محمد فتحي المقداد
عدســـــــة مُحدَّبة
محمد فتحي المقداد
عدســـــــــــــة
مُحدَّبـــــــة
رواية
2025.8.16
التصنيف
سلامٌ
كأنَّ الشَّمس أشرَقَ نورهـا
على عَمَّان يوم
السَّفر من غير مَوْعِد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*قالها صقر قريش
(عبد الرحمن الدّاخل) أثناء مُغادرته عنـــــــد
حدود بلاد
الشَّام الجنوبيَّة؛ حينما أوشك على دخول بلاد مصر
عدســـــة مُحــــــدَّبة
(1)
اتفاق نادر صاحب دار النشر مع صديقه أستاذ شهوان على كتابة وتوثيق قصته، كي
تصبح عملًا روائيًّا، وسيُطبَع لاحقًا ويُنشر ويُسوَّق تجاريًّا.
مكانهما لم يتبدَّل في زاوية المقهى المُواجهة للباب الرَّئيس، وعلى
مدار الأشهُر السِتَّة
الماضية، ومع بدء مَيَلان الطَّقس للدِّفء في أواخر الرَّبيع، وتباشير
الصَّيف الواعدة بتخفيف الملابس تشجَّعا على التخلِّي عن زاويتهما، والخُروج من
الصَّالة للجُلوس على ناصية الطَّريق، أضاف اتِّساع مدى رؤية مع
مزيد من ضجيج المدينة الذي اِعْتاداه، اِسْتغراقهما في لُجَّة حديثها الطَّويل،
اِنْسجامهما لافت لأنظار زبائن المقهى.
اِخْتارا طاولة
صغيرة متر بمتر أو أقلَّ من ذلك، كأنَّهما رفعا لافتة غير مُعلنة: لا نريد من
يتطفَّل علينا، فإنَّ وقتنا لا يسمح بدخول أُناس جُدُد في أيِّ مسار من مسارات
حياتنا الباقية لنا، الوضع لا يحتمل هزّات جديدة غير محسوبة. من غير المُؤكَّد أنَّهما
في قرارة نفسيْهما يُردِّدان: "خلاص اِكْتفينا لا نُريد المزيد، فنحن في عمل
إذا، لم يكُن لديكَ عمل؛ فدعنا نعمل".
"من
المُثير معرفة شخص اِسْمه شهوان المُعلَن والمعروف، ليس لغرابته وقلَّة من
يحملون هذا الاِسْم، فهل والده كان قاصدًا الاِخْتلاف". هذه أوَّل عبارة دوَّنها النَّاشر
في دفتره الذي لا يُفارقه في جميع جلساتهما، وأينما حلَّ واِرتَحَل.
ثمَّ كتب: وللضَّرورة
الأمنيَّة ربَّما أُبدِّل
اِسْمه أيضًا لحمايته. نشطت بنات أفكار النَّاشر تواثُبًا لإظهار المزيد من
الإثارة. ما زالت فكرة الاِحْتياط واجب في جميع المجالات تُسيْطر على
تفكيره اللَّا واعي، لإيمانه بصرامة الرَّقابة على المُصنَّفات، ولكي لا يجد نفسه
مُصطدِمًا بالجدار الصَّلب، ومن يستطيع مُواجهة الجدار، لكنَّه نسيَ أنَّ الجدار
سقط منذ سنين مضت، كما سقط جدار برلين وصار في ذمَّة التَّاريخ، وأنَّ البلد تعيش
عصرًا جديدًا من هامش الحُريَّات الشخصيَّة الواسع، النِّظام الجديد أوسع مساحة
المُشاركة الشعبيَّة على جميع المُستويات.
نادر حذر جدًّا بشكل دائم حينما يواجه معضلة مع أحد الكُتَّاب،
يردِّد عبارات حصريَّة تخدم رؤيته وأسلوبه في العمل: (اِمْشِ مع الحَيْط الحَيْط،
وقُل يا ربِّ السِّتيرة), و(لا تنام بين القُبور وتشوف منامات وِحْشة)*[1].
ضرورة اِسْتمرار عمله تستدعي ذلك.
وفي شتَّى
الحالات لا بدَّ من اللُّجوء للتخفِّي خلف الترميز والإشارات الذكيَّة. النَّاشر يعتقد بأن:
"القارئ ينتظر الإثارة في الحدث، والقارئ زبوننا الدَّائم، وهو أساس مهنتنا،
وإرضاءه غايتنا". هذه العبارة نُقلت عنه مرارًا في اِجْتماعات نقابة
النَّاشرين، الذي هو عضو في مجلس إدارتها المُنتَخَب.
شهوان يُجيب صديقه صاحب دار النَّشر، في معرض سؤاله الذي
يُراوده منذ زمن، ولم يجد الفُرصة السَّانحة للاِسْتفسار، على الرَّغم من أنَّه
يُفكِّر باِبْتكار اِسْم بديل، ومع سُقوط النِّظام اِنْقشعت الغمامة السَّوداء
القاتمة، التي كَتَمت أنفاسنا لأكثر من خمسين عامًا، وبدت السَّماء زاهية نجومها
وقمرها، وزاد ضياء الشَّمس اِزداد ألقًا، والدُّنيا تبدَّلت في قلوبنا، ومشاعرنا،
وأحاسيسنا إلى دُنيا أخرى... أصبحنا أحرارًا، وخوفنا، وهواجسنا المُريبة أرسلناها
إلى مقبرة التَّاريخ.
التسلسل
المنطقيّ للحَدَث الروائيِّ يفرض عليه المُتابَعة، حينما اِتَّفقا على تدوين رواية
"شهوان" صاحب العدسة المُحدَّبة، هكذا يروق إضافة لقب "صاحب
العدسة"، للتفريق بينه وبين شخص آخر من أبناء عُمومته حاملًا لنفس الاِسْم،
وللتمييز بينهما بعلامة فارقة.
النَّاشر "نادر" حاذق باِسْتمطار
المعلومة المُهمَّة، إنَّها خبرته لسنوات طويلة كصحفيٍّ ومُحرِّر، عمل في مجالات
الإعلام المرئيَّة والمسموعة، وقد اِشْتُهر بحواراته العميقة والجريئة على إحدى
القنوات الخاصَّة مع العديد من الشَّخصيَّات السياسيَّة والاِقْتصاديَّة على وجه
الخُصوص، وفي بعض المواسم البرامجيَّة اِسْتضاف مجموعة من الكُتَّاب و الشُّعراء
والأدباء.
شهوان بَيْك، لو سمحتَ لي بسؤال حيَّرني، بنفسي أن أستمع
إليكَ لإخماد نوازع نَهَم التساؤلات، وأسدُّ أوَّل ثغرة في عملنا المُرتَقب "عدسة
مُحدَّبة".
تفضَّل يا نادر،
وقد اِسْتحسنتُ هذه الجملة لما فيها من أبعاد دلاليَّة، لطبيعتها الفائقة
باِنْعكاس ما يقع على أيَّة نُقطة من مساحة التحدُّب، على خلاف المُقعَّر
باِخْتصاره لمساحات بصريَّة في حيِّز ضيق، يصغُر ويصغُر ليجمعه في نقطة بُؤرة
واحدة في كثير من الحالات. كما أنَّ التعبير مُنفتِحٌ على فضاءات من التأويل ممَّا
يفتح نوافذ لاِنْطلاق الأفكار المعقولة وخلافها. ليتني كنُتُ في عقل والدكَ حين
ولادتكَ، لأعرف ما الذي كان يدور في رأسه، حتَّى اِخْتار لكَ هذا الاِسْم شهوان.
دوَّت ضحكةُ شهوان
لم ينتبه لها ممَّن هم بجواره على الطَّاولات المُحيطة، لأنَّ صوته المبحوح ساخ في
ضجيج العابرين للشَّارع من أمام المقهى.
والله يا صديقي
وأنا مثلُكَ، ومثلُ المُحقِّق
في "فرع التحقيق
العسكريِّ"
حين اِعْتقالي؛ فقد اِسْتغرب اِسْمي. أذكُر ذلكَ جيِّدًا أنَّ أوَّل سؤال لي
يُلقيه عليَّ، وأتبعه بضحكة ساخرة أشعرتني باِحْتقاره لي، وسبَّبت حنقي عليه... و
ما فائدة حنقي وأنا المُكبَّل بين يديه، ولا أستطيع إلَّا الاستجابة لأسئلته
وأوامره، ومحاولتي اليائسة للدِّفاع عن نفسي حسب اِعتقادي. هناكَ عندهم الأمور
مُختلفة عن شيء ممكن تصوُّره، حتَّى الموت في أيَّة لحظة هو التوقُّع الأوَّل مع كلِّ خُروج
من الزِّنْزانة إلى غُرفة التحقيق.
صدِّقني... لم
يخطُر ببالي أبدًا أن أسال والدي رحمه الله عن قراره، سأجيبُ بلا تردُّد وحسب
تأويلاتي، فما عليكَ إلَّا تدوين كلَّ كلمة أقولها.
يبدو لي والله
أعلَم، وأتوَّقعُ وليس وجه الدقَّة واليقين، إنَّما تخمين فقط ورجم بالغيْب، أنَّه
كان يريد أن أصبح شهوانيًّا مُحبًّا للنِّساء، فأنا لستُ البِكْر لزوجته الأولى،
إنَّما البكر والولد الأوَّل لزوجته الثَّانية والتي هي أمِّي، رغباتي بالحياة
شحيحة... لم تُتَح إلَّا زوجة واحدة أحببتها وأحبَّتني، وما تمنَّيْتُ واحدة أخرى
غيرها.
أمَّا أخَوَيّ
البِكْر من زوجتيْه الأُخريَيْن غير أمِّي، يحملان اِسْمين مُتداوليْن على نطاقات
واسعة "محمد. أحمد". اِهْتزاز رأس نادر، وحاجباه يتقوَّسان
فَوْق عينيْه، واِمْتطاط شفتيْه للأمام دليل التعجُّب الاِسْتنكاري لغرابة
الطَّرح. دوَّن المعلومة بصمت، وما زال القلم بين اِصْبَعيْه مُتهيِّئًا لمُتابعة
الكتابة.
وكما ترى فإنَّ
جسمي النَّحيف أكثر بقليل من الهيكل العظميِّ، لم ينطبق على تخميني بتأويل مقصد
والدي، وهذا من مُفارقات التَّسميات؛ فشهوتي لتشكيلة الأطعمة الكثيرة التي عرفتها
مُؤخَّرًا من خلال مُتابعتي لبرامج الطَّبخ، التي أصبحت موضة معظم القنوات التلفزيونيَّة،
وعلى خلاف المألوف... فقد أبرزت نجومًا من الطبَّاخين على مُستوى العالم، ذات
مرَّة تابعتُ برنامجًا وثائقيًّا حول أشهر طبَّاخي (شيفات) القصور الرِّئاسة
والملكيَّة على الأخصِّ، لكن يا نادر ما أثار اِهْتمامي هو تأسيس نادي
لطَّباخي الرِّئاسات لهم، وفي كلِّ عام يُقام لهم حفل مَهِيب بدعوة من إحدى الدُّوَل،
ويجري ترتيب لقاء مع الرَّئيس أو المَلِك، ويتناولون الطَّعام بمعيَّتهم.
نادر مطأطئ رأسه، والقلم يتحرَّك بسلاسة على أسطُر دفتره،
غارق بتفكيره، يكتُب بسرعة لمُجاراة ما يسمع من صديقه شهوان، الذي لم
يتوقَّف عن الاِسْترسال بحديثه.
وكما ترى فإنَّ
شهوة القيادة لم تُترجم في سيرتي الوظيفيَّة في سلك التربية والعليم في تخصُّصي
كمُدرِّس للجغرافيا والتَّاريخ، الإصرار على مَوْقفي بأن أبقى حُرًّا بعيدًا عن
الاِنْتساب لحزب البعث، رغم قراءاتي أغلب ما كُتِب قديمًا وحديثًا، حتَّى أثناء
دراستي الجامعيَّة اِبْتعدتُ كثيرًا عن تجاذُبات التيَّارات الحزبيَّة الإسلاميَّة
والعلمانيَّة المُعارضة، والتي بأغلبها سريَّة تحت الأرض، كانت أحاديثهم وطُروحاتهم
فيما بين مجموعات مُغلقه، وصغيرة ترتبط بصداقات وعلاقات الدِّراسة الجامعيَّة.
..*..
في لحظة اِلْتقاطِ شهوان لأنفاسه، بعدما أخَذَ نَفَسًا
مصحوبًا بشهيق عميق، كأنَّما أزاح أثقالًا جاثمةً على صدره. يد نادر تتحرَّك
بثبات لمتابعة الكتابة بما عَنَّ له من أفكار، ويعتقد على ما يبدو؛ أنَّها ضرورة
مُكمِّلة لكلام شهوان:
شُعوري بصدق
كلمات "شهوان"، ولو كان خلاف ذلك، لحصل على ترقية وظيفيَّة بدل
أن بقي مُدرِّسًا؛ أمَّا الذين هم أقلّ منه شأنًا صاروا مُدراء، ومُوجِّهين
تربويِّين في تخصُّصاتهم. المناصِب تُعطى على ولاء الشَّخص للدَّولة بعيدًا عن
الكفاءة، حتَّى وصلنا لحال لا تسرُّ صديقًا ولا عدوًّا من سوء الإدارة والتخبُّط،
ودوران العَجَلة العقيم، كمن يُراوح في مكان بلا فائدة تُذكَر، ويُصارع طواحين
الهواء، فلا يستطيع التقدُّم خُطوة واحدة إلى الأمام بتاتًا.
ليتكَ يا شهوان
كنتَ مثل "كازانوفا" الأشهر في التاريخ بإغواء النِّساء، وتزوَّجت
العديد من النِّساء، أو زيرًا مِزْواجًا وورثت من شهوة والدكَ بحبِّه للنِّساء،
ولا أدري ما الذي يُعادل النِّساء في هذه الحياة.
أجزمُ بخطئِكَ
يا صديقي، وأنَّ اِسْمكَ يجب أن يكون قنعان وليس شهوان. على كلٍّ
اِحْكِ ما يروقُ لكَ، وسأكتُبُ مُجبَرًا بما تنطقه، والقبول بإملاءات الكتابة
الروائيَّة، ولن أغُضَّ الطَّرْف عن أيَّة كلمة مهما كانت صادقة أو كاذبة، هادئة
أم صاخبة... رقيقة أم فاحشة.
وحالة الاِسْتغراب
تنتابني في مواقع الدَّهشة، وأذكُر ذلك الصَّديق "أبو شلَّاخ البرمائيِّ"*[2]
الذي لم تراه عيني أبدًا، بل تعرَّفتُ عليه كقارئٍ لرواية تحمل اسمه, ولكي أكونَ
دقيقًا في تعبيري ومن أجل الأمانة العلميَّة، بصراحة... لم ألتق بالقُصيْبي طيلة
حياة لا على صعيد عملي كصفحيٍّ وإعلاميٍّ، ولا حينما اِنْتقلت إلى حقل النَّشر
وطباعة الكُتُب، لكنَّ بطله الروائيّ أبو شلَّاخ أخَذَ موقعًا من نفسي وتربَّع فيه
كمقيم دائم، ولغرابة أطوار (أبو شلَّاخ) منذ ولادته المُترافق مع موت
أمِّه، أمَّا شَرَاهته الشَّديدة للحليب خِلافًا للمواليد الجُدُد فكان حديث أهل
قريته الشَّاغل على مدار السَّاعة، فتحدَّثوا عن قصَّته بلا حَرَج، وزادت أخيلة
بعضهم وأنقصوا كما يحلو لهم؛ إرضاء لشغفهم بطرافة المولود الجديد، والمُثير هو
أنَّه تعرَّف على جِنيٍّ، ولا أعرف كيف سُخِّر له ويحكي له الحكايات، ويُحقِّق
جميع ما يطلب ويتمنَّى، فقد كان يتمَّثل له على هيئة قطٍّ أو حمامة أو حمار، يركبه
ويذهب به إلى المدرسة، وسافر معه مسافات بعيدة بسرعة الجنِّ الفائقة غير المُدرَكَة
بعقل بشريٍّ مثل عقلي.
على الرَّغم
بأنَّني لم أستطع التحقُّق من صدقيَّة الحياديَّة التي لجأتَ إليها يا "شهوان"،
لكن أُكبِر فيكَ ثباتكَ على موقفكَ، ولم يحصل أن تنازلتَ عن ثباتكَ على موقفكَ؛
لتكون اِنتهازيًّا مثل السَّواد الأعظم من قطيع المُوظَّفين، وغيرهم من فئة صُفوف
الجبهة الذين لم يكونوا في صُفوف الحزب، بل ساروا في مسارٍ مُوازٍ بديل في تنظيمات
الجبهة الوطنيَّة التقدميَّة. على كُلٍّ استرسل على سجيَّتكَ، وسأبقى أمينًا على
ما تحكيه، بالضَّبط، إلَّا ما كان من تصرُّفي ببعض التعديل من أجل ضبط تقنيَّة
سرديَّة الرِّواية أدبيًّا.
اِسْتغراقهما في
دوَّامة الذِّكريات
المُتداعية، التي أدخلتهُما في حالة فِصَال عن محيطهما، كأنَّهما في وادٍ،
ومن حولهم في وادٍ آخر. شُرود وذُهول؛ فلا رائحة القهوة ولا بُخارها أنهيا حالة
اِنْفصالهما، ولا مجيء النَّادل حين وضعها على الطَّاولة، ولا أصوات أحجار "الشيش
بيش" على أرضيَّة العُلبة المستطيلة المُزخرفة بخطوط مثلثيَّة، ولا أصوات
من يلعبون "الكونكان"، ولا الأحاديث الجانبيَّة من الزَّبائن هنا
وهُناك، ما اِسْتطاعت إخراجهما من غيابهما في اِنْسجامهما المُريب، لمن ينظرون
إليهم من مُرتادي المقهى، كأنَّهما مُتوِّحدان ببلَهٍ مُنبِئٍ عنهما.
العُزلة
الشُّعورية عن المُحيط ضرورة لا بُدَّ منها، للتخلُّص من أعباء الواقع الغريب
المُثقَلة بحُمولات من الاِضْطرابات، وللاِبْتعاد عن سُلوكات اِجْتماعيَّة غاية في
السُّوء، تستهلكُ في طاحونتها حياة الأفراد المُتفرِّدين باِخْتلافهم بصفات اِخْتُصُّوا
بها عن غيرهم، حينما إذا ما تقدَّموا خُطوة للأمام.
نادر دلَقَ مُحتوى
فُنجان قهوته الباردة دفعة واحدة في جَوْفه، بينما شهوان تركه كما هو، وقال مُخاطبًا نادر
البعيد عنه بخُطوات: "في بعض الأحيان لا أُطيق شُرب القهوة الباردة".
اِمْتدَّت يده
لمحفظته، وناول النَّادل البشوش على الدَّوام البقشيش مع ثمن القهوة. حيَّاهُ
النَّادل تحيَّة الوَدَاع المعهودة، وبحرارة أكثرَ إذا ضَمِن البقشيش في جيبه.
..*..
(2)
شهوان يأتي قبل ثلاثة أرباع السَّاعة ويجلس بانتظاره
مجيء نادر
صوت النَّادل يُسابق خُطواته بالترحيب، باِبْتسامته
المعهودة لا تُفارق وجهه، السيَّد "شهوان" من فَوْره جلس في
مكانه المعهود، شعر بدفء الكُرسيِّ.
تحرَّكت شفتاه
بكلام غير مفهوم: "كأنَّ الكُرسيَّ ما زال يحتفظ بحرارة جلسة الأسبوع
الماضي". اِتَّخذ مكانه، ووازن نفسه مُعْتدِلًا بجلسته، بينما النَّادل يُلقي تحيَّة المساء،
ويداه تمسحان الطَّاولة بحركة لولبيَّة رشيقة؛ للتأكيد على نظافتها ليبعث الطُّمأنينة
في نفوس زبائنه، همُّه الأوّل إرضاء لأذواقهم. اِخْتلاف الأذواق مُشكلة، قلَّما من
يستطيعون اِسْتيعابها، ومن المستحيل مهما اِجْتهد الشَّخص بإرضاء الجميع.
اِهْتمامه
بأدبيَّات مهنته لافِتَة للنَّظر بأدبه الجمّ، ولباقته باِنْتقاء كلماته بعناية:
أسعد الله أوقاتك أستاذ شهوان، كلَّ يوم عند بدء دوامي بعد الظُّهر، أوَّل
ما تذهب عَيْناي إلى زاويتك، لأُكَحِّلهما برؤيتكَ إنْ كنتَ موجودًا أم لا. يشهُد
الله بأنَّكَ بمقام الوالد.
شهوان يرفع نظَّارته عن عَيْنيْه لمسحها من غُبار الطَّريق.
فإنَّ نصف ساعة من المشْي كافية للوصول إلى المقهى، بينما شوارع المدينة المُزدحمة
بالسيَّارات التي تزداد يومًا بعد يوم، وكأنَّ رائحة الموادِّ البتروليَّة من
البنزين والمازوت والكاز، أصبحت عِطْرًا اِسْتوطن الطُّرُقات والمُنعطفات جميعًا.
أينما نظرتَ، فالباعة
يبسطون هذه المواد على الأرصفة والزوايا على المُفْتَرقات. العُبُوات
البلاستيكيَّة المُختلفة الأحجام؛ تُعرَض للفت اِنْتباه المارَّة والسَّائقين.
المُخاطرة لِكَسب
العَيْش والتشبُّث بأهداب الحياة، فيتغاضى المرء عن جميع الاحتمَالات بتدمير صِحَّته
وحياته. المُفاجآت غير السَّارَّة تأتي في لحظة غفلة قاتلة، وما أكثر أسباب الموت
الكامنة خلف الحاجة لسدِّ المُتطلَّبات الأساسيَّة، والقبول بأدني مُستوياتها من
أجل البقاء.
عادةً ما يجلس "شهوان"
حوالي النِّصف ساعة، وأحيانًا أكثر من ذلك باِنْتظار "نادر"،
يستجمع شَتَات روحه، وغُربة نفسه الممزَّقة بين اليوم والأمس، ليستحضر أفكارًا
ينبشها من مجاهل النِّسيان، ويُلملمها. لا غرابة بفرار الأفكار عندما يُرادُ
استحضارها بالوقت المطلوب، وتعود بعد فوات الأوان.
يبقى صامتًا لا
يُكلِّم أحدًا، ممَّن هم بجواره على الطَّاولات، إلَّا اِضْطراره لردِّ تحيَّة من أحدهم،
ففي أغلب المرَّات يردُّ بصوت خفيض، بالكاد تسمعه أُذُناه، كأنَّ سنوات خدمته في
التعليم، اِسْتهلكت حباله الصوْتيَّة فعطَّلتها، ولم يبق منها صالحًا للاِسْتخدام
إلَّا أقلَّ القليل، وبحركة من رأسه مُرفقة باِبْتسامة لطيفة، أو يرفع يده بمحاذاة
وجهه، إذا كانت المسافة بعيدة، فهل اِتَّخذ قراره بعدم إزعاج الآخرين بصوته إذا
علا...! الزَّبائن الدَّائمون اِعْتادوا طريقته بالردِّ؛ فلم يكُن هُناك
اِعْتراضات تُشاكسه.
أهلًا ومرحبا بكَ
يا بُنيَّ، بصراحة أُكرِّرها على مسمعك للمرَّة الألف، بأنَّكَ سبب رئيس لدوام
مجيئي إلى هذا المكان، وتعرفُ أنَّني أتجاوز عددًا من المقاهي حتَّى أصل.
هل تُؤجِّل
فنجان قهوتكَ، حتَّى وصول الأستاذ نادر؟ أم أحضره لكَ فورًا.
بعد أن ركَّز شهوان نظَّارته بمكانها
الصَّحيح، وبحركة إيمائيَّة تُشير للتأجيل. نطق: "سأنتظرُ وصول صديقي،
لنشربها سويَّة". لا تبدو علامات القلق والتبرُّم إذا ما تأخَّر نادر، لم
يُلاحظه أحد برفع كُمِّ الجاكيت لمعرفة الوقت من ساعته "الرّادو"
اللَّامعة بلونها الذهبيِّ، يا إلهي...! كيف لمثل هذا الإنسان لا يُعاتبُ ولا يضجر
من تأخُّر صديقه، ألهذه الدَّرجة لا يهتمُّ بهدر الوقت، كأنَّ وقته غير ثمين، ولم
يعُد سيفًا قاطعًا كما أعلم، سبحان الله في عُلاه وحكمته بتركيبته لطِباع
البشر...!. النَّادل يُحاكي نفسه باِسْتهجان لسلوك شهوان المُستقرِّ على
حالته أثناء اِسْتدارته لتلبية طلب أحدهم فحمة للنرجيلة.
أذكُر لحظة قدومه
لأوَّل مرة قبل إلى
المقهى منذ أكثر من سنة، ولم ألحظ خلاف ذلك. آهٍ... لو أستطيع البقاء
قريبًا منه، لأملأ صدري بعبق عطره الثَّابت الـــ(ون ما شو) رمز أناقته،
العطر مُتجدِّد دائمًا يفيض كموجات أثيريَّة على المُحيط، جميع العطور زكيَّة
لكنَّها أذواق، وأحترمُ ذوق الأستاذ شهوان الرَّفيع، ولولا أنَّني مُتعلِّق
(أراميس ديفن)، لتحوَّلتُ إلى عطره. الثَّبات سِمة ثِقَة الشَّخص بنفسه
وخياراته، والعِطْر رسالة صامتة تقتحم الأنوف بلا اِسْتئذان.
"شهوان" مُقيمٌ على يقينه الرَّاسخ، بأنَّ المقاهي مناخات صالحة
لمقصد المُخبرين ورجال المباحث، الذين يستوطنون بها على شكل زبائن، لمراقبة الوضع
عُمومًا، ومُلاحقة بعضًا من هم على شاكلته.
...*..
وصول نادر إلى المقهى, و كان بانتظاره شهوان
على عادته المعهودة فقد وصل نادر بعد ثلاثة أرباع
السَّاعة من اِنْتظار صديقه شهوان. تصافحا بحرارة مع عِناقٍ. اِكْتمَل نِصَاب
الجلسة، عينا شهوان تُتابعان النَّادل المُتحرِّك بانتظام كبندول السَّاعة،
يُخيَّل لمن يُتابعه بأنَّه كالآلة لا يتعب.
نادر مُنشغلٌ
بتحضير دفتره، وقلميْه الأزرق، والأحمر يستخدمه لتدوين مُلاحظاته الخاصَّة تعليقًا
على كلام شهوان. إصراره على طريقته في الكتابة، لتشكيل صورة بصريَّة
تُسهِّل عليه المُراجعة عند بدء النَّقل والطِّباعة على الكمبيوتر. المُوظَّفة
التي تطبع الملَّفات اِعْتادت طريقته، وهي من طلبت منه ذلك.
ما هي دقائق لم
تتعدَّ الخمس، حتَّى تلاقت نَظَرات شهوان البريئة غير الشَّهوانيَّة، مع
نظرات النَّادل ببشاشة وجهه، واِبْتسامته الودودة المعهودة، توجَّه إلى زاويتهما،
من جديد ألقى التحيَّة على الأستاذ نادر. شهوان على الفوْر قال له: اِثْنان
قهوة سادة من فضلكَ.
اعترض نادر قبل أن
يستدير النَّادل: شعوري بِغَثَيان ونَرْفَزة... مِزاجي مُتعكِّر اليوم، لو سمحتَ
أريدُ كأس يانسون سُكَّر وسط.
للحظات شكَّلت
حالة الصَّمت بينهما حاجزًا، القلم متهيِّئ للانطلاق في رحلة الكتابة، بينما حديث
العُيون بتعبيراته وإيماءاته اِخْترق حاجز الصَّمت لدقائق، تلاشت الحالة مع عودة
النَّادل بالقهوة واليانسون.
مع أوَّل رشفة
لهما اِنْطلقَ نادر بكلامه بداية: إيه سيدي... ما الذي تحمله بجُعبَتِكَ
هذا المساء، لكن دعنا نحتسي شرابنا بداية. من الضَّرورة أن تتهيَّأ نفسي المُضطربة،
من نقاش عقيم عبر (الواتساب) مع كاتبة قبل مجيئي، فقد رَفَضَتْ تبديل جملة واحدة وردت
في نصٍّ قصصيٍّ لها، أثناء مُراجعتها للتعديل؛ طلبَتْ تثبيت رأيها، لم يكُن بُدٌّ
من قبول طلبها على مَضَضٍ، رغم قناعتي بصواب رأيي ووجاهته.
مُشكلة التعصُّب
والتشبُّث بالرَّأي وإن كان على خطأ، هي لا تُدرك جيِّدًا طبيعة اِسْتخدام الكلمات
المُتشابهة بدلاتها على معنى مُعيَّن، لكنَّها مختلفة المنشأ الجذريِّ، وبأنَّ
لكلِّ كلمة مدلولها الخاص الذي يُؤدِّي المعنى المطلوب بدقَّة. صدمتني حقيقة ممَّا
رأيتُ من عُجْبِها بنفسها، والاعتداد برأيها. تظنُّ أنَّها أتَتْ بما لم تأته الأوائل
والأواخر ممَّن سبقوها، بصراحة...!!
أُشفِقُ عليها وعلى أمثالها من الواهمين
الغارقين في مُستنقعات ذواتهم الضَّحلة.
مع تتابع رشفات
اليانسون استهلك نصف الكأس، يبدو أنَّ نفسه راقت قليلًا؛ أخذ نفسًا عميقًا كتمه في
صدره لنصف دقيقة، وعلى تمهُّلٍ نَفَثه فشَعَر باِرْتياحٍ انعكس بشاشة على مرآة
وجهه الحنطيَّة، ذي التَّقاطيع الحادَّة الصَّارمة، والمُحيِّرة بتفسيرها أثناء
سُكوته، المُثيرة للخوف والشكِّ لمن يُقابله للمرَّة الأولى، ولا يعرف طِباعه
ودماثة خُلقه ودفء كلماته.
أرْخى اللَّفْحَة
القُطنيَّة ذات الألوان المُتناسقة مع القميص والجاكيت عن رقبته، ليُطلق العَنان
لحُنجرته بحريَّة الحركة أثناء حواره المُنتَظَر مع شهوان، الذي يُراقب
بدقَّة وحذر وجه صديقه، بينما يستجمعُ قصَّته التي سَيَرويها بحذافيرها، ويخشى من
نسيان بعض النِّسيان لمفاصلها الدَّقيقة.
نادر حريص على أناقته حدَّ التطرُّف، ولا يستطيع الخُروج من
البيت ولا من المكتب إلَّا وعطره يُسابقه. من الغريب وغير المعهود على صحافيِّ
وإعلاميٍّ سابق لا يتعاطى التَّدخين، إلَّا في حالات الإحراج القليلة.
كثيرون اِعْترضوا:
"غريب يا أستاذ نادر كُنتُ أظنُّ قبل ذلك بتوابع مهنتك السَّابقة
واللَّاحقة، وبأنَّكَ لا تُدخِّن...! شيء عجيب وحالة فريدة، ولو أستطيعُ الكتابة
البحثيَّة الاِسْتقصائيَّة لمثل هذه النماذج النَّادرة". باِبْتسامته يأتيهم
الردُّ، وغالبًا ما يقول: هي هكذا...!.
..*..
واِبْتدأ مشوار الحكاية والاِسْتماع لشهوان من جديد.
بساط الرِّيح، عندما سحبه شهوان من تحت السِّندباد، وهي أحداث جلسة التحقيق
الثانية في فرع التحقيق العسكري، حينما أخضعوه لعمليَّة التنويم المغناطيسي
ممكن هذه النقطة التنويم المغناطيسي بحاجة للاشتغال
عليها
*************
فلنبدأ يا صديقي. أعطى الإذن لشهوان المُنتظِر هذه
الكلمة على أحرِّ من الجمر. من فوْره انطلق بكلامه المُتأنِّي، وببطء كأنَّه يعدُّ
الكلمات واحدة واحدة، كي يُعطي نادر فُرصة لتدوينها، ولحرصه الشَّديد على
أن لا يُسقِط حرفًا واحدًا منها:
في جلسة التَّحقيق السَّابقة
القصيرة، كأنَّ المُحقِقَ أراد التعرُّف عليِّ من قريب، أمَّا المُفاجأة
الكبرى حينما اِقْتادوني من القبو للأعلى، العساكر بلباسهم المدنيِّ، وجوههم قبيحة
بتقاطيعها... أستغفر الله. أُقسم يا سيِّد نادر بأنَّها شبيهة بوجوه ثعالب الشَّياطين.
فظاظتهم، وعدم اِحْترامهم
لفارق السنِّ بيني وبينهم، شحطوني بطريقة لا تليق بآدميَّتي، كانوا مُتعجِّلين فلم
يُمهلوني لحظة؛ لشرب الماء من عبوة بلاستيكيَّة من بقايا عُبُوات (الكولا والبيبسي)،
وعلى مدار ساعات، ولهفتي للماء كانت أمنية عزيزة، تبدَّدت حينما وصلنا لغرفة
التحقيق، ونسيت جفاف حَلْقي. مدَّدوني على طاولة، وثبَّتوني بأربطة غليظة من حِبَال
النَّايْلون القاسية.
بقيتُ ربع ساعة
وأنا على هذه الحالة. دخل شخص ووقف عند رأسي، وراح يحكي بكلام غير مُترابط، وطلب
منِّي متابعته بترديد من أسمع إلى اِنْتقلت إلى عالم آخر.
اِسْتسلمتُ
للأمر، فقدتُّ السَّيطرة على مشاعري وأحاسيسي، شعور مختلف هذه المرَّة، كأنَّما
أدخل أصابعه في قوقعة رأسي، وقام بخربطة خلايا الدِّماغ.
بصراحة كنتُ قد قرأتُ
أيَّام زمان كثيرًا عن قضيَّة التنويم المغناطيسيِّ. لم أتخيَّل بل أستبعِدُ أن
يُمارَسَ عليَّ، وسمعتُ من بعض ممَّن اِعْتُقلوا، بأنَّهم خضعوا للتنويم
المغناطيسيِّ؛ لأغراض التحقيق.
اِخْتلفَت نبرة
الصَّوت عن نبرة المُنوِّم، تذكَّرتُها... يا إلهي إنَّه المُحقِّق نفسه، كان يجلس هذه المرَّة على
كُرسيٍّ خلف طاولة في جانب الغُرفة، لم تُتَح لي رؤية ملامح وجهه بوضوح. عاد من
جديد للتأكُّد من بعض المعلومات السَّابقة:
يا مُحتَرم
ذكِّرني باِسْمكَ.
. شهوان
.وما هي
وظيفتك؟.
.مُدرِّس
لمادَّتي الجُغرافيا والتَّاريخ.
.يعني حضرتكَ
أستاذ مُثقَّف... مُو هَيْك؟.
.نعم.
.ومن أين حصلتَ
على شهادتكَ؟
.من جامعة دمشق.
عظيم جدًّا يا شهوان،
ومع أنَّك جامعيٌّ أستغربُ قصَّة "بساط الرِّيح"، وممَّا حَصَل
معكَ، وعرفتُ ذلك من التقارير الوارد من مصادرنا الموثوقة. هات... أخبرني:
اِسْتجابتي الطَّوْعيَّة
لإيحاءاته، والإجابة على كُلِّ ما يطلبه بلا عِنادٍ، ولا تَذَاكٍ منِّي في مُحاولة
للاِلْتفاف على أسئلته، وأخذه إلى مناطق تُساعِدُ على نَجَاتي من بين براثنه.
أيقنتُ بقلَّة حيلتي مع هكذا وضع لا يُطاق، ولا يُقاوم بأيَّة وسيلة كانت،
أمام طبيعة جبروتهم الطَّاغي على
شخصيَّاتهم.
مُدرَّبون
جيِّدًا ومُتمرِّسون بدقائق وتفاصيل عملهم، وفَهْمٍ لطبيعة أطباع وسُلُوكات البشر،
الذين يمرُّون من بين أيديهم. حاذقون بتحطيم النُفوس وزعزعة ثقة المرء... بل والتَّشكيكَ بنفسه.
الآن أدركتُ وجع
وألم المُعتقلين بشكلٍّ حقيقيٍّ، كانت تُؤلمني حكاياتهم وقصصهم. مُستقبَلًا سأروي
حِكايتي لأصدقائي أتمنَّى أن يُكذِّبوني، بالنِّسبة لي صدَّقتُ حكايات ممَّن
سمعتُهم، وما تطرَّق ذهني لأدنى شكٍّ ولو بكلمة واحدة؛ فإذا خرجتُ من هذه الجهنَّم
حيًّا... أستبعدُ ذلك، الدَّاخل إلى إحدى هذه الأفرُع مفقود، والخارج منها مولود.
وميضٌ غامض حرَّكَ مكامن الذِّكريات في نفسه خلال اللَّحظة الفارقة، وقبل البدء بالإجابة:
اِبْتدأت حكايتي من على مَتْن غيمةٍ، حينما فرشتُ بِساطي (بساط
الرِّيح)بعد أن سحبته من تحت السِّندباد، الذي اِسْتخدمه في رحلاته
وتنقلَّاته العديدة والسَّريعة، مُتجاوزًا الحُدود وحُرَّاسها اليقظين على مدار
السَّاعة.
ليس حسَدًا للسِّندباد،
بل برغبة للاِسْتيلاء على القوَّة التي لا يُضاهيها أيَّة قوَّة على وجه الأرض،
فالبِسَاط ليس بحاجة إلى مُحرِّكات ميكانيكيَّة، ولا إلى أيَّة قُوَّة دافعة من
الوقود كالبنزين الخاصِّ، ولا الوقود الجاف كاليورانيوم وغيره.
ولا أدري إن كان
يسير بقدرات الجنِّ الخارقة، حقيقة كلَّ هذه الأشياء لا غير وادرة في حسابي،
المُهِمُّ أنَّني حصلت على الوسيلة الأسرع والقادرة على اِخْتراق أجواء الدُّوَل
جميعها دون أيَّة عوائق، ولا تستطيع جميع أجهزة الرَّادارات الفائقة الجودة، وتلحظ
الذُّبابة بل قيل: بأنَّها تلتقط صورة النَّاموس الأصغر حجمًا في المخلوقات.
لم أتردَّد
أبدًا بمُتابعة سُقوطه السَّريع المُدوِّي إلى الهاوية، تفكيري الآَنيِّ لم
يتصوَّر كيف سيصير عند لحظة اِرْتطامه بسطح الأرض، اِسْتراح مُخِّي من التفكير
بمصيره، الموقف لم يسمح بالمزيد من الاِلْتفاف لأيِّ شيء، ولم ينفع التجاهُل
واللَّا مُبالاة بالهروب إلى الأمام.
أوه...! يا إلهي
كيف ستتكسَّر عظامه، ويتمرَّغ وجهه بالتُّراب، والدَّماء تثعب من جميع مسامَّات
جلده، وأنفاسه الحرَّى المُتهالكة تُكابد الخروج بصعوبة لكنَّها لن تعود إلى رِئتيْه.
آهٍ وألف آه...
لم أتأكَّد كم من اللَّعنات التي تفوّه بها لسان السِّندباد في لحظته الفاصلة عن
نهايته الأخيرة، ولا عرفتُ بالضَّبط، ما هي الدَّعوات وقد ظنَّ نجاته بفضلها،
أخوَفُ ما يُخيفني؛ هو أن تُصيبني لعنةُ السِّندباد كما أُصيب الكثيرون بلعنة
الفراعنة كما سمعتُ وقرأتُ.
كلُّ لعنة
تُلاحق ملعونها إلى الأبد لإدراكه، كي لا يفلت بفِعلتِه وينجو، رغم حجم الأذى
الهائل الذي تسبَّب به للآخرين. اِهْتمامي في الأساس مُنصَبٌّ على خاتمه
السِّحريِّ، المُتزامنة مع وجود الطائر المُسمَّى "ياسمينة" التي
تستكشف البعيد لتأتيه بالأخبار، من حُسن الحظ أنّه ترك خاتِمَه على البِساط
السِّحريِّ، لا أدري ما الأمر الذي جعله كي يخلعه من اِصْبعه، ولا يطلب ذلك من
العبد الأسود الجِنيِّ العملاق، ولا يرفض طلبًا أيًّا كان لحمن يحمل الخاتم.
كأنَّ الاِنْتهازيَّة
رضعتها الأجيال مع حليب الأمَّهات، وما زلتُ أذكُر مقولة تتردَّد على ألسُن
العامَّة: (إذا دَرَّتْ عَنْزَكَ اُحلُبها)*[3].
تصرُّفي هذا هل يليق بشخص مثلي؛ يُحاول أن يكون مرآة عاكسة للآخرين بالمعارف
والآداب؟.
فماذا لو
وُصِفتُ بأنَّني شخصٌ اِنْتهازيّ؟. و مثلما يُقال: (المبلول لا يخاف من رَشْق
المطر...)*[4]
فعلتها بعد صحوة غابت عنِّي؛ فإذا عمِيَت البصيرة لم ينفع اللَّوم؛ مُتابعة
مِشواري إلى النِّهاية، وبعد ذلكَ فليكُن ما كان، اِسْتعدادي النَّفسيِّ لتقبُّل
النتائج مهما كانت، يُخفِّف من وَقْع المُصيبة التي وقعتُ فيها.
أمَّا "مصباح
علاء الدِّين" لم أحرص كلَّ الحرص على الاِستحواذ عليه، وعلى الأخصِّ مع
وجود تقنيَّات جديدة، يبدو المصباح أمامها قادم من زمن عتيق غارق في القِدَم.
فلو أنَّني
تيقَّنتُ في لحظة ما من اِسْتغراق العجوز "علاء الدَّين" بنوْمٍ
عميق، أو سمعتُ غطيطه وشخيره؛ سأتسلَّل في آخر اللَّيل عندما أتأكَّد من أنَّه لن
ينكشف أمري؛ لسحب المصباح من جانبه بخفَّة ورشاقة، أتمنَّى أن يحصل ذلك، ربَّما
يُفيدني في رحلاتي وتنقُّلاتي بين بقاع الكُرَة الأرضيَّة.
آهٍ... لو
أستطيعُ إقناعه بمُرافقتي في رحلاتي بين الشَّرق والغرب، الحاجة إليه ضرورة من
ضرورات رحلتي من العدسة المُحدَّبة؛ فلا يُمكن الاِسْتغناء عن حكمة الشُّيوخ، وهم
يُفكِّرون برويَّة صادرة عن خبرة بدروب الحياة، ودِرَاية بطريقة سُلوكها، لكن كيف
أستطيع إقناعه بالمتابعة معًا برؤية جديدة للعالَم من حوْلنا، باِنْتهاء صديق
مشواره "السِّندباد"، في حادث سقوطه المُروِّع.
هذا إذا لم
يعتبرني قاتلًا، ويُحمِّلني مسؤوليَّة ذلك، ويطلب من القوى الخفيَّة الاِنْتقام
التي ربَّما ما يزال على صِلَة بها، أخاف المُثول أمام دهاء هذا الشَّيْخ الجليل
ذي المظهر المَهيب، رثاثة ثيابه البسيطة لم تُفقِده هيبته النَّافذة إلى قلب من
يُقابله، إذا كان يُقدِّر قيمة مثل هؤلاء الذين هم بمثابة الأولياء، يمتلكون سُلطة
خفيَّة يصعب تحليلها، ويستحيل تأويلها، على الرَّغم من سُهولة التَّعامُل معهم
ببساطة وتلقائيَّة.
ومن أين لي
بحكيم كعلاء الدِّين المُتخَم بتجارب الحياة، ففي المواقف الحرجة التي صادفته
أثناء رحلته مع السِّندباد، فكان رأيه السَّديد هو المُنقِذ للموقف. ولا أظنُّ
أنَّ من يكون بمثل عمره يستطيع الاِرْتحال من جديد، ومواجهة المشاقِّ والصِّعاب.
المُحقِّق رمى
بسؤاله، وأكملتُ الجواب كما سمعتَ يا نادر، ولم يأتني أيَّ ردٍّ منه ، ولا اِْعتراض،
ولا قاطعني، ولم أشعُر بمُتابعته ولا بتفاعله. أظُّن والله أعلم... بأنَّ الجلسة
كان المطلوب تسجيلها صوتيًّا، لدراستها بعد عرضها على لجنة مُتخصِّصة.
..*..
ملاحظات نادر على ما سمع من حكاية السندباد وبساط الريح
وعلاء الدين. ملاحظات نقدية.
اِسْتغراق نادر في لُجَّة غرابة القصَّة، أغرقته فيما يسمعه من
الأستاذ "شهوان"، من حكاية بساط الرِّيح؛ عندما سَحَبه من تحت
"السِّندباد"، والاِسْتحواذ على مصباح "علاء الدِّين".
شَفَطَ نفسًا
عميقًا حرَّك دواخله المكتومة بالقلق والخوف. نَفَض يده من أثر خَدَر شعرَ به في
مقدِّمة اِصْبعيْه المُمسكتيْن بالقلم، وبحركة غير مُتوقَّعة رفع ذراعيْه للتمطِّي
ومدِّ عضلاته ساعديْه.
شهوان خلع نظَّارته سميكة العدسات الزُّجاجيَّة، راح يمسحها
بمنديل ورقيٍّ كان مخبوءًا في جيبة الجاكيت الجانبيَّة، ثمَّ وضعها أمامه على
الطَّاولة، وبدأ بِفَرْك جبينه ومُحيط عَيْنيْه. الإرهاق يظهر على ملامح وجهه.
بينما اِنْخرط نادر
في اِسْتكمال ما تقدَّم، بتعقيبه الخاصِّ به: أُقسِم بالله العظيم بأنَّ
"شهوان" حيَّرني بحديثٍ غريب الأطوار؛ مُتجاوزًا اِرْتفاعات أساطيح أبراج القلعة
المُتفاوتة العُلُوِّ، ومن غير المعقول تصديقه، على الرَّغم من معرفتي به الأكيدة
بصدق روايته.
لكن أين... ومتى...
وكيف...؟.
يصعُب على عقل
المُتابع للقصَّة تصديقها، فإذا ما أُخضِع الموضوع للقوانين الفيزيائيَّة
والمُحاكمات العقليَّة والعلميَّة، فلا سنَد من رواية صحيحة محكيَّة أو منقولة، أو
قاعدة سانِدَة لمُحاولة التصديق والاِعْتراف بصوابه، وليس تشكيك بقُدراته
العقليَّة.
يقيني راسِخٌ
بأنَّ زمن المُعجزات الإلهيَّة لأنبيائه ورُسله، وهذا شهوان السَّبعينيِّ بشحمه ولحمه أمامي على الوَرَق، لا
أراه إلَّا كأضعف مخلوقات الله على وجه الكرة الأرضيَّة، فلا أدري من أين أتته
كلَّ هذه القُدرات الأسطوريَّة...!.
من غير المُمكن...
وأستبعدُ أنَّه في مرحلة سابقة من حياته قد أصبح سوبَّرمانًا خارقًا لقواعد كاسرًا
لقوانين المعقول، ولو كان مثلًا قد غادر القُطر إلى أمريكا، ولو لمرَّة واحدة في
حياته؛ لوجدت له نافذة أُبرِّر له هذه الحكايا، الحمد لله أنَّ أحدًا غيري لم
يعرفها، ولا أنوي البَوْح بها... فلو أردتُ نصيحته على الملأ؛ لكانت فضيحة
مُجلجلة.
الحمد لله أنَّ
الكثيرين من القُرَّاء المُستقبليِّين للعدسة المُحدَّبة لا يعرفون شهوان،
وسيظُنُّون أنَّه قادم من مجاهل التَّاريخ، وستكون إساءتي له بلا حدود، حينها سيُشكِّك
النَّاس بعقله، ويرمونه بالجُنون أو اِنْفصام الشخصيَّة، وأنَّ ما حصل له إنَّما
هو تهيُّؤات واهمة، لا تمتُّ إلى الحقيقة بأيِّ رابط مهما كان واهيًا.
وسأفتح باب اِنْتقاده،
وربَّما ستتَّخذ زوجته أو أبناؤه مأخذًا قانونيًّا من كلامي، ويقومون بالحجر عليه
بعد أن يُودِعُوه لدى دار المصَّحة النفسيَّة (مشفى المجانين)، بمبرِّرات التَّشكيك بقواه
العقليِّة، وبكلِّ تأكيد ولتعزيز موقفهم أمام المحكمة عندما يتقدَّمون بطلب الحجر،
بطلبي كشاهد إثبات عليه. الأسى يملأ نفسي بأنَّ مجتمعنا لا يقبل فكرة الطَّبيب
النَّفسيِّ، وعيْب وأكبر عيْب الذَّهاب إلى عيادة نفسيَّة.
الطَّبيب
النَّفسيُّ يُنظَّر إليه بعين الشكِّ والرِّيبة، جميعنا نُصِرُّ على أنَّنا
أصحَّاء...!! لكنَّ الحقيقة غير ذلك تمامًا. وفي القصص التي مررت بها على فترات
مُتباعدة، لهي خير ذلك على الرَّفض الاجتماعيِّ للطبَّ، يُفضِّلون اللُّجوء
للسَّحرة والمُشعوذين على العُموم، ويأنفون ولا يقبلون بوجود طبيب نفسيٍّ في
حياتهم.
لم أتبيَّن
طبيعة اِرْتباط الحالات النفسيَّة بالشَّعوذة ومن يُمارسونها، ومررتُ بحالات البعض
ممَّن يحملون الشَّهادات الأكاديميَّة يلجؤون لذلكَ، وعادَةً ما يُجبَرون على حمل
الأحجبة والتَّعاويذ في رقابهم، أو وضعها تحت وسائدهم. وأعلمُ أنَّ كثيرًا من الأمراض ذات منشأ عُضويٍّ، وبحاجة
لطبيب مُعالج، وليس لمُشعوذٍ قبيح.
اللَّعنة...
اللَّعنة على تهافُت الأفكار باِنْثيالاتها المُتواردة من عوالم الذِّكريات، أمَّا
أن تنتقل من عالم تداعيات التَّفكير، لتصبح واقعًا مأساويًّا، سأُبقي الحكاية طيَّ
الورق، وبطبيعة الحال لم أخبره بأنَّ اِسْمه في الرِّواية سيكون (شهوان)،
ربَّما أزعجه ذلك، وبالتَّالي سيرفض مُتابع سرده بسلاسة وسهولة.
يُعجبني جُموح
خياله كأحصنة بريَّة فالتة بطبيعتها، تنفرُ من رؤية خيالاتها عند اِنْعكاسها على
صفحة الماء الصَّافي؛ إذا ما وَرَدَته لتشرب، ستصدُّ عنه خوفًا وحذَرًا، وتبقى
عطشى ظمآنة.
اِنْتبه "شهوان"
بعدما أعاد نظَّارته بأنَّ "نادر" مازال يكتُب، اِسْتفسر: هل
ضاع عليك أيَّ شيء من تفاصيل الحكاية؟. لا أبدًا فقط هي ملاحظات لضرورة العمل
الرَّوائي، وهذا هو إعادة التحرير الذي تُجريه دور النَّشر المُحترمة، من غير
المُمكن نشر أيَّ عمل أدبيٍّ من غير تحريره، ليتوافق، ويستقيم بأبعاده وفق ذَوْق
جمهور القُرَّاء.
أفهَمُ من كلامكَ
يا نادر، بأنَّ القصد الأوَّل هو تجاريٌّ ورِبْحيٌّ، إنَّها طبيعة دُور
النَّشر هذه الأيَّام، فالرِّبحُ ثُمَّ الرِّبح على حساب جودة العمل، ولا يخلو الأمر
من بعض دُور النَّشر المُحترمة التي تحترم نفسها، وعقل القارئ مثلما تفعل يا نادر.
هزَّ نادر
رأسه بإيجاب من غير أن ينطلق بكلمة واحدة، مُستحسنًا اِسْتثناءه، لم يَحِرْ جوابًا
بل غادرته الرَّغبة بالردَّ على كلام شهوان النَّاقد، لطريقة تعامُل النَّاشرين
مع الأعمال الأدبيَّة.
وفي ملاحظته
الأخير كتب نادر:
أمر المُحقِّق مُحيِّر. هذه أوَّل مرَّة أسمع
بمُحقِّق، لا يُتابع مسار جلسة التَّحقيق مع سجين حتَّى النِّهاية، ولم
يكُن يضغط بكثافة أسئلته بصياغات مُتقاربة، والمُركَّزة حول نقطة واحدة، لعمل شبكة
من تطابق أو اِخْتلاف الأجوبة، لكشف الصِّدق إذا ما تطابقت...، والكذب إذا
اِخْتلفت، ولو بجُزئيَّة تافهة.
من المعقول
جدًّا قبول تحليل شهوان؛ بأنَّهم سجَّلوا كلامه، وسيعرضونه لاحِقًا على
لجنة مُتخصِّصة، وأخشى كخشية "شهوان" أن من بَيْن أعضاء اللِّجنة
أن يكون أطبَّاء نفسيِّين، للتأكُّد من سلامة قِواهُ العقليَّة.
..*..
هنا
لمتابعة الكتابة
(3)
الجلسة
الثالثة وقصة المخبر السريِّ
مُجدَّدًا عاد الأستاذ شهوان إلى مقعده المُعتاد مُبكِّرًا
باِنْتظار صديقه نادر، يتوافد
الزَّبائن تِباعًا إلى المقهى، الآن السَّاعة تُشير إلى الثانية، وعليه الاِنْتظار
ثلاث ساعات قادمة حتَّى يحين موعده مع نادر، هذا إذا لم يتأخَّر كعادته. من
اِعْتاد التأخُّر سيركضُ باِسْتمرار.
صديقات زوجته جِئْن
هذا اليوم بدعوة منها. دَوْر الجلسة الشهريَّة حان موعده في هذا التوقيت. الأستاذ
لا يطيقُ الضَّجيج، أو عليه الاِلْتزام في غرفته بلا خُروج، واِحْترام أوامر زوجته
الصَّارمة، وإطاعتها؛ فوجد من الأفضل الجُلوس في المقهى؛ تذَّكر ما كان مُؤجَّلًا
من قراءات للوقت المُناسب، وعبارته الشَّهيرة التي قالها في مجالس عديدة: (عليَّ
كَسْرٌ في القراءة). السَّامعون يستغربون ما يسمعون، بلا تعليق منهم، بينما هو
يُريد لَفْتَ اِنْتباههم، وحثِّهم على المُطالعة، والقراءة المُستمرَّة التي لا
تتوقَّف بعد مرحلة التخرُّج الجامعيِّ.
يعتقد جازمًّا
بأنَّ الأهمَّ من الشَّهادة الجامعيَّة من أجل الحصول على وظيفة حُكوميَّة، هو
مُتابعة التعليم الذَّاتيِّ، كان يرى أن لا مانع من أن تكون الشَّهادة مفتاحًا
لاكتساب الرِّزق، ولم ينسَ الكثيرون عبارته دائمة التردُّد على لسانه: (نقرأ
لنعرف... نقرأ لنرتقي... نقرأ لنعيش).
تناول من أحد
أرفُف مكتبته رواية "الطَّريق إلى الزعتري" للروائي
"محمد فتحي المقداد"، وقد حصل على نُسخة إهداء من المؤلِّف بعد حفل
توقيعها القديم في الأردنِّ بلد اللُّجوء.
وكانت عودة الرَّوائيّ
إلى البلد فترة ما بعد سُقوط النِّظام بتسعة أشهر، وأرسلها له مع صديق مُشتَرك
بينهما موثوق مُقيمٌ في العاصمة عمَّان. حَمْل الكُتُب كان أيَّام النِّظام البائد
مُخاطَرَة كبيرة المُخدِّرات جريمتها أهوَن بجميع المعايير؛ فما بالُكَ إذا كانت
ضدَّ النِّظام؛ فهي مُحاولة اِنْتحار بكلِّ تأكيد. وتبقى المُخاطَرة محفوفة
بالمفاجآت غير السَّارَّة.
شهوان لم يتردَّد بتغليفها بورق جريدة لإخفاء طبيعة العنوان
المُثير. خوفُه دفينُ صدره؛ يمنعه من إظهار طبيعة الكتاب للآخرين. الخوف لا يُنزَع
من الصُّدور دُفعة واحدة، ولا يزول إلاَّ بالشُّعور الأكيد بالأمان. تأبَّطها
بحرصٍّ شديد كي لا تسقُط منه على الطَّريق، كما حصل معه ذات مرَّة بفقد رواية، لا
يستطيعُ تذكُّر عنوانها ومضمونها، لكنَّه مُوقِنٌ بفقدها.
من فوره
النَّادل أحضَرَ له فنجان قهوته السَّاده، واِنْفصل عن مُحيطه كالعادة مُنغمسًا
بالقراءة، خبرته العريقة بالقراءة
السَّريعة بوعي وإدراك أتـاحت له نصف الرِّواية إلى حين موعد مجيء نادر، ولحُسن
الحظِّ فقد تأخَّر ساعة كاملة.
..*..
طوى الرِّواية عند وُصول نادر، أخَذَ مكانه، واِعْتذر:
"سامحني أستاذ شهوان لقد تأخَّرتُ في المكتب مع زبون من الكُتَّاب
الجُدُد، جاء بتوصية من صديق مُقرَّب، يريدُ طباعة مجموعة من الخواطر، أخيرًا وبعد
الشَّرح المُطوَّل، لطبيعة عملنا من مراجعةٍ وتدقيقٍ إملائيٍّ ونحويٍّ، وإعادة التحرير
لبعض العبارات والجُمَل، والتنسيق، وتصميم الغلاف، واِسْتخراج رقم الإيداع المحليِّ
والدُّوَليِّ، لأنَّه يجهل مثل هذه الأشياء، حتَّى يُصبح الكتاب جاهزًا للطِّباعة،
المُشكلة الأصعَب، كيف ستُفهِمُ جاهلًا وعلى الأخصِّ، إذا قال: أنَّه يعرف.
بعد أن اِسْتوعب
الشَّرح الطَّويل، وصلنا لمرحلة توقيع العَقْد، والاِتِّفاق النِّهائيِّ. بَقِيَتْ
مُشكلة التكاليف، التي سيدفعها على أقساطٍ؛ بضمان الصَّديق الذي أرسله؛ جرى
حَوْلها نِقاشٌ ليس مُطوَّلًا. عندما لا يملك المرء المال بين يديْه يرضخ بسهولة،
لشروط الدَّائن، حتَّى ولو كانت مُجحفةً، الحاجة للنَّاس مُذِلَّة.
أستاذ نادر...
عملُكَ أوَّلًا، وتأخيركَ أتاح لي فُرصة لمُتابعة القراءة التي اِشْتقتُها منذ
زمان، وبالوصول إلى مُنتَصَف الرِّواية التي بَيْن يديَّ. قبل أنسى موضوع الرّواية
التي بين يديْك، لو سمحتَ لي بها، لقد سمعتُ عنها من خلال وسائل التَّواصل،
سأستعيرها منكَ، بعد أن تنتهي منها، وبعد أن أطَّلع عليها، ربَّما لو أتيحت فُرصة
النِّقاش حولها، كما تعلم فقد ظهرت كتابات، أصَّلت لمصطلح جديد أطلقوا عليه أدب
اللُّجوء، ومن ظاهر عنوان الرَّواية فعلى الأغلب أنَّها في نفس السِّياق الجديد.
..*..
مع بداية كُلِّ جلسة نحتاج لمُراجعة بعض النُّقاط، في كثير
من الأوقات ولكثرة مشاغلي، لا أجد الوقت للتحضير. قال نادر.
بكلِّ
الاِحْترام لكَ والتَّقدير لجُهدك، ووقتكَ الثَّمين الذي تصرفه من أجلي، يكفي
أنَّك مُحافظٌ على الحُضور لموعدنا الأسبوعيِّ، وأن تأتي مُتأخِّرًا خير من أن لا
تأتي أبدًا. كما تعلم...!! فَلَسْتُ مُتعجِّلًا على أمر ما؛ عجلة الحياة تدور ببطء
في سَنَواتي الأخيرة، أشعر بتوقُّفها في بعض الأحيان، وقلَّما أخرُج من البيت إلى
أيِّ مكان، سوى بعض الدَّعوات والمُناسبات والأُمسيات؛ إذا ما جَرَى التأكيد على حُضوري.
كما تعلم سيِّد "نادر"
الزَّمان ليس زماننا... ولَسْنا أهلًا له، لقد تبدَّلت الأُمور كثيرًا عن أيَّامنا،
كما إنَّ اِخْتلاف أطباع النَّاس عمَّا عرفناهُ واِعْتدناهُ لا يروقني. مُشكلة
الاِنْسجام مع المُتغيِّرات المُتسارعة خلال فترة الحرب الطَّويلة، تحتاج لنفسيَّة
تستطيع المُوالفة السَّريعة بلا تعقيدات.
اِحْترامي لنفسي
يجعلني أُقلِّل حضوري إلى الحدِّ الأدْنى، كي لا أضيع في زحمة النِّسيان، كلُّ شيء
تغيَّر وتبدَّل، ليس مِثْل السَّابق أبدًا بكلِّ المعايير؛ فالحرب مثلما تُدَمِّر
وتقتُل وتسحق، فإنَّما هي اِنْقلاب على جميع الأصعدة، لا نستطيع أن نلومَ أطباع
ونفسيَّات الشَّعب التي توالَفَت مع تطوُّرات، ومُعطيات حالة الحرب، وأنا وأنتَ
كذلكَ طالنا التغيير، وتأثَّرنا بدرجات أقلّ حسب تقييمي، ضاع أكثر الكثير... نحمد الله على أنَّنا اِحْتفظنا
بالشيء المعقول من كياننا؛ فمن غير المُمكن وخلال الفترة الماضية، التي عِشْناها
على مدار ما يقرُب من عَقْد ونصف أن نبقى على حالنا...!! حاشى لله فلا يبقى على
حاله إلَّا هو سُبحانه.
نلحظُ التغييرات
والتطوُّرات الطَّارئة على الكثيرين من مُحدَثي النِّعمة، المعروفين ونسمع عنهم،
لقد كانوا ثوَّارًا بالأمس القريب...!! ويهتفون للحُريَّة بحناجرهم المبحوحة،
يريدون الخلاص من وهم الخوف وأسواره المُتعالية مع سنوات أعمار آبائهم وأجدادهم،
تصدَّعت الأسوار والجُدران مع أوَّل صرخة للحُريَّة، واِنْهارت.
وما يغيظ حدَّ
الاِنْفجار...!! إذا ما مَررتُ أمام قصر جميل، كُتِبَت لائحة رُخاميَّة، بكلمات
محفورة ومُزخرفة على المدخل، والأبهى لمعانًا اللَّوحات النُحاسيَّة تلألأ، تستجلب
نظرات العابرين: (هذا من فضل ربِّي)؛ عندها أُردَّد بنفسي: لا... لا... هذا
من فضل الثَّورة التي خُنْتوها... سرقْتُم ونهبْتُم أموالها...!! اللَّعنة عليكم.
أستاذ "نادر"
هناك لحظة مُباغتة ستفتقدني، لكن تذكَّر... أنَّهم أبَوْا إلَّا فضيحة أنفسهم،
بإثبات الجُرم بأنفسهم، لتبقى اللَّوحات صامدة مُذيَّلة بتواريخ دقيقة، شاهدة
بِصَمْتِها.
يبتسم "نادر"،
ويُعلِّق: يعني سترتاح ملائكة الحِساب هناك من مناقشتهم، والاِسْتماع إلى
إقراراتهم، واِعْترافاتهم.
اِنْفعال
الأستاذ "شهوان" الغاضب لم يتوقَّف عن مقاطعة "نادر":
بِئْست السَّرقات، وبِئْس اِعْتقادكُم بأنَّها فَضْلٌ. ما بالُ المفاهيم اِنْحرفت،
واِنْقلبَت، وتغيَّرت مع تبدُّلات الحرب ونتائجها الوَسِخَة...!!.
أستاذ "شهوان"
كي لا يضيع الوقت، ونبتعد عن موضوعنا الذي جئنا اليوم من أجله.
..*..
بكلِّ سرور، سأحكي لكَ اليوم قصَّة المُخبِرِ السِّريِّ، وكيف خدعني،
وأنعي على نفسي حِرْصي الشَّديد الذي لم يُنقذني، ولم ينفعني هذه المرَّة.
أثناء التَّحقيق معي في فرع
المعلومات عند اِعْتقالي. المُحقِّق
قال: نعرفُ عنكَ كلَّ شيء من مصادرنا، تذكَّرتُ. أيقنتُ أنَّ مصدره الموثوق هو ذلك
المُخبِر. تخيَّل يا نادر أنَّني كنتُ حريصًا على إخفاء هُويَّته كي لا
يُصاب بأذى، وأطلقتُ عليه اِسْم "دهشان"، في الحقيقة رجال الأمن
لا يُؤتَمن جانبهم على الإطلاق.
ولاؤهم الأوَّل
لوظيفتهم، لا يهمُّهم إلَّا خدمتها بجميع الوسائل، حتَّى وإن كانت وَسِخة جدًّا،
يجب الاِعْتراف بخيانة ذاكرتني في لحظة ناعسة؛ إذ صدَّقتُه:
سابقًا لا أذكُر
متى كان ذلك، عندما تواصَل معي "مُخبِرٌ سريٌّ" بطبيعة الحال لا يُمكِن الكشف
عن هويَّته، أو اِسْمه الحقيقيّ حفاظًا على سريَّة المعلومات التي سيُزوِّدني بها،
وهذا عهد قطعتُه على نفسي أن لا أفضَحَ، ولا أُفصِحَ عن حقيقته مهما كلَّف
الثَّمن؛ فهو ضابطٌ مُنشَقٌّ
عن النِّظام منذ ما قبل بداية اِنْطلاق الثورة السُّوريَّة (2011).
مركز خدمته
الحسَّاس، أضاف له أهميَّة أكبر؛ بما يمتلكُ من معارف ومعلومات داخليَّة
وخارجيَّة، ويُعَدُّ عالم خبير، يَنوفُ بسعة اِطِّلاعه جميع تجارب العجوز "علاء
الدِّين" القديمة، غير ذات القيمة في مثل هذا الوقت، بل وعديمة الفائدة
مع تسارع الأحداث في هذه الفترة الزمنيَّة المِفصليَّة في حياتنا الشَّرق أوسطيَّة،
المليئة بالتشابُكات المُربِكة والمُحيِّرة.
هذا المُخبِر السريُّ
باِعْتقادي بأنَّه سيكون مصدر مُتجدِّد كمصادر الطَّاقة البديلة، لا يَنْضَب بما
يمتلك من قدرة تحليليَّة للأمور، وربطها ببعضها البعض؛ ليستخرج نُقاطًا جديرة
بالاِنْتباه إليها، لأنَّها مبنيَّة على اِسْتقراء تقاطع المعلومات بعد جمعها
وتحليلها.
ضخامة جسمه تفوق
حجمي، لكنَّه بقيَ مُتشبِّثًا بِحِزَامي خوفًا من الاِنْزلاق عن حافَّة البِساط
غير الواسعة، بالكاد تتَّسع لنا معًا، فلو أنَّ شخصًا غيره لكان الأمر أيسر، ومن
غير المُمكن الاِسْتغناء عن خدماته الجليلة، فطول رقبته مُتوافِق مع طوله الطَّبيعيِّ،
وعيناه لا تثبُتان أبدًا على نُقطة واحدة، فهو دائم البحث عن شيء مجهول، يُفتَرض
أنَّ وراء كلِّ غيمة غُموض يستدعي الحذر، والاِحْتياط للمفاجآت. حسب اِعْتقاده.
لم يتوانَ
بتنبيهي لأدنى شيء، حتَّى هبوب تيَّارات الهواء الخفيفة السَّاخنة أو الباردة، بطبيعته
مُتوّجِّس مُتوتِّر بتحفُّز، أدركتُ سبب كثرة مُلاحظاته، في السَّابق كنتُ أعدُّها
تافهة لا تستحقُّ الاِلْتفات لها، أهو عامل الخوف المُتولِّد لديْه؟. حجم شكوكه
الهائل زرع الخوف في قلبي.
لم ألحظ ولو
لمرَّة واحدة؛ أنَّه خلع نظَّارته "الرِّيبَان" السَّوداء، اِلْتزامه
الشَّديد بتعليمات وظيفته السَّابقة، أصبح جُزءًا أساسيًّا من شخصيَّته المُبرمجة
على هذا المِنْوال، ولا أظنُّه قادر على تبديل مظهره المُعْتاد.
يتزحزح بمكانه
يريد المزيد من مساحة مُريحة له، أشكُّ بإزاحتي من على ظهر البساط كُليًّا كما
أزحت السُّندباد. كأنَّه يستقرئ أو يستمع لما أفكِّر به؛ فقال: يا مولانا لا
تتخوَّف على نفسكَ، بإمكانكَ أن تطمئنَّ لي، لأنَّني أقسمتُ على وَلَائي المُخلِص
لكَ، ولن أحنثَ بيميني، أقولُ أنَّ الحقَّ
بيدكَ كلَّ الحقِّ بما يطرأ لكَ بين الحين والآخر، يقيني الدَّاخليِّ بأنَّ الشُّكوكَ
تتوالد بنفسك بين الحين والآخر، وهذا باِعْتقادي مبعثه الخوف من المصير المجهول.
..*..
سيرة السُّلطة والزُّعماء السياسيِّين والقادة العسكريِّين، وعَرَامةُ
شهوتهم في القيادة والسَّيطرة، تجعل شَيْطان الاِنْقلابات يُزيِّن لهم ما تحوكُهُ
نفوسهم في ليل مُدلهمٍّ بالمُؤامرة.
والأسوأ بهذا
الطَّريق، بأنَّ رِفاق الأمس، ونواياهم المُضمَرة على خُبثٍ، تتهاوى أَيْمانهم
التي أقسموا عليه، ليناموا ليلتهم، ويستفيقوا على هدير الدَّبابات والعسكر
يُحاصرون مبنى أركان الجيش ووزارة الدِّفاع، ومن يسبق إلى اُسْتوديُوهات الإذاعة
لإعلان البيان الأوَّل؛ فهو القائد الجديد، الذي سيعلن: بأنَّه لم يقُم بحركته
إلَّا لتصحيح المسار، فيما هو لمصلحة الوطن والمُواطن، وحظر التِّجوال في الأيَّام
الأولى الكُلِّي والجُزئي، حتَّى يضمن ولاء بقيَّة قادة العسكر، وينضمُّوا إلى
صفِّه.
..*..
ولكن يا صديقي المُخبِر يجب أن تعلم: أنَّ الثَّمن سيُدفَع
مُسبَقًا، بطبيعة الحال؛ فنحن لسنا مُختلفين على المبدأ، إنَّما على الثَّمن، ومن
الذي سيدفعه برأيكَ، ويدفع ضريبته.
معاك الحقّ يا
سيِّدي. أُوافقكَ بل أبصُمُ لكَ بأصابعي العَشْر، وعلى ورقة بيضاء، بما تفضَّلتَ
به؛ فقبل أن ينفضَّ مجلسهم، يُخطِّط كلُّ قائد منهم، كيف سيقبض ثمن موقفه، ويُتابع
مسيرته في متاهة النَّصر؟.
تزامُنًا مع
العبارة الأخيرة... اِنْطلقت ضحكتهما؛ تُجلجل كصَيْحة مكتومة صادرة من بئر عميقة
ولا من سامع لها، فلا تعدو أكثر من رفَّة جناح لعُصفور صغير.
من غير المعلوم
أنَّ ضحكة السيَّد "شهوان"،
تُنبِئ عن اِطْمئنانه، أوثِقَتِه بكلام المُخبِر السرِّي، عندما أراد
مُداعبته، بكلام مُرطِّب لحرارة الشُّكوك التي تنهش قلبه: "على اِعْتبار أنَّ
طريقنا، أصبحت واحدة، وتطابقت مصلحتنا، أرى أنَّ كلمة المُخبِر السرِّي سيئِّة لا
تليق بإنسانيَّتكَ.
أخاف أن تُضايقكَ
كلَّما اِنْطلق بها لِسَاني. -نادر غير مُتفاجئٍ من كلام بطله شهوان
بإطلاق تسمية المُخبِر- سيكون اِسْمكَ الجديد صديقي "دهشان"، من
المُهمِّ جدًّا إخفاء هويَّتك الحقيقيَّة. هاتِ يدكَ لنتعاهَد على صداقتنا
وأُخُوَّتنا، وأن لا يغدُر أحدنا بالآخر.
مدَّا يُمناهما،
وشدَّ كلٌّ منهما على كفِّ الآخر، وردَّدا كلمات لم تتبيَّن طبيعة مُحتواها، ولا
فَحْواها، شفتاهما تحرَّكتا بهمس، لم يسمعه سِوَاهما.
أشكركَ معلَّم
"شهوان"، في الحقيقة أنَّ حياتي المهنيَّة اِعْتادت الظلَّ،
والتخفِّي خلف ستائر شتَّى، وهذا دأب الدَّولة العميقة في أيَّة بُقعة من العالم
كما تعلم، حتَّى اِخْتياركَ مُوفَّق لاِسْم "دهشان"، لطبيعته
البدويَّة المُتباعدة مع حقيقتي بمسافات لا يُمكن توقُّعها، وأنا بحاجته ماسَّة
لضرورة البقاء معكَ، وخلفكَ سندًا صلبًا؛ من أجل تحقيق أهدافكَ، وما تصبو إليه في
رحلاتكَ. من الآن فصاعِدًا اِعْتبرني ساعدكَ الأَيْمن.
سيِّد "شهوان"
يجب أن أُخبِركَ بنُقطة مُهمِّة، وأساسيَّة في عملنا الوظيفيِّ في الأجهزة
الأمنيَّة على مُختَلف أنواعها وتشكيلاتها، سواء كانت داخليَّة أم خارجيَّة،
فإنَّ التفكير خارج المألوف هو أساس عملنا،
أو بما يُسمَّى (خارج الصُّندوق)، ومن خلال الحَذَر الشَّديد، والشكِّ في
كلِّ نُقطة كبيرة أو صغيرة، مُهمَّة كانت أم تافهة؛ وهذا الأمر أصبح طبيعيًّا من
لوازم حياتي.
يا صديقي "دهشان" برأيكَ هل
من داعٍ لتبريركَ هذا؟.
حتَّى لو لم
يطرأ بذهنكَ أدْنى شكٍّ، أو ريبة تجاهي يا سيِّد شهوان... أحببتُ طمأنتكَ
من هذا الجانب. أقسمُ صادقًا: سأكونُ مُخلصًا لكَ، سأفعل ذلك على الأقلِّ لوجه
الله من أجل آخرتي، وتكفيرًا عن سنوات خدمتي، اِنْشقاقي كان نافذة جديدة في حياتي،
أحببتُ اِخْتتام مسيرتي لما فيه مصلحة، وخير البشر على وجه العُموم.
..*..
ملاحظات نادر الدقيقة أثناء استماعه لشهوان، وتحويل
الكلام إلى كتابة (نقد شخصية شهوان)
رأس "شهوان" يعلو ويهبط بحركات بطيئة، تبدو لا إراديَّة؛ لكنَّها تحمل
إشارة تصديق كلام المُخبِر. ويُتابع مسيرته بلا تردُّد. فهل كان مُجبًرًا على
تصديقه؟.
أثناء الكتابة
ينسى "نادر"
نفسه تتبلَّد أحاسيسه، فيتجرَّد من ذاته المعروفة، ليدخُل في غيبوبة من الخيالات،
واِحْتمالاتها من أوهام، وهَرْطَقات كُفْر تتعارض مع إيمانه المعروف، وشُكوك ويقين،
وتصديق وتكذيب، وفرح وحُزن، ودموع وضحك في آنٍ واحد...لا... بل خلال لحظة عابرة، كثيرًا
ما تصل به الأمور حدًّا لا يُطاق من الاِسْتغراق، حتَّى يُظنُّ به مَسًّا من
جُنونٍ، أو بَلَاهة خَلقيَّةٍ مُتأصِّلةٍ رافقته من بَطْن أُمِّه إلى هذه
الدُّنيا.
حوَّاسه في اِسْتنفار
للمُتابعة، يكتبُ ملاحظة دقيقة؛ فكانت اِلْتقاطة ذكيَّة، بمثابة اِكْتشاف
طريقة التفكير العشوائيِّ عند الأُستاذ "شهوان".
آهٍ... منكَ
وألفُ آه... كيف فاتَتْكَ الإشارة. كلمة المُخبِر صادقة. لا أدري هل قالها عمدًا
أم سَهْوًا؟. أغلبُ ظنِّي بل يقيني بأنَّه تعمَّد ذلكَ، كَيْما يبعثُ شيئًا من
الطُّمأنينة في نفس "شهوان".
تمنِّيْتُ على "شهوان"
التوقُّف عند كلمة -المُخبِر- حينما قال: (نشكُّ في كلِّ شيء).سأضعُ
خطًّا تحتها بالقلم الأحمر، وأضغط حتَّى تنحفر الكلمات على الصَّفحة التَّالية، وهل
كان قادرًا باتِّخاذ قراره بالتخلُّص منه؟. ودفعه من جانبه؛ ليسقُط ويتحطَّم، كما
أسقَطَ السِّندباد من قَبْله، ويُلاقي مصيره؟.
المُخبِرون لا
يُؤتَمنون أبدًا، تردَّدت مقولة على لسان أحدهم، يُعتَقَد أنَّها من باب التهكُّم:
(أنَّ مُخبرًا عندما مات، وبعد انصراف المُشيِّعين عن قبره، بدأ بتفقُّد جواره
الجديد من القُبور، وبدأ يُراقبهم عن كثب).
..*..
الموضوع سيأخذ منحى آخر، على
ما جاء في المقطع الأول هو اعتراف شهوان عندما تم القبض عليه، وفي السِّجن سيتمّ
تفريع شخصيَّته إلى التشظِّي وعلى وقع الوهم والخيال والاشتغال على العامل
النفسيِّ
المُحقِّق:
هات لنشوف يا
ذكي... يا شهوان إذا ظننتَ أن باستطاعتكَ خداعنا؛ تذكَّر بأنَّ أذرعُنا
الفولاذيَّة الطَّويلة، لم يفلت منها إلَّا كُلّ طويل عُمُرٍ, يجب أن تعلم بأنَّ
من يُحاولون الخُروج عن سيْطرتنا، حتَّى لو كانوا في باطن الأرض، تختَّل لو أنَّهم
كانوا على سطح القمر، لأَتَيْنا بهم صاغرين أذلَّاء، لَنَدْعَسَهم في نفس المكان
الذي فيه أنتَ الآن. أستغربُ كيف فاتتكَ الفِطنة يا أستاذ شهوان -
باِسْتهزاء خرجت كلمات المُحقِّق، كسياط
ألهبت ظهر شهوان-.قال المُحقِّق المُتجهِّم.
اِسْتقرَّ في
قلب "شهوان": بأنَّ تقاطيع وجه المُحقِّق المُخيفة، وبشرته
مُحتقنة بالسَّواد، مثل قطعة رُخاميَّة مرميَّة في حقل جليديٍّ، لكنَّ اِبْتسامة
النَّصر الماكرة خفَّفت من حدَّتها، بما حقَّقه مع فريقه السرِّي، المُكلَّف
بمُتابعة قضيَّة البِسَاط السِّحري المسروق.
هل تعلم يا شهوان
بأنَّ تُهمة إضعاف الشُّعور القوميِّ، واِنْتهاك سيادة الدَّولة ستُنسَب لكَ؛ لتصنيف الخبر ضمن نِطاق دائرة الأمن القوميِّ
المُقدَّس، فلا يجوز الإضرار، كي لا يُضعِف الشُّعور القوميِّ للشَّعب، إذا ما
تناقلته الألسُن على نطاقات واسعة. هيْبة الدَّولة تُعادل الإيمان بالله.
..*..
عندما اِنْتشَر الخبر في الصَّحافة العالميَّة، وتصدَّر الخبر
نَشَرات الأخبار على شاشات القنوات الفضائيَّة، ومواقعها الإلكترونيَّة.
نادر يُتابع بكتابة مُلاحظاته الخاصَّة به: قبل مُدَّة من
الزَّمن تُقدَّر بعام كامل... يزيد أو ينقص قليلًا، وسائل التواصل الاِجْتماعي تعالى
ضجيجها، فَوْر أن قام عميل سرِّي لقيادة الذُّباب الإلكتروني (الجيش الإلكترونيِّ)،
بنشر خبر مُوجَّه؛ لاِسْتطلاع الآراء، واِسْتجلاب ردود، وتفاعلات القُرِّاء؛ فلا
بدَّ أنَّ يظهر بصيصٌ من ضوء؛ يقود إلى اِخْترق جدار الغُموض، الذي يلفُّ الموضوع
غير المُتوقَّع أصلًا:
(وَرَدَ من
مُراسلنا في غرب العاصمة؛ بأنَّ أشياء غريبة حدثت، على إثر هُبوط كائنات فضائيَّة
بالقُرب من مركز اتِّصالات، وقد تعطَّلت على الفور كافَّة وسائل الاتِّصالات
الأرضيَّة والمحمولة، وتوقَّف البثُّ الإذاعيّ والتلفزيونيِّ، إلى أن غادرت
الكائنات الغريبة الموقع بعد دقائق من هُبوطها، حيث عاد كلُّ شيء إلى طبيعته).
..*..
تحارُ الكلمات على لسان "شهوان" أمام سَطْوة
نَبْرة المُحقِّق المُرعبة، الجالس خلف طاولته في مكتب آخر، يأتي كلامه عبر
سمَّاعة تبثُّ كلامه، كالسِّياط تصكُّ سمع "شهوان" بعُنفٍ، وفي
نقطة قريبة منها تنتصب (كاميرا) مُراقبة.
تتراكم المخاوف؛
لتتضخَّم بدواخله كُتَلًا تتدحرج باِنْحدار شديد، لتهرُس بقايا صُموده التي
يُفكِّر به إذا اِسْتطاع،؛ فَتُحيله كُتلة هُلَّامية رخوة، من الصَّعب لملمتها أو جمع
أطرافها.
حينما يكون
المُحقِّق وجهاً لوجه؛ أهْوَن بمرَّات من هذه الطَّريقة المُخيفة. يُحدِّث شهوان
نفسه. وأظنُّ أنَّ هُناك فريق تقنيٌّ من المُحقِّقين المُتخصِّصين، أتوقَّع أن
يكون بينهم مُحلِّلو ملامح الوُجوه لاِسْتقراء الاِنْفعالات في وجهي.
سأبقى هادئًا
أمام أسئلتهم الكثيرة والمُركَّزة على قضايا مُعيَّنة، والأسوأ أنَّهم يُعيدون طرح
سؤال مُحدَّد لمرَّات بِصَيَغ مُختلفة، لكشف تناقضات الأجوبة. مُهِمَّة صعبة أن
تخوض تجربة جلسة واحدة للتحقيق بين أيدي هؤلاء العُتاة المُتمرِّسين.
..*..
يتلفَّت حوله لاِسْتكشاف الغُرفة. من الوهلة الأولى أدرَكَ
أنَّها بلا مُميِّزات، ولا ملامح تختلف بها عن أيَّة غُرفة من غُرَف المكاتب المُماثلة
لها.
دهانها الأبيض
شائع جدًّا، الكُرسيُّ البلاستيكيُّ الذي يجلس عليه شبيه بملايين الكراسي بشكله
ولونه، أيضًا البلاط شبيه لأرضيَّات الأبنية. تضيع العلامات الفارقة في الأشياء
المُتشابهة، كالتوائم المُتماثلة.
يا إلهي...!!
أين صديق رحلتي "دهشان" الآن؟. أغلبُ ظنِّي أنَّهم عَزَلوه في غُرفة
أخرى بعيدًا عنِّي، ويُحقِّقون معه بنفس الأسلوب، وبعد أوَّل جلسة سيجمعون أجوبتنا
للمُقارنة بينها، واِسْتخلاص معلومات يبحثون عنها، من خلال عمل شبكة لتقاطعاتها.
أشدُّ ما أخافُ
منه أن يكونوا قد دسُّوا "دهشان" للتجسُّس عليَّ، في الحقيقة
إنَّ الحيْرة تنهش قلبي. تشُلُّ أعصاب مُخِّي. تجعلني غير قادر على التفكير بأيِّ
اِتِّجاه صحيح. اِخْتلاطُ الأمور بتشابكاتها؛ يُغلِقُ نوافذ النَّجاة الممكنة وغير
المُمكنة.
..*..
المُحقِّق بصوته
الأجشِّ بنبرة غاضبة: "إِيَوَهْ يا شهوان هاتِ ما عندكَ". مرحبًا
بكَ أيُّها المُحقِّق، وما الذي تريده بالضَّبط؟، إذا ما سألتني؛ سأُجيبكَ بكلِّ
تأكيد، ولن أتأخَّر ولا أتـردَّد أبدًا، سأكونُ رَهْن إشارتكَ.
وهل ستجيبُ بصدق
وصراحة، كي تبقى مُحتَرمًا يا شهوان؟. اِرْتَعش جسم "شهوان"
باِرْتجافة؛ حرَّكت قوائم الكُرسيَّ تحته؛ شَعَر بما يُشبه ماسًّا كُهربائيًّا
سَرَى في أوصاله. رفع رأسه نحو الكاميرا، ومصدر الصَّوت: أكيد سيِّدي... بكلِّ صدق
وصراحة سأتعاونُ معكَ. ساعات ناهزت الثلاث، باِنتظار سؤال المُحقِّق، لكنَّه لم
يأتِ إلَّا في اليوم الثَّاني. تتعاظم أوهام في رأس شهوان الذي يدخل في متاهة من
التَّفكير، بنفسي لو أعرف عن أيِّ شيء سيكون سؤاله الأوَّل، أو طَرَفًا عن ماهيَّة
الموضوع الذي اِعْتقلوني من أجله. وجع رأس أفظَعُ من الشَّقيقة؛ اِسْتمرَّ على
الرَّغم من ساعات الاِنْتظار الصَّامتة، الموت أهوَن من اِنْتظاره، اِنْقطعت
الحِيَل وأسبابها، رُطوبة الجُدران تنثُّ عفونة الأماكن المهجورة، يكتُم
سَعْلة مُفاجئة كادت أن تخرج غَصْبًا، لا يعرف ما إذا كان هُناك خلف (الكاميرا)،
وهل الفاصل بيننا الجدار فقط، أم من مكتب بعيد عن هذه النُّقطة.
..*..
صوت خُطُوات في الممرِّ الهادئ كَسَرت رتابة الصَّمت
المُريب، دَوَران المفتاح في قفل الباب، أذِن بدُخول شابٍّ يحمل عُبوة ماء
بلاستيكيَّة ليست مختومة إنَّما مُعبَّأة من الصُّنبور، ورغيف خبر وقطعة مُثلَّث
من الجُبنة، وحبَّة بندورة مُتوسِّطة.
وسأل دهشان،
فيما إذا كان بحاجة للخُروج إلى الحمَّام. أشكركَ أيَّها الشَّاب الرِّائع، إحساسي
بمثانتي على وَشَك الاِنْفجار. العسكريُّ كأنَّه مُبرمَجٌ على كلمات مُحدَّدة فقط:
(هيَّا قُم معي). أدخله بابًا في نهاية الممرِّ الطَّويل المُكتظِّ بالمكاتب
تتقابل على جانبيْه، أبوابها المُغلقة تتكتَّم على أسرار كبيرة وكثيرة.
..*..
تقييم نادر لما
سمع من صديقه شهوان، والتأكيد على إصابه شهوان بحالة هوس اكتئابي، واستغراقه
بالأوهام والخيالات
نظرات نادر ساهمة في شرود غير مفهوم، راح يتفَّكر بسيول الكلام
الجارفة لمن يملكُ بقايا من عقل. اِنْخرط
في محاكمة صامتة وفق موازين المُقدِّمة السليمة، من المفترض قُدوم النَّتيجة على شاكلة
ما سبقها، بينما تبدو آثار إرهاق الجلسة الطّويلة على شهوان.
من المُفتَرض أن
تأتي الكتابة لتكون شاهدة عَيَان بثُوبتها على الورق، بعض القصص تمرُّ على أسماعنا
مرور الكِرَام، لكن في هذا اليوم، لن يمرَّ أيُّ حرف أو كلمة إلَّا غربلتها من تحت
ميزان المعقول واللامعقول.
بصراحة..
والصَّراحة راحة كما يُقال، بدأت أتشكَّك بقُدُرات الأستاذ "شهوان"،
أخاف من سُؤاله إن كان بكامل قِواه العقليَّة، أو بصيغة مُموَّهة وأخفُّ لهجة، إن
كان مازحًا أو جادًّا في اعترافه للمُحقِّق، حول قضيَّة (البِساط السِّحري)، وقتل
السِّندباد.
بالعودة لحديث
شهوان، حينما اِسْتغرب عدم اهتمام المُحقِّق بالقضيَّة، إلى درجة تكاد أن تكون
مُهمَلة، أختمُ قولي الأخير بخُصوص هذه النُّقطة: أنَّ الموضوع يروقني ليكون
مادَّة مُشَوِّقة لروايتي. يتحتَّم عليَّ مُتابعة دقائق أنفاس شهوان، وفي أحسن
الحالات، فتصنيفه أنَّه مُصاب بهوس اكتئابيٍّ، مُوحية له بالمزيد من الخيالات
والأوهام، التي تتنزَّل للاِسْتيلاء على ساحة شعوره، فيخلط الوهم بالحقيقة،
ليُنتِج قصَّة يرتضيها، ويفتخر بها على أنَّها جُزء من تاريخه النِّضاليِّ كُمعارض
للنِّظام منذ بداياته. اعتقاده بصحَّة كلامه، وباِسْتقامة تفكيره، وبعدالة
قضيَّته. لكنَّه غير انتهازيٍّ إلى هُنا.
..*..
القسم الأول من الرواية
يتكون من ثلاثة فصول (1.2.3)منتهي. بعد مراجعات
عديدة، على ما أعتقد أنَّه اكتمل بذهني.
والاشتغال من جديد على القسم (4) وما بعده
القسم الثاني
(4)
اعتراف دهشان
أمام المُحقِّق ليكشف مراحل رحلته
هذا الأسبوع
كانت جلستهم في زاويتهم المُعتادة داخل صالة المقهى الدَّاخليَّة، انخفاض درجات
الحرارة على غير المُعتاد هذا اليوم. تبدو حماسة نادر بوجهه المُشرق، وعطره يخطف
الأنوف لتحرض الأعيُن بمتابعته، هذه المرَّة حضر بموعده بلا تأخيره المعهود من قبل
صديقه شهوان. ويتأبَّط دفتره الملفوف بجريدة. مضى من الوقت نصف ساعة، وهما
يتكلَّمان بأشياء لم يتسرَّب شيئًا من فحواها إلى المسامع المُجاورة لهما، ثمَّ
فتح دفتره، لبدء رحلة الكتابة. القلم يتحرَّك بين أصابعه باِضْطراب.
في جلسة
التَّحقيق التالية، يتذكَّر "شهوان" بتمهُّل التَّفاصيل
الدَّقيقة، يبدو أنَّ مزاجه مُتعكِّر، حسبما أخبَر نادر: "زوجي اليوم غادرت البيت لزيارة أُختها منذ
الصَّباح، وما شممتُ رائحة للطَّبخ لهذا اليوم. من سوء حظِّي أنَّ سندويشة الفلافل
قضمتُها أثناء مشيي في الشَّارع. أمرٌ غير مألوف، إنَّما فعلتُه اِضْطرارًا،
فالأكل في المطاعم لا أُطيقه، فأنا بَيْتوتي بطبيعتي.
من النَّادر يا
سيِّد "نادر" أن ألجأ لمثل ما فعلتُ قبل قليل؛ فمن نَكَد حياة
المرء أكل لُقمة إذا لم يكُن يجلس على مائدة، فما بالُكَ إذا كان ماشيًا.. حرام...
حرام...!! أُقسمُ بالله. وكان يرفعُ سبَّابته بمحاذاة رأسه... اِنْفعال شديد على
غير عادته، نشأ عنه خلال هذه اللَّحظة. نادر لم يستطع تحديد السَّبب، ولا حاول
البحث، جمدت حركاته إلَّا من اِسْتدارات بطيئة من بُؤبؤيْ عينيْه المُركَّزتان
بوجه "شهوان" تتفرَّسانه، من غير المعروف ما الذي كان يدور في رأس نادر
الصّامت بلسانه، مُؤكَّد أن ما يدور بذهنه شيء مختلف تمامًا، ربَّما يغوص في نفس
"شهوان"؛ يُحلِّل بخبرة طبيب نفسيٍّ. اِسْتقراء الأشياء يسبق
الحُكم عليها، ولا يحكم القاضي إلَّا بثبوت اليقين لديه، وسيبقى يبحث لو خالطه
نسبة ضئيلة من شكٍّ أو ريبة.
أمَّا ما
حيَّرني أشدَّ الحيرة يا أستاذ "نادر"، بأنّني جلستُ وحيدًا أمام
الحائط، ولم تتكحَّل عيناي برؤية المُحقِّق ولا الجلَّاد بجانبه ينتظر الأوامر.
أيضًا هذه
المرَّة كانت الأسئلة كانت تأتيني عبر سمَّاعة الحائط، وتلقَّيتُ أمرًا صارمًا
بنبرة التهديد والوعيد منه برفع رأسي، والتَّحديق بعدسة الكاميرا أثناء أجوبتي.
ها... يا "شهوان" ماذا ستخبرني
هذا اليوم؟.
بالذي تريده سيِّدي
المُحقِّق.
لم أسمع منكَ
شيئًا مُهمًّا إلى هذه اللَّحظة. خبِّرني كيف اِسْتطعتَ الإفلات من رَقَابتنا،
وأعيُنِنا وأجهزتِنا الإلكترونيَّة العاملة على مدار السَّاعة، وأن تُقلِع ببساطكَ
السندباديِّ... ومن ساحة الأمويِّين...!!
يا لها من مُعضلة تحتاج لتفسير، والله هذا تحدٍّ كبير للدَّولة، لا يُمكن السُّكوت
عليه... والله لو أنَّكَ بمهارة وحذاقة
"جيمس بوند"*[5]
لكان اللُّغز سهل الحلِّ..!!.
أمرُك سيدي،
سأحكي.
لكن إيَّاك
والكذب يا "شهوان"، لأنَّ جهاز كشف الكذب باِنْتظاركَ؛ إذا شعرتُ
بأنَّك لا تقول الصِّدق.
حاضر سيدي.
"نادر"
مُستغرِقٌ بتفسير جدليَّة العلاقة النفسيَّة الدَّاخليَّة لصديقه "شهوان"،
لسَبْرها أثناء جلسة التحقيق؛ ومُقارنة اِنْزعاجه المزعوم من تناوله سندويشة
الفلافل. يُحاول تجسير الهُوَّة بين الحالتيْن للتوفيق بينهما.
نادر يكتُب ملاحظة مُهمَّة، اِكْتشفَها للتوِّ. أوه يا
إلهي...!! كيف فاتني التوقُّف والتدقيق بما يذكره عن زوجته؟، منذ أن ذكرها في جلسة
سابقة؛ حينها جاء مُبكِّرًا لأنَّ زوجته كانت تستقبل صديقاتها. وما الجديد يا
أستاذ "شهوان"، فمعظم طعامُك نواشف، وسندويتشات من المطاعم
تشتريها، وأنت على هذه الحالة منذ وفاة زوجتك في مطلع العام (2018)، حُجَّتُكَ
الدَّائمة من أنَّكَ لا تُجيد فُنونَ الطَّبخ، ولذلكَ فقد أخذت منك مُتابعة برامج
الطَّبخ وقتًا لا يُستهان به، إنَّه الوقت، المُستَقْطَع من أوقات القراءة
والمُطالعة، للكثير من الكُتُب المركونة على أرفُف مكتبكَ، وما زالت على حالها منذ
أن اِشْتريْتَها.
أصبحت على يقين بأنَّ
الأستاذ "شهوان" لا يعيشُ في الحاضر، ما كنتُ أشكُّ به بشأن
قُدُراته العقليَّة، واِنسحاب الماضي ليُغطِّي ويستحوذ على حاضره.
أصبحتُ جازمًا بأنَّه في أشدِّ حالاته اِغْترابًا،
وتشظِّيًا بين الماضي والحاضر، فاِنْعكس على واقعه المُحزن؛ دومًا ما ينطلق من شعور عميق مُرتَبِط بصلة وثيقة مع الذين يُشكِّلون
مفردات ذات أهميَّة لما تراه الذَّات.
إنَّ تقديره وإجلاله للماضي؛ ليتحوَّل سَيَلانًا ينزُّ في الحاضر
فيُقلقه ويُخيفه، ويجعله مُتوتِّرًا عصبيًّا يثور لأتفه الأسباب.
يظهر تجلِّيًا تبرز في
كاريزما زوجته المُتسلِّطة لتستجلب أزمنتها؛ فرُؤيتي بأنَّ "شهوان"
ما زال مُرتَبِطًا بزمن مُمتدٍّ على شكل خطوطٍ مُتَّصِلةٍ كلوحات إرشاديَّة محفوظة
غَيْبًا في منطقة لا شعوره، ما زالت تُمسك بحاضره المُتخلخل على أوهام الماضي، وبطبيعة
الحال فالمُستقبل لا طريق سالِك لكي يُفكِّر به.
بدأبٍ يُتابع
بتدوين كلام "شهوان"، ورأسه مطاطأ على دفتره، لم يتطلَّع حوله
أبدًا، ولو لمجرِّد اِلْتفاتة بسيطة، على الرَّغم من صراع مألوف من مجموعة على
طاولة هناك في وسط الصَّالة يلعبون (الكونكان)، رغم صدور بعض الكلمات النَّابية
والتهزيء من أحدهم، لزميله واِتِّهامه بالجهل والغباء، لعدم معرفة أبجديَّات اللُّعبة.
تستهويني لُعبة الشَّطح
بالحديث مع "شهوان"، فهي تفتح آفاقًا في مُتابعة كتابة
الرِّواية، فصاحب العدسة –شهوان-؛ يمتلك
من الخيال الخارق الحارق لترسُّبات الواقع. خَتَم "نادر" الفقرة
بهذه العبارة، واِسْتعدَّ لمتابعة حديث "شهوان" بشأن
كلامه عن البساط السِّحري في غرفة
التَّحقيق.
..*..
الكلام هنا بداية لوصف مشهد بانورامي من الأعلى لساحة
القلعة
تجاوزتُ بسهولة بالغة نقطة مُهمَّة أقلقتني منذ بداية اِنْطلاقة
رحلتي من (ساحة القلعة
إلى ساحة الأُمويِّين)*[6].
ما إن اِرْتفعتُ قليلًا، حتَّى اِخْتلفت رؤية الأوابد التي ألفتُها منذ وعيت في
صغري، تبدَّل المشهد عكس المعروف مئة وثمانين درجة، في وسط السَّاحة يشمخ نصب الشُّهداء،
كأنَّه السبَّابة تمتدُّ باِسْتقامتها؛ لتلاوة الشَّهادة لله أثناء تأدية
الصَّلوات الخمس، أو أنَّه للتعبير عن الغضب برفض الظُّلم والاِحْتلال مما طال. ما
هالني حينما ارتفعتُ كما أظنَّ لمئة متر أو يزيد، البساط ثبُتَ بمكانه ليتوافق مع رغبتي بمعاينة مئذنة العروس
الشَّامخة، ومئذنة جامع فاطمة تتراقص مع أعلى قمَّة الدَّيْر، ولو دقَّقتُ النَّظر
قليلًا لتمكَّنتُ من اقتفاء أثر خطوات النبيِّ حينما وقف أمام الرَّاهب بحيرا في
السَّاحة الواسعة المهيبة، وفي ذلك المساء وكأنِّي بُحرَّاس أبواب المدينة عندما
بدؤوا يُغلقون أبواب المدينة أمام الغُرباء الوافدين في أوقات الضَّرورة، وحقول
القمح وكروم العنب تُحيط المدينة من جهاتها الأربع.
وآخر نقطة علقت
صورتها بذهني، قبل اِبْتعادي شمالًا نحو دمشق، مشهد عابق بروحانيَّة منقطعة النَّظير،
تُضفي على محيطها سكونًا للأنفس فتملؤها بطيوف ساكنة المكان، فتثير خُشوعًا
إيمانيًّا من عظمة القرآن، أمام مبرك النَّاقة تبرُك قافلة الإبل المُتعبة القادمة
من المدينة المُنوَّرة، مسافات طويلة؛ اِسْتغرقت مسيرة شهر وهي تحمل مُصحَف الشَّام.
ولن أحكي عن رُغائها، وعطشها عندما أخذوها لتَرِد على بركة الحاج.
لحظات التوقُّف
لم تطُل... كنتُ أتمنَّى القبض على لحظات ذهبيَّة، لم أكُن رائد فضاء لأصاب بالإبهار
لرؤية الأرض من أعلى، فلا أملكُ إلَّا إطلاق صرخة: "يا ألله...!!" شقَّت
صمت الفضاء، ما هي إلَّا قُدرة الله التي جعلت "غاغارين"*[7]
بعد عودة قال بيقين: "نعم رأيُ الله". حينما سأله "خروتشوف"*[8]
بسخرية: "هل رأيت الله؟". وكان "غاغارين" جادًّا
بجوابه للأخ الأكبر.
وعلى الرَّغم
بأنَّ ما بيْن السَّاحتيْن، ما هي إلَّا مسافة مئة وأربعين كيلومتر. من اِرْتفاعي
غير القليل عن سطح الأرض، كنتُ قادرًا على تحديد ملامح القُرى، والاتِّجاهات شرقًا
وغربًا من خلال خط الأوتوستراد الدَّولي ما بين دمشق ودرعا.
..*..
نادر يكتب ملاحظاته على كلام شهوان الأخير بخصوص إقلاعه
على متن بساط على حدِّ زعمه
نادر اِنْفصل عن صديقه "شهوان" عندما سَكَت. وكتب بما يدور
برأسه: أتساءل باِسْتغراب: إذا كان هذا حال "شهوان" عندما حلَّق عاليًا؛
فكيف بروَّاد الفضاء يَرَوْن الكُرة الأرضيَّة، اِرْتفاع مركباتهم لمسافات وعلى الأخصَّ فوق المدار، أتوقَّع أن لا تبدو الأرض لهم على أنَّها مجموعة من الدُّوَل
والحُدود والمصالح متنافسة.
بل على الأغلب ستبدو كرة زرقاء واحدة
سابحة في الفضاء، تتلألأ كالنُّجوم والكواكب التي نراها عادة في السَّماء، ومعلّقة
في ظلام الكون، لكن بلا حبال وأمراس تربطها بخُطَّافات تمنع اِنْفلاتها، وضياعها
في مهبِّ الرِّيح، هذا إذا كان هُناك رياح في الطَّبقات العُليا، أو تحطمّها
وتفتُّتها، ولا يعلم أحدٌ عنها شيئًا.
من فوق الاِرْتفاعات الشَّاهقة تختفي
الحدود والخطوط الفاصلة بين القارَّات، وتضيع
العلامات الفارقة بتحديد الأراضي التي تُميِّز كل بُقعة عن الأخرى.
ولا يظهر حُرَّاس الحدود على أطراف
الدُّول لمنع المُتسلِّلين والمُهربين والمُهاجرين غير الشرعيِّين الهاربين من
ظلام الحروب، للنَّجاة مُخاطرين بحياتهم وحياة أبنائهم وزوجاتهم.
ولو كنتُ رائد فضاء لما وسعني إلَّا رؤية
قُدرة الله العجيبة بالتَّسامي عن صراعات البشريَّة جميعها والتي لا تُشكِّل سوى
فُقاعة كونيَّة أو جزء منها.
وكانت حكمة الله بإبعاد السَّماء عن
الأرض، لكي تبقى طاهرة نقيَّة لا تشوبها أفعال الخلق الشَّنيعة، والتي هي لزوم
تفاعلهم الضَّروري لقيمة التدافُع بين الخير والشرِّ، وليس من أجل الدّيالكتيك.
كما نظَّر "لينين"
لمفهومه ببناء مُجتمعات جديدة على الدّيالكتيك أو جَدَليَّته ببعدها الفلسفيِّ الذي
يعتمد على تبادل الحُجج، والمحاورة بين الأفكار
المتعارضة.
لكنَّ معضلة كيفيَّة تجاوز التناقضات
الفكريَّة والاجتماعيَّة. في محاولة الاِلْتفاف على الفطرة البشريَّة، بالتملُّك
والحريَّة، لبناء طبقة بروليتاريا، لخلق المزيد من صراعات عميقة بين الفئات الاِجْتماعيَّة،
لتكريس دكتاتوريَّات تستحمر لو أمكن جميع البشر، وتعهير القِيَم الأخلاقيَّة
والدِّينيَّة، وتسحق، وتُسيِّر البشر ضمن قوانينهم المُبتَكَرة، بالسَّيطرة على
مُقدَّرات حياتهم جميعها، وسدَّ جميع منافذ العقل للتفكير بحلول جميلة من أجل حياة
هانئة بلا قلق، ولا خوف من أيدي زُوَّار الفجر التي تَطال كلَّ شيء، ولا يحدُ من
سلطانهم لا قانون ولا دستور، ولا أيِّ رادع من ضمير أو شرف.
..*..
للتوظيف
بعد عودته من الفضاء يقول:
نحن نعيش “كذبة” دون
أن نشعر. بعد أن أمضى 178 يومًا على متن محطة الفضاء الدولية، عاد رائد الفضاء رون
غاران إلى الأرض وهو يحمل شيئًا أثقل من أي معدات أو بيانات علمية. عاد بفهمٍ متحوّل
لمعنى الإنسانية نفسها.
روى غاران مشاهدته للعواصف الرعدية
وهي تومض فوق قارات بأكملها، وللشفق القطبي وهو يتحرك كستائر حيّة فوق القطبين، ولأضواء
المدن وهي تتلألأ بهدوء في الجانب الليلي من الكوكب. أكثر ما أثّر فيه لم يكن قوة الأرض،
بل هشاشتها. فالغلاف الجوي الذي يحمي كل أشكال الحياة بدا كحلقة زرقاء رقيقة جدًا،
بالكاد تُرى، لكنها مسؤولة عن كل ما يتنفس وينمو ويعيش.
هذا المنظر أطلق ما يسميه رواد الفضاء
بـ“تأثير
النظرة الشاملة”، وهو تحوّل ذهني
عميق يصيب كثيرين ممن يرون الأرض من الفضاء. إنه الإدراك المفاجئ بأن البشرية تشترك
في نظام واحد مغلق. لا نسخ احتياطية. لا طريق للهروب. ولا موطن بديل.
بدأ غاران يعيد التفكير في أولويات
البشرية. على الأرض، غالبًا ما يُنظر إلى النمو الاقتصادي كغاية قصوى. لكن من الفضاء،
ينهار هذا الترتيب. ويؤكد أن الأولوية الصحيحة يجب أن تكون: الكوكب أولًا، ثم المجتمع،
ثم الاقتصاد. لأنه من دون كوكب سليم، لا يمكن أن يوجد مجتمع ولا اقتصاد.
يشبّه الأرض بسفينة فضائية تحمل مليارات
من أفراد الطاقم، يعتمدون جميعًا على أنظمة دعم الحياة نفسها. ومع ذلك، يتصرف كثيرون
كركّاب لا كحرّاس، على افتراض أن مسؤولية الحفاظ على النظام تقع على عاتق غيرهم.
من المدار، لا تملك الملوثات جنسية.
ولا تعترف الأنظمة المناخية بالحدود. فالضرر البيئي في منطقة واحدة يمتد أثره إلى العالم
كله. أما الانقسامات التي ندافع عنها بشدة على الأرض، فهي ببساطة غير موجودة من الأعلى.
رسالة غاران ليست مجرد فكرة مثالية
أو خطاب عاطفي، بل هي عملية وواقعية. فإذا واصلت البشرية التعامل مع الأرض كمورد غير
محدود بدل كونها نظامًا مشتركًا، فإن العواقب ستطال الجميع.
رؤية الأرض من الفضاء لم تجعله يشعر
بالصِغَر، بل بالمسؤولية.
لأنك حين تدرك حقًا أننا جميعًا نبحر
على متن المركبة الهشّة نفسها عبر الكون، تختفي بهدوء فكرة “نحن وهم”، لتحل
محلها حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: لسنا سوى “نحن”..
منقول مما قرىء
من ليما إلى ستوكهولم (لمعالجة ودمج
الموضوع)
بقلم -محمد فتحي المقداد
بعدما ثبتت إصابتي بالمتلازمات على غير
إرادة ولا تخطيط منّي؛ فقد تاهت أفكاري بعيدًا ما بين (ليما و ستوكهولم)، رغم
أنّني لا أعرف هاتيْن المدينتيْن إلّا من خلال الأطلس الجغرافيّ الذي كنتُ أستخدمه
في دروس الجغرافيا، بأمر أستاذنا أحمد اليوسف رحمه الله في المرحلة الإعداديّة
والثّانويّة؛ لتثبيت ما كنّا نقرأ من أسماء لمواقع جغرافيّة مختلفة على الكرة
الأرضيّة. ولسنوات طويلة ما زلتُ أحتفظ بنسخة من الأطلس، لدرجة أنّها أصبحت قديمة
وعلى وشك أن تُصبح تراثًا من الماضي، لأنّ هناك خرائط دول تغيّرت، ظهرت لنا دولٌ
جديدةٌ، دولة كردستان التي كانت جزءًا من العراق، ودولة جنوب السّودان، وكذلك
الصّومال التي تحوّلت إلى ثلاث دول، واليمن التي توحّدت لسنوات على إثر حرب، وعادت
لتنفصل بعد حرب، هذه بقيت على حالها في كتابي الأطلس القديم، الذي أحفظ عنه اليمن
الشمالي، واليمن الجنوبيّ، لم يختلف الأمر شيئًا عند هذه النّقطة الأخيرة.
والأمر المُخيف في بلدي سوريّة بعد عِقد
من الحروب والتدخّلات الخارجيّة، وشبح التقسيم المُريع عندها، لاشكّ أن كتابي هذا
(الأطلس) سيصبح وثيقة تاريخيّة، وسأعرضه وقتها بعشرات الألاف من الدولارات،
وسيعوّضني عن خساراتي الماديّة الكثيرة على الأقلّ خلال طيلة فترة الحرب. وسيصبح
مرجعًا للوحدويّين الرّافضين لفكرة التّقسيم، ولن تستغني عنه لجان ترسيم الحدود
فيما لو حصل ما أخشاه.. لا سمح الله.
ولم تكن (ليما)إلّا اسم عاصمة دولة
(البيرو) في القارّة الأمريكيّة الجنوبيّة، و(ستوكهولم) عاصمة مملكة (السّويد)
الإسكندنافيّة في أوروبّا الشماليّة. والتي نصحني الكثر من الأصدقاء، لو كان
باستطاعتي الهجرة عن طريق مفوضّية اللّاجئين أو بطريقة التّهريب الوصول إلى
السّويد أمنية كلّ مهاجر في العالم؛ لاعتبارات كثيرة في العيش بمستوى يليق
بالإنسان.
والتّساؤل المهمّ: ما الذي أخذني للتفكير
في (ستوكهولم) ما هو إلّا أنّي أثناء قراءتي لرواية (إنّي أتعافى) –للكاتب الفرنسي (دافيد فوينكينوس) التي
أهداني نسختها الإلكترونيّة مُترجمها الدكتور محمود المقداد. وفي أحد فصول الرواية
ذكر المُترجم في الحاشية عن (متلازمة ستوكهولم)، الأمر الذي دفعني للبحث عنها،
وكان: (هي ظاهرة نفسيّة تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوّه أو مَن أساء
إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع
المُختَطِف).
(وأُطلق على هذه الحالة اسم
"متلازمة ستوكهولم" نسبة إلى حادثة حدثت في ستوكهولم في السويد حيث سطا
مجموعة من اللصوص على بنك (كريديت بانكين) هناك في عام 1973، واتّخذوا بعضًا من
مُوظّفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفيًّا
مع الجُناة، وقاموا بالدّفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم).
قادني البحث للاستزادة إلى ظاهرة
مُتلازمة (ليما) التي كانت على العكس تمامًا من المتلازمة السّابقة، حيث أنّها:
(وفيها يتعاطف العدو مع المعتدى عليه بدافع الرحمة والتعاطف والشفقة، وقد جاء
المصطلح بعد حادثة اختطاف الرهائن المدعوين في حفل رسمي برعاية السفير الياباني في
مقر السفارة في ليما (البيرو) عام 1996 حيث أفرج أفراد من حركة المقاومة المئات من
الرهائن بمن فيهم أهم الشخصيات في غضون ساعات قليلة فقط من الخطف وذلك بدافع
التعاطف معهم).
خلال ما مرّ بي من الاستماع لكثير من
كلام المعتقلين السّابقين لدى الأجهزة الأمنيّة العديدة في سوريّة، ممن أُفرج عنهم
فإنّ عمُرًا جديدًا كُتبّ لهم، لابدّ أنّهم تعرّضوا لمثل هذه المُتلازمات التي لم
أصّب بها، لكن من المُؤكّد أنّه وخلال فترة الحظر أُصبت بمتلازمة (الكوخ) الغريبة
وغير المألوفة، لكن حين تبيّن لي أن تاريخ معرفة هذا المصطلح يرجع إلى أكثر من مئة
عام، للإشارة إلى الأشخاص الذين اضطّروا للاعتزال في المناطق النائية، خاصة خلال
فصل الشتاء حين يشتدّ البرد، ويضطرّ البعضُ للمكوث داخل البيت لأيّام، وأحيانًا
لأسابيع دون هواتف أو وسائل تواصل اجتماعيّ.
على كلّ حالٍ الحمد لله، حينما تأكّدتُ
أنّ متلازمة (الكوخ) لا تعتبر اضطرابًا نفسيًّا، ولكن أعراضها وتأثيرها معترف به
في علم النفس على أنّها شيء حقيقي، كان فرحي عظيمًا حيث أنّني لا أحتاج للعلاج
النفسيّ، والذي لا يمكنني دفع تكاليفه البّاهظة أو حتّى جزء يسر منها، تركيزي
الأهمّ على أساسيّات الحياة الخبز وطبق البيض ودلو اللّبن الرّائب وصحن الفول.
كنتُ لا أودّ إخباركم أنّني أعتاش من
معونات مُنظّمة الأمم المتّحدة للاجئين، وأنتظر بفارغ الصّبر نهاية كلّ شهر شحن
بطاقة الأغذية الخاصّة.2021
حُريَّة الحركة
هنا لم تأت من فراغ، بل كانت مسيرة طويلة اِسْتغرقت أربعة عشر عامًا منذ أوَّل
صرخة جريئة خرجت تصدح من حنجرة ثائر مُنادية: "حريَّة".
فإذا خلق الله
النَّاس أحرارًا، فلماذا يتنازلون عنها بسهولة؟، ويتراجُعون مسافات إلى الوراء،
موغلين في التراجُع والاِصْطفاف في مَراقِد العبيد، الذين لا همَّ لهم إلَّا السَّمع
والطَّاعة والأكل والنَّوم؛ فمن كان ينظر للحريَّة على أنَّها شيء زائد عن الحاجة،
ولا تلزمه، ربَّنا لا يدري بأنَّه ابتعد عن جوهر حياته، وباع نفسه بأبخس الأثمان
أو بلا ثمن للشَّيْطان.
وعلى رأي "هكسلي"*[9]:
[إنَّه ليس كلُّ النَّاس يُفضِّلون الحريَّة، وإنَّه ينبغي دعوتهم إلى
الحُريَّة أو تعليمهم إيَّاها، تمامًا كأيِّ شيءٍ سامٍ ونبيل].
بقي موضوع
الرَّصد الدَّقيق للقُبَّة الحديديَّة العسكريَّة لجيش العدوِّ الغاصب، ذات
التقنيَّات الفائقة على مُستوى العالم؛ مُؤكَّدٌ بأنِّها لن تتردَّد بجعل مصيري مشابهًا
لمصير السِّندباد الذي صنَعتُه له بيدي.
كنتُ أتوقَّع أن
تستقبلني مئات الصَّواريخ والقنابل التي تحمى الأجواء العُليا والدُّنيا للسَّماء
الفِلسطينيَّة؛ لمنع وصولي إلى أعماق فلسطين. لم يخطر ببالي لحظتها إلَّا "سليمان
أكر" صاحب الطَّائرة الشِّراعيَّة التي اِخْترقت الأجواء بأمان والوصول
إلى هدفها داخل الأراضي الفلسطينيَّة.
الصُّدفة وحدها
جعلت التماثُل بيْن الحالتيْن، لتأجَّج الرُّؤى الخارجة عن نطاق قانون اللَّحظة
الرَّاهنة. لا أظنُّ إلَّا أنَّ سِحر العدسة المُحدَّبة جَلَب الكثير من
المشاهد في آنٍ واحد.
..*..
تغيب أجساد الأبطال عن السَّاحة، لكن تبقى ذِكْراهم ماثلة
شامخة مُتوقِّدة لا تزول، ولا تنمحي بتقادم الزّمان. المُخبِر السريِّ لا يتوانى لحظة واحدة
بإسداء النُّصح، وتلقيني بمعلومات دقيقة، وليس أدنى شكٍّ بصحتَّها، ولا رغبة لديَّ
بمناقشته. حينما أخبرني بأنَّ:
(خالد محمد
أكر) من مُرتّبات صُفوف الجبهة الشعبيَّة لتحرير فلسطين، وعلى الرَّغم من التَّراكمات
الكثيرة التي كادت أن تذهب بذكرى رحلته التاريخيّة، وقد أُعجِبتُ أيَّما إعجاب إذ
أطلق عليها وصفًا يليق بالعمليَّة، بـ
"ليلة الطَّائرة الشراعيَّة"، عندما انطلق ليلة الخامس والعشرين
من نوفمبر عام 1987م، مع ثُلَّة من المقاتلين، اثنان منهما تعطّلت طائرتيْهما
فهبطتا في المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وسقطت الأُخرى.
أمَّا خالد فقد اِسْتطاع
السّيطرة بإحكام على طائرته الصَّغيرة مُتفاديًا الرّادارات الصُّهيونية، ونقاط
مراقباتهم، بتحليقه الصّامت ببراعة حتَّى وصل، منطقة الهدف المقصود "معسكر
غيبور" قرب "بيت هيلال"، والذي يضمّ نخبة من القوَّات
الخاصّة الإسرائيليَّة.
هبط البطل بهدوء،
حاملًا رشّاش الكلاشنكوف، ومُسدَّسًا رُكِّب عليه كاتم للصَّوت، توجَّه نحو بُوَّابة
المُعسكر. فاجأ الجنود الإسرائيليِّين أثناء دخولهم، وتمكّن من قتل عشرين جنديًّا،
وجرح عشرين آخرين قبل اِسْتشهاده.
وفي الوصف
الدَّقيق تابع المُخبِر السريّ إذ كان ملفُّ العمليَّة في تلك الفترة بين يديْه:
أمَّا الشّراع ففي
العادة فإنَّ سطحه مصنوع من القماش، أو الموّاد البلاستيكيَّة المقاومة للتمزُّق،
ويتمّ نشره وتثبيته على صارية خشبيّة فيأسِرُ
الرِّياح، لغرض دفع قارب السَّفينة، أو أيّة مركبة أخرى في الماء، وقد تُستخدَم
الأشرعة أيضاً في دفع المركبات البريّة، و للتحليق أيضًا بالطَّائرات الشراعيَّة.
باهتمام بالغ
أستمع لمعلومات جديدة لم أكُن لأعرف عنها شيئًا، إنَّها مدرسة الحياة أعظمُ مدرسة
في الكَوْن، وفيها يتعلَّم الإنسان بنفسه من تجاربه الشَّخصيَّة وتجارب الآخرين،
والفهيم من يستفيد من دُروسها في الوقت المُناسب.
..*..
الاِحْتراب الدَّائم على الجُغرافيا لعنة على البشريَّة، جُنون
العظمة دافة رئيس لأحلام السّيطرة المُتواثبة باِسْتمرار أمام مُخيِّلة الطَّامحين
بجنون للاِستحواذ على الحجر والبشر.
مضيق باب المندب
(2)
مضيق جبل
طارق
(3)
المضيق
يغصُّ بالسُّفن العابرة بين المتوسّط والأطلسيّ، طنجةُ لا تغفو أبدًا.. مُتوفّزة
الحواسِّ دائمًا.. لم تُعلن يومًا تعبها.
البحر يعزف سمفونيّته الخالدة من الجهة
الغربيّة، والمضيق محكوم بحالة من الهدوء المُتعكّر مع كلّ عبور لناقلة مارَّة
عبره في الاتِّجاهيْن بين الشَّرق والغرب.
عنفاتها تثير قلق الماء، لتُفزع قلب حمامة كانت قاصدة سفينة نبيَّ الله
نوح عندما ضلَّت طريقها. اِنْتشى أمل الحياة في نفوس رُكَّابها مُستبشرين ببقايا
طين رأوه عالقًا في رِجْلَيْها.
) هرقل) الغاضب لم يفتأ من ضرب الصَّخر بسيفه،
ليقسم العالم القديم بين شمال وجنوب، بين فقر وغنى، بين قراصنة مُتعطِّشين للمال
واِسْتخلاصه بالقوَّة؛ فالقتل دَيْدَنهم، والنهب والسَّلب سبيلهم.
وأين ذلك الشَّقيُّ (أنتي بن
بوسيدون) القُرصان الإغريقي وهو يقتل المسافرين الحالمين والآمنين، ويبني قصره من
جماجم أحلام ضحاياه..؟
يا لها من مفارقة، بعد كلِّ هذا التباعُد التَّاريخيِّ، مازالت طنجة
تحتفظ بطزاجة الحدَث، ولم يَدْرِ (أنتي) أنّه اِسْتدَرَّ الألسنة بِلَعَناتها، وقد أراد الخلود
إرضاءً لزوجته، عندما أطلق اِسْمها على المدينة المُستباحة. قال دهشان لنفسه.
..*..
طارق.. يا طارق
أقفُ عاجزًا على مرتفع جميل الإطلالة، من خلال شُرفة
متنفّس للشّقّة، التي أستأجِرُها خلال إجازتي السنويّة، أجلسُ ساعات طويلة
متأمّلًا المضيق الضيّق أصلًا، وأتنقّلُ ببصري إلى ما خلف المضيق إلى ذلك الجبل
الرابض على الجهة المقابلة لي.
عقلي يتوقّف؛ عندما أشرعتَ سيفكَ رَدًَّا على سيف هِرَقل،
وأنت تصيحُ بالجنود، الاِنْتظام في ركوب القوارب، والبواخر؛ لبلوغ الضِّفَّة
الأخرى، التي حَمَل جبلُها اسمكَ مع المضيق..، وصنعتَ الانتصارات التي ما زال
صداها المُشرّف يُلوِّن زمن الانكسار العربي بالتغنِّي ببطولات يا طارق..!، فمن
نكبة إلى نكسة إلى ضياع كثير من ديار العرب، ومُحِيَت من خارطة بلادنا.
باطل..! ما الذي أسمعه منك يا دهشان..!!
- لا أستطيع أن أكذب عليك يا
طارق بن زياد، فقد صدقتُكَ القول. وأكثر ما حزّ في نفسي، أنّ صديقي شهوان، الموصوف رسميًّا
بالفصام، وفي نوبة بكاء هستيريٍّة، أعتقد أنّ سبَبَها الرّئيس؛ هو مُتابعته
للقنوات الفضائيَّة الإخباريَّة حصرًا، دموعه تُبلل ذقنه، وتتساقط على الأرض، وهو
يصرخ بأعلى صوته:
بلادُ
العُرب أَوْطاني من الشَّـام لِبَغْدان
ومن نَجْـــدٍ إلى يَمَنٍ إلى مِصْر فَتَطْوان*[10]
في الحقيقة انهيارٌ داخليٌّ أصابني، وأنا أستمع، وكادت
كلمات الشتيمة تُحرْك لساني لذاك الشاعر المأفون، من ذاك الحيِّ الدِّمشقيِّ، الذي
شهد على نهاية مؤلمة غير مُتوقَّعة لقائد مثلك يا طارق.. وأنت تموت فقيرًا بعد أن
شوهدت تتسوّل رغيف خبز عند باب توما، بثياب وأسمال بالية لا تليق بسائس خيل في
اِسْطبلات مُساعد أدنى قائد صانع للهزائم في زماننا، ولا تليق كذلك بعامل نظافة في
شوارع دمشق التي عرفتها.
-يا شهوان.. أنا جنديّ في خدمة أمّتي أينما كنت، ولم أصنع شيئًا
مما سمعتَ وقرأتَ، من أجل تسمية المضيق والجبل باِسْمي، ولستُ آسِفًا، أو نادمًا
على النِّهاية غير السَّعيدة من منظوركَ. وداعًا أنا في عَجَلة من أمري.
-يا لها من مفارقة محيّرة.. أناسٌ لا يستطيعون قيادة قطيع
صغير من الماعز.. قادوا جُيوشًا، وحقَّقوا حُروبًا خاسرة.. والنَّياشين تتلألأ على
صدورهم، يعيشون في حُمَّى غفلتهم وغُرورهم، وقادة حقيقيِّين صنعوا أمجادًا؛
فعوقبوا بإذلال..!!
..*..
على وقع صفير ناقلة عظيمة الحجم..
استعاد شهوان
نفسه من مجاهل التاريخ.. مسح وجهه، عرَك عينيه؛ ليرتاح من حكّة خفيفة في جفنيْه من
جحيم الدُّخان، والأبخرة المُنبَعِثة، روائح مُختلَطة من الدِّيزل والنَّشادر
المُخرِّشَة؛ تزكم الأنوف بلا اِسْتئذان، سحب منديلًا مطويًّا من جيبة البيجاما.
اعتدل في مكانه بعد انحناء على حافة
الدرابزين، شعر بوخزة في ظهره، دلّكها بيده، تلكّأ بخطوته الأولى باتّجاه
الصّالون، بعد أن أسرته نسمة أطلسيّة باردة، أعادت له شيئًا من توازنه، وحملت معها
رائحة البحر، المحمّلة برائحة أسماك الشاطئ النّافقة، جرّاء قنابل الصيّادين؛
لجمعها فيما بعد، وحملت معها روائح طبخ مختلفة بتشابكاتها، كان من الصعب عليه
تحليلها. تلمَّس بطنه المُستثار بقرقعة مصارينه، توقيت
الإفطار فاته منذ ساعات قضاها في سهوة عن نفسه.
***
الخاتمة
دوَّامات
التَّفكير تستحوذ على المشاعر؛ طبيعيٌّ شلَلُ الاِنْتباه للمحيط القريب والبعيد، الوُجوم يُسيطر على الغُرفة الصَّامتة الجُدران،
والسَّتائر المُسدَلة تُضفي غُموضًا غريبًا على الوضع.
يبرِّر نادر لنفسه
لمن يسأله: (وكيف تستطيعُ حبسَ نفسك طواعيَّة بشكلٍ لا يُطاق، ما لذَّة
الحياة ولا تقطف من ثمراتها إلَّا أقلَّ القليل ما يُبقيك على قيْد البقاء؟).
لم يُعلِن تأفُّفه ولا تبرُّمه، ويُجيب عن طيب خاطر
بأريحيَّته المُعتادة المصحوبة باِبْتسامته: "إنَّ أجواء الكتابة وطُقوسها
تستلزمُ العُزلة، لإتاحة سيالة الأفكار من الاِندياح لتُشكِّل فَيَضانًا يجرف
رواسب الصَّمت، أو بُركانًا يحرقُ أرض الواقع".
ما
إن خطرت له آخر فكرة قام بتثبيتها، لِيَختِمَ بها روايته، اِنْتبه لما حَوْله في
الغرفة، كان يتوقَّع أن يُلقي التحيَّة على بطله شهوان. ظانَّا بأنَّه يجلس
قُبالته، وينتظر فراغه من كتابة فِكرته، قبل أن تفِرَّ من رأسه كَطَيْر مفزوع من
صيَّاد يترصَّده ويُطارده للإيقاع به.
تمطَّى
لاِسْتعادة نشاط عضلات يديْه ورقبته وصدره وأكتافه من خُمول الجُلوس خلف جهاز
الحاسوب، وفركَ عينيْه من تعب التَّركيز على الشَّاشة، خلع نظَّارته الطبيَّة،
وتأمَّل عن يمينه الزَّاوية، همَّ بإلقاء التحيَّة من جديد على بطله شهوان، وينوي
الاعتذار منه لاِنْشغاله عنه لساعتيْن مُتتاليتَيْن، وهو يُردِّد: ساعة الإلهام لا
تأتي إلَّا ما نَدَرْ، وكان عليَّ اِسْتغلالها، ويا صاحب العدسة أشقيْتني
باِنْعكاسات عدستكَ... ليْتها كانت مُقعَّرة لأرَحْتَ نفسكَ وأرحتَني... لقد
أتعبتَ نفسكَ وأتعبتَني، حَرَمْتني النَّوم في ليالٍ لم أُحْصِها. لكنَّها كثيرة.
وأطلقها
ضحكةً مُدوِّية تزامنت مع قيام زوجته لإيصال اِبْنها الصَّغير إلى الحمَّام قُبيْل
الفجر بقليل، تتفاجأ أنَّ نادر مُنخرط في نَوْبة ضحكِ هستيريٍّ، رغم أنَّه
وحده في الغُرفة، لم ينتبه لحضورها، ولا لِصَوْت الباب عندما أغلقته.
أوه...!
كأنَّني على وشك الاِنْهيار والدُّخول في الهلوسة، اِستغراقي مع شهوان ودهشان
أنساني أنَّهما أصدقائي على الورق فحسب، كيف أستطيعُ وصف نفسي كأنَّما وصلتُ
لمرحلة الفُصَام، والتخيُّلات والأوهام الموغلة بتطابقها مع الواقع، ربَّما تصير
في هذه اللَّحظات كالحقيقة.
أكثر
من مرَّة تُخبرني زوجتي بكلامي غير مُترابط وغير مفهوم أحيانًا أثناء النَّوم،
تتذكَّر بدقَّة اسم شهوان ودهشان. لا أتردَّدُ بالإجابة: هما بطلا روايتي، ويحدُث
ذلكَ مع الكُتَّاب، لشدَّة تأثُّره واِنْدِغامه بهم، وفي أوَّل مرَّة اِسْتغربت
الاِسْمَيْن، ولم تعُد تسألني فيما بعد عن سبب اِخْتياري، وهل هما اِسْمان
حقيقيَّان.
عزيزتي.
اِبْتكرتُهما للاِبْتعاد عن صاحب القصَّة الحقيقيِّ، حتَّى لا أتسبَّبُ له بمشاكل
مع النِّظام، أيضًّا مُشكلة أكثر تعقيدًا تشابُه الأسماء والأماكن والحوادث، ويروق
لبعضهم شخصنة الموضوع، لتتَّسع دائرة الشدِّ والجذب والمُماحكات والاتِّهامات، قد
مررتُ بالعديد من القضايا التي رُفِعَت أمام المحاكم، وانتهت حياة الكاتب بالسِّجن
والغرامات الماليَّة. كلُّ هذا يأتي من تحريض المُحامين، وتأليبهم علينا. تهزُّ
رأسها ولم تُبد رأيها. اِنْطلقَ لسانها بكلام على مسمَع زوْجها، عندما خرجت عن صمتها
المُعتاد: ما شاء الله يا نادر، أحسدُكَ على سِعَة خيالك، ---ضحكتْ- من أين جئتَ
باسْم "شهوان" و"دهشان"، لم أسمع بحياتي بمثلهما، وترجع إلى
عملها المُعتاد في البيت.
[1]. مثل شعبي مُتداول، وهو للتحذير
المُبكِّر للمخاطر كي يتجنَّها الشَّخص. والحَيْط يُقصَد به الجدار.
[2] رواية "أبو شلاخ
البرمائي" هي للدكتور غازي القُصيبي.
[3]. مثل شعبي مُتداول في بلاد الشَّام. يحثُّ
على اِنْتهاز الفُرص حينما تأتي وبلا تردُّد.
[4]. مقولة شعبية بمثابة مثال مُتداول، يُفيد أن
من كانت ثيابه مُبلَّلة ورطبة لا يخاف من رشق المطر.
[5] "جيمس بوند" هو
شخصية خيالية ابتكرها الروائي "إيان فليمنج" في عام 1953. بوند هو
عميل بريطاني سري يعمل لدى فرع MI6، ولقبه الرمزي 007.
[6] ساحة القلعة في بصرى
الشَّام، وساحة الأمويين في دمشق.
[7] *(يوري ألكسيافيتش جاجارين (بالروسية (9 مارس 1934 – 27 مارس 1968) طيار ورائد فضاء سوفيتي، يعتبر جاجارين أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض في 12 أبريل 1961 على متن مركبة الفضاء السوفيتية فوستوك 1.
[8] *(نيكيتا سيرغييفيتش
خروتشوف )كان أحد أبرز الزعماء السوفييت في القرن العشرين، إذ تولّى منصب الأمين
الأول للحزب الشيوعي السوفييتي من عام 1953 حتى 1964، ورئاسة مجلس الوزراء من عام
1958 حتى 1964.
[9] إلدوس هكسلي كاتب ومفكر بريطاني من أهم
أعماله الروائيَّة "عالم جديد شجاع" وهو أستاذ الروائي "جورج
أورويل". المقولة أعلاه منقولة عن كتاب "هروبي إلى الحرية. على عزن
بيجوفيتش"
[10] الشاعر فخري البارودي (30 آذار 1887 – 2
أيار 1966)، زعيم سوري من دمشق وأحد مؤسسي الكتلة الوطنية التي قادت الحركة
الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في سورية حتى سنة 1946. عُرف البارودي في
سورية والعالم العربي مناضلاً وشاعراً ومجدداً في الموسيقى والفنّ، وانتُخب نائباً
في البرلمان السوري، ممثلاً مدينته من عام 1932 وحتى جلاء القوات الفرنسية عن
سورية عام 1946.