الاثنين، 16 مارس 2026

تأملاات قرآنية في آيتين من سورة يونس

 

 

تأملات قرآنية

محمد فتحي المقداد

من وحي القراءة الرمضانية:

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾.

[سورة يونس: 42- 43]

 

·                     الاستماع دليل صحَّة حاسة السَّمع؛ فإذا ما تعطَّلت فيكون الصَّمَم. والشخص أصم.

·                     وكذلك حال حاسَّة البصر؛  فنقضيها العمى.

·                     هنا التركيز على المُتضَّادات (الصَّمم عكس السَّمع) و(العمى عكس البصر).وارتباط   الصّمم في الآية الأولى بالعقل، فقال تعالى: "لا يعقلون".

·                     ارتباط العمى بعدم الإبصار واختفاء صورة الأشياء وطبيعتها عن الأعمى في الآية الثانية

·                     وفي حالة ارتباط الصَّمم بالعقل، هنا تتجلَّى الحكمة في الآية الكريمة " أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ". لكنَّهم هم في الأساس لم يسمعوا ليعقلوا، ويفهموا القول، ويفقهوا كلام من يخاطبهم، وهو بطبيعة الحال الرَّسول أو النبيّ أو الدّاعية.

·                     أمَّا عدم الإبصار نتيجة حتميَّة للعمى في الآية الثانية.

·                     سؤال استنكاري ظاهره الاستفهام، لكنَّه بقصد النَّفي في الحالتيْن(الصُّم العُمي):

أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ؟

أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ؟

كذلك من يرى ويستمع لكنَّه لا يعقل ما يستمع إليه، كأنَّه أصمّ، فقد تعطّلت عنده حاسَّة السَّمع، بينما الأعمى يستخدم سمعه، على نقيض من يمتلك السَّمع والبصر، وارتباط العمى بالهداية، حتَّى  "وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ". جدليَّة التناقُض في حال البشر منذ بداية الخليقة.

·       "وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ"

" وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ"

بالتدقيق نلحظ التخصيص "ومنهم" ليس جميعهم. لن يتبيَّن أنَّ من هو "أصمّ و أعمى" إنَّما هم في حالة سليمة، فهم "يستمعون" و "ينظرون".

فقد ربطت الآيتان بالصَّمم والعمى. وهنا رسالة الآيتين، وأنَّ الله من ذلك لفت الانتباه لقضيَّة القلوب الصَّادة والصّدئة المُعرضة عن الهدي الإلهي، المُنحازة باختيار للضلال والزَّيغ والكفر.

سياق الآيتين توضِّحان قصص الأنبياء والرُّسُل والدُّعاة، وما يواجهون من إعراض وصدٍّ وتكذيب وافتراء وتشويه وتدليس ونفاق وكفر وزيْغ وضلال. وتتغيَّر الوسائل والأساليب بتغيُّر الزَّمان.  وهو لتتبُّع الآية (40) من سورة يونس التي تسبق الآيتين اللَّتين نحن بصددهما: (وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ). من المهمِّ للقارئ المُتدبِّر تتبُّع السِّياق العامّ لإدراك الترابط لتكمل في ذهن الصُّورة. وفي هذه الآية قصَّة الكفر والإيمان، لتؤكِّد في  نهايتها: "وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ" والربُّ هو الربُّ المُربِّي العليم بالمفسدين، لأنَّه القائم الآمر بتهذيب سلوك البشر، وحياة نقيَّة مُتفاعلة مع محيطها بإيجابيَّة خيِّرة. 

وفي هذه الآية قصَّة الإيمان وصراعه من الكُفر، فقد علم الله (ربُّك) بأنهم (مُفسدين)، فهم فاسدون أصلًا بطبيعتهم، ومُفسدون لغيرهم ولمظاهر الحياة الإيمانيَّة، والتَّشويش والحرب على المُؤمنين.  فما كان صوابًا فمن الله، وما كان من زلل أو خطأ فمن نفسي.

بتوقيت بصرى ـــــــا 15. 3. 2026