسمه أربعة أقسام، يبدأ بكتاب المعرفة، ثم تقويم اليد، ثم تقويم اللسان، وينتهي بكتاب الأبنية، فيتحدث في القسم الأول عن أسماء الحيوانات والطيور والناس، وأسماء ما في السماء والأرض من كائنات، وزروع، ثم يتحدث عن الأصوات والآلات والثياب. في القسم الثاني يتحدث عمّا سماه تقويم اليد  فيتناول الكلمة وتصاريفها وموقعها في الجملة، فيتحدث عن دخول الألف على لام التعريف وأحوال الاسماء الموصولة ومواقعها في الجملة، والمثنى وأنواعه، وغير ذلك، ثم يتناول في القسم الثالث "تقويم اللسان"، الأفعال وتصاريفها، وذكر ما يتغير من أسماء الناس والبلاد، حتى ينتهي إلى القسم الأخير في كتاب الأبنية إلى بناء الأفعال في العربية والصفات والأسماء وما بينها من فروق. هكذا يبدو كتاب ابن قتيبة مهتما ببناء الجملة أثناء الكتابة وصحتها اللغوية. 

ولا شك أن في كتب القدماء على الرغم من سبقها وأهميتها، بعض المشكلات على القارئ والكاتب على السواء، فمن ذلك كثرة الشواهد التي قد تكون غريبة على قارئ اليوم، ومن ذلك كثرة الأسانيد ونسبة الأقوال إلى أصحابها، مما قد يخرج بالكتاب عن هدفه في التعليم أو التدريب على الكتابة في وجه خاص، أو إغراق بعضهم في الحديث عن أمور ومواضيع قد لا تشغل الكاتب اليوم.

3. دفاع عن البلاغة

في العصر الحديث  ظهر عدد من الكتب التي تناولت الكتابة والأدب  باعتباره صنعة يجب الاهتمام بها وتنمية المهارات من أجلها، ومنهم كتاب أحمد حسن الزيات "دفاع عن البلاغة" 1967، الذي بدا أن الهدف من كتابته مواجهة موجة التغريب و"أدعياء الأدب" وما كان من أثر الصحافة على اللغة والأدب في ذلك الوقت. إلا أن الكتاب مع ذلك حمل عددا من الأفكار التوجيهية للكتابة، وكان التركيز فيه منصبا على الاهتمام بفصاحة اللغة وبلاغتها في الكتابة الأدبية، فتحدث عن ضرورة التفريق بين الكتابة الصحافية التي تكون موجهة إلى العامة وبين الكتابة الأدبية التي ينبغي اختيار أفضل الأساليب وأصح العبارات وأجزلها من أجلها، ويفرق بين علم البيان وعلم البلاغة وكيف يمكن للكاتب الناشئ أن يدرك الأول ويتعلّم الأخير من طول اطلاعه على عيون الأدب واللغة من كتب القدماء والمحدثين، وزيادة حصيلته اللغوية والأدبية التي تساهم في قدرته على البيان.

 

4. كيف تصبح كاتبا؟

لكنّ السؤال  الذي يتبادر إلى الأذهان بعد ذلك هو "كيف تصبح كاتبًا؟"، ولحسن الحظ فإن هناك كتابا يحمل هذا العنوان بالفعل صدر منذ عام 1934 للكاتبة الأميركية دورثي براند ولم يظهر مترجما إلى العربية إلا بعدها بنحو ثمانين عاما في  2015 باسم "لياقات الكاتب"، ترجمة فريق "ضمة"، ويبرر المترجم عبد الرحمن أبو عابد اختياره لهذا العنوان ابتعادا عن سوقية وابتذال العنوان الأول! بالتالي صدر الكتاب في عنوانه الأول أخيرا (2023) بترجمة أشرف توفيق عن دار "دوّن"، منذ السطور الأولى تبدو دورثي براند متعاطفة مع الكتاب حريصة على تحفيزهم وانتشالهم من عوائق الكتب الأكاديمية التي ربما تعطّل تقدّمهم نحو الكتابة، فهي تؤمن أن عالم الكتابة سحر له مريدوه، وتسعى أن تقدم إليهم وصفات سحرية تدخلهم ذلك العالم بكل سهولة، من خلال فصول الكتاب السبعة عشر تذلل لهم صعاب الكتابة وتوضح كيف يمكن التغلب عليها، وذلك من خلال خطوات وإرشادات أولية للكتابة، فتذكر في الفصول الأولى مثلا أهمية استغلال العقل الباطن وتحفيز الكتابة المباشرة من خلال تمارين كتابية صباحية، لا تفرض أي حدود أو قيود على الكتابة، وإنما يترك المرء نفسه فيها لتداعيات خواطره وأفكاره مباشرة، والانطلاق من تلك الكتابة الأولية لتحديد جدول زمني للكتابة، وفقا لحاجة الكاتب وطبيعة كتابته:

"اكتب أي شيء يتبادر إلى ذهنك: حلم الليلة الماضية، إذا كنت قادرا على أن تتذكره، أو الأنشطة التي قمت بها بالأمس، أو محادثة قمت بها سواء أكانت حقيقية أو خيالية، أو مراجعة لأفعالك ولضميرك اكتب أي نوع من أفكار الصباح الحالمة، بسرعة وبدون تدقيق، فالتميز أو القيمة النهائية لما تكتبه ليس له أهمية حتى الآن ولكن في واقع الأمر، سوف تجد قيمة أكبر في هذه المادة الأدبية أكثر مما تتوقع. إن هدفك الأساسي الآن ليس أن تبتكر كلمات خالدة، ولكن أن تكتب أي كلمات ليست محض هراء".

تضع دورثي للكتاب خمسة تمرينات أساسية، أولها الكتابة مباشرة عند الصباح ثم الكتابة بجدول زمني محدد، ثم يلي ذلك مراجعة الكتابة والقراءة ككاتب، وهي تلفت النظر إلى أهمية تنمية الوعي النقدي أثناء القراءة وملاحظة الأساليب الفنية في الكتابة أثناء قراءة كتابات الآخرين، كما تشير إلى ضرورة البعد عن النقد الانطباعي الذي يقدمه شركاء الكتابة أحيانا، كي لا يكون سببا في تثبيط همة الكاتب، ومن ثم الانطلاق إلى تنمية الأسلوب الخاص بالكتابة من خلال الملاحظة والقراءة النقدية الذاتية.

لعل أطرف ما تتناوله براند في كتابها حديثها عن أهمية تعوّد الكاتب على "الآلة الكاتبة" وصوتها وطريقة الكتابة عليها، واستخدام أوراق مخصصة للكتابة، وغيرها من أنماط كتابة في ظني أنها قد اختلفت تماما في عالم اليوم بعد نحو قرنٍ من الزمان أصبحت الكتابة فيه على الأجهزة المحمولة في كل مكان أسهل ما يمكن.

تبدو دورثي براند متعاطفة مع الكتّاب حريصة على تحفيزهم وانتشالهم من عوائق الكتب الأكاديمية التي ربما تعطّل تقدّمهم نحو الكتابة، فهي تؤمن أن عالم الكتابة سحر له مريدوه

5. الحكاية وما فيها

في 2009 قدم الروائي والكاتب المصري محمد عبد النبي ورشة كتابة إبداعية سماها "الحكاية وما فيها"، استفاد فيها من عدد من التجارب والكتب والممارسات العملية المباشرة للكتابة السردية بصفة خاصة، ونتج بعد ذلك من هذه الورشة كتابه المهم "الحكاية وما فيها" الصادر عام 2017 عند مؤسسة هنداوي، وقد صدرت له طبعة ثانية أخيرا عن دار "الكرمة".

في هذا الكتاب يأخذ محمد عبد النبي الكاتب بخطوات أكثر احترافية لكتابة السرد والرواية، بدءا بالكتابة الحرة البسيطة وطرق تحفيزها من خلال الأفكار والكلمات المفتاحية، مرورا بطرق مختلفة ومبتكرة لالتقاط الأفكار والكتابة من خلال اللعب بجدية، وكذلك الإشارة الى أهمية كتابة اليوميات، يبدو في الحكاية وما فيها أثر تلك الممارسة الفنية الطويلة وعدد من تمارين الكتابة الشيقة بالفعل، التي يمكن تجربتها على الفور والانطلاق منها إلى كتابة سردية جيدة، وهو بعد ذلك لا يترك القارئ في فوضى تلك التجارب والتمارين وإنما ينقله إلى تفاصيل بناء السرد، فيتحدث  عن التيمة التي يبني عليها الكاتب حكايته، وكيف يمكن أن تتفق التيمات في روايات مختلفة:

 "ضَعْ قائمةً بكلمات مجردة؛ مشاعر وانفعالات وأحاسيس، ثم حاوِلْ أن تصفها من خلال الحواس. على سبيل اللعب والتجريب: ما لون الحب؟ ما رائحة الغيرة؟ ما مذاق التعب؟ ما ملمس الغضب؟ ما صوت النفاق؟ فاجِئْ نفسَك وغامِرْ والعب، متجنِّبا الكليشيهات الجاهزة، فليس بالضرورة أن تكون صورةُ الحب على الدوام هي زهورٌ وقلوبٌ وشموسٌ غاربة، بل قد تكون أيضًا «سِنَّة مكسورة".

يضع عبد النبي فصولا خاصة عن كل تقنية من تقنيات كتابة السرد، فيخصص لوصف الشخصيات عددا من الفصول يتناول فيها طرق وصف الشخصية بدءا بمحاولة الكاتب تعريف نفسه باعتباره شخصية افتراضية حتى يصل إلى عدد من التمارين المهمة لبناء الشخصية، مثل وضعها في مواقف مختلفة وتغيير النوع والسن لوضع افتراضات جديدة في البناء، ثم يتحدّث باستفاضة كذلك عن الحوار وأهميته في السرد، وكيف يتغيّر تبعا للشخصيات التي يختارها الكاتب، وضرورة أن يأتي قصيرا مكثفا ودالاً على مواقف وطبيعة الشخصية قدر الإمكان، ويضع أيضا تمرينا لكتابة الحوار على النحو الأمثل، وكذلك يشير في فصل خاص إلى الوصف وتكوين المشهد في السرد وضرورته، وكيف يستخدم الكاتب حواسه كلها لوصف ما يراه وليس فقط من خلال عينيه، وأن وصف الأماكن كذلك يحتل أهمية خاصة في بناء السرد الروائي.

بعد ذلك ينهي عبد النبي كتابه بملحق يأتي فيه على ذكر عشرة كتب مترجمة تتحدّث عن الكتابة الإبداعية، يقدم لها ويشرحها، كما يضع عددا من النصائح المباشرة لكتابة السرد من عشرين كاتبا محترفا.

6. أدوات الكتابة

هكذا يبدو أن للكتابة أكثر من باب وأسلوب وطريقة، وأن هناك على الدوام تمارين محفزة، وأدوات مختلفة يمكن الاعتماد عليها لنقل الكاتب من مرحلة البداية الى الاحتراف، ولعل ما يقدّمه الكاتب الأميركي روي بيتر كلاركفي كتابه "أدوات الكتابة" يمثل نموذجا آخر لذلك، إذ يحدّد خمسين استراتيجية ضرورية لكل كاتب (حذفت واحدة منها في الترجمة العربية لأنها تخص قواعد اللغة الإنكليزية) فيتحدث عن طرق إثراء الكتابة بشكل عام، ويبدو الكتاب مهتما بفكرة "التحرير الأدبي" أكثر من الكتابة، إذ يخاطب كاتبا متحققا بالفعل، لديه القصة والحبكة والفكرة وانتهى من كتابته، لكنه يضيف له عددا من الأدوات اللازمة للكتابة، فيقسم الكتاب أربعة أقسام، أولها "صواميل ومسامير" يتحدث فيه عن ترتيب الكلمات داخل النص، تقديم الفاعل مثلاً، أهمية الجملة الطويلة واستخداماتها، وعلامات الترقيم، وغيرها من أدوات خارجية عن الجملة يمكن إضافتها وتعديلها والتركيز في بنائها.

في القسم الثاني يركز كلارك على ما يسميه "المؤثرات الخاصة" في الكتابة، مثل استخدام الكلمات المفتاحية، والاهتمام باختيار الأسماء، وإمكان التلاعب بالكلمات حتى في القصص الجادة، ومتى يمكن الافادة من إضافة اقتباس من كتابات الآخرين، وغيرها من طرق مهارية تميز كاتبا عن آخر، وتجعل له بصمته المميزة في عالم الكتابة، ويأتي القسم الثالث بعنوان "مخططات" الذي يشير فيه بداية إلى أهمية وضع خطة عمل لما تكتب في البداية، ويشير إلى أن كل كتابة يجب أن يكون لها خطة محدّدة داخلية للعمل من البداية إلى النهاية، كما يشير إلى الفرق المحوري بين كتابة القصة والتقرير الصحافي، ويتحدث عن استخدام الحوار أيضا في الكتابة وأهميته، وكذلك عن مميزات رسم الشخصية في الكتابة الأدبية، وإضافة محفزات للتشويق في الأحداث سواء الأساسية أو الثانوية، أو أن يغيّر الكاتب من طريقة وأسلوب كتابته بالكتابة بزوايا سينمائية مختلفة، وغير ذلك من الخطط المعتمدة، والجميل أنه في آخر كل أداة من هذه الأدوات يشير إلى تمرين خاص بتلك الأداة يمكن للكاتب تطبيقه عمليا لمعرفة طريقة عمل هذه الأداة وكيف يستخدمها في كتابته بفعالية.

7. فن الكتابة

أحد الكتب القصيرة المهمة التي تحدثت عن الكتابة كتاب "فن الكتابة" للروائي والكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون صاحب الرواية الشهيرة "جزيرة الكنز" وغيرها، الذي صدرت ترجمته أخيرا عن كتاب الدوحة 2020 بترجمة مجدي خاطر، وهو يتكوّن من مقالات عدة يتحدث فيها ستيفنسون أولا عن "العناصر الفنية للأسلوب الأدبي" فيتناول اختيار الكلمات وتوظيفها أثناء الكتابة والربط بين الكلمات وبعضها من خلال "شبكة" علاقات معتمدة، وهي الطريقة التي تميز أسلوب أديب عن آخر، كما يتحدّث عن "إيقاع العبارة" وما يمكن أن تحتوي عليه من جاذبية في الوصف وطريقة التعبير الدقيقة عن المواقف، ويشير إلى عدد من الأمثلة التي تحقّق فيها ذلك الإيقاع الخاص سواء في الشعر أو السرد القصصي.

كما يتحدّث ستيفنسون في مقالٍ آخر عن "المبادئ الأخلاقية لمهنة الأدب" (من مقال منشور عام 1881) فيشير إلى واجبين أساسيين على كل كاتب، الأول أن يكون عقله مرنا وخيّرا ومشرقا، وأن يتمكّن من تمثل الأفكار كافة ويرى الخير في كلّ الأمور، والواجب الآخر أن تكون أعماله الأدبية صادرة عن دوافع عميقة وإنسانية قوية، سواء جاء ذلك بأسلوب جاد أو ساخر، واقعي أو حالم، وأن يكون ضميره يقظا على الدوام حريصا على كل ما فيه نفع وطنه وأمته، وفي المقالات الأخرى للكتاب يتحدث ستيفنسون عن كتب أثّرت في حياته وتربيته، يذكر منها "أوراق العشب" لويتمان، و"حياة غوته" لجورج هنري، و"التأملات" لماركوس أوريليوس وغيرها.

يتناول ستيفنسون اختيار الكلمات وتوظيفها أثناء الكتابة والربط بين الكلمات وبعضها من خلال "شبكة" علاقات معتمدة، وهي الطريقة التي تميز أسلوب أديب عن آخر

8. الحقيقة والكتابة

تخصص الروائية الكويتية بثينة العيسى كتابها "الحقيقة والكتابة" للحديث عن الكتابة الروائية بصورة محدّدة، وتنطلق من فكرة أن الكاتب/ الروائي يريد دائما أن يصل إلى "الحقيقة" في كتابته، ولكنه في سبيل ذلك يكتب و"يكذب" وتأتي أهمية ما يفعله في كيفية تحويله هذه الكتابة إلى ما يسمّيه النقاد "الصدق الفني"، ذلك هو عماد الكتاب كله، ومن خلاله تتطرّق إلى "استراتيجيات" الوصول إلى تلك الحقيقة الروائية المراوغة، فتتحدث عن الكتابة الوصفية التي تساعد على تعميق التجربة القرائية نفسيا وذهنيا من خلال توظيف الجمل والكلمات، وفي فصول الكتاب الثلاثة تتحدث عن كيفية تحويل الحسي إلى مجرد، ومن الجزئي إلى الكلي، وكيفية توظيف طاقات اللغة إلى التقاط التفاصيل والحفاظ في الوقت نفسه على إيقاع النص وحيويته، وكيف تصف الشخصيات والأماكن والمشاعر والأحاسيس، وغير ذلك. والجميل في الكتاب أنه على الرغم من قصره النسبي (120 صفحة) إلا أن الكاتبة أضافت مع كل فصل وكل فكرة عددا من الأفكار والتمارين العملية التي تجعل الكتاب مرجعا لكل كاتب ناشئ مهتم بالكتابة الروائية والقصصية على وجه التحديد.

9. اللغز وراء السطور

في كتابه "اللغز وراء السطور" (الشروق 2017) يتحدث الروائي والكاتب الراحل أحمد خالد توفيق عن عدد من الأفكار والمشكلات الخاصة بالكتابة، فيتناول ما يسمّى بـ"قفلة الكاتب" وهي الحالة التي يتوقف فيها الكاتب بعد عدد من الكتابات الناجحة، وكيف يمكن التغلب على تلك الحالة واستدعاء مصادر الإلهام أو تنمية الخيال من جديد، كما يتحدث عن مشاكل خاصة أثناء الكتابة مثل "مشكلة اختيار الأسماء" وأنه يجب على الكاتب أن يحرص على اختيار أسماء شخصياته التي تتناسب مع زمان ومكان كتابتها، وفي مقال آخر يتحدث عن "الحيل الروائية" التي يلجأ إليها الكتاب، لا سيما ممن تخصصوا في الكتابة البوليسية أو التشويقية فيتحدث عن عدد من الأساليب التي تجعل السرد متماسكا وأكثر تشويقا مثل السرد غير الخطي، النهاية غير المتوقعة، التحوّل المفاجئ، الراوي في وسط الأحداث، السرد المقلوب… وغيرها)، وهو يجمع بين الحيل المستخدمة في الروايات والأفلام، كما يضع في نهاية هذا الفصل قائمة بعشرين فيلما أجنبيا جاءت نهايتها غير متوقعة ومفاجئة للمتفرج. اللافت في كتاب أحمد خالد توفيق، كما هي حال كتابته كلها، أن كل ذلك يأتي بطريقته المميزة التي تجعل القارئ شريكا له في تفاصيل الموضوع، يقدم الفكرة ويعرضها بشكل سلس، ونجد فيه حس السخرية الذي عرف به حتى في أكثر المواضيع جدية وصرامة.

10. فتاة تحب الكتابة

 

بعنوان أكثر شاعرية، يمكن لكلّ من يفكر في  الكتابة أن "يخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة"، وهو العنوان الذي وضعه محمد الضبع لعدد من المقالات  المترجمة لعدد من الكتّاب عن الكتابة وهمومها وأفكارها، فبعد فصول الكتاب الأولى التي خصصها للحديث عن الحب والقبلة عند عدد من المفكرين والأدباء، ينتقل إلى مقال لكاتب مجهول عن الفتاة التي تحب الكتابة:

"ابحث عن فتاة تحب الكتابة. ستكتشف أن لديها حس فكاهة عاليا، أنها متعاطفة وحنونة الى درجة بالغة، أنها ستحلم وتبتكر عوالم وأكوانا كاملة لأجلك. هي التي ينحني الظل أسفل عينيها، هي الفتاة ذات رائحة القهوة والكوكاكولا وشاي الياسمين الأخضر. هل رأيت تلك الفتاة، ظهرها متقوّس في اتجاه مفكرتها الصغيرة؟ تلك هي الفتاة الكاتبة. أصابعها ملطخة أحيانا بالغرافيت والرصاص، وبالحبر الذي سيسافر إلى يدك عندما تتشابك مع يدها. هي لن تتوقف أبدا عن تذكّر المغامرات، مغامرات الخونة والأبطال. مغامرات الضوء والظلام. الخوف والحب. تلك هي الفتاة الكاتبة. لا تستطيع أبدا مقاومة ملء صفحة فارغة بالكلمات، مهما كان لون الصفحة".

ثم ينتقل بعد ذلك إلى مقالات عن هوس الكتب، وكيف تتحدث عن كتب لم تقرأها، وحوار مع الكاتب برادبيري حول تجربته الكتابية وعالمه الشديد الخصوصية، وغيرها من مقالات تبدو محفزة على قراءة هؤلاء الكتاب والتعرف الى عوالمهم من جهة، كما تكون محفزة للبدء في الكتابة على الفور.

الحديث عن الكتابة طويل وذو شجون، ولحسن الحظ فإن الكتب عن الكتابة أيضا أصبحت عديدة ومختلفة ومتشعبة، ولا شك أن هناك طائفة أخرى من الكتب يتناول فيها الكتّاب أيضا رحلتهم الشيقة مع الكتابة والصعوبات والمشقات التي واجهوها أثناءها، أو كيفية التقاط تفاصيل أعمالهم التي أصبحت علامات بارزة في مشوارهم الأدبي.  هكذا يبدو أنه لم يعد أمام الكاتب الجاد إلا أن يبدأ رحلته على الفور ممسكا بأفكاره حتى لا تفلت منه وتضيع، وحتى لا يقضي عليها الذكاء الاصطناعي وتقنياته المتطورة كل يوم.

..........

الجملة المفتاحية هي الجمله الاساسيه التي تعبر عن فكره الفقره بشكل رئيس .

يضع المؤلف في كل فقرة جملة رئيسية تعبر عن الفكرة الرئيسية للفقرة تسمى : (الجملة المفتاحية)، وتكون معبرة عن الفكرة الرئيسية والوحيدة للفقرة، في أغلب الأحيان توضع في بداية الفقرة، أو في آخرها، وقليلًا ما توضع في منتصف الفقرة، ويحرص الكُتَّاب دائمًا وخاصةً في الكتابة الأكاديمية على استخدام جملة مفتاحية، ويسمونها الجمل الأساسية، وتعمل الجمل المفتاحية في الكتابة الأكاديمية على مهمتين رئيسيتين هما :

 

تحدد الجمل المفتاحية النقاط الأساسية للفقرة. تجعل الجمل المفتاحية جميع الفقرات في تسلسل من حيث إثبات الحجة.

تسهِّل الجمل المفتاحية وصول القارئ إلى المغذى من الفقرة، كما أنها تربط بين الفقرات وتجعلها في تسلسل منطقي ينقلك من المقدمات إلى النتائج.

 

خصائص الكتابة الأكاديمية

الكتابة الأكاديمية واضحة، وتركز على نقاط بعينها، وتسير وفق مخطط منضبط.

كتابة منظمة تنسيقها متماسك، مكتوبة وفق ترتيب منطقي تسلِّم النقط بعضها بعضًا.

الكتابة الأكاديمية مثبتة بالأدلة والبراهين ذات الصلة بالموضوع، فكل رأي مدعوم ببراهين دقيقة.

يستخدم المؤلف في الكتابة الأكاديمية أسلوبًا مناسبًا موجزًا واضحًا.

 

تساعد الجمل المفتاحية على القراءة السريعة

تساعد الجمل المفتاحية التي تتضمنها الفقرات على قراءة النصوص قراءة سريعة . حيث أنك من خلال تمييز الجمل الرئيسية في فقرات النص أو الكتاب الذي تقرأه تستطيع أن تعرف مغذى كل صفحة، وكل فقرة دون أن تقرأ التفاصيل، ودون أن تستهلك المزيد من الوقت في قراءة الحشوات، وإذا أردت التركيز على الأجزاء المهمة في النص عليك فقط تحديد الجمل الرئيسية من كل فقرة، وقراءتها دون النظر للكلام من حولها، هكذا يمكنك أن تتدرب على القراءة السريعة.

 

توفر لك القراءة السريعة الحصول على المعرفة التي تود أن تصل إليها دون استهلاك المزيد من الوقت والجهد في قراءة التفاصيل، ما عليك سوى أن تقوم بتدريب عينيك على انتقاء الجمل الرئيسية المحورية، ومع مرور الوقت سوف يبدأ عقلك في ترجمة النص بسرعة ودقة دون الحاجة لقراءة ما حول الجمل المفتاحية للفقرات، وسوف يساعدك التدرب على هذه التقنية أن تكون قارئًا سريعًا، فتستطيع التحصيل في وقت قياسي، ودون عناء.

 

تعلم القراءة السريعة

نعيش في هذه الوقت من الزمن في عالم السرعة، ويصعب على الجميع من الطلبة، أو الموظفين مواكبة هذه السرعة التي يمر بها اليوم، ومن أكثر الأشياء صعوبةً هي القراءة فلم يعد هناك وقتًا كافيًا لإنجاز المهام اليومية، ومواكبة تغيرات العالم، وهنا يأتي دور القراءة السريعة التي قد تكون من أهم المهارات التي يجب على المرء تعلمها في هذا العصر، وقد أثبتت الدراسات أن القارئ بتقنيات القراءة السريعة أسرع من القارئ العادي بما يصل إلى ثلاث مرات، مع العلم أن القارئ العادي يقرأ حوالي 200 لـ 250 كلمة في الدقيقة، وإليك بعض النصائح لتعلم القراءة السريعة :

 

اقرأ مقالات وكتب عن القراءة السريعة وكيفية تعلمها.

شاهد بعض مقاطع الفيديو، واستمع إلى بودكاست عن أساليب القراءة السريعة.

حصَّل أكبر قدر ممكن من العبارات والمصطلحات الشائعة في الكتابة.

اختبر سرعتك في القراءة لتعرف مستواك، وتحدد هدفك على هذه الأساس.

اختبر فهمك لما تقرأه بسرعة، فالفهم ملازم للسرعة، ولا ينبغي أن تتخلى عن الفهم في سبيل القراءة السريعة فليس هذا هو المقصود من القراءة السريعة.

مارس بعض الأساليب التي تساعدك على التدرب على القراءة السريعة مثل : (التقسيم، وتدوين الملاحظات).

النصيحة الأهم لتصبح قارئًا سريعًا ناجحًا هي أن تَتَدَرَّب.

بعض تقنيات القراءة السريعة

تقنية المسح.

تقنية اليد السريعة.

تقنية قراءة أجزاء من الكلمات.

 

تستطيع اكتساب مهارة القراءة السريعة من خلال التدريب، وإعادة التدريب باستمرار، قم بتقييم نفسك ثم عاود التدريب مجددًا، وفي كل مرة سوف تجد أنك أحرزت تقدمًا، وأصبحت أسرع من السابق، وإليك بعض التقنيات التي سوف تساعدك على تعلُّم القراءة السريعة :

 

تقنية المسح : حاول أن تتصفح النص كاملًا قبل إعادة قرائته، حيث يمكنك تكوين فكرة عامة عن النص، فليس عليك أن تقرأ كل شئ، عليك فقط قراءة ما سينقصك إن تخطَّيت قرائته، قم بمسح العناوين الرئيسية، والجمل المفتاحية، والأسماء، والجداول، والرسوم البيانية، والصور، والمقتطفات، كما يمكنك البحث عن بعض المعلومات التي تحتاجها، لا تضيِّع جهدك في التفاصيل.

 

تقنية اليد السريعة : تذكر أيام دراستك بالمدرسة حينما كنت تستخدم إصبع السبابة للإشارة على النص أثناء قرائته، سيزيد من مدى سرعتك لاستيعاب الجمل أثناء القراءة السريعة.

تقنية قراءة أجزاء من الكلمات : لا تقوم بتثبيت عينيك على كل سطر، اقرأ مع تركيز عينيك في منتصف السطر، سيساعدك ذلك على استيعاب الجملة بالكامل، قم بتقسيم النص إلى أجزاء وتنقَّل بين الأجزاء دفعةً واحدة، سيقل وقت قرائتك للنص بشكل ملحوظ بسبب روئيتك المحيطية، وستجد نفسك تقرأ بعض الكلمات عند رؤيتك لبعض حروفها دون أن تركز نظرك على كل حروف الكلمة

 

 

 

 

عرض جمل مفتاحية من الرواية

رواية "أمُّ الدُّويْس"

للروائي الإماراتي "علي أبو الرِّيش"

 

مُتعة القراءة الشيِّقة، تستولي على رغبة التعب والملل والتفلُّت هُروبًا لمرابض الرَّاحة، لكنَّها دهشة القراءة بهذه الجُمل المُثقَلة بدلالات معانيها البعيدة والقريبة، ولا يُمكن تجاوزها، من الواجب التوقُّف في رحابها للتأمُّل، وهي احتراق الكاتب، وعُصارة فكره.

 

 

 

 

 

 


 

 

نصوص الجمل المفتاحية

 

(كما وردت في رواية أم الدويس)

 

 

. لا جدوى من اللَّعنات في وجه القوَّة.ص8.

. في رحلة الشَّتات توارت الأحلام، ونشأت أحلام.ص9.

. الوحدة والعجز يكسران العظم، والإحساس باللَّاشيء، أمر مُزرٍ ومُخيِّب للآمال.ص9.

. الأثمان تبدو باهظة، ومستحيلة لدى الذين أجبرتهم ضمائرهم الخربة على تجاوز حدود المنطقة.ص11.

. تموت الشَّجرة التي تُنقل من تربة إلى أخرى، رغم توافر كلّ مُستلزمات الحياة لها.ص11.

. هل لتشابه الأمكنة، ما يجعل الانحياز إليها أمرًا عفويًّا؟.ص14.

. الرجال الذين ينتصبون بهامات شامخة يُشبهون أبي.ص14.

. الزائر لمكان لا يعرفه، قد يُصاب بالدَّهشة، أو بالملل، لكن أصحاب المكان وحدهم هم الذين انسحبوا بعد تألق في الصبر.ص15.

. نقطة الصُّفر الحضاريَّة، أجمل من الحضارة.ص15.

. كم هي أليمة هذه الفاجعة، عندما ينتظر الإنسان الموت.ص16.

. الإنسان عندما لا يكون له هدف ينظر بلا مبالاة إلى الأشياء من حوله.ص16.

. المدينة تتنفس الخراب، وعلَّتها أنَّها لم تزل تستحمّ في مستنقعات الحضارة.ص16.

. قلت في نفسي: ما نفع كلّ هذه الكتب، طالما عجز العلم عن طرد شياطين الهمِّ.ص20.

. فصاحة الطَّبيعة تكشف عن ساق شهواتها، وتُفرج عن لوعة تاريخيَّة في صناعة الألم.ص20.

. الذي يُحبُّ امرأة يجب أن يحترم رغبتها.ص23.

. الخرافة مهما كان لها من سطوة تبقى مجرد فقاعة تُدهش لكنَّها لا تُغرق.ص24.

. لا تصبح الأشياء موحشة إلَّا عندم تهيم في غُربة الأهل والمكان.ص26.

. كأنَّ هناك رهانًا خفيًّا بين الجدران والشَّجر، جميعها تموت واقفة، عدا البشر الذين يذهبون تحت التراب بلا رجعة.ص26.

. يبقى الحلم الدَّائرة الأوسع للذين يعشقون الحياة.ص26.

. الأشياء التي تبهت عندما تحتكّك بجدار الذّاكرة اليقظة، تبدو صقيلة لامعة، ورائعة أيضًا.ص27.

. الذَّاكرة عندما تُستفَزّ، تصبو إلى تفريغ الحمولة بأيّ شكل من الأشكال.ص28.

. بدلًا من لعن الشَّيطان، اُبْصُق في وجه الخُرافة.ص29.

. مَقْت الخُرافة التي يُجيد صناعتها الجَهَلة، كونهم مذعورين من المُستقبل.ص30.

. الحوريَّات لا يظهرن في الصَّحراء، الصَّحراء فقط موطن الأساطير، ومُدوّنات الطَّبيعة.ص31.

. الطُّرقات الوعِرَة مسكونة بالطَّيش والرُّعونة.ص31.

. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصوُّرات المُبهَمة.ص32.

. أن تنأى عن مناطق الخطر، خشية الوقوع في أفخاخ ما بعد الرِّضا.ص34.

. الإحباط صنو للإحساس بالفراغ.ص35.

. لا أحد يخلو من مُعضلة.ص35.

. ما الزَّمن سوى طيَّة سجَّادة لا نهاية لها، والعمر عُقدة في هذا الحبل، والحُظوظ تبدو كألياف يعضها مُهترئ، وبعضها متين، تتفتَّق عنه اِنْبهارات مُبهجة.ص36.

. الفُرصةالفاسدة.ص37.

. وحدهم الأنذال الذين يُمارسون الرّذيلة تحت جُنح الظَّلام.ص37.

. وحدهم الخائنون للأخلاق الذين يتردَّدون عندما تفتح الصَّحراء صفحات التاريخ، وتُفسّر للأميّين معاني الحلم الكريم.ص37.

. ما دامت المسافة بين الضفَّتيْن صارت تُقاس بحبل التاريخ، ولا يملك التاريخ إلَّا الأقوياء.ص38.

. الشَّجرة لم تأخذ من الأرض ما أخذه الإنسان.ص41.

. التَّاريخ نحن الذين نكتبه، وكثير ممَّا كتبناه زائف وخُرافي، وأحيانًا مُتعالٍ، وكاذب.ص43.

. الزَّمن فهو الحقيقة التي تقطن داخلنا. ص43.

. ماذا يحصل في العالم عندما تتساوى الكذبة بالحقيقة، فلا بُّدَّ تنتكس الحياة، ولا بَّ أن تتهيَّأ السَّماء لالتقاط بقايا ما طرأ من صراع.ص43.

. البلاد التي نشأ أهلها على الأحلام المبتورة، لا بدَّ أن يواجه أجيالها المُتعاقبة مثل هذه المشاعر المكسورة. ص45.

. تسقط الأشياء الجميلة بين أيدي الأجيال، كون المجتمع يمضي بقفزات مُتلاحقة، بتحقيق بعض النَّجاحات وكثيرًا من الإخفاقات، إخفاقات تحفر الفجوات بين المراحل.ص45.

. المجنون تزوَّج وأنجب الأطفال، بينما لبث العاقل يُفكِّر ويُدبِّر، حتّى فوات الأوان، ولم يُنجِز أيَّ شيء.ص46.

. عندما لا تتأنَّى في تفسير ما يُلقى عليكَ؛ تُصبح كالطِّفل الشَّرير، الذي يُريد الأشياء جاهزة، وطيِّعة ومُتاحة دومًا.ص47.

. للمرأة عينان. عين ترى فيها نفسها، وأخرى ترى فيها الآخر... بينما الرَّجل له عين واحدة، لا يرى فيها إلَّا نفسه.ص47.

. علم النَّفس يدرس سلوكيَّات النَّاس ومشاعرهم، بينما الخُرافة جزء من مشاعر النَّاس، بل شكَّلت هذه المشاعر.ص57.

. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البنَّاؤون لا يروْن ما أنجزوا جيِّدًا، إلَّا عنما ينظرون إليها من بعيد.ص64.

. اللَّيل يستُر كلَّ شيء عدا الأصوات؛ فهذه الذَّبذبات تتسرَّب إلى الآذان مع الهواء.ص66.

. لماذا التعمُّد البحث في تفاصيل الخُرافة، وإجهاد النّفس وتعريضها للمتاعب، والشَّخص في غنى عنها.ص67.

. بعض الأمَّهات عظيمات تستحقُّ الواحدة منهنَّ أن يُبنى لها تمثال في شارع عام.ص67.

. العُزلة تُلهمك الهدوء والسَّكينة، لكنَّها لا تُنقذكَ من أحلام اللَّيل عندما تُباغتك.ص69.

. الحلم لا يأتي من فراغ، إنَّما هو وسيلة للتعبير عمَّا يقطن في اللَّاشعور.ص70.

. الأحلام في كثير من الأحيان تتشابه.ص70.

. الاستغلال شيء، وممارسة الحياة بعفويَّة شيء آخر.ص73.

. لا فرق بين رجل وآخر في كل المواثيق، إلَّا أنَّ الضفَّة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون.ص75. 

. تلعن الظَّلام الذي لا يُريكِ غير الحُلكة، ويغيب عن ناظريْكَ  النُّجوم والأقمار، وعيون الإناث اللَّامعة بالشَّهوات المُباركة.ص76.

. النِّساء اللَّواتي تُريد تحاشيهنَّ، يتوافرن بكثرة، وينتشرن في الأمكنة كالأحجار المُلوَّنة.ص77.

. في المجتمعات الذُّكوريَّة تُقاس الفُحولة، بقدر اِمْتطاء الخيول الأصيلة، وهذا وَهْم.ص78.

. الفضاء يعُجُّ بكائنات لا نراها، وقد تكون ضخمة بضخامة هذا الكون الفظيع.ص79.

. العُزلة  تفعل بالإنسان ما يفعله السِّحر.ص79.

. السَّحرة والكهَنَة يعيشون العُزلة، لزرع تخيُّلاتهم وتصوُّراتهم حول الكون.ص79.

. شيءٌ لا تلمسه. عدم.ص80.

. لماذا يُشيِّدون هذه المُنشآت التي تقفز على مراحل التَّاريخ؛ فتبصُق في وجه البيوت المُتهالكة بسخرية مُرَّة.ص80.

. ليْت النِّساء كالمخدَّات... ولو كُنَّ كذلك، لما أتعبن من يعتلي أبدانهنَّ، ولا يفرضن الشُّروط الطَّائلة.ص82.

.النِّساء أشرس من الضَّواري، إذا لم يعرف الرِّجال فنَّ المُعالجة لأجسادهنَّ المُلتهبة.ص82.

. التِّلميذ النَّجيب الذي يُنصِت، لا يسأل إلَّا حين يُسمَح له بالسُّؤال.ص82.

. الاستيلاء على مشاعر الطَّرف الآخر، لا تتوافر إلَّا بالاستيلاء على إرادته، وكلَّما كان الشخص ضعيفًا، سهلت المهَّمة.ص83.

. أحيانًا يخسر الإنسان جرَّاء حياته الكثير الكثير من المواقف.ص85.

. الموت المُحقَّق يغتال الأغبياء، والذين يرفضون الحياة.ص89.

. بينما يختال آخرون مبتهجين بالسَّعادة الكونيَّة، التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النِّفط.ص98.

. الحياة يجب أن تستمر... لا بدَّ أن يموت أحد ليحيا أحد.ص99.

. ما الجمال الكُلِّي... أهو أن يضع النَّاس جمهوريتهم المثالية على أعقاب ماضٍ مُلوَّث.ص102.

. عندما يقفل الوقت ساعته، تعود الأشياء عودة مباركة بالانتصارات، وأخرى مُخيِّبة بالهزائم.ص102.

. عندما لا تُعلي الثرة شأن صاحبها، فإنَّها أشبه بالنّقمة.ص104.

. جلَّ نساء العالم مُخبطات.ص105.

. الممارسة البديهية لأي عمل، ليست إلَّا ضربًا من ضروب البؤس البشريَّ.ص107.

. المشاعر المهدورة لا مُقاب لها.ص108.

. الماضي ليس مادة معدومة، الماضي كائن حي يعيش في داخلنا.ص111.

.الذَّاكرة ليست وعاء ثقوبًا، بل هي قربة تنضح بالملح، الملج الذي يتسرَّب غلى التربة، ويُميت الزَّرع والضَّرع.ص111.

. الخوف هو الكائن المجهول الذي صنع كل هذه القصص، ودبلج المشاعر البشرية. لتصير مجرَّد أكوام من الخيال، يعيش على ضخامته شريحة من البشر.ص112-113.

. الحياة وعاء مُترَف بالملذَّات، فاغرف منه كيف شئت قبل أن يمتصَّ رحيقه غيرك.ص114.

. اللذَّة ثمرة الحياة، ومن يبخسها حقَّها فإنَّه كائن مُجافٍ لملَّة الكائنات الحيَّة.ص114.

. بقوانين حمورابي، أي لا عدوان ولا استغلال.ص117.

. الخرافات مصدرها الخوف.ص117.

. الفكرة تدحض الألم، والانغماس في تفكير ما، يجعل الإنسان لا يشعر بالمحيط الذي يُطوِّقه.ص118.

. بعض الأسئلة تبقى هي الأجمل، والإجابة عنها تفقدها معناها، بل وتُتفِّه مغزاها.ص118.

. الإنسان يستطيع أن يدفن الماضي بشيء من الثَّقة، وتستمرّ الحياة.*[1]ص122.

. لا بد أن نضع الماضي وراءنا، ونسير إلى الأمام حتَّى نستطيع أن نعيش.*ص125.

. اللَّيل مثار جدل بين الإنسان والشَّياطين الذين يعتبرونه معاشهم, وموطئ حركتهم الدَّائبة.ص135.

. الفلسفة هي العصا الت تنشقُّ عنها أحلام يقظة, وأفكار تتجاوز حدود يا يُفكِّر به العامَّة.ص137.

. معظم النَّاس يعتقدون بنبوءة الحُلُم... و لا يزال الكثيرون تُسيطر عليهم خُرافة، أن ما يحلم به الإنسان يتحقَّق في مستقبله الرَّاهن أو البعيد.ص139-140.

. العقل الباطن يتحكَّم في أعناق القوَّة والضَّعف في الإنسان.ص140.

. أتمنَّى لو أنَّ لسانها ينطلق، وتتحدَّث ببلاغة النِّساء المجتهدات جدًّا في صناعة العلاقات العاطفيَّة، ولو أنَّها تُسرجُ  جياد الكلمة، وتستعين بالقلب؛ لتفضَّ بكارة الصَّمت.ص141.

. الخيل تريد خيَّالًا، والمرأة تريد رجَّالًا (مكتوبة باللَّهجة الخليجيَّة "ريَّالًا" بقلب الجيم إلى ياء).ص143.

. كلُّ جديد يُصبح بعد حين قديمًا، والأشياء القديمة عزيزة على النَّفس، لأنَّها ترتبط بذاكرة وبأحداث ومواقف.ص145.

. عندما تُلقي نظرة إلى نِعالِك القديمة أشياء تذكر  تلاشت، وتراكم عليها الغبار، كما تلبَّد الغبار على نعالكَ.ص145.

. الأشياء التافهة تكون أحيانًا بديلًا رائعًا لزحزحة المشاعر، وتحريك المياه الآسنة والعفنة.ص146.

. الموت هو المخلب الذي ينغرس في الأجساد، ويحملها إلى شيء تافه، وتصوَّر لو أنَّ التي فنيت، لو أنَّها بقيت على سطح الأرض؛ فإنَّها سوف تتعفَّن، وتفوح منها رائحة عفنة ونتنة. قاتلة.ص163.

. الأشجار لا تنمو في المكان الذي يتكاثر فيه فيروس الغباء.ص164.

. الانشغال بالخرافة، هو هروب من الواقع.ص165.

. الحاجة هي التي تجعل الإنسان يخاف الآخرين.ص167.

. الخرافة متى أصبحت من زرع الواقع، فهي الحقيقة، ما عدا ذلك مجرَّد زيْف لا يُجدي.ص171.

. عندما يبحثُ الإنسان في المجهول فلا بدَّ أن ترتجف يداه، وترتعد فرائصه، وأن يعيش حياة المُطارَد، والمُشرَّد، يبحث عن ملاذ في وجدان الآخرين.ص171.

. الجنُّ وحدهم الذين يجولون تحت جُنح الظَّلام.ص172.

. صفعة الأنثىى أشدُّ ضراوة على الرَّجل من صفعة الذَّكَر.ص172.

. الخوف الوهمي أقوى من العلوم والاختراعات.ص173.

. صفعة الأنثى أقوى من صفعة الرَّجل، مع العلم أنَّ الأنثى في التَّاريخ الأسطوريِّ هي الطَّرف الأضعف.ص173.

. كيف صنع الإنسان خوفه، ألم يصنع صنمه بيديْه، ثم صار يتعبَّد عند قدميْه خاشعًا؟.ص175

. الإنسان لديْه من الحدس الدَّاخلي، والقوَّة الفعليَّة في صياغة العقل، ما لا يمكن الاستهانة به.ص175

. النَّاس الذين يعيشون في المزارع، أناس مجُّوا حياة المدن، واختاروا راحة البال.ص179.

. الذين يجلسون في القاع، يحقدون على الذين يتربَّعون عند القمَّة.ص183.

. من يحرث الأرض بأظافره، لا بدَّ أن يرمق من يستخدمه بعين الشَّرر.ص183.

. الانتقام حيلة من يسقط تحت سياط الظُّلم.ص183.

. زينة الحياة الدُّنيا، المرأة التي تخشاها أنت، هي المحتوى والمضمون.ص185.

. الصَّمت فلسفة الناس الذين ينظرون إلى الحياة نظرة عمق.ص188.

. أحيانًا السَّذاجة تكون فلسفة، لكنها فلسفة النَّاس الأبرياء العفويين، الأنقياء. الذين لم تشوههم النظريَّات المُعقَّدة.ص188.

. الابتعاد عن الشرِّ لا يحلُّ المشكلة.. المواجهة هي الحل.ص189.

. عندما تحضر المرأة، تستحضر معها الأسئلة الغامضة، والمخيفة.ص196.

. الأمنيات هنا مجرَّد سراب.ص201.  أ،أ،  

. التصرُّفات المشينة تشي عن نفس مُرتبكة، وروح مخذولة.ص204.

. الإنسان عندما يُحبُّ موضوعًا ما، فإنَّه يتلبَّسه.. يصير جزءًا منه.ص205.

. الجغرافيا التي لفظ البشر، فهي ليست موطنهم.ص208.

. الجغرافيا التي لا تحترم دموع الذين يلوبون على تضاريسها، فهي ليست ملاذهم.ص208.

. اللَّاشيء هو الموجود الخالد، الدَّيْمومي، والشيء هو العدم اللَّانهائيِّ.ص209.

. الحظًّ وحده هو السبيل لرفع هامة أو خفضها.ص210.

. الإنسان عندما يفقد الأمل، لا يفكر في بطنه، بقدر ما يفكِّر في إعدام فكرة الإحساس بالعدميَّة.ص211.

. الحمير أكثر أمنًا من البشر، لا يهمُّها بوق الشَّياطين، لا يعرفون الخوف من مجهول، كل ما يتوجَّسون منه الأشياء المحسوسة.. المُجسَّدة.ص216.

. هل الضَّعف يصنع الخوف، أم الخوف هو الذي يخلق الضَّعف؟.ص218.

. هل الجهل يُمارس وعيه الوهميُّ في كتابة روايات خُرافيَّة، تُصبح مع الزَّمن واقعًا، لا فكاك من تأثيره على النَّاس؟.ص218.

. الرَّاية التاريخيَّة تجاوز الأنثى من قطع أعواد الحياة، لتحملها على ظهرها، عائدة إلى المأوى بزاد ومراد.ص221.

الذِّكريات مريرة عندما تقفز إلى الذِّهن، وتفتح صفحات مجَّها الوقت، وصارت جزءًا من التَّاريخ.ص222.

. التَّاريخ وحده الذي يطوي صفحة ويفتح أخرى بناء على أوامر عُليا، ومراسيم بشريَّة تجري بين ساعة وحين.ص222.

. الخرافة قصَّة يصنعها النَّاس... فلماذا يخافونها؟.ص227.

. البدو لا يجوبون الجبل في جنح الظلام، يعودون أدراجهم إلى ملاذاتهم بعد قضاء يوم حاسم في البحث عن أحلام الأجواف الغائرة.ص228.

. من يُجاور الجبل يجب أن يصمد كصموده، وأن يتجلَّد بالصَّبر كصبره، وأن يتصلَّب كصلابة صخوره.ص229.

. الجبل لا يخاف من غدر الزَّمن، رغم الأحافير التي نهشت جسده.ص229.

. الفرح رديف الحزن، كلاهما يأكل من شحم الآخر، ولا تنتصر بعد ذلك إلَّا الإرادة.ص232.

. البدو يُقارعون الحزن بالأفراح المُتتالية.ص232.

. الموت رديف العدم، الموت صنو الذين اختبؤوا تحت سقوف الشَّقاء، وناموا على فراش النِّهايات القصوى، وبؤس الأحلام.ص233.

. أحيانًا يكون الخوف سلاحًا للنَّجاة.ص245.

. كان لا بدَّ أن يفنى شيء ويشبع شيء.. حتى الخوف أن يمنع الموت من تأكيد قانونه، بل إنَّه يكون سببًا للموت نفسه.ص245.

. الجبل العظيم يسكب حليب المفاهيم القديمة، ويتصعَّد ألقًا أزليًّا.ص247.

.  عندما ينشغل الإنسان بفكرة ما، يقطع المسافات من دون حساب عدد الخطوات.ص254.

. تُفسَّر الأحلام على أنَّها تأتي من خضمِّ تراكمات ماضويَّة، جاءت من ذلك السَّحيق المُعتم، المُحتدم بمعارك ضارية تدور رحاها بين الأنا والهُوَ.ص256.

. لو غِبت ساعة عن مأواك، يلازمك الخوف من فقدانه، وعندما تأوب إليه تكون قد بلغت من الأشواق ما يجفل لها قلبك.ص259.

. الاستغاثة تأتي مع المطر.. المطر يوقظ الأشياء من سُباتها. المطر الذي يغسل الأرواح، يمنح القلوب القدرة على الصَّفاء.ص261.

. كلمة خطأ واحدة يُمكن أن تُشعل حريقًا.ص263.

. كان صوته الهادر يهزُّ أركان القانون، فيلجمه عن قول الحقيقة. 267.

.   الطبيعة بكلِّ مُكوِّناتها لا تُخيف حتَّى الأشياء المُجرَّدة على غير هيئتها الطَّبيعيَّة.ص268.

. الأشياء المجرَّدة لا تتجسَّد لمُجرَّد أنَّنا نُحاول أن نصنع لها تمثالًا من طين.ص268.

. الوجه المُكتئب لا يُفسِّر معنى للفرح.ص271.

والصَّمت المُطبق يعني أنَّ انشغالات ذاتيَّة تجري مياهها في شعاب الوادي المُقفر.ص271.

.فالذي له أولاد يصفق يديه بحسرة الفقدان، فكيف سيكون حال الذي لم يتزوَّج؟.ص273.

. كل كبار السنِّ يُداهمهم الخوف من الموت.ص274.

. الوحدة تُشكِّل الحياة بألوان قاتمة، تذبُل عندها أوراق العمر، ويخذل الرُّوح، العصيان، المُتهوِّر وتدهور العزيمة.274.

. الذين يخافون مُحقُّون في مشاعرهم، لأنّض الهزيمة هي الحقيقة الدَّامغة.ص275.

. عادة القطط أنَّها لا تبحث عن ذكورها إلَّا في أنصاف اللَّيالي.ص276.

.  من المُخزي أن يتبرَّأ منكَ أقرب النَّاس، وينبري كالقاضي الجهم يحكم بالإعدام، من دون أن ينظر في تفاصيل القضيَّة الأساسيَّة.ص276.

. الأفكار كخرز المسبحة تتابع، وتتلاحق بين أصابع الذّاكرة، وكلَّما انتهيت من فكرة غزتكَ اخرى.277.

. الأحلام حقٌّ مشروع لأيِّ إنسان، ولا يستطيع أن ينازعك عليه أيّ كائن كان.ص278.

. أسأل عن حقيقة الخرافة: كيف اتَّحد العالم أجمع على الإيمان بها.ص280.

. النَّافذة الصَّديق الوحيد الذي لا يكذب، ولا يخون؛ تُريكَ الواقع كما هو، ولا تُصفَّق ولا تُلفِّق، فأنت تُحدِّق في المكان تراه كما هو.ص281.

. النَّافذة ليست أفواهًا مفتوحة، بل هي أيضًا صناديق أسرار، وحافظات لنيَّات وقِيَم.ص281.

.ألا علم بأنَّ الأحلام أضغاثًا، ولا علاقة لها بالواقع.ص291.

. . الأحلام لا تُصدَّق، حتّضى وإن صادف ولامست شيئًا من الواقع.ص292.

. الوقوف مباشرة في وجه الشَّمس؛ يدفع باللَّسعات الشَّمسيَّة، لتضرب بشرة الوجه كالإبر، ومع الإحساس بالظَّفر، كانت الوخزات تحقن المُنشّطات التي تُمنَح للأجسام المتهلِّكة.ص293.

. . تقول: إنَّ الأحلام لا تُفسِّر المستقبل، ولا تُعبِّر عنه. إنّما تُعيد قراءة التَّاريخ الشَّخصيّ، ثمَّ تبدأ الأدوات العقليَّة في الإخراج. والإزاحة، والتبديل والتعديل، والطَّمس أحيانًا، والإبراز في أحيان أخرى.ص320.

. التَّاريخ العاهرة التي تفتح ساقيْها لأشخاص عدَّة، ولا تتعب، كي تتقاضى ما يملأ معدتها ... معدة التَّاريخ واسعة، كما أنَّ جوفه أوسع من أجواف عاهرات العالم. ص321.

. الضَّجيج يمنع دخول الفكرة بسلاسة إلى الرأس.ص322.

. الحقائق لا تُكشَف شفاهة، وإنَّما هي تبدو في ثنايا البحث.ص323.

. كلُّ ما يدَّعيه الإنسان حقيقة من صُنع الخيال، ومع التَّسليم بالخيال؛ يصبح حقيقة تتوارثها الأجيال.ص325.

. ما جدوى الخيانة بحقِّ شخص تشبَّع بالخيانات، حتَّى بات عُملة فقدت صلَّاحيَّتها.ص328.

. البحر قارَّة مُحاصرة بالأبعاد الشَّاسعة، والفراغ الذي لا ينتهي إلَّا بلا نهايات قصوى.ص329.

. كلُّ  غير مرئيٍّ مُخيف، وكلُّ شيء مُخيف هو شيطان. ص331.

. الغارقون في المُجون منصرفون دومًا في صناعة الوضوح، والوضوح هو الشَّمس التي تسطع على وجه الحقيقة؛ فتُرى ناصعة جليَّة إلى حدِّ البساطة بلا تعقيد.ص337.

. الذين استمرؤوا الغوص في المياه الضَّحلة؛ لاصطياد أسماك تفوق على الآخرين.ص343.

. تبًّا للحُثالة والنَّجاسة، ونفايات التَّاريخ، والبُقَع السُّود في سفح الجغرافيا.ص348.

. تبًّا لفكرة تُراهن على الخُرافة كحبل معرفة.ص348.

. لا بدَّ من أتصوَّر من الحُثالة دائمًا تستقرُّ في قاع الفنجان.ص349.

................ انتهى الجمل المفتاحيَّة.

رواية أم الدويس تتألف من 351 صفحة. من القطع الكبير، طبعة وزارة الثقافة الأردنيَّة.2019

في آخر صفحة مُهرت بتاريخ انتهاء الكاتب علي أبو الريش (18.10.2010).

   ............

 

 

الفهرس

المقدمة. 5

علي أبو الريش في سطور. 7

دلالة العنوان. 11

فكرة وإضاءة 16

حول رواية أم الدويس... 16

فضاء الشخصيات في رواية أم الدويس... 45

الذات في السرد الروائي.. 47

تصوُّر حول الجمل المفتاحيَّة. 94

عرض جمل مفتاحية من الرواية. 131

نصوص الجمل المفتاحية. 132

 



[1] ملاحظة : ليس بالضرورة أن نتوافق مع الكاتب فيما ذهب إليه من آراء، بل هي آراء خاضعة للنقاش والحوار حولها. وكلنها تبقى في سياقها معقولة وصحيحة.

عرض مسرحي أقصوصة