محمد فتحي المقداد
محمد الحفري أيقونة أدبيَّة
سوريَّة
محمد فتحي المقداد
محمد الحفري
أيقونة أدبيَّة
سوريَّة
2025
التصنيف
المقدمة
الحمد لله وبعد:
في حضرة القامات
المُبدعة تتعثّر الكلمات والأحرف على اللِّسان، وتستعصي على أن تأتي بها الأقلام
في بعض الأحيان، والأستاذ محمد حسن الحفري هو أحد هؤلاء الكبار الذي لا يُشقُّ لهم
غُبار في ميدان الأدب والثَّقافة على السَّاحة السُّوريَّة والعربيَّة، عرفتُه
صديقًا منذ أوَّل لقاء جمعني به خلال زيارته إلى مدينتي بُصرى الشَّام، خلال حفل
تسلُّمه جائزة بُصرى الشام للقصَّة القصيرة بدورتها الأولى عام 2010م.
ومع قراءتي
لإهدائه لي نسخة من روايته "العَلَم" وهي أوَّل عمل قرأته له، فقد كنتُ
أرى ظلّه مُتواريًا خلف الحروف والكلمات، ويطلُّ برأسه من بين الجُمل والمعاني،
تهدأ نفسي وأدركُ أنَّه ما زال حُرًّا طليقًا على قيْد الحياة، وأخذت قصَّة
الرواية بمجامع نفسي لثقل مُحتواها الهادف عندما وصلتني رسالة الكاتب بأبعادها
السياسية والاجتماعيَّة النّاقدة لحالة قائمة، خاصَّة إذا عرفنا أنَّ "محمد
الحفري" هو من قرية "مَعَرْيِّه" في أقصى الرِّيف
الشَّماليِّ الغربيِّ لمحافظة درعا، والمُحاذية بتماسٍّ لحدود قُرى الجولان
المُحتلِّ عام 1967م.
فكان قدَر
الجُغرافيا أن تتقزَّم، وتتشرذم بسبب الاِحْتلال الصُّهيونيِّ؛ لتخلق واقعًا جديدًا
بمآسيه التي مازالت تنسحبُ بنتائجها ومُخرجاتها القذرة إلى يومنا هذا، ممَّا جعل
قرية "مَعَرْيِّه" أن تكون في القُرى الأماميَّة وجهًا لوجه مع
العدوِّ الخارجيِّ، ومع الغول الدَّاخلي من أجهزة الأمن القمعيِّة، وهي تُحصي
أنفاس أهل هذه القرى صباح مساء، بما زرعت من الخوف والتخويف فيهم.
في مجمل القول فإنَّ
رواية "العَلَمْ" كانت سِجِلًّا ثابتًا شاهدًا على مرحلة هامَّة
ودقيقة من حياة الشَّعب السُّوريِّ، وما عانى من وَيْلات الحرب والدَّمار
والتشريد، وخلق قضيَّة النَّازحين، الذين نزحوا شرقًا باتِّجاه محافظة دمشق
ودرعا وغيرها من المناطق الأخرى، وهذه
الكلمة "النَّازحين" أصبحت مُصطلحًا على جميع سُكَّان قرى
الجولان، ومن جاورهم من سُكَّان القُرى القريبة.
كما أنَّ
الرِّواية تُشبه سيرة ذاتيَّة لحياة القرية، واِسْتطاع "محمد الحفري"
الذي هو أحد أبنائها، اِنْتشالها من مجاهل النِّسيان الغارقة في طيَّات الزَّمان؛
ليُبرز قضيَّتها، وتبليغ العالَم أجمَع بما كان يشعر ويُحسُّ، مثله مثل جميع أبناء
المنطقة، ونقل مُعاناتهم، وبُؤس حياة الفلَّاحين الذي يُقاتلون الطَّبيعة بكلِّ ما
أوتوا من قوَّة وحيلة؛ لاِنْتزاع لقمة عيشهم من أجل البقاء، مُتجذِّرين بمكانهم
الذي ذاقوا الوَيْلات دفاعًا عن بقائهم فيه.
وفيما بعد أن صدرت
روايته "ذرعان"، والتي أعتقدُ أنَّها سابقة زمنيًّا رواية "العَلَم"
التي عالجت مُخرجات ونتائج الاحتلال في سنوات هادئة تمامًا بل ساكنة منذ 1967م،
إلى أن تكلَّلت باتفاقيَّة فصل القوَّات 1974م.
رواية
"ذرعان" مختلفة بأهميَّتها الرُّؤيويَّة لمُعالجتها يوميَّات ومآسِ
النُزوح من البيوت للسُكَّان على نطاقات واسعة، وإبراز قضية سرقات مُمتلكات
البيوت، كما أنَّها تتماهي مع قضيَّة "التعفيش" بسرقة وتدمير البيوت في
المدن والضَّواحي والقُرى وعلى نطاقات واسعة.
مصطلح التَّعفيش
ظهر في مراحل الثورة السوريَّة 2011م، وهو إشارة بداية إلى دخول قوات الجيش
السُّوريِّ، وميلشيات الدِّفاع الوطني مع القوَّات الأجنبيَّة، التي كانت مُتواجدة
على الأراضي السُّوريَّة، لتُناصِر وتُدافع عن النِّظام الطَّائفيِّ. وفي سرديَّة
رواية "ذرعان" أوضحتُ بجلاء التَّشابُه، والتَّماثُل بين سنوات
النَّكسة والثَّورة السوريَّة، فجاءت مُحاكاة طبيعيَّة ذكيَّة بحاجة لقراءات
جديدة، تُظهر عمقها الفكريِّ، واِسْتيعاب رسالتها.
وفيما بعد تتابعت
قراءاتي الأدبيَّة القصصيَّة والروائيَّة لـنتاج "محمد الحفري" الفكريِّ
والأدبيِّ، فقد كان غزير الاِنْتاج المُتنوِّع ما بين القصَّة والرواية والمقالة
والخاطرة والشِّعر والمسرح، وهذا دليل أنَّ نبعة لم ينضَب على مدار سنوات، ولم
يجفَّ مِدَاده الندِيِّ، الذي ما زال يُسطِّر صفحات خالدة؛ ستكون نبراسًا لقادم
الأجيال، كما أنَّها جزء لا يتجزَّأ من تاريخ الحركة الأدبيَّة والثقافيَّة
سوريًّا وعربيًّا وعالميًّا.
لا يسعنُي إلَّا
أن أُبدي إعجابي بعُمق تجربة "محمد الحفري"، وبما يتمتَّع به من
خطٍّ فكريٍّ واقعيٍّ جريء، ينتقد بحذق ووعي وبحذر شديد، يُجيد الاِلْتفاف لمسافات
فكريَّة تُقرِّب وتُبعِد الذِّهن؛ لإيصال رسالته للقارئ، وذلك في ظلِّ مُعاناته مثل
جميع الكُتَّاب على السَّاحة السُّوريَّة، من الرَّقابة الصَّارمة بقساوتها التي
لا ترحم أبدًا، وهو بهذا المنحى يُعتَبَر مثالًا يُحتذى بسعة اِطِّلاعه وعُمق
درايته الثقافيَّة، ومُثابرته على القراءة الدَّائمة والمُتابعة، والكتابة
النَّاقدة، التي أبرزت البُعد الثالث عنده، وطريقة رؤيته بتناول النُّصوص نقدًا
وتشريحًا بإظهار جماليَّاتها، ولَفْت اِنْتباه القارئ لقيمتها الأدبيَّة.
في النِّهاية
أُخاطب الإنسان داخل "محمد الحفري" الذي يبذُر الحبَّ والسَّلام؛
ليحصد المُجتمع خيراته من الهدوء والاِسْتقراء والرِّفعَة، بما يخدُم قضايا
مجتمعاتنا، وسيرته كأيِّ كاتب، إنَّما هو لَفْتُ اِنْتباه، وتأشير إلى صاحب القرار،
ومن يملكُ من مقاليد أمور الإدارة الفاعلة.
الكاتب يكتُب
والمسؤول يرأب خللًا وصدعًا في مساحة ساحات الحياة، ويُصلِح ما اِنْكسر، ويُقوِّم
ما اِنْحرف عن جادَّة الصَّواب، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلَّا وَسْعها. والله
وليُّ الهداية والتوفيق.
بتوقيت بُصرى ــــا 16\11\2025
بصرى الشَّام. محافظة درعا
محمد فتحي المقداد
حديث الجوائز
بريق الجوائز يخطف الأبصار والعقول، وتتلَّهف
النُّفوس الرَّاغبة بالوصول إلى دائرتها القصيرة أو الطَّويلة، وتتراقص القُلوب
على وقع طُبولها، وضجيجها يصمُّ الآذان، وستبقى الجائزة مهما كانت مُحفِّزًا
إبداعيًّا، ومن اِسْتطاع لها سبيلا يسعى
بالحُصول عليها وبلا تردُّد، وهي جزءٌ أصيلٌ من لذَّة النَّجاح العارمة.
مُحفِّزات البحث والسِّعي إلى الجوائز لا
تُعَدُّ ولا تُحصى، منها العالميَّة والعربيَّة
تشمل جميع جوانب المعرفيَّة التي أنتجتها العقول البشريَّة، اِعْتبارًا من
العلميَّة والابتكاريَّة والاختراعات والآداب والعلوم الإنسانيَّة، فستقطب
الاهتمامات والعمل من أجل أن تُعطى لعمل مُميَّز.
كما أنَّه لم تتبيَّن طبيعة النَّوايا
لكلِّ من يتقدَّم لجائزة، هل هو طالب بسعيه خدمة البشر باِخْتراعه، أم الشُّهرة
والاِنْتشار على نطاقات واسعة، أم ماديَّة لسدِّ حاجات ضروريَّة لتحسين مستوى
المعيشة، فالغاية الشَّريفة مُبرَّر لها الوسيلة الشَّريفة.
وبالعودة إلى أديبنا "محمد الحفري"
الذي نحن بصدد تسليط الضُّوء على تجربته في الكتابة الأدبيَّة بمختلف تشعُّباتها،
اِعْتبارًا من الرِّواية إلى المسرح والقصَّة والقصيرة والمقالة. فقد حصل العديد
من نتاجاته الروائيَّة والمسرحيَّة ونصوصه القصصيَّة على جوائز عربيَّة ومحليَّة
مُعتَبرة، تُضاف إلى سجلِّه ناصع الإبداع.
فالجوائز لم تُعلِّمه كيف يُفكِّر ويكتُب،
بل هي اِلْتفافة مُحفِّزة للقيمة الفنيَّة والأدبيَّة، لشيء من كتاباته الوازنة
الهادفة لإيصال رسالته ككاتب إلى قُرَّائه على مختلف اِنْتماءاتهم الفكريَّة
والجُغرافيَّة القريبة والبعيدة، إذ أنَّ الأفكار لا موطن لها، ولها حدَّ يحتجزها،
وعلى الأخصِّ في زمن أصبح الكون فيه قرية عالميَّة صغيرة.
أمَّا أجهزة الرَّقابة الحُكوميَّة في
العديد من الدُّول على النَّشر؛ فشلت فشلًا ذريعًا مع هكذا ظروف مُتسارعة، لا
يُمكن اللَّحاق بقطارها الذي يُسابق الصَّوت، بل صارت موضة مُتخلِّفة وقديمة، ومن
سِمَات عصور الظَّلام السَّحيقة، مع التحوُّلات من النَّشر الورقيِّ إلى
الإلكتروني، وبداية اِنْحسار ساحة الورقيِّ لارتفاع تكاليف الطِّباعة، في المُقابل
هناك النَّشر المجَّانيِّ غير المُكلِف إطلاقًا، كما أنَّ التَّسويق الإلكتروني
أخذ مدايات واسعة لسهولة التَّداول، بعيدًا عن رائحة الورق الجذَّابة، وإدمان
إمساك الكِتاب الورقيِّ بين اليديْن.
وفي البَوْح من ذات
جلسة مُناغشة ومُناقشة مع "محمد الحفري"؛ اِنْفصل عن محيط جلستنا،
وذهب بعيدًا إلى مجاهل ذاكرته، موغِلًا طاعِنًا في مخازنها... الاِنْصات سيِّد
الموقف بالنِّسبة لي.
الحفريُّ مُنهمكٌ
في حديثه غير آبِهٍ بطقطقة فناجين القهوة وأصوات قرقرة النَّراجيل، ولا بدُخانها
المُعبِّق في صالة مقهى النُّوفرة، كانت نَظَراته ساهمة، تأكَّد لي أنَّها تتطلَّع
من نافذة لا يراها إلَّا هو.
باِهْتمام شديد
أُنصِتُ، وآليْتُ على نفسي عدم مُقاطعته، أو الدُّخول في حديث بمحور آخر، كنتُ
بحاجة ماسَّة للاِسْتماع إلى رأيه في سِياقٍ أدبيِّ مُهِمٍّ، ورافد من روافد الأدب
والإبداع، حديث الجوائز هاجس كلِّ كاتب، بل أمنية لا تتوقَّف بقرع طبولها على
عتبات قلب وفكر الكُتَّاب:
(هناك امرأة
ترتدي شرشها المثقوب بفعل سكائرها العربية ما تزال حتى اللحظة واقفة عند ليمونتنا
في وادي اليرموك وهي تطلب مني الصعود إلى
قمة الجبل.
لقد ماتت أمي وهي
ترفع يدها نحو الأعلى وتقول لي: "يعطيك ويثريك" أنا واثق كل الثقة من
دعاء أمي ومن استجابة الله الذي لا يمكن أن يخيب رجاءنا.
وهناك امرأة كتبت لي رسالة وأنا أصعد الطائرة
لتسلم جائزة الطيب صالح العالمية قالت فيها: " إلى القمة أيها النسر"
وأنا أقول لها : لقد أتعبتني تلك القمة وها أنذا أصل ولا أصل"
ربما كنت محظوظاً
في حصولي على الكثير من الجوائز الأدبية
وقد يكون دعاء أمي هو السبب في ذلك، فقد وهبت أعمالًا لم أتخيَّل نفسي
أنَّني سأنجزها ذات يوم، وخُضت مغامرة التجريب، ومعمعة الحياة بكلِّ جرأة، وأظنُّ
أنَّ في كتابتي الكثير من البساطة والسُّهولة الممتنعة، والدعوة إلى التسامح
والمحبَّة، وهذا ما جعلني قريبًا من الكثيرين، وقد يصفني بعض الأصدقاء بالبراءة ،
وتلك صفة أعتز بها، لأنه ما من إبداع من دونها، وهي صفة لا يمتلكها الكثير من
الكتاب.
بعض الأوساط
الثقافيَّة تُطلِق عليّ لقب صيَّاد الجوائز، وبعض الشَّباب من الجيل الجديد،
والذين يُحبُّون تجربتي الإبداعيَّة؛ يطلقون عليَّ لقب (صاحب الظلِّ الطَّويل)، وبعض
الزُّملاء يلقبونني: (بالشَّهيد الحيِّ)، وخاصَّة بعد نجاتي من القذيفة التي سقطت
علينا، ونحن في واحد من مطاعم دمشق، وجعلتني بكعب مقطوعة وخمسة كسور، وقد أخذت
معها جزءاً من روحي، وأحبة وأصدقاء سأذكرهم ما حييت.
وبعيداً عن
التشكيك ونظرية المؤامرة التي يشهرها بعضهم مثل سيف بتار يلوحون به بين حين وآخر
يجب علينا القول إن ما يدفع بعض المبدعين
للبحث عن الجوائز الأدبيَّة هو الشعور الدائم بالتفوق على غيرهم من الكتاب
والأقران، ولا شك أن الجائزة تعطيهم أو تمنحهم هذه الميزة أو بعضاً منها على
الأقل، وهذا هو الجانب الحلو والجميل لأيِّ فَوْز؛ فهي مجال لتجريب إمكاناتهم، ومُنتَجِهم
الذي تعبوا من أجل إنجازه، وبما اِسْتغرق من أعمارهم أوقاتًا ثمينة، قد تكون
قيمتها أغلى وأعلى بكثير ممَّا يحصلون عليه من هذه الجائزة، أو تلك.
كلامنا لا يعني
أبداً عدم جدارة الأعمال الأخرى، التي تقدَّمت إلى هذه المسابقة، أو التقليل من
سويَّتها، ولكن علينا أن نُقرَّ بأنَّ من يشاركون في سباق الجري مثلًا، لا يمكن
لهم الوصول إلى خطِّ النِّهاية في التوقيت ذاته، على الرَّغم من اِنْطلاقهم في اللَّحظة
ذاتها نحو الهدف المنشود.
أقول ذلك الكلام اِسْتناداً
إلى تقارير بعض لجان التَّحكيم، التي تُشير إلى أنَّ الفارق بين عمل هذا الشَّخص،
وذاك هو نصف درجة.
وهذا ما قيل لي بعد
مشاركتي ذات مرة في جائزة (حنَّا مينه)، وقد كنت مرَّة مشاركاً في جائزة عربيَّة،
وفاز فيها الكاتب السُّوريِّ الشَّهير (عادل المحمود) رحمه الله، ولا أُنكِر يومها
أنَّ بعضًا من الغضب الممزوج بالغيرة قد
سيطرا عليَّ، بسبب الذاتيَّة، والشُّعور بأنَّ عملي هو الأفضل، وهذا ما دفعني
للبحث عن روايته الفائزة واِقْتنائها، وبعد المقارنة المنطقيَّة والمحاكمة العقلية
السَّليمة؛ وجدت أنَّ عمله يتفوَّق على عملي".
وفي كلِّ موسم من
مواسم إعلان الجوائز، ينقسم الكُتَّاب إلى
فريقيْن كالعادة، فريق مُؤيِّد للنَّتيجة التي تمخَّضت عنها أعمال لجان التَّحكيم وإدارة الجائزة، حيث
يعتبرون أنَّ اللِّجان مُحايدة، وما أُعلِن من أعمال فائزة إنَّما هو طبيعيٌّ، وقد
أخذت حقَّها، و على نقيض هذا الاتِّجاه في الرأي والحُكم على فساد هذه الجوائز
لأنَّها تُعطى لأعمال روائيَّة لا تستحق قيمة الورق والحبر الذي طُبعت نسختها
الأولى المُعدَّة للمراجعة والخاصَّة بلجان التَّحكيم، وأنت تقف وتعي هذه النُّقطة
تمامًا، فما هو رأيكَ أستاذ محمد؟: "هذا الكلام لا يعني التسليم المطلق
بنوايا تلك الجوائز، ومن يُقيِّمونها، وهي بالتأكيد لها الكثير من الأهداف السياسيَّة
والاِقْتصاديَّة والاِجْتماعيَّة وغيرها، وبما أنَّني أزعم بمتابعتي لهذا الشَّأن،
فقد لاحظتُ على الأقلِّ؛ أنَّ بعضها يهتمُّ بما يُكتَب في مجال المحليَّة الصِّرفة
على صعيد الرِّواية، وهناك من يهتمَّ بما يُكتَب في مجال السِّياسة، وبعضها يُفضِّل
الكتابة بالطَّريقة النثريَّة أو النصِّ المُتشظِّي، وهذا هو الجانب الحامض لهذه
الجوائز، أو لنكن أكثر صراحةً؛ فقد تتحوَّل تلك الحموضة إلى طعم المرارة الحقيقيِّ،
لو أنَّ أحدًا ما، أو جهة مُعيَّنة طلبت من المبدع: أن يكتُب عن موضوع مُعيَّن، عندها
قد تُصبِح الكتابة الإبداعيَّة على القياس كما يقولون، وكي لا نرمي التُّهَم جُزافًا،
أقول عن نفسي شخصيًّا: لم يطلُب منِّي أحدٌ ذلك سواءً كنتُ مُتسابقًا، أو في لجنة
من لجان الحكم".
وهل من المعقول
تسييس هذه الجوائز، والمُحاباة للبعض دون البعض الآخر، والجميع يتلفَّع تحت ملاءة
النَّزاهة، بعيدًا عن مُسايرة التوجُّهات السياسيَّة والإيديولوجيَّة، وهل بهذه
السُّهولة يخترقون اللَّوائح، والنُّظُم التي وضعوها كمُحدِّدات لخطِّهم ونهجهم؟:
"لا نُريد الدُّخول من باب التشكيك في نوايا غيرنا، كي لا يشُكَّ هو في
نوايانا أيضًا، لأنَّنا نُقيم مثل هذه الجوائز في بلادنا من جهة، ولأنَّ الحكم في
بلادنا قد يلتزم في شروط وقواعد مُعيَّنة من جهة أخرى، ومسألة الجوائز هي مسألة
عويصة، ومُختَلَف عليها في الكثير من البلدان، وهي ستبقى كذلك، لكن من غير المقبول
أن تُرمى بالحجارة، والإشارة إليها بأصابع الاِتِّهام من قِبَل من لا يُتقنون سوى
الهجوم عليها، أو على أيِّ مُنجَز جديد، أو أيِّ اِخْتراق للقواعد الرَّاسخة في
عقولهم، ليبدو مثل من يقول: إنَّ العنب حامض، وهو لم يستطع أن ينال منه، ولو خُصْلة
واحدة، ولعلَّ أقرب ما يخطُر في بالي الآن،
هو وقوف شاعر عراقي أمام مجموعة من النقَّاد، ونحن في النَّدوة العربيَّة
الخاصَّة بالأدب التفاعُليِّ في الشَّارقة، وقوله لهم: (أتحدَّى أن يكتب أيَّ واحد
منكم بيتًا شعريًّا واحدًا). وقد أجد نفسي من الميَّالين إلى هذا الرَّأي. ذلك لأنَّ
لدي قناعة أنَّ الإبداع شيء مُختلف عن التنظير والنَّقد، فهو خلقٌ جديدٌ؛ وبذلٌ
للرُّوح من أجل مجد الكلمة، والسَّطر الذي يكتبه الروائيُّ أو المسرحيُّ أو القاصُّ،
قد يحتاج عدَّة أيَّام حتَّى يستوي، ويكون في مكانه الصَّحيح.
قد نعني في حديثنا
عن الجوائز الأدبيَّة تلك التي ترسخ حضورها مع الوقت، والتي يعطي الحصول عليها
للكاتب دفعًا معنويًّا، إضافة إلى ما يحصل عليه من مُقابِل ماليٍّ؛ يساعده في
تحسين وضعه المعيشيِّ، ولا نعني بكلامنا الجوائز التي تُمنَح لمن هبَّ ودبَّ على
صفحات الفيسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعيِّ، والمتمثلة في شهادة تقدير،
أو دكتوراه لا تملكها الجهات المانحة، أو مرتبة أو مركز مُعيَّن لمن لا يتقنون
كتابة جملة قصصيَّة واحدة؛ فهذه ليست جوائز من وجهة نظري، وإنَّما مجرَّد تشويش
على الإبداع والفنِّ عُمومًا، ومع ذلك نرى بعضهم يضعونها على صفحاتهم مُتباهين
بإنجاز وَهْميٍّ لا علاقة له بأرض الواقع.
المُناكاة
والمناكفات تلجأ إليها بعض من الجهات المانحة للجوائز، قد تبتعد بأهدافها بمحاولة
اِخْتراق سياسيٍّ أو اِجْتماعيٍّ من خلال الأعمال الروائيَّة والأدبيَّة الأخرى...
على سبيل المثال قضيَّة التطبيع مع الكيان الصُّهيونيِّ، ومُحاولة كسر هذا الطَّوق
النَّفسيِّ والرُّوحيِّ، من خلال اِسْتمالة بعض الكُتَّاب بإغراءات ماديَّة
ومعنويَّة وتسليط الأضواء عليهم، وتعريبهم وتسويقهم إعلاميَّا، فهل تعرَّضَّت
حضرتكَ لمثل مُحاولات الابتزاز أو الاِنجرار خلف هذه اللَّوائح المُتستِّرة خلف
عباءة الثَّقافة؟: "مرَّة أخرى... نقول إذا كان في الحصول على جائزة مُعيَّنة
إساءة للكاتب، أو لبلده، وناسها، أو أيِّ شيء من هذا القبيل؛ فعلينا أن نترك هذا
الأمر لتقدير المبدع ذاته، فهو بالتأكيد صاحب ضمير وَقَّاد، ويعرف كيف يتصرَّف
ويردّ لو حصل ذلك، وأنا الآن أذكر جيِّداً عندما كنتُ في عاصمة عربيَّة؛ محاولة
قناة تلفزيونيَّة شهيرة دفعي للحديث عن الأوضاع في سوريَّة، ولكنَّني لم أقُل سوى
ما أريدُه أنا عن بلادي، وشعبها، وحضارتها، وكلامي ليس تزلُّفاً أو خوفاً من أحد،
وإنَّما هي قناعتي الرَّاسخة بقُدرة أبناء سوريَّة على النُّهوض من وسط الرُّكام،
والأحزان التي سَطَت عليها ذات وقت، أمَّا المُشكِّكون والرَّافضون لتلك الجوائز،
فنقول لهم: تعالوا لنبحثَ عن الحلول والبدائل، التي تُغني المبدع عنها، وتجعله يعيش حياة مقبولة على الأقلِّ،
وبما أنَّ هذا غير مطروق الآن، فمن حقِّ الكاتب أن يبحث عما يُميِّزه عن سواه، وعن
المال الذي تُعطيه الجائزة، وقد قلتُ حين حصلت على "جائزة الشَّارقة للرِّواية":
أنَّني سدَّدتُ بمبلغها ديوني، وعندما حصلتُ على "جائزة الطيِّب صالح العالميَّة"
قلتُ: هذه الجائزة بَنَت لي بيتاً. وبعد أن حصلت على "جائزة الدَّولة
التشجيعيَّة" قلتُ: لقد عاد لي
التوازن.
هذه الكلمات قد
تكون خرجت منِّي ذات يوم بشكل عفويٍّ، لكنَّني حين دقَّقتُ في معانيها وجدتُ لها
دلالات، فهناك جائزة فكَّت كُربَتي، وأزالت همِّي، والثانية بَنَت اِسْتقراري
وثباتي فوق هذه الأرض، والثَّالثة كان فيها ذلك الاِعْتراف الصَّريح من أصدقائي
وأهل بلدي بتميُّزي، واِخْتلاف ما أُقدِّمه عن غيري من المبدعين.
أُستاذ محمد. من
خلال مُتابعتي لمسيرتكَ الإبداعيَّة، لاحظتُ توزُّع اهتماماتك الكتابيَّة ما بين
جميع أصناف الأدب، هل هو التشتُّت وغباش الرُّؤية عندكَ، بعدم الالتزام بخطٍّ
الرِّواية على سبيل المثال؛ فلربَّما كانت تجربتك في مجال واحدٍ تزيد من أهميَّة
كتبته، ويكون في مصافٍّ الآداب العالميَّة، أرى بأنَّكَ لا تُؤمن بالتخصُّص، الذي
يُعمِّقُ التجربة ويُميِّزها، فهل أصبتُ في سؤالي هذا، وأين تجدُ نفسك في هذا
الخضمِّ؟: "منذ بداياتي في الكتابة نصحني العديد من الأصدقاء بالتخصُّص في
مجال جنس أدبيٍّ واحد، لكنَّني لم أسمع تلك النَّصائح، ليس من باب العِنَاد، وإنَّما
لأنَّني وجدتُ في نفسي تلك الطَّاقة، التي تُمكِّنني من كتابة أغلب الأجناس الأدبيِّة،
وأحسبُ أنَّني قد نجحتُ حتَّى اللَّحظة على الأقلِّ، وفي جعبتي الآن "
41" عمل مطبوع و"25" جائزة، وأكثر من عمل دراميٍّ، إضافة لعدد من
المسرحيِّات، التي قمت بإعدادها، أو إخراجها، ولديَّ الكثير من المقالات التي لا
أدري عددها بالضبط، كما قدَّمت لأكثر من خمسين عملاً داخل سوريَّة وخارجها. أمَّا
أين أجد نفسي فالأبناء هم الأبناء حتى لو تواجد بينهم من هو عاق، فهذا لن يغير من
مشاعر الأب، قد يغضب لكنه يحبهم جميعاً).
لم تكُن الجلسة طويلة إلَّا أنَّ
الجُلوس في "مقهى النُّوفرة"
إنَّما كانت محطَّة استراحة فقط، والتقاط لأنفاسنا المُرهقة من المشي لمسافات
طويلة عبر الشَّوارع والدُوَّارات والجادَّات، الأحاديث المُتزاحمة، وبهجة
اللِّقاء أنسانا ما تُعاني منه أرجلنا من تعب.
ما إن انتهت قهوتنا حتَّى تابعنا
مسارنا عبر الأزقَّة الدمشقيَّة، كأنَّنا هائمين على وجهنا إلى وجهة غير معلومة،
المِشوار بلا تخطيط مُسبَق، متعة اللَّهو المُفيد دافعنا للمُتابعة، غير آبهين
بالوقت المُهراق على أرصفة الشَّوارع.
هاجس الكتابة
لدى محمد الحفري
محمد الحفري كاتب
مطبوع، بل ممسوس ومهجوس في الكتابة، لا يتوقَّف مهما بلغ به ضيق الوقت، أو إذا
اُبْتُلي بعارض صحيٍّ، مجتهدٌ قائم على مشروعه، بإصرار عجيب، لا يلتفت للوراء.
عيناه مُصوَّبتان نحو الأُفق الفكري، ولم تُثنه الظُّروف المعيشية السيِّئة،
والاستثنائيَّة التي عاشتها وتعيشها بلدنا، والعجيب هو استطاعته بتطويع محيطه
الاجتماعيَّ والمُعاناة إلى بيئة فكرية صالحة لاستقرائها، والكتابة عنها، في
المجالات الأدبية القصصيَّة والروائيَّة، فهو ابن المدرسة الواقعيَّة على طريقته،
بعين ناقدة لتفاصيل مُتوارية، ويُسلِّط الضوء على الاخفاقات والنجاحات، وهو ديدن
"محمد الحفري" المُنتمي لقضايا الوطن عمومًا، دأبه بتقديم موادَّه
الأدبيَّة، لحشد الرُّؤى ولفت من يملك مقاليد الأمور، بهدف الإصلاح من أجل رِفعة
الإنسان في وطنٍ عزيز، فعلى حدِّ وصفه مرارًا بأن سعادته وفرحه الحقيقيِّ في
الكتابة.
وكاتب بلا كتابة
كالرَّاعي بلا عصا، أو كالسَّاعي إلى الهيجا (الحرب) بلا سيْف، وسيف الكاتب قلمه
وأدواته الفكرة وصنعته الأدبية في تخليق وتفتيق المعاني، وأجواء الكتابة وانعكاسات
الواقع بلا شكٍّ بأن تأثيراتها تُلوِّن نفسيَّة الكاتب بالفرح أو الحزن، أو اليأس
والتشاؤم.
فالنصوص مرآة
جليَّة بوضوحها الكاشف لجوانب مُهمَّة من دواخل الكاتب أو أي إنسان آخر، فكما
يُقال: (المكتوب يُقرأ من عنوانه). فملامح الوجوه مرايا تنضح مكنونات النُفوس
وهمومها ومخاوفها وهواجسها.
واِسْترسل "محمد
الحفري" انطلاقًا في رؤيته الذاتيَّة، والتي لا تعدو أن تكون نظرة ورؤية أيَّ
كاتبٍ جادٍّ، ومن يكتب بحُبٍّ، ويُخلص لفكرته؛ بأيٍّ ميزان أدبيٍّ ناقد ستنال
نصوصه قسطًا وافرًا من الإعجاب أوَّلًا، وتأخذ علامة مُتقدِّمة عند النَّاقد،
وتنال حظًّا وافرًا من الاستحواذ على دهشة القُرَّاء، وتأخذ مكانها برسوخ في
ذاكرتهم.
الاِنْصات والاِسْتماع
لـ"محمد الحفري" بلا مُبالغة كمن يستمع لموسيقا راقية، حتّى وإن وصفتُ
كلامه بالموسيقى النَّاعمة التي تسترعي الاِنْتباه.
بساطة الطَّرح نوع
من الصِّدقيَّة خاصَّة إذا استطاع الكاتب الكشف بسهولة عن نواياه ودوافعه، والحفري
لا يخشى الانكشاف إذا خلع عنه الهالة التي يحتمى خلف دريئتها، فانطلق بتدفُّقٍ
بفلسفته الذاتيَّة، وتابعت معه بهذه
المُداخلة، حينما أخذنا الحديث باتِّجاه الكتابة بعد حديث الجوائز.
فلو طلبتُ منكَ
وصف نفسكَ بكلمات قليلة: زاغت عيناه في الفراغ، كأنّما هناك شيء غريب خطف بصره،
وأبعده عن جلستنا، ثم أطلق ضحكة مُدويَّة، جلجلت أصداؤها لتكسر أجواء الرَّتابة،
والتَّحضير لجلسة حواريَّة، وعلى الأخصِّ، إذا كانت بصدد حوار.
فالمُحاوَرُ عادة
ما يذهب بتوقُّعاته بعيدًا، ولكي لا يُصاب بإخفاق، عندما يأتي جوابه بأقلّ من حجم
السُّؤال، وبجواب صادم غير مُتوقَّعٍ منه. فقال: "يا صديقي. في العاميَّة أو اللَّهجة الدَّارجة. يقولون:
فلان "مُدَوِّدْ" أو "مُسَوِّسْ" أنا من هذا النَّوع وهناك
"دودة، أو سوسة" تقرصني أو تلسعني أو لنسمها ما شئنا، تحرضني كي أقرأ
وأكتب كل يوم".
وهل صدَف أن
ابتعدتَ عن أجواء القراءة والكُتب والأقلام والأوراق، فما الذي سيحدُث لك. حدَّق
بنظراته الواخزة، شعرتُ بها تلسع وجنتيَّ، فأحالتهما كحبَّة شوندر، على الرّغم من
اِسْمِرَار بشرتي. أجاب: "ولو حدث بأنني لم أفعل في يومي أي شيء له علاقة
بالقراءة والكتابة، فسيكون يومي تعيساً بالتأكيد".
وإذا كان يومك
تعيسًا إذا لم تكتُب أو تقرأ، فما الذي يجعلك سعيدًا، وأنت في خضمِّ متاهة
يوميَّاتك مما بين الوظيفة وأعباء الأسرة والمعيشة: "قلتُ مرارًا لا شيء
يسعدني في هذه الدُّنيا سوى الكتابة، لدي الآن عشرات المشاريع التي أريد إنجازها،
والهاوية قريبة. كما يقول الرَّاحل ممدوح عدوان".
لروحه الرَّحمة،
وفي واقعنا غير السَّارِّ على الإطلاق، أجواء الحرب والخوف الطَّويلة، وتآكُل مُعطيات
الحياة الطبيعيَّة، وأصبحنا في مستنقع آسن الحرب والرّغيف، ألا ترى الفارق الكبير
بين طُموحات ورغبات كاتب مثلكَ ومثلي، بأننا ابتعدنا للتحليق بعيدًا عن واقعنا،
وما يُقلق في هذا المنحى، أنَّ الكثيرين يعتبرون أنَّ الثَّقافة والكتاب والقراءة
رفاه، غير مُتوافق مع المرحلة، وأصبح الكتاب غريب بل وبعيد عن حياتنا: "بكلِّ
ثِقة يا صديقي، أريد أن أكمل صرختي، ولو خَطَر في بالِ أحدهم أن يسألني: ماذا تعني لي تلك النِّتاجات؟.
سأقول: هي محطات
يأخذني الحنين إليها أحياناً، لكنَّني أنظر إلى الأمام دائماً، وقلَّما ألتفتُ
للخلف، ودائمًا أعتبر نفسي بأنَّني لم أبدأ بعد، وأقول حاضًّا نفسي أو لائمًا لها،
سأبدأ الكتابة غداً بطريقة أجمل وأفضل".
أستاذ محمد أفهم
ممَّا تفضَّلتَ له بأنَّكَ مُصِرٌّ على موقفكَ، رغم جميع الصُّعوبات والعقبات
المانعة، عن أجواء الهدوء، والباعثة على التشتُّت والضَّياع، لكنَّني لمستُ عنادًا
ثابتًا فهل أنا مُصيبٌ فيما ذهبتُ إليه في حديثي معكَ: " بالضَّبط كما ذكرتَ،
وأجدت وصف تشخيص الحالة، وأعود لمسألة التشتُّت، لأقول مختصِرًا بأنَّها تُشكِّل
هاجساً فظيعًا، ولا تعني سوى فتح الجراحات والمواجع؛ لأنَّني في كلِّ يوم أقول
لنفسي: غداً سأختصُّ في كذا.
لكنني أكذب عليها،
وأُخدِّرها فقط. حيث أجدني من دون شعور منِّي قد اِنْتقلتُ إلى هذا الجنس أو ذاك بالقراءة والكتابة،
وأقول من دون غُرور: أنَّني ما زلتُ متماسكًا لم أتشتَّت ، والتوقُّف عن الكتابة
لا يعني سوى النِّهاية بالنِّسبة لي، لأنَّها تُعادل حياتي".
الكاتب ابن
مجتمعه، لا يُمكن انفصاله عن مُحيطه الاِجْتماعيِّ، بلا شكٍّ بأنَّ اِنعكاسات
الصِّراعات على جميع الأصعدة، فلا تتركُ نافذة إلَّا وتقذف من خلالها الحمم
القاتلة، ومع هكذا أجواء مُرعبة كيف باستطاعة الكاتب الصُّمود في وجه هذه
التحدِّيات، والتكيُّف والمُواءمة بين أفكاره وطبيعة الحياة: "الكاتب
الحقيقيّ في حالة نزيف مُستمِرٍّ ومُتواصِل؛ فهو يحسُبُ اللَّحظات، ويشعر بالزَّمن
أكثر من غيره، ويشعر بضياعه وبالفقد، وقد تكون الصِّراعات الدَّائرة مَرجِعًا،
ومصدرًا مُولِّدًا للكثير من النُّصوص".
الكتابة عملٌ
شاقٌّ، استهلاك للوقت والتفكير والجُهد والصحَّة، فهل تُوافقني فيما ذهبتُ إليه
بوصف فعل الكتابة؟: "طريق الكتابة ليس مُعبَّدًا، بل مرصوفاً بالشوك
والحجارة، وهو يُشبِه إلى حدٍّ كبيرٍ دُروب العُشَّاق، الذين يعودون في غالب
الأحيان بالهزائم والخَيْبات، لكنَّهم عُشَّاق في نهاية الأمر، وحين تسمح لهم الظُّروف
بلمس يد حبيباتهم، أو تقبيلهنَّ على عَجَلٍ، قد يُعُدُّون ذلك انتصارًا كبيرًا، في
معاركهم العشقيَّة، فهل نلومهم على ذلك؟".
أي إنَّه الهَوَس
الذي يأخذ الكاتب هُيامًا، يسعى إليه
بكلِّ ما أوتي من قُوَّة، لا يلوي على شيء من ملذَّات الحياة التي تكون في متاول
يده، ويذهب بعيدًا في حالة أفكاره وهواجسه، لتكوين حلم بعيد المنال، ربَّما لن يصل إليه أبدًا، ولن يناله إلَّا التعب وهدر الوقت
على مساحة زمن من حياته، ألا يُعدُ ذلك مُجازفة غير مأمونة العواقب؟: "الحلم
لا بدَّ منه. ومن من عائق يمنعنا من الحلم، وخاصَّة إذا كان مرتبطاً بالدأب والسَّعي
كما هي حالتي؟ وطرق الوصول قد تكون كثيرة، لكن أهمّها برأيي هو: الصِّدق مع الذَّات
قبل كلِّ شيء، بمعنى هل يؤمن هذا الشَّخص بذاته أو بما يفعل؟ وهل هو مُخلِصٌ لِفَنِّه
إلى درجة التفاني؟ أعتقدُ أن الإجابة على هذا السؤال تُحدِّد طريقة الوصول، مع أنَّني
أكاد أجزم بأنَّ الوصول، كما أسلفتُ: هو
مسألة وقتية، الفنَّان والمبدع عُمومًا يَصِلْ ، ولا يَصِلْ، وهناك تناوب بين
البشر على القِمَّة والسَّفح، والأرض السهليَّة والوَعِرة أيضًا".
أفهم من كلامك
أنَّك ككاتب لم تُؤثِّر فيكَ جميع هذه العقبات والمآسي، أو الأفكار تولد من رحمها،
وأنَّها بيئة تستنبط منها حكاياكَ، والكثير من نُصوصكَ: "ومن منَّا لا يتأثَّر،
بالعكس فالكُتَّب أشد النَّاس تجاه كثير من القضايا، فهناك مَن تجرفه في دوّامتها،
ويضيع ويندثر، وهناك من يُقاوم وينهض من جديد، ولكنِّني استفدت من الواقع إلى
أبعد مدى، فهو مثل مادَّة أوليَّة يجد الكثير من الكُتَّاب صُعوبة كبيرة في
تحويلها إلى مادَّة فنيَّة ناجِزَة، تستحقُّ المتابعة والقراءة".
في خضِّم ومجاهل
الكتابة، أين أنتَ يا "محمد الحفري"، بصيغة أخرى. أين موقعكَ في ساحات
الكتابة؟: "لستُ من الكُتَّاب الذين يضعون رِجْلاً في الأرض البُوْر، وأخرى
في الأرض السَّهلة والمفلوحة، بمعنى أنَّني مغامر، ولا أخاف من النتائج، لقد تعرَّضت
للموت ثلاث مرَّات خلال الحرب، ولو أردت أن أكتب رواية من رواياتي السَّابقة الآن،
سأكتبها بطريقة مختلفة، لأنَّ هناك مُتغيِّرات كثيرة، وتحوُّلات تبدأ من التفصيلات
الصَّغيرة في حياتنا، ولا تنتهي عند تلك التطُّورات الهائلة، التي أحدثتها تقنيَّات
عصرنا الراهن. هذا لا يعني أنَّني متناقض مع نفسي، بل لأنَّني واحد من هؤلاء النَّاس
البُسطاء، الذين سأبقى إلى جانبهم، وفي صفِّهم مهما كلَّفني الأمر".
على اعتبار أنَّكَ
لم تهجُر البلد، كما فعلتُ أنا حينما خرجتُ إلى الأردن الشّقيق، وآثرتَ البقاء
ُكابد مرارة العيش والخوف والقلق، ومواجهة المخاطر بشجاعة المؤمن بحتميَّة
التغيير، كيف لك وصف هذه المرحلة؟: "لقد كنتُ شاهداً على ما جرى وسأدلي
بشهادتي عما يجري لا حقاً. قرأت الكثير من الأعمال التي تتحدث عن الأحداث
والحرب في البلاد سواء كان كُتَّابها يعيشون داخل سورية، أو خارجها، ورأيت ذلك
التبايُن، والاِخْتلاف الكبير في وُجْهَتَيْ النَّظر الدَّاخليَّة والخارجيَّة،
وهذا يعود كما أعتقد إلى الزَّاوية، التي ينظر منها هؤلاء الكُتَّاب في الدَّاخل
والخارج ، والمطلوب برأيي أن تكون النظرة منطقيَّة وعدم المغالاة في شيء، وليس من طريقة
أمام الجميع سوى الكتابة الحياديَّة وعدم إلغاء الآخر؛ لأنَّه في النِّهاية منَّا،
أو جزء منَّا على الأقل".
بين السَّالب والموجب في الواقع الاجتماعي الذي
ننتمي إليه كطائفة من الكُتَّاب. الكاتب "محمد الحفريّ" أين موقعه، وأين
يجد نفسه؟: "الحالة السلبية والإيجابية موجودة في المجتمع، لكن الميل نحو
الحالة السلبية هو الأكثر جاذبية، وخاصة في مجال الكتابة والدراما وربما يكون
الهدف من ذلك أن نحدث ذلك الفارق الكبير على صعيد الكتابة والفن، وهذه الحالة
السلبية قد يتم تكريسها أو ربما تقليدها وهذا ما نلاحظه في سلوك الشارع أحياناً
وتقليد بعضهم للشخصيات السلبية وأفعالها كما تظهر في الدراما التلفزيونية، ومشكلة
البطل الإيجابي الذي يمثل الخير والشجاعة
ويجسدهما مشكلة كبيرة ولا نجد من يسعى إليها".
تكاد لا تخلو جميع
الكتابات إطلاقًا وعلى مُختلف اِنتماءاتها الأدبية من شعر وقصَّة، ورواية، ومسرح
من تناول قضايا المرأة، والمرأة ليست نصف المُجتمع بل هي المُجتمع بأسره، فماذا
تقول يا محمد الحفري" في هذا المنحى، وبالتَّأكيد أنَّك تناولت العديد من
أشكال المرأة في كتاباتكَ (الأم. الزوجة الحبيبة. الجارة. الصَّديقة. العاملة.
الأُميَّة...إلخ) هل لكَ إضاءة هذا الجانب المُهمِّ: "تكاد تكون المرأة هي
هاجسي الثاني بعد المكان، والسبب الذاتي قد يرجع، أو يعود بالنسبة لي هو الهروب من
الواقع التعيس والمُزري، بمعنى أنَّني أريد أن أُجمِّل حياتي، بهذا الكائن الجميل
الذي يُدعى المرأة، لأنَّني لا أريد الدُّخول إلى لعبة السِّياسة الكريهة، وشِبَاك
العنكبوت التي قد تشدُّنا نحو المجهول، كما أنَّني لا أريدُ أن أُنكِّد على نفسي؛
بغلاء الأسعار المُتغَوِّلَة، التي تتقيَّأ جوعنا، وهزيمة أرواحنا الإنسانيَّة. أشعر
من خلال كتابتي عن المرأة أنِّني يمكن أن أبقي ذلك الريفي البسيط، وذلك النَّبع
الصَّافي بعيداً عن لعبة الدم. لا أستطيع أن أتصور أن بإمكاني قتل إنسان أو جرحه
ولو بكلمة واحدة حتى لو أراد قتلي، لذلك دعوت الله خلال سنوات الحرب الطويلة أن
أموت بريئاً من الدم".
ما بين الرِّيف
والمدينة مسافة من البُعد النَّفسيِّ والرُّوحيِّ، وهجر المكان البسيط المألوف،
إلى مكان جديد مقطوع الصِّلة روحيًّا ونفسيًّا، بالضَّبط هو مكان الضَّرورة، وليس
مكان الاختيار، فهل تغيَّرت أو تبدَّلت نظرتك لقضايا لم تلتفت إليها سابقًا عندما
كنتَ تُقيم في قريتكَ "مُعرِّية" على تُخوم الجولان؟: "ولعل السَّبب الأكثر وضوحاً في كتابتي عن
المرأة هو وجودي في العاصمة دمشق، حيث العيون الجميلة والأحداث المتزاحمة، والتي
كنت في الريف بعيداً عنها، لكنَّني رأيت الكثير من النماذج التي يمكن الكتابة عنها،
وكل واحدة من هذه الشخصيَّات قد تصلُح أن يُكتَب عنها أكثر من عمل أدبيٍّ
جميل. لن أقول لك عن المرأة كما يقول
أصحاب الكتابة التقليدية: بأنها الأم والأخت وإلى ما هناك، لكنَّني أقول: إنَّها
العطر والغيم والزهر والحلم المُشتهى، وهي تلك التي تُشجِّعنا كي نستمرَّ، ومن
دونها لن يكون للحياة أيُّ طعم أو معنى. المرأة هي الحُلُم المُرتجى، وفي رواية
"كواكب الجنة المفقودة" كتبت عن امرأة اسمها "سراب عبد
الباقي" التي التقيتها في شارع "مزران" في العاصمة الليبية طرابلس، وبعد كتابة هذه الرِّواية
بمُدَّة وجيزة، ظهرت هذه المرأة على صفحة الفيسبوك، لتحدثني عن حالها، فكانت كما
تحدَّثت، أو كما كتبت عنها، علماً أنَّني لم أزُر ليبيا أساساً، وقد قال لي من يهتَّمون
بعلم الطَّاقة، أنها توأم روحي. المرأة مثل نهر مُتدفِّق يفيض الخير على جوانبه دائماً، ولذلك في بالي أكثر من عمل كتابي يخصها".
بجوابكَ هذا أختم
حواري معك بخصوص موضوع الكتابة، وقد أخذتني إلى حادثة الشَّعر "علي بن
الجهم" حينما وفد على الخليفة المأمون، ولمَّا أنشَدَ:
(أنت كالكلب في حِفْظكَ
الوُدِّ وكالتَّيْس في قرَاع
الخُطوب)
اِنْبرى جمع من
الحاشية المُحيطة بغضبهم من سوء أدب ذلك الشَّاعر، بوصفه للخليفة (بالكلب
والتَّيْس)، فكان توجيه المأمون، بأن يأخذوا "علي بن الجَّهم"
إلى الرُّصافة الحيِّ الجديد إلى الغرب من الفُرات في بغداد، وجيء به بعد مُدَّة،
فأدخلوه على الخليفة، فأنشد:
(عُيون المها بيْن الرُّصافة
والجِسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري)
ولا غرابة في
المُوازاة المُتشابهة بين ابن البادية "علي بن الجهم"، وبين "محمد
الحفري" ابن القرية الرِّيفيَة في حوران، ولا بدَّ من إثبات وهج وروح المكان
المؤثرة في إعادة تشكيل وعي الكاتب والشَّاعر، لإنْتاج حالة جديدة مُختلفة تمامًا
عن سابقتها، ورُبَّما تتغير القناعات والرُّؤى وتتبدَّل ليس بالضَّرورة للأفضل،
وهذا ما يقودنا إلى لقاء آخر لفهم طبيعة تأثير المكان وفضاءاته في كتاباتكَ. إلى
اللقاء.
السيرة الروائية
عند محمد
الحفري
*بين دمعتين. رواية صدرت 2007
*العلم. رواية صدرت 2010. وقد كان اسمها "على حافتي
الوهم" حينما فازت قبل ذلك بجائزة المزرعة.
*البوح الأخير. 2011
*صندوق الذكريات. 2014
*جنوب القلب. 2016
*ذرعان. 2020
*أردية الجسد 2025
السيرة القصصية
عند محمد
الحفري
السيرة
المسرحية
عند محمد الحفري
تعدُّ الكتابة لفنِّ
المسرح حالة مختلفة، لأنَّ بطبيعته فن راقٍ عريق بالمحاكاة وجهًا لوجه مع الجمهور،
لا يتشارك معه أي من الفنون الأدبيَّة الأخرى. حيث تتجسد
فيه مهارات الخيال والسرد القصصي على خشبة المسرح من خلال: امتزاج الحوار،
الأضواء، الحركة والإيماءات المختلفة للممثلين، لتنتج مشهدًا متكاملًا يُرسم بمتعة
في ذاكرة المتلقي.
الكتابة المسرحية كفنٍّ أدبي يُركِّز على
كتابة نصوص مُخصَّصة للأداء الحيِّ على المسرح، وفي محاولة استذكار لعناصرها الأساسية
المُتعارف عليها، كالفكرة. الشخصيات. الحبكة الدراميَّة، الصراع تأزيم بقصد الإثارة والتشويق، والحوار المتشابك
مع الإخراج والتمثيل، ويهدف هذا الفعل لإيصال رسالة للجمهور، ربَّما ناقدة أو
إصلاحيَّة أو هزليَّة تميل إلى المرح والتسلية، بأيِّ أسلوب كان من الجدِّ أو
الهزل.
ونستطيع تمييز الكتابة الروائيَّة باِخْتلافها
عن النصِّ المسرحيِّ، الذي يتجسَّد بصريًّا وسمعيًّا على الخشبة، ويتطلب من الكاتب
فهماً عميقاً للإنسان والمجتمع، وقدرة ماهرة على بناء عالم متكامل لخدمة العرض
المسرحيِّ ويجعل الجمهور يتفاعل مع العرض بانسجام إذا ما لامَس قضايا تهمُّ ذلك
الجمهور.
فالكاتب المسرحي على وجه العموم يتوجَّب
عليه امتلاك ثقافة واسعة، وتعمُّق معرفي وخبرات مختلفة تُحيط بمناحي الحياة
والمجتمع. ولا بد من توافره على القدرة التحليليَّة، والإلهام، والتنوع في
الأساليب. فإذا ما توافرت الموهبة فلا من فهم وإتقان أساسيات التمثيل والإخراج، يُضاف
إلى هذه الأشياء السَّابقة تقنيَّات الكتابة، ومعرفة دقيقة بصالة المسرح
والمنصَّة، وتوابعها من خلفيات وديكور وصوتيَّات وإضاءة، عندما تتظافر هذه الأمور
لتشكيل عرضٍ مسرحيٍّ معقول، يُرضي أذواق الجمهور.
البداية من عتبة الدُخول الأولى إلى عالم
محمد الحفري المسرحيِّ. هل لكَ تعريف جمهورك ببدايات وُلوجك للفنِّ المسرحيِّ،
بعيدًا عن التنظير والتفلسُف، هناك البعض ممَّن يلجؤون لهذا إذا ما أصيبوا بضيق،
وذلك لترميم أو لتغطية ما ينقصهم.
"في
الحقيقة الحديث عن التجربة المسرحية
والكتابية عموماً عابق برائحة الذِّكرى، وخاصَّة أنَّها تتعلَّق بالعمر المهدور
على أعتابها.
وأنا كواحد من
أبناء الرِّيف البعيد، لم أكُن لأجرؤ على إشهار تجربتي، وهَوَسي وعِشْقي للكتابة،
ولفنِّ المسرح على وجه الخُصوص، وكثيرًا ما كنتُ أصاب بالاِرْتباك؛ حين ألتقي ولو بطريق المصادفة بواحد من أبناء بلدتي؛
فأُخفي عنه.. بأنَّني قد جئتُ إلى مدينة درعا، لحضور أمسية أدبيَّة، أو عرضًا
مسرحيًّا، ربَّما يكون قد جاء من خارج المحافظة، ولولا حصولي على جائزة الرِّواية
العربيَّة في الشَّارقة، لبقي الأمر محصوراً ضمن عدَّة أشخاص فقط، وذلك العمل
الفنيّ والأدبيّ يُعدًّ في عقلية الكثيرين ضياعًا، وهدرًا للوقت، أو هو كما يقولون
في العامية الدارجة "همالة"، وذلك الأب أو تلك السيِّدة قد تسمح لولدها
البقاء في الشَّارع لساعات طوال، وقد لا تسمح له بالمشاركة في عرض مسرحيٍّ، قد
يستفيد منه لُغة، وقد يُنمِّي فيه الجرأة،
وتقوية لشخصيَّته أكثر، إضافة إلى مشكلة العَيْب والحرام والممنوع".
دائمًا ما أُعبِّر
عن تعب أعصابي، وإرهاق عضلات جسمي من الكتابة بعبارة لطيفة، وألحظ ملامح الدَّهشة
تنعكس على وجه من يُقابلني: "الكتابة عملٌ شاقٌّ"، من السَّهل عليَّ
فَهْم مُعاناة أيّ كاتب. بداية عليكَ إضاءة هذه النُّقطة المُبهمة في أذهان
النَّاس، وفي جوابك السَّابق أشرتَ بامتعاضٍ بقولك: العامَّة يعتبرون أي عمل ثقافي
هَمالةً. وغير ذات نفع وجدوى. لأنَّ المقاييس الماديَّة نقيضة المعنويَّة
والروحيَّة.
"دروب
العشق ليست معبدة أبداً، هي مليئة بالأشواك والحجارة، والكاتب عاشق في نهاية الأمر
وإن لم يكن كذلك، فليتنحى جانباً ومكابدات العاشق لا تنتهي، هي سعي متواصل، ومحموم
لا ينتهي يروم الوصول إلى الحبيبة المشتهاة التي قد يتوج بها العمر، من دون
تحقيق ذلك.
ذلك هو حالنا نحن
العشاق المرميين دائماً على أرصفة الشوق والمسكونين بالحزن والترقب والانتظار، لأن
العمل الفني والكتابي هو قلق دائم، وهواجس تأخذنا إلى مطارح كثيرة .
قلت مرة في حديث عن المحظورات في الكتابة أنني
بسبب رواية من أعمالي الأدبية نقلت من وظيفتي ثلات مرات، ولولا تدخل الوزير آنذاك،
ومساعدته لتركت هذه الوظيفة".
منذ القديم
اعْتُبر المسرح أداة توعويَّة للجماهير، لأنَّه كما يُقال بأنّه أبو
الفنون، وقد قيل: (أعطنى مسرحًا وخُبزًا؛
أُعطيكَ شعبًا عظيمًا)، وقد اختلفت الآراء فيمن قالها أهو "شكسبير أم
أفلاطون"، المهمُّ العِبرة في سياقها في موقعها الصحيح. وبالتوسُّع في رؤيتنا
للفنَّ المسرحيٍّ نورِد على سبيل الاِسْتئناس، مقولة للفيلسوف والمسرحيِّ الفرنسيِّ
"فولتير": (فى المسرح وحده تجتمع الأمة، ويتكون فكر الشباب وذوقه، وإلى
المسرح يَفِدُ الأجانب؛ ليتعلموا لغتنا، لا مكان فيه لحكمة ضارَّة، ولا تعبير عن
أيَّة أحاسيس جديرة بالتقدير، إلَّا وكان مصحوبًا بالَّتصفيق، إنَّه مدرسة دائمة
لتعلُّم الفضيلة). محمد الحفري كمسرحيٍّ سوريٍّ لابدَّ لكَ من تعريف القارئ
برؤيتكَ من خلال معرفتكَ المصحوبة بالتجربة كتابة وتمثيلًا وإخراجًا:
"المسرح يستفز الخيال، ويُحفِّز الذِّهن، ويُحرِّضه على
التفكير، وقد قدَّمتُ من خلال عملي في المسرح المدرسيِّ العديد من الأعمال. أذكُرُ
منها "الرَّاقصون ـ العَرَبْلَم " وهما من تأليفي. "وردة تليق
بالجنرال " للدكتور حمدي الموصللي . "فانتازيا الجُنون ومدينة من
قش" لعبد الفتاح قلعه جي. "
الكلاب" لممدوح عدوان. "القلعه" لغازي حسين العلي" المولودة
الجديدة " لجوان جان . "الشريط" مصطفى صمودي، "الليلة الأخيرة"
وهي من تأليفي، وقد قدَّمتُها في أكثر من محافظة سوريَّة، وهذا العام أعمل على
إخراج مسرحيَّة بعنوان "الصديقان" وهي من تأليفي أيضاً، وكتبت أيضًا الكثير من "السكيتشات" التي قدَّمها
بعض الأصدقاء، ومنذ أيَّام اِنْتهيت من مسرحيَّة للأطفال بعنوان " طائر الرَّبيع"
حُبِّي، وعشقي للمسرح لم ولن يتوقَّف، لأنَّه يصوغ الحياة بجدائل من ياسمين وفرح،
ليعيد تشكيلها من جديد، وفيه قداسة المطر الهاطل تَوًّا ليلامس طُهر التراب، وهو
تلك العوالم التي يمكن أن نكتشفها من خلال العرض، والنصِّ والمُمثِّل، والفضاء
المسرحيِّ، والرَّسائل المتلاحقة التي يمكن بثَّها لمُتَلقٍّ مُحِبٍّ. نقول مُحبِّ،
وحُبِّ؛ لأنَّ المسرح لا يُمكن أن يُعطينا
إلَّا بمقدار ما نُعطيه من بحث وجهد، ولأنَّنا أمام خطاب لُغَويٍّ قابل للقراءة،
وخطاب فنيٍّ قابل للتأويل، كما يقول الكاتب السوري والعالميِّ "سعد الله ونُّوس"
إضافة لذلك هناك
عشرات النُّصوص، التي قُمتُ بإعدادها للمسرح المدرسيِّ، وقد عرضتُ مسرحيَّتي "الخروج
من الجنَّة" على مسرح الحمرا، كما عُرِضَتْ لي مسرحيَّة أخرى بعنوان "دُكَّان
التُّحَف"، وقد طُبِع لي في مجال المسرح النُّصوص التالية:
" تداعيات
الحجارة ـ الراقصون ـ مازال حياً ـ القرد مفاوض شاطرـ ديك اللَّيلة الأخيرة ـ الخروج من الجنَّة ـ مونودراما التعب".
وهناك غيرها تحت
الطبع ، وقد كانت فرحتي كبيرة في
العام الماضي عندما صدر لي عن وزارة الثَّقافة
عمل مسرحيّ للأطفال يحمل عنوان "الحمار المغرور"، وثلاثة أعمال مسرحيَّة للكبار عن اِتِّحاد الكُتَّاب العرب
بدمشق، هي "صاحب الظل الطويل ـ الخرساء ـ حلم ورسالة".
ما شاء الله تبارك
الله يا أستاذ محمد، على هذا الفيض من العطاء، والإصرار على المُضيِّ قُدُمًا
بمسيرتكَ المسرحيَّة، على الرّغم من جميع الصُعوبات الحياتيَّة التي لا ترتقِ
لأكثر من عيش الكفاف، أمَّا صُعوبات الواقع بظروف الحرب والخوف القلق، ألا ترى
أنَّ هذه المُعوقات تُثبِّط الهمَّة، ولا جدوى من الثقافة حيث الكثير يعتبرونها من
الرَّفاه، مقابل قرقعة البطون الطَّاوية على جوعها، تبحث عن رغيف، أرى أنَّ هُناك
لك رؤى مختلفة ساعية لتحقيق تنظيف الأشواك من الطَّريق أمام الجماهير، وأنت
كالمُحارب بفكركَ وقلمكَ وبُعد نظركَ، فما قولكُ في مُداخلتي تلكَ: "أريد
القول إن لدي أصدقاء أحضانهم تشبه دفء الوطن المرتجى والمأمول .وكان ثمة امرأةٌ
اسمها عليا تقف بين ليمونتنا عند ضفة نهر اليرموك وتطلب مني الصعود. إلى أين لا
أدري، من شرشها وعصبتها كانت تفوح رائحة ُ الزعتر والنعناع البري المنتشرة عند
حوافِي وادي الرقاد، وحين نعود مساء تقف أمام صورة أخي الشهيد مرددة :
"يا قلب
واصبر على المكتوب
تينقضى الوعد يا
شيني
والقلب يسحن غثى
وهموم
والعين تنطي
عطاياها
وثمة َ
امرأةٌ كانت تصلني رسالتها كلَّما صعدت
الطائرة لتسلُّم جائزة في بلد ما ، تقول لي فيها: إلى القمَّة أيُّها النَّسر.
الآن أقول لها
ولمن يسمعني: أتعبتني تلك القمَّة، ولم أصل بعد، وذلك لأن الأديب لا يرتاح ولا
يهدأ له بال، ولا يصل من يحمل هاجس الكتابة إلى كلِّ أهدافه المأمولة، لكنَّه قد
يحقق بعضها، ويبقى دائماً مع قلقه وأحزانه
ومشاغله".
من المعروف أن
جميع ما يُكتَب في أيِّ جنس أدبيٍّ، إنَّما هو التقاطات لمشهد عابر في السُّوق أو
على باب الفُرن أو في المدرسة والجامعة أو في الملهى أو الحديقة، وما هي إلَّا
نظرة الكاتب الفاحصة بدقّة التقاطها في اللَّحظة الفارقة، ويحضُرني في هذا المقام،
مقولة الجاحظ: مقولة شهيرة للجاحظ": (إن المعاني
ملقاةٌ على قوارع الطرق، وإنَّما يتميَّز النَّاس بالألفاظ)، وهذا يعني أنَّ
الأفكار، والحِكَم مُتاحة للجميع.
لكنَّ الإبداع يكمُن في طريقة صياغتها،
التقاطها، وتحويلها إلى واقع، وهذا مدعاة لحثَّ الخُطى بهمَّة عالية للبحث عن
الأفكار المُبعثرة وتطويعها لتكون قابلة لتطويرها، فالعبرة ليست في الاكتشاف بل في
التطبيق. ومن خلال المخيال
المُبدع الواسع للكاتب وهو يُطاول حدود الكوْن، الذي تقوم عليه جميع الكتابات من
القصَّة والرِّواية والمسرح.
في هذا الجانب
هناك من المخاوف والهواجس لدى "محمد الحفريِّ"، فهل تستطيع
الإفصاح عنها، والإفراج عنها من سجون دواخلك الغاصَّة بالقصص والمعارف المُختزنة،
علَّها تجد طريقها لتفسيركَ من قارئ حاذق، ومُتابع مُحبٍّ كما قُلتَ قبل قليل: "المسرح
عالم قائم في حدِّ ذاته ، عالم مبنيٌّ على الخيال، ويماشي الواقع. عالم يسير على
خطٍّ رفيع بين الواقع والخيال، بمعنى أنَّ الواقع ليس واقعًا حرفيًّا، وليس كلُّ
ما نراه أمامنا هو الخيال.
أريد هنا أن
أستعين بما قاله الروائي العالمي السُّوداني "الطيِّب صالح"، وهو كاتب
شهير من أعماله "مواسم الهجرة إلى الشمال، دومة ود حامد ، عرس الزين".
التي مُثِّلت كفيلم سينمائيٍّ وغيرها الكثير، وقد عمل في إذاعة لندن.
المهم أنه حين عاد
إلى قريته "كرمكول" قال له أهل
بلدته: "سمعنا أنك بقيت كاتب كبير" هز برأسه ونادى أحد الصبية وطلب منه
أن يقرأ قصة من قصصه، ثم سألهم بلهجته السودانية " ايه رأيكم بما
سمعتم؟" قالوا، وباللَّهجة ذاتها: "ده كلام يشبه كلامنا بس فيه
لولوة" عندها قال لهم: "اللولوة دي هي الفن "
أخذنا هذا المثال،
لنقُلْ: إنَّ الفنَّ يحتاج منا اللَّعب على الكلمات والحركة والحدث وغير ذلك، هذا
اللَّعب هو بمعنى التعامل برشاقة في مسألة الفنون .
وفي إطار التطرق
للوسائل والوسائط والطرق الجاذبة للمسرح، نقول إن
الكثير من الأشياء قد أثرت عليه منها التلفاز والنت والفيس بوك وكل وسائل
التواصل الاجتماعي ، إضافة إلى الحالة المادية المتردية وجمهور المسرح اليوم غير
ما كان عليه في السابق ، ومع ذلك يبقى للمسرح رواده ومحبيه.
الجاذبية للمسرح
هي حديثة وقديمة في آن ، بمعنى أن القدم يجعلها ذهباً عتيقاً ،والقدم هو الأصالة،
وهذا في الوقت ذاته لا يمنعنا من استعمال التقنيات الحديثة، لا يمنعنا من تطوير
معارفنا واكتساب خبرات جديدة تزداد وتتراكم في كل يوم ، وهذا هو أساس الحياة، فقدر
الإنسان أن يكون عالماً أو متعلماً أو محباً لكليهما على الأقل.
وكوني أنتمي إلى
فنِّ الكتابة أوَّلاً قبل غيره، كالإخراج مثلاً. أقرأ التالي: ركض الرجل نحو بيته بأقصى سرعة ممكنة، كانت الزوجة تولول والأولاد
يصرخون... كانت تقف وسط حلقة من الرجال شاحبة الوجه والحزن بادياً عليها تنظر
إليهم وكأنها تتوسل منهم العون. عندما رأته لم تصدق ذلك، ها هو ينتصب أمامها من
جديد بقامته المديدة وعينيه الدامعتين.
هذه الكلمات يمكن
أن تكون مفاتيح لحكايات أو قصص نبدأ منها فقط، ولو سمعنا مثل هذا الكلام من أحدهم
ألا يدفعنا الفضول للسُّؤال عمَّا جرى، ألَّا نتوق، ونتشوَّق لمعرفة هذه الحكاية؟
ثمَّ نسأل بعد ذلك ألا تحتمل تلك الكلمات تأويلات واِحْتمالات كثيرة، بمعنى أنَّنا
من هذه البدايات قد ننسج الكثير من القصص، ولعلَّ هذا الفعل بالضَّبط ما نقوم به
على صعيد الحياة، حين نسمع بحكاية لا نعرف نهاية لها؛ فنبدأ بإطلاق الشَّائعات من
دون أن ندري أنَّنا نفعل ذلك، وبعد أن قرأت الكثير من النُّصوص المسرحيَّة أردتُ
أن أبدأ من الحكاية على وجه الخصوص ثم بعد ذلك قد ننتقل منها إلى أشياء أخرى جاذبة
للمسرح، ذلك لأننا أبناء الحكاية أوَّلًا، ولأنَّ الحكاية حجر الأساس في كلِّ عمل
فنيٍّ.
فهل نستطيع أن نُقدِّم
عملاً مسرحياًّ من دون حكاية؟.
وهل نستطيع أن نقدِّم
قصَّة من دونها؟.
هل تُقدَّم رواية
من دون مجموعة من الحكايات الحاملة لها؟. طبعا الفرق شاسع بين الحكاية الحاملة
وبساطتها وبين ما يقدم فنياً، وكلامنا بطبيعة الحال ينطبق على أغلب الأعمال
الدراميَّة، إذن لا عمل فني من دون حكاية حاملة، وحتَّى الأعمال الاِسْتعراضية،
والدَّبكات، والرَّقصات، وغيرها تستند إلى فكرة، أو جذر حكائيٍّ على الأقلِّ.
سئل مرَّة المسرحي
السُّوريّ "فرحان بلبل" عن رأيه بالأعمال التي تُقدَّم هذه الأيام. فقال
: لقد تفوَّقنا عليكم بالحكاية، وتفوَّقتُم
علينا بالتقنيَّات. وبالتأكيد كان يقصد الإضاءة، وقدرتها على التلوين، والتشكيل
كما يقصد القدرة على تغيير الدِّيكور، وسينوغرافيا العَرْض كاملاً وأمور أخرى".
تجارب متميزة ضمن مسرح الحكاية أو مسرح
الحلقة، بحثاً عن فضاءات جديدة، بالساحة الشعبية، بالمقاهي والأسواق الشعبية وحتى
ضمن الفضاءات التي تتيحها المدينة أو القرية لسكانها وزوّارها... وكيف أعادت
الجمهور إلى المسرح من جديد، وفتحت أفق البحث في مسرحة التراث واستلهامه على
مصرعيه للمارس المسرحي والباحث على السّواء.
الكلمات المفتاحية
الحكاية، التّراث الشعبي، المسرح،
المسرحية، الفضاءات المفتوحة.
أستاذ محمد، هناك سؤال محوريٌّ في جميع
الأجناس الأدبية، وهو أساس لأي نصٍّ قصصي
أو روائي أو مسرحيٍّ. إنَّنا أمام قضيَّة الحكاية، التي تُعتَبر منجمًا لا ينضب
لتوليد الأفكار، التي تنبي على أساس من الحكاية، ونأتي لدور ومهارة الكاتب
بتحويلها إن نصٍّ أدبيٍّ، ولقاؤنا هذا خصَّصناه كما اتَّفقنا مُسبقًا حول الفن
المسرحيِّ، فهل لكَ أن تُحدِّنا بطريقتك، عن كيفيَّة التعامُل مع الحكاية التي
تروى على الرَّصيف ببساطتها وتلقايَّتها، وأنت تجتاز شارعًا مُعيَّنًا، أو
التوقُّف على إشارة المرور، أو لدى السمَّان أو عند الحلَّاق أو الإسكافيِّ، أو
عند بائع البوظة... إلخ. إنَّه اشعال الحكاية في قلب وعقل الكاتب: "الحكاية هي أول الوسائل الجاذبة في
المسرح ، وهي مهما كانت بسيطة وعادية وساذجة يمكن أن نصنع منها أشياء مهمة.
هناك مقولة مهمة مفادها:
لا شيء تافهاً وفقيراً أمام َ المبدعِ فما يبدو تافهاً في الحياة قد يصبح عظيمَ
الشأنِ في الفن.
كيف نرتقي بالحكاية
لتكون مناسبة للحياة المعيشة، يكون ذلك أولاً من خلال معالجتها فنياً، ونقصد هنا
إزالة ما فيها من شوائب لا تُناسب النصَّ ومن ثمَّ العرض، وبعدها البدء بإعادة
صياغتها أو تصنيعها من جديد، يمكن الاعتماد على الحكاية كهيكل عام ومن ثمَّ البناء،
ويمكن تقليدها، وهذا أمر مشروع وخاصَّة عند المبتدئ، فالتقليد هو وسيلة من وسائل
التعلُّم، يمكننا أيضاً الاستفادة من تفاصيل الحكاية من كلماتها وسردها وسيرها،
وتقسيم ذلك إلى العديد من المشاهد، وبالتالي نكون قد اِشْتغلنا نصًّا كتابيًّا نُحوِّله
فيما بعد إلى عمل فنيٍّ. لكنَّني سأقول دائماً كما قلتُ، وفي غير موضع النصُّ ثمَّ
النصّ.
في الحكاية التي
نريد أن نشتغل عليها يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ودائماً أن حكايتنا غير عادية، وهي
لا فتة للاِنْتباه، أن نضع الحدث في سُلَّم أوليَّاتنا؛ لنُفكِّر في ذلك مَلِيًّا،
ولنتوقَّف عنده كثيراً، ومن الأفضل أن نطرقه مباشرة، ولنفُكِّر بعد ذلك. كيف نُصعِّدُ
ذلك الحدث؛ وُصولًا إلى الذُّروة، ومعها عقدة العمل، ومن ثمَّ التفكير في وضع الحُلول،
أو النِّهايات سواء كانت جزئيَّة أو كليَّة، وعن هذه الناحية نقولُ للتوضيح فقط: إنَّ الفن عُمومًا غير معنيٍّ بتقديم الحلول،
هو يُشير فقط إلى العُيوب، والمشاكل، والأخطاء. أما الحلول فتلك مسألة أخرى".
بعد هذا الفيض من
الحوار حول العديد من النُّقاط التي أثيرت في جلستنا، سنتحوَّل إلى أمرٍ محوريٍّ
مُهمِِّ جدًّا، ألا وهو التقنيّة التي تستخدم بتحويل الأفكار والحكايات بعد
تأثيثها بكسوة زاهية، لتخرج على شكل نصٍّ مسرحيٍّ زاهٍ، يستولي على اهتمام
الجمهور، وتصل رسائله الواضحة والخفيَّة ذات البُعد التأويليِّ التي أرادها كاتب
النصِّ، من خلال مهارات التمثيل والديكور والإضاءة والصوت: "من المعروف أنَّ
الكتابة المسرحيَّة هي من أصعب الأجناس الأدبية، لأن هذا الفن يحتاج إلى
كتابة خاصَّة، وجهد خاص.
ومن المعروف أن
الكتابة تحتاج إلى الموهبة التي يمكن تطويرها بوسائل وطرق شتى.
تبدأ هذه الكتابة
من البذرة الأساسية التي نطلق عليها اسم الفكرة التي يمكن العمل عليها لتكون قصَّة،
وإن لم تكن كذلك؛ فيجب أن تكون حكاية تشكل عموداً فقرياً أساسياً للبناء الدرامي .
بعد اختيار القصَّة
المناسبة يجب العمل على ما يلي :
1ـ تحديد نقطة الصراع والوصول إلى ذروة العمل .
2ـ تحديد شخصيات
العمل .
3ـ الحوار المتقن.
ولكل نقطة من هذه
النقاط تفصيلات كثيرة يمكن الحديث عنها مطولاً ، وعلى سبيل المثال فالحوار يعد أهم
ما في البناء المسرحي وكل جملة فيه يجب أن تؤدي الغرض الذي رصدت لأجله.
وكذلك الأمر
بالنسبة للشخصيات التي يجب أن تكون كل واحدة منها مختلفة عن الأخرى ولها منطوقها
الخاص ومن هذه النقطة بالذات تأتي صعوبة الكتابة المسرحية ويبرز دور الكاتب المحب
للمسرح والذي يعرف دقة وتفاصيل العروض، وكيف ينتقل برشاقة بين العامية والفصحى .
إضافة إلى ذلك يجب أن يعرف قواعد اللغة التي يكتب بها ومعاني الكلمات ودلالاتها.
أما بالنسبة
للسينوغرافيا فمن المعروف عند الباحثين ودارسي المسرح بأنها تهتم بتأثيث خشبة
المسرح وزخرفتها وتزيينها وتنظيمها وتعنى بتأطير الفضاء الدرامي وتصويره وهي
تستوجب خبرة فنية وتقنية وعلى سبيل المثال المعرفة بالمهن كالنجارة والخياطة
وغيرهما وهي علم وفن . والكلمة يونانية وتعني أن تصف شيئاً على خشبة المسرح ، وهي
البيئة المكانية للعرض المسرحي وتشمل البيئة والإضاءة والموسيقى والملابس وقطع
الديكور حيث تتضافر كل هذه الأشياء لتشكل سينوغرافيا العرض المسرحي.
كل
عمل نقرأه أو نشتغل عليه أو نشاهده حتماً
سيترك بصمته في نفوسنا وأنا مثلاً وعلى صعيد الإخراج تعاملت مع عدد من الأعمال المسرحية التي لا
أنساها، لكن هاجسي هو العمل المحلي فأنا من الذين يفضلونه ويعشقونه إلى أقصى درجات
العشق، ورداً على من يقول بأن هذه الأعمال المحلية قد قدمت، وأصبحت قديمة،
ومستهلكة أقول بأنها لا تزال أرضاً بكراً تنتظر من يكتشفها، ويفلحها من جديد، فلكل
فنان ومخرج وأديب طريقته ووجهة نظره، ورؤيته الخاصة في رسم اللوحة وتصميم المشهد،
وبناء العمل بشكل كامل، وهذه الرؤية تختلف مع الآخر، وتتوافق مع النص الذي يعتبر
المادة الأولية للعرض المسرحي، وقد تتقاطع معه فقط،، وربما ترفضه في مواضع عديدة،
أو بشكل قطعي، والفن فضاء واتساع كما يقولون، وهو باب من أبواب الحرية، وما يقوله
أهم مما يقوله المتحذلق والمتفلسف والمنظر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وهو
الأقدر على قول ما يريد ،ولكن بطريقته الخاصة، وأعود للمحلي ، مؤكداً عليه ، لأنه
أكثر قرباً والتصاقاً بنا.
كنت في السابق أمزج المقولة السياسية في الكثير
من أعمالي التي تميزت ببيئتها المحلية الجنوبية وأولها بين دمعتين وفعلت ذلك في
أدب الأطفال ومثال على ذلك مسرحية " القرد مفاوض شاطر" التي تضمنت
المسألة السياسة التي كانت سائدة، لكنني فيما بعد توقفت عن ذلك وصرت أميل إلى
الأعمال الإنسانية، فهي الأكثر عمقاً وفضلتها على السياسة التي قد تؤدي إلى الدم ،
وخاصة أنها غير ثابتة وتميل أحياناً حيث تميل الريح وهذا لا يناسبني ولم يعد يشدني
إليه كما أيام زمان".
أدب الطِّفل
عند محمد الحفري
كلَّما توغَّل القارئ مسافة أخرى في عوالم
"محمد الحفري" الإبداعيَّة المليئة بل الباعثة لأسباب المُتعة والإدهاش،
في الحقيقة أستطيع تشبيه حالته "البُركان الأدبيِّ"، فعند انفجاره تندلق
الحُمَم فيضًا يكتسح مداياته المُحيطة.
إن تعدُّد ألوان الكتابة عنده تسترعي
الانتباه، والتوقُّف في رحابه، فإذا قلنا: الحفري القاص، وبعد ذلك يتنافس الحفري
الروائيِّ، والمسرحي، والنَّاقد، مع الكاتب والمفكر والمثقَّف. وللخروج من حالة
التوصيف التَّخصيصي، يمكن القول عنه كاتب، فكلمة كاتب أعتقد إنَّها شاملة بدلالة
تعدُّد موهبته الكتابيَّة، إذا جاز لنا اعْتبار أنَّ الكتابة مهنة.
المُفارقة كيف
يستطيع من قارب عقده السادس، التفكير بعقل طفل، والنُّزول إلى مستوى اليافعين
والأطفال، إن تعدُّد مُستويات التفكير موهبة تفيض عند القليل من الكُتَّاب.
فالكتابة في هذا
المسار كمن يسير في حقل أشواك، يجب عليه انتقاء الكلمات بعناية فائقة، لتكون
دلالتها على الفكرة المُراد الكتابة حولها. الكلمة السَّهلة التي تتناسب مع طبيعة
الفئة العُمريَّة هي المطلوبة، ويجب أن تفتح آفاق التفكير لدى الطِّفل والنَّاشئ،
وتُحرِّضه على الإبداع لملاحظة مُحيطه المحدود، ومُحاولة إخراجه إلى عوالم جديدة،
لاكتساب ثقافتها.
كما أنَّ الإلمام
بعلم النَّفس التَّربويِّ، لا بدَّ من توافرها لدى الكاتب، كي يُقدِّم وجبة
فكريَّة سليمة وصحيحة، وإرشاديَّة للسُّلوكات القويمة.
أمَّا مجال
المعرفة المفاهيميَّة، فيشمل تعليم الأطفال الصغار الكلمات أو الأشكال والرُّموز ذات
المغزى. اعتبارًا من الاستيقاظ والنبيه على غسل الوجه، واستخدام فرشاة الأسنان،
وكتابة الوظائف المدرسيَّة، وتشاركيُّة اللَّعب بالكرة.
أعتقدُ أن الكاتب
يأخذ بعين الاعتبار إذا كتب لأطفال مُدركين وعلى وشك دخول الرَّوضة والمدرسة، وذلك
بتقديم المعرفة كإجراء بتعريف الطِّفل الصَّغير جدًّا بآليات كتابة الأحرف
الهجائيَّة، ثم تركيب الأحرف لإنشاء كلمات بسيطة على سبيل المثال أن يكتُب اسمه، والانتباه
لطريقة تسهيل مُهمَّة التهجئة وتمثيل الحروف على شكل صورة تنطبع بذهن الطِّفل كشكل
بداية، كما أنِّ الأصوات المرتبطة بكل حرف لها الحظُّ الوافر بترسيخ الحفظ بلا
نسيان. لتأتي فيما بعد إنتاج معرفة تتساوق مع تطوُّر قدرات الطفل على كتابة العبارات والجُمل لتوليد
معانٍ دالَّة على استطاعة الطفل بتحويل أفكاره إلى كتابات مُعبِّرة.
بعد هذا التمهيد
التنظيري، وممَّا يتمحور عليه تفكيري أثناء التَّحضير للقاء تأجَّل لمرَّات مع
الأديب "محمد الحفريِّ"، دقَّة الطَّرح الذي يدور بذهني أخذني إلى
مساحات تفكير تقاربت وتباعدت، لكنَّها لا تبرح ساحة أدب الطِّفل، هذا اللَّون
الصَّعب، الذي يحتاج لقدرات استثنائيَّة، لا يستطيعها إلَّا أقل القليل من معاشر
الكُتَّاب.
.....
طالت جلستنا في
المقهى لساعات تجاوزت الثلاث بنصف ساعة، تشعبُّات الحديث بأحلامه وشُجونه، حول
مسار "محمد الحفري" المسرحيِّ، استفاض بالحديث لحُبِّه الخاصِّ
المُستولي على مشاعره، وكما أحفظ عنه: حبُّه الاستثنائي للمسرح، الممتدِّ لمسرح
الطِّفل.
توجَّهتُ له
بسؤال: هل لكَ بالحديث عن بداياتكَ، ما دُمتَ تشعر بهذا الفيض من الحبِّ للمسرح،
بلا شكٍّ لم تكُن مشاعركَ وليدة اللَّحظة، أو موضوع التجربة الكتابيَّة في هذا
الجنس الأدبيِّ؟
أشاح بنظراته
عنِّي حاولت تتبَّعها، لاحظتُ أنَّها لا تُركِّز على شيء مُعيَّن في الصَّالة
الفسيحة، المليئة بالطَّاولات والزَّبان وضجيجهم وأحاديثهم الواضحة والهامسة
وضحكاتهم المُتعالية بمنافسة أصوات قرقعة الأراجيل، ودُخانها العابق بالأجواء
بروائحه المُسيْطرة. اِرْتشف من فنجانه بلا مبالاة، كأنَّه يريد الهروب أو
التهرُّب من ذكريات عتيقة أرهقته دواخله، المهمومة بالكتابة والقراءة، التي طبعت
شخصيَّه بالعُزلة، لدرجة التوحُّد يبدو أنَّ التَّشابه في حالنا واضح، ثم انطلقت
كلماته المبحوحة تخرج بصعوبة إلى أن لانت وأصبحت سلسة بتدفُّقها على لسانه:
"كنَّا نُقدم
العروض المسرحيَّة في ساحات القرى، وفي الشَّوارع العامَّة حيث نستعمل الأقمشة،
لنعمل ذلك الشَّكل الذي يُقرِّبنا من المسرح، وقد قدَّمنا في تلك المرحلة ما يخطر في بالنا من أفكار بسيطة، تتعلَّق
بالبيئة المحليَّة، وما يواجهه النَّاس من مشاكل وظروف صعبة، وكانت أفكارنا تمتدُّ
إلى الحُلم البعيد في تحرير الأرض، واِسْتعادة الحقوق المُغتَصَبة".
بساطة أجواء
القرية بعموم الأرياف، لا تُقيم وزنًا للفكر والثَّقافة، مُقابل صراع الفلَّاحين
بانتزاع لقمة العيش من أجل البقاء، والتشبُّث بالأرض لأنَّها مصدر الحياة، ألا ترى
أنَّ الاهتمام بمثل قضايا التَّمثيل ضرب من الجُنون، إذا لم يكُن وقتها على سبيل
اللّعب واللَّهو والمُحاكاة، لما كَّنا نشاهده عبر شاشة التلفزيون أيَّام الأسود
والأبيض، وبساطة المسلسلات والتمثيليات حتَّى أن عرض الإعلانات كانت متناسبًا مع
طبيعة المرحلة زمنيًّا، فما هي ردود الفعل لأفعالكم وطريقتكم في التعبير عن أشياء
غامضة ومبهمة في نفوسكم ذلك الجيل المكافح من أجل إثبات الذّات بأي شكل كان وعلى
أيَّة هيئة تيسَّرت؟.
"كثيراً ما
كنتُ أسمع عبارات التهكُّم والسخرية في البدايات من أبناء المدينة الأكثر قرباً إلى
مراكز النشاط، ومع ذلك كنت دائماً أتخيل نفسي ألعب دور منصور في إحدى قصص غسان
كنفاني، حيث استعار بندقية تشبه العصا في شكلها، ولكنه استطاع بتلك البارودة أن
يصيب هدفاً لم يتمكن منه الذين امتلكوا سلاحاً متطوراً والذين سخروا منه قبلاً". ضحكة مشتركة
بلا موعد منا اخترقت الأجواء، لكن لم ينتبه أحد لفعلتنا، الجميع مشغول.
على وجه التقريب
متى ابتدأت يا محمد بالعمل الجديِّ بالاشتغال على أدب الطِّفل، من المعروف أنَّ
لكلِّ شيء بداية حقيقيَّة، وهي بمثابة الولادة؟.
"في
الحقيقة شكل نقلي للعمل كمُخرِج في المسرح المدرسيِّ نُقطة مُهمَّة في حياتي؛ اِكْتسبتُ من خلالها
الكثير من الخبرة، وزادت من تجربتي، ليس هناك أجمل من العمل مع الأطفال، وليس هناك
أجمل من الطُّفولة، وخاصة حين اِكْتشفتُ نفسي بأنَّني طفل بينهم، ولعلَّ أسعد
لحظات حياتي هي بالوقوف بينهم وأمامهم. هذه اللَّحظات كانت تشعرني بالظَّفْر والنَّشوة
والاِنْتصار، وخاصَّة بعد الاِنْتهاء من
البروفات، وتقديم العرض المسرحيِّ، حيث يُتوَّج عمل هؤلاء الأطفال وتعبهم، وحركة
أجسادهم مع مقولة النصِّ".
تلقائيَّة حديث
"الحفري" ببساطتها الآسرة، تكشف دواخله، يحكي عن نفسه بصدق إذا ما طُلِب
منه، لا يخجل من بداياته المُتواضعة، يتضاحك كما هبوب النَّسيم، وكلمته التي
تردَّّدت لأكثر من مرَّة: "لا أحد
جاء من بطن أمِّه عالم عارف بكلِّ شيء. أتعلَّم من تجاربي مثلي مثل الآخرين، فإذا
ما فشلتُ يتعالى نبض التحدِّي والإصرار ، لمعاودة التجريب من جديد مرَّة تلوِ
المرَّة، ولا يهدأ قلقي وخوفي إلَّا قاربتُ عمَّا ترضى عنه نفسي أوَّلًا، بعده إذا
نال رضا المُتابعين".
قد يقودني جوابك
إلى سؤال جوهريٍّ، فأنت الآن على المحكِّ، معروف أنَّ البدايات في أيِّ مجال تكون
على الأغلب مُتواضعة، مشوبة بالكثير من الإخفاقات فنيًّا وتقنيًّا، فأين أنت بين
الإبداع والاتِّباع والتقليد؟ –لملم أطرافه بعد أن حكَّ فروة رأسه ذات الشَّعر الخفيف،
شردت عيناه صوب باب المقهى، كأنَّما يستحضر جوابًا حينما تفاجأ بسؤال مُربِكٍ،
لكنِّي على يقين لن يكذب- قال:
" أُخفيكَ
الحقيقة كي أصدُق، وأبدو شفَّافًا بلا شوائب في عالمنا لا تمرُّ الكلمة المسؤولة
بسهوله على ذوي العقول والفطنة، إذا ما أعادوا تحليل وإعادة تركيب أيّ نصٍّ؛
فيخرجون بأجوبة لم ينطقها صاحب النصِّ إطلاقًا، ولم يُفكِّر بها، ولكنَّ اِسْتنتاجاتهم
هذه مُقنِعة أقول ذلك بلا تردُّدٍ.
يا صديقي ليكُن
معلومًا لديْك: قد يكون اللُّجوء إلى حكايات عالميَّة، وقرأت في بعض النصوص وكما
عرض على شاشة التلفاز (سندباد. سندريلاـ
علاء الدِّين، والمصباح السحري. علي بابا) إلى أخر ما هنالك أمراً مقبولاً في
عروضنا المسرحيَّة.
ولكن لنسأل أنفسنا
أين هو جديدنا الفني والفكري في تقديم المكرور والمعروف؟.
أين هي ذاتيتنا في
تقديم ذاتنا؟.
وماذا أضفنا لها
من جديد ما يلائم جيلنا، وتوجهاتنا التربوية وما تتعرض له بلادنا. إنَّني أدعو
للتفكير جديًّا، ليس بتلك الحكايا وحسب، بل وبرفد المسرح بحكاياتنا الشعبيَّة،
المُستقاة من وحي تراثنا الذي لا ينضب".
وعلى اعتبار أنَّ
ملمح أعمال "محمد الحفريِّ" المسرحيَّة تتوجَّه به للأطفال، لماذا تأخذ
نفسكَ بالمنحى الصَّعب، الذي لا يُجيده الكثير من المسرحيِّين والكُتَّاب - بثقة خرجت
الكلمات تنداح أمامي لتغمر سطح الطَّاولة- وكأنَّك تُعلنُ على الملأ هويَّتكَ
الأدبيَّة. أجاب:
"الأمر في
مسرح الطفل مختلف
كثيراً وخاصة في هذا الوقت بالذات وقد قلت هذا الكلام سابقاً في ندوة أدب الطفل ،
نحن بحاجة إلى فن أقرب إلى التوضيح والتصريح
ذلك لأن هناك من استغل مسألة الذئب والزهرة والفراشة وغيرها ولعب عليها
بطريقة معاكسة ليصورنا نحن كذلك، ونؤكد أن التوضيح والتصريح وحسب وجهة نظرنا
الشخصية يجب ألا يشغلنا عن سوية العمل الفنية.
وعوداً إلى الحكاية التي نريد أن نبنيها كنص يتحول إلى
عمل مسرحي للأطفال لا يخلو من التشويق وهذا أمر ضروري لأنه يجعل الطفل يتعلق
بالعمل وينشد إليه ويمكن إيجاده على سبيل المثال بطريقة "سلة ، صندوق ، أو
حتى عن طريق شخصية من شخصيات العمل أو وسائل أخرى يبتدعها المشتغلون على العمل
" ومن خلال ذلك يمكن أن نثير الأسئلة التي تشحذ وتنمي القدرات وتقدم المعلومة
المفيدة، وتقديمها بطبيعة الحال بطريقة تختلف عما ما يفعله المعلم والمحاضر
والخطيب في التلقين الممل لأن للمسرح كما هو معلوم وسائل توصيله الخاصة وأهدافاً يتغيَّا بها
الجمال".
على خلاف الحكاية المُجرَّدة وفي نُسختها الخام
كما تتردَّد على الألسنة –حكايات الجدّات- عندما تُكتَب على شكل نصٍّ قصصيٍّ، فعلى
الأغلب ما تأتي كلوحة مُسطَّحة إذا لم تمتزج بمهارة الوصف والبعد النفسي، فهل
تصلُح الحكاية بهذا المنحى لتشكيل نصٍّ مسرحيٍّ مُقنِع؟ اِعْتدل في جلسته.. صمَت
للحظات ناهزت الدَّقيقة بينما تشاغلتُ عنه بارتشافٍ من فنجاني البارد، للأسف
أنَّها الأخيرة، لم أشأ طلب فنجانٍ آخر. آثرتُ عدم الاهتمام حتَّى تُتاح له فرصة
استحضار ما بذهنه، للإجابة، وسيبقى الانتظار سيِّد الموقف، تنحنحَ وشمَخ برأسه
للأعلى، بثقة انطلق لسانه يُجيب على تساؤلي المُحرج للبعض، ولكن لا حرج في حواري
مع الحفري:
"الحكاية هي أساس البناء المسرحي وأعمال
أخرى كثيرة، وهي المدماك الأول الذي يجب أن تضاف إليه مداميك أخرى كي يكتمل البناء.
وقولنا وحديثنا عنها سيبقى غير مكتمل، لأنه بحاجة إلى النقاش ومزيد من الحوار الذي
قد نكتشف من خلاله الكثير من الأمور، ومع ذلك لا نجد مناصاً من ترديد ما قاله
درويش: (لا نصيحة في الحب لكنها التجربة) لا
نصيحة في الشعر لكنها الموهبة، وفي مسرح الأطفال يجب أن نوسع دائرة الفرجة،
يمكن أن تكون أكثر من فرجة لشد الجمهور ولفت انتباهه، لأن المتعة ضرورة من ضرورات
العرض، وربما التعلم من خلال اللعب هي من أهم قواعد التعلم في عصرنا الراهن. إذا
حضرنا عرضاً مسرحياً ولم نستمتع به فهذا يعني أن العرض لم يوصل رسائله بشكل صحيح. الكتابة
للمسرح هي من النوع الصعب وهي تحتاج ليس إلى الثقافة والموهبة وحدهما بل إلى
الخبرة الحياتية الكبيرة، وهي تحتاج منا أيضاً أن نتخيل كل كلمة وهي تقال على
الخشبة ، وإلى التفكير طويلاً وملياً بكيفية تحويل الكثير من كلماتنا إلى صور تجسد
أمام الجمهور، وهذا يقودنا إلى ضرورة التلازم بين المكتوب والصورة البصرية وخاصة
في حالة تحويل العمل الكتابي إلى عمل درامي يقدم أمام الجمهور، وإذا كنا نؤكد
صعوبة الكتابة للمسرح بشكل عام ، فنحن نجزم أن الكتابة الموجهة للأطفال هي الأصعب،
لأنك تحتاج أن تمتلك الطفولة وأن يكون لديك قلب طفل، وتلك البراءة التي يحتاجها الإبداع
وأن يجذبك الفضول وحب الاِطِّلاع والمعرفة وأن يبزغ أو ينبت في داخلك ذاك الطفل
القادر على التخريب والبناء والمشاكسة والعفوية والقدرة على الحب والكره في اللحظة
ذاتها، وأن يكون مثل ماء زلال لا تشوبه الشوائب. وأخيراً عليك السلام".
محمد قبل انصرافنا
في ختام هذه الجلسة الشيِّقة، عرَّجنا على الأحلام والأمنيات والتقنيَّات،
والهواية والمسار المميز بالنَّجاحات والاخفاقات. هل لكَ بأن تُحدِّثنا عن إصداراتك
الخاصَّة، وما أضفت لمكتبة الطِّفل":
"لقد طبع
لي في مجال الكتابة
للأطفال أعمال عديدة منها رواية "الماء المسحور"، ومسرحية
"الحمار المغرور"، وقصة "الثعلب يجر ذيله خائباً"، وقصة
"العجين الذي صار خبزاً" إضافة إلى ما نُشر في المجلَّات، والدوريَّات
المُختصَّة بشؤون الأطفال، ومن المنتظر أن يصدر هذا العام رواية تحمل عنوان "عيون
الأر"، وهي من الخيال العلمي، وثلاث روايات أخرى عن دار نشر لبنانية هي على
التوالي "شروق ـ جاحد ـ براق وصداد".
فضاءات المكان
في أعمال محمد الحفري الروائيَّة
الأماكن لا تعني شيئًا إذا لم تقترن بفعل بشريٍّ،
يتحوَّل بمرور الزَّمان إلى أيقونة مُحمَّلة بذكريات وأحلام وآمال، ممَّا يُهيِّج
المشاعر والأحاسيس؛ فإذا ما حملتنا وأجبرتنا الظُّروف للاِبْتعاد عن المكان، ولا
يعدو أن يتشبَّث ولا يُغادرنا إذا غادرناه، ويأبى إلَّا أن يرتحل فينا وإن اِبْتعدنا
عنه، ثُنائيَّة جدليَّة المكان والإنسان.
ففي الكثير من النُّصوص الروائيَّة خاصَّة تتعدَّد فيها
فضاءات الأمكنة، بتعدُّد حركة وسيْر السرديَّة القصصيَّة للشُّخوص داخل النصِّ،
فالاِنْتقالات بحركتها البطيئة، أو السَّريعة من فضاء مكانيٍّ إلى آخر، ومن المُلاحظ
هناك الأمكنة غير الموجودة، وذلك حين اِنْهيال الذِّكريات، وتداعيات الأفكار
بحوادث وقصص فيها من الحركة التي تستلزم الأماكن، وإذا لم يلحظها القارئ فهي ضرورة
بوجودها كمشهد خفيٍّ، يُستدَّل عليه من مجمل مدارات النصِّ.
فكما هو معلوم
فإنَّ المكان القصصيِّ؛ هو صِنْوُ الزَّمان القصصيِّ، عندما يتحوَّلان على يديِّ
الكاتب إلى مادَّة قرائيَّة، تستحوذ على اِهْتمام القارئ، ومن خلال مُتابعي
لكتاباتك القصصيَّة والروائيَّة، لاحظتُ عنايتكَ بوصف المكان، وكأنَّكَ تأخذ
القارئُ برحلة مكانيَّة، وتخلق عنده تصوُّرًا جماليًا، وحُبَّا لزيارة ذلك المكان
الذي تريده. فهل من توضيح أكثر إضاءة لطبيعة وفلسفة المكان برأي محمد الحفري: "بالنسبة للمكان أسأل نفسي دائماً: متى
لم يشغلني المكان؟. هو هاجس يعيش معي، أنام معه وأصحو عليه، وأنا أحياناً بعد هذه
السَّنوات الطَّويلة من البُعْد عن بلدتي، أستيْقظ من النَّوم، لأجد نفسي أجلس على
مصطبة بيتنا أمام زيتوناتنا في تلك الحاكورة، التي تُسوِّرها شُجيرات الصبَّار،
وأحتاجُ لوقت غير قليل؛ لاِسْتيعاب هذه الغربة التي أعيشها، وبعد هذا العمر، وعلى
الرَّغم من هجرتي التي طالت، أشعُر بأنَّني وحتَّى هذه اللَّحظة أحفظ موقع الأشجار،
والأحجار، والمُنحنيات، وتفصيلات أخرى في وادي الرقَّاد وفي وادي اليرموك.
أحفظ (ديسات العليق) وأَجَمات
القَصَب، ومداخلها وطُرُق الوصول إليها، وتلك تفصيلات لم أكُن أنتبه إليها في السَّابق،
أبوح الآن... وأنا لا أدري السَّبب؛ بأنَّني شعرتُ، وأنا أزور مدينة الخرطوم لأوَّل
مرَّة، أنَّني أعرف هذا المكان جيِّدًا، وقد خبرته من قبل، وأقول بصراحة: كنتُ
أذهب إلى قرية مُجاورة لقريتنا، لأمشي في شارع مُحدَّد من شوارعها؛ من أجل أن أُقنِع
نفسي، أنَّني كنتُ أعيشُ في هذا الشارع، مع كواكب التي عشقتها أيَّام الطفولة".
الأمكنة ما قيمتها
بلا ذكريات؛ فلا أعتقدُ أنَّها تحتلُّ هذا الجانب الوثيق من قلوبنا وذكرياتنا
وأحلامنا واعتقاداتنا، ومن خلالها تتشكَّل ذواتنا بتجمُّعات بشريَّة، لها طبائعها
وطراق تفكيرها وحياتها. فهل توافقني على مذهب تفكيري، بتوصيفي لقيمة المكان؟:
"الذِّكريات في هذا الوقت بالذَّات هي كابوس حقيقي، وهي في نزيفها،
وسيطرتها وسطوتها عليَّ، قد أفادتني كثيرًا على ما أعتقد، هي تختلط أحياناً مع ما
يحدُث على أرض الوطن، ومن يقرأ رواية "كواكب الجنَّة المفقودة"، سيلاحظ
حتمًا ما فعله "مرعي الجواد" أحد أبطالها بأهلها وناسها، وكيف جعل
المكان على مقاسه، وليس كما يشتهي أهلها، وهو نموذج ممَّا جرى في البلاد".
وللعشق ألوانه
وأشكاله، وللنَّاس فيه مذاهب، والمكان أخذ حيِّزًا واسعًا في ثقافتنا العربيَّة،
ونلحظ ذلك عند الشُّعراء ووقوفهم على الأطلال، الموضوع الذي أصبح غرضًا من أغراض
القصيدة وعلى الأخص فيما وصلنا من قصائد المُعلَّقات، ومن أشهرها على الإطلاق:
بقول امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى
حبيــــــــــب ومَنْزِل
بمُنعَرَج اللِّوى
بين الدَّخول فحَوْمَل
وقول طرَفة بن
العبد:
لِخَولَةَ أَطــــــــــلالٌ بِبُرقَــــــــــةِ ثَهمَــــــــــــــــــــــــــــــــــــدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وهكذا تجري القصيدة عادة بالوقوف على الأطلال كاِفْتتاحيَّة،
نعرف مدى حنين وشوق الشَّاعر للمكان الذي سكنته محبوبته ذات يوم. فالمكان أصبح عِشقًا حقيقيًا، وجزء من حالة نفسيَّة.
الحديث بشجونه، وحنينه؛ اِسْتثار حفيظة "محمد
الحفريِّ" عند هذا المنحى، أطاح بآخر حُصون الصَّبر والاِنْتظار؛ فآل على
نفسه التدخُّل قاطعًا عليَّ إكمال فكرتي، وتحوَّلتُ لمُستمع له، أُنصتُ باهتمام
بقصد الاِسْتماع لرأيه، وهو الهدف من هذه الحواريَّة لمعرفة رأيه:
"يا صديقي. إنَّ ارتباط الإنسان بالمكان
حالة فطرية، فهو يحن ويشتاق إليه مهما طال الزمن وابتعد عنه، لأن فيه ذكرياته
وشقاوته وفيه الأهل والأصدقاء، ومراتع الطفولة والصبا، وفيه تلوح في كثير من
الأحيان ظلال أول امرأة دق لها قلبه، ولهفت لها روحه.
هذا الأمر قد يتجلَّى
بشكل واضح لدى المبدع، وذلك عندما يصير هاجساً دائماً في بالِه، ولشدَّة اِرْتباط
الإنسان بالمكان، قد تُصبِح آخر أمنياته أن يُدفن فيه على سبيل المثال، وهذا
المكان قد يتَّسع، ويضيق حسب اِتِّساع الرؤية، أو اِنْحسارها.
قضيَّة المكان
ليست بالمسألة السَّهلة، أو الهينة، لأنَّنا من خلاله نصل إلى تُخوم المعنى على
الأقلِّ، لتنكشف بعد ذلك الكثير من الدَّلالات الفكريَّة والاِجْتماعيَّة والنفسيَّة،
وربَّما العقائديَّة أيضاً، وبالتالي ربَّما يقودنا إلى معرفة البطل بشكل أوضح، هل
هو شخص سطحيٌّ، أو عميق؟ لأنَّ للمكان دلالة في أغلب الأحيان على ساكنيه.
نقول ربَّما، لأنَّ
لكلِّ قاعدة شواذّها، وهناك من يتمرَّد على تلك القاعدة، ويكسرها، وتلك سِمَة
أساسيَّة من سِمَات الإبداع الحقيقيِّ، والمبدع الحقُّ لا يرضى بما رَضِيَ به
غيره، لكنَّنا يجب أن نقول في هذا المجال: أنَّه ليس من الضَّرورة أن يكون الكاتب
هو البطل ذاته، لكنَّه يستطيع أن ينسج من حكايته قصَّة تعني غيره، وقد يصنع من
حكايات غيره، ما يشدُّ المُتلَقِّي إلى نصِّه بروابط لا تنتهي، وللكتابة كما يقول سليم
بركات: (دوافعها السحريَّة في اِنْتشال المكان من غَرَقه في الحنين إليه،
أعني المكان الذي يجعلنا كائنات تتآلف في القدرة على الاِسْتحضار السحريِّ له حين
يغيب، ربما تغدو النَّظرة إلى الوراء بجسارة نظرة إلى الأمام).
برأيكَ أستاذ
محمد. أيُّ مكان يُمكن تحويله لمكان أدبيٍّ؟، وهناك تعبير شائع: (عبقريَّة
المكان)، فماذا تقول لنا بالتفصيل؟: "المكان الأدبيّ أو تلك العمارة
الفنيَّة، يشبه المنزل الذي نريد بناءه، وبالتالي يمكن أن يكون وسيعاً، ويمكن أن
يكون ضيِّقاً، وهذا بطبيعة الحال يرتبط برغبة صاحب البناء، وهو مُرتَبِط بإمكانيَّته
تنفيذه، ليتوافق مع طبيعة ذوقه فنيًّا، والفنَّان قد يصنع من المكان الطَّلَلْ،
وحتَّى من الخرائب مكاناً جميلاً؛ يُدهش أولئك الذين مرُّوا كثيرًا من جانبه، من
دون أن يلقى منهم أيَّ اهتمام. المسألة نسبيَّة على كلّ حال، وهي تزيد وتنقص حسب
الحاجة إليها، ونقصد المكان هنا المُرتَبِط بالزَّمن في أغلب الأحيان، وبالتالي
حصر الواقع بينهما، وهذا ما ينطبق على النُّصوص، التي يحاول أصحابها كَسْر تراتُبيَّة
السَّرد السَّائد، والثَّورة على المألوف، والمُتعارَف عليه هروباً من الأزمنة،
والأمكنة نحو المستقبل، ونحو الحداثة وما بعدها، وذلك هو الفعل الصَّعب وربَّما
الخارق، لأنَّ الإنسان بطبيعته ابن الزَّمان والمكان".
فلا زمان بلا
مكان، ولا مكان بلا زمان، هذه مُسلَّمات لا جِدَال ولا مِراء فيها؛ فماذا يُمثِّل
لكَ الزَّمن في الكتابة القصصيَّة، حيث أنَّه لزوميَّة ضروريَّة من لوازم الكتابة:
"الزَّمن هو القصَّة، وهي تتشكَّل، وهو الإيقاع. الزَّمن في الأدب هو الزَّمن
الإنسانيُّ، كما تقول "سيزا قاسم"، وتُضيف أيضاً: "المكان حقيقة مُعاشة، ويُؤثِّر في
البشر بالقدر نفسه الذي يؤثِّرون به، فلا يوجد مكان فارغ أو سلبيّ، ويحمل المكان
في طيَّاته قِيَماً تَنْتُج من التنظيم المعماريِّ، كما تَنتُج من التوظيف الاِجْتماعي؛
وكلّ مكان يفرض سُلوكًا خاصًّا على النَّاس الذين يَلِجُون إليه. هذه الكلمات
كتبتها ذات وقت عن أثر المكان، وتأثيره على الإنسان المُهشَّم، وأعتقدُ أنَّ فيها
كثيراً من التقارب مع ما أريد قوله، وقد شكَّل المكان وجعاً مُؤرِّقاً لي في الكثير من الأحيان، والصَّحيح
أنَّه غالباً ما يكون موجوداً على أرض الواقع، لكنَّ المشكلة التي تقف في المواجهة
دائماً هي في كيفية تأثيثه، أو بمعنى أوضح إضافة ما يمكن لتجميل هذا المكان، وهذا
ينطبق على المكان المُتخيَّل، فنحن يجب أن نُضيف إليه ما يجعله مُقارباً للواقع
والحقيقة".
المكان في وعي
"محمد الحفري"، يُشكل الهاجس الدّائم التأريق له، فهما تباعد عن مألوف
المكان لا يُمكن نسيانه، فكيف لكَ تفسير هذه الحالة التي أصبحت كمُتلازمة
بالنِّسبة لكَ: "وأنا بدوْري أُسائل نفسي دائماً: متى لم يشغلني المكان؟ إنَّه هاجس يعيش معي،
أنام معه وأصحو عليه. أحياناً أستيقظ من النَّوم، وأجد نفسي أجلس على مصطبة بيتنا
أمام زيتوناتنا في تلك الحاكورة التي تسورها شجيرات الصبار، وأحتاج لوقت غير قليل
لاستيعاب هذه الغربة التي أعيشها وبعد هذا العمر وعلى الرغم من هجرتي التي طالت
أشعر أنني حتى اللحظة أحفظ موقع الأشجار، والأحجار، والمُنحنيات، وتفصيلات أخرى في
وادي الرقَّاد، وفي وادي اليرموك".
بلا شكٍّ أنَّك
القرويُّ الذي نشأ على معرفة جميع أهل القرية، وحفظ معالم بيوتهم من الدّاخل
والخارج، هكذا هي حياة القرية ببساطتها، لا تخفى فيها خافية، فما الذي يُؤرِّقكَ
عندما أبعدتكَ الظُّروف عنها. الدموع تترقرق على جفنيْه، يمسح بمنديل ورقيِّ بيده.
ويُجيب بنبرة حزينة مليئة بالأسى، ويتهدَّج صوته: "أقول بصراحة أنَّني كنتُ
أذهب في بعض الأحيان إلى قرية مجاورة لقريتنا؛ لأمشي في شارع مُحدَّد من شوارعها،
من أجل أن أُقنِع نفسي، أنَّني كنتُ أعيشُ في هذا الشَّارع مع كواكب عَشِقْتُها
أيام الطفولة. الذِّكريات في هذا الوقت بالذَّات هي كابوس حقيقيٌّ، وهي في نزيفها
وسيطرتها وسطوتها عليَّ قد أفادتني كثيراً على ما أعتقد، هي تختلط أحياناً مع ما
يحدث على أرض الوطن".
لا يُمكن لكاتب
مثل "محمد الحفريّ" إلَّا أن تظهر تجليَّات المكان، وعلى الأخصِّ في
أعماله الروائيَّة، هل يُمكنكَ الحديث حول النُّقطة. يُشرق وجهه بتواشيح بِشْرٍ من جديد، بنور خَفِيٍّ اِنْبثق كتعبيره
الوضيء: "بكلِّ سُرور يا صديقي. ومن يقرأ رواية (كواكب الجنة المفقودة)، سيُلاحظ حتماً ما فعله مرعي الجواد أحد أبطالها
بأهلها وناسها، وكيف جعل المكان على مقاسه، وليس كما يشتهي أهلها، وهو نموذج مما
جرى ويجري في البلاد. – لقد جرى الاستشهاد بكلامكَ سابقًا عند الحديث عن
الكتابة ومُحفِّزاتها عندكَ يا حفري- لا ضيْر يا صديقي، ففي الإعادة إفادة،
أنا مُتأكِّد ممَّا حكَيْتُه سابقًا كان مختلف الدَّلالة، بينما هنا أعيده
للاحتفاء بالمكان الذي أنتمي إليه، وأجدُ نفسي فيه، فلقد اِحْتفيتُ بالمكان كصديق،
وبطل حقيقي أستند إليه في رواياتي جميعها، وكان اليرموك مع الرقاد والكثير من
الأودية والسهول الممتدة والمناطق التي أعرفها وخبرتها حاضرة في الأعمال التي
تنتمي للبيئة التي عشت فيها، وأول تلك الروايات كانت " بين دمعتين" ومن
بعدها "العلم ـ البوح الأخير ـ ذرعان" وفي رواية "صندوق
الذكريات" ذهبت إلى الريف الدمشقي، وفي رواية " جنوب القلب" ذهبت
إلى الجزيرة السورية، وفي رواية " كواكب الجنة المفقودة" حاولت البحث عن
أمكنة أخرى كالعاصمة الليبية طرابلس الغرب، وفي روايتي الأخيرة " أردية
الجسد" تجولت مع الزمن والتاريخ، وقد توقعت بعد غياب عن المنطقة التي عشت
فيها أنني ابتعدت كثيراً عن تربتي الأولى، ولكنني فوجئت بنفسي منذ ما يقارب العام
وأنا أكتب رواية أعيد فيه أبطال العمل إلى مكان لم يكن يفصلنا عنه سوى النهر"
وقد سعيت إلى
إيجاد ذلك المكان حتى من خلال أعمالي
المسرحية والقصصية، وأيضاً الأعمال التي كتبتها، أو قدمتها من خلال المسرح
للأطفال، وقد لا أتصور الحكاية والقصيدة والنشيد من دون وجود المكان، أو ظلاله على
الأقل".
وفي ختام رؤيتكَ
للمكان وفلسفتكَ. هل لكَ أن تَصِف بإيجاز لطيف، كي تُثبِّت للمُتلقِّي أهميَّة
المكان في الكتابة الروائيَّة والقصصيَّة، لإيصال رسائل الكاتب وما الغاية ممَّا
كتب، لأنَّه من غير الممكن أن تكتب عن مكان على سطح القمر، ولا في (أنتراكتكا)،
لاستحالة الحياة الطبيعيَّة للبشر في مثل هذه الأماكن، فتسطير الواقع ليس
بالمُهمَّة المُنالة بسهولة، وأنت تتأرجح
ما بين المحليَّة والإغراق فيها، والانتشار إلى السَّاحة العالميَّة، لسهولة هذا
المسار من خلال انتشار وسائل التواصل، وسرعة الاتِّصالات، بحيث أصبح العالم قرية
عالميَّة: "أعتقدُ بأنَّ الإيغال في بيئة مكاننا، وتفاعلات مجتمعنا المحليِّ
داخل الحيِّز المكاني ومحيطه، وهمومه وأفراحه وأحزانه، ومشكلاته العالقة، هي
بوابات يمكن للأديب أن يطرقها، وربَّما ينجح في إيصال رسائله، فمثل هذه الأعمال قد
تلقى قبولاً محليًّا وخارجيًّا ، وأظنُّ أن الابتعاد عن المحلية، وهمومها والتي
يترفع بعضهم عن الاقتراب منها هي أسباب فشلهم، وسأبقى على قناعة أن هؤلاء هم أهلي
وفيَ من الأمراض والعيوب ما فيهم ، وكلامي
هنا له علاقة بفنِّ السرد أكثر من الأجناس الأدبية الأخرى".
وهل لتعدُّد
توجُّهات "محمد الحفري" الأدبيَّة، فهل كانت وسيلة لإيصال رسائله من
خلال جميع مساراته التي يكتُب فيها، وعدم الثَّبات على جنس أدبيٍّ واحد، فما دلالة
هذا التنوَّع المُتدفِّق، فهل هو تشتُّت وعدم تركيز، أم أنَّ هناك غايات أخرى
عندكَ: "وعن التشتت وكتابة أكثر من جنس أدبي أقول: إن الأمر ليس بيدي. منذ
بداياتي في الكتابة نصحني العديد من الأصدقاء بالتخصص، لكنني لم أسمع تلك النصائح،
ليس من باب العناد، وإنَّما لأنني وجدت في نفسي تلك الطاقة التي تمكنني من كتابة
أغلب الأجناس الأدبية، وأحسب أنني قد نجحت حتى اللحظة على الأقل، وفي جعبتي الآن
"41"عملاً مطبوعاً و"25" جائزة ، وأكثر من عمل درامي ، إضافة
لعدد من المسرحيات التي قمت بإعدادها أو إخراجها ولدي الكثير من المقالات التي لا
أدري عددها بالضبط، كما قدمت لأكثر من خمسين عملاً داخل سورية وخارجها. أما أين
أجد نفسي فالأبناء هم الأبناء حتى لو تواجد بينهم من هو عاق، فهذا لن يغير من
مشاعر الأب، قد يغضب لكنه يحبهم جميعاً".
فهمتُ من إجابتكَ
السَّابقة بأنَّ تعدُّد مواهبكَ المُتناثرة ما بين عدَّة أجناس أدبيَّة، إنَّما هي
مقدرة وفيوضات يعجز عن الإتيان بها كثيرون من الكُتَّاب، ونجاحات، وليست تشتُّتًا،
فهل هذا صحيح؟: "في كل يوم أقول لنفسي: غداً سأختصُّ في كذا، لكنَّني أكذب
عليها، وأُخدِّرها فقط، حيث أجدني من دون شعور منِّي، قد اِنْتقلت إلى هذا الجنس
أو ذاك، وأقول من دون غرور: أنَّني ما زلتُ مُتماسكاً لم أتشتَّت".
هل سيأتي اليوم
الذي يتوقَّف فيه "الحفريّ" عن
الكتابة: "التوقُّف عن الكتابة، لا يعني سوى النِّهاية بالنِّسبة لي؛
لأنها تُعادل حياتي".
بعبارة "محمد
الحفريّ" بأنَّ الكتابة ليست خيارًا، إنَّما هي قرار مصيريّ، لا يُمكن
مُبارحته إيثارًا للرَّاحة، وهذا يعني بأن التوقُّف عن الكتابة هو موتٌ حقيقيٌّ
لكثيرين من الكُتَّاب، الذين اتَّخذوا الكتابة مسارًا ونهجًا حياتيًّا لهم،
يُفكِّرون من أجل إسعاد الآخرين، وتبصرتهم بمسارات الحياة على أيِّ محمَلٍ، ممكن
فهمه واِسْتيعاب دلالاته الظَّاهرة والخفيَّة المُرمَّزة.
ضجيج التساؤلات في رواية "أردية الجسد"
لمَّا يذهب الكاتب
بعيدًا في مشواره الروائيِّ؛ فمع كلِّ عمل له يطرق أبوابًا جديدة، وزوايا مُعتِمَة
يُسلِّط أضواءه عليها، ليُنيرها ويجعل منها مسرحًا ومسارات لأبطال عمله الروائيِّ.
وكثير الأعمال الروائيَّة تُحاول الغوص إلى قاع القاع الاجتماعيِّ، لإيجاد صيغة
مفهومة لكثير من الاعتقادات الغامضة على الأخصِّ، تتوافق مع طريقة التفكير
بمنهجيَّتها البحثيَّة.
بعد مطالعتي
لرواية "أردية الجسد" للروائي محمد حسن الحفري، دخلت في
متاهة استعادة الوعي للمكان الدمشقيِّ في جانب من حيِّ الشَّاغور الشَّهير، وفي
تفاصيل المكان نستدلُّ على حي الأمين أو كما هو متعارف "حارة اليهود".
وقاد الحدث بطل الرواية ذلك الشابّ الفقير القادم من مجاهل الرِّيف السُّوريِّ
الفقير. للعمل خلال العطلة الصيفيَّة بعد انتهائه من تقديم امتحانات الثانوية
العامَّة، واصطحبه شابٌّ من حارتهم لقبه "الثرثار" لكثرة كلامه بشكلٍ
عامٍّ، وليتبيَّن في نهاية الرِّواية أن اِسْمه الحقيقيّ "زيدان".
رواية "أردية
الجسد" قبل الولوج الصّعب إلى بوَّابة التساؤلات. لا بدَّ لنا من التوقُّف في
رحاب العنوان، الذي جاء على شكل تعبير بجملة اسميَّة، لكنَّها مجزوءة من كلام
سابق، وبهذا المنحى نلحظ الدَّلالة الاِنْزياحيَّة لتفتح أبواب التساؤلات؛
فالأردية معروفة على أنَّها ما يرتديه الإنسان، ولن نتهمَّ لأشكالها وألوانها
وموديلاتها المختلف.
ولماذا وقع اختيار
الكاتب محمد الحفري على كلمة أردية بصيغة التَّنكير، إلَّا ليُرسلنا إلى متاهات لم
تكُن من ثقوب ذاكرته، إنَّما من اِخْتياره الواعي. فهذه الأردية هل هي أقمشة لم
تُخطها أيادٍ، وهل هذه الأردية ساترة أم تساقطت وكشفت ما تحتا؟ وهل كانت هذه
الأردية مخصَّصة للرجال أم للنساء أم لكليْهما، وما هي أهميَّة هذه الأردية لتنسحب
وتكون عتبة صالحة المدخل لرواية ذهبت بعيدًا في قضيَّة شائكة ومهمة، ألا وهي
قضيَّة التقمُّص والتناسُخ غير الخاضعة لقوانين العلم والعقل، إنَّما اعتقادات
أسطوريَّة استقرَّت في روح أتباع هذه الأديان والمذاهب، وتعتبر القبالة اليهودية مدرسة (الكابالا) التي تتناول
فكرة التناسخ بشكل أكثر تفصيلاً. يُعتقد أن الروح تتجسد في أجساد مختلفة لتنقية نفسها
والتعلم من تجارب الحياة، بعض أوساط الصُّوفيَّة اليهودية وهم الطائفة المعروفة
"غليغول" الذين يؤمنون بالتقمُّص، ممَّا يعني انتقال الرُّوح من جسد إلى
آخر. هذه
الفكرة ليست جزءًا من المعتقدات اليهودية الأساسية، إنَّما هي عند فئة
"غليغول".
وفي هذا الاقتباس من عنوان خارج النص أول
صفحة في الرواية: [الإغريق ومجامر التاريخ والحنين وتلك البدويَّة التي لا أبوح
باسمها خشية الملامات، وتجنُّبًا لحُرَّاس اللُّغة الذين يحرصون على الضمِّ والكسر
والفتح وينسون أوجاعنا. ها أنذا أتلوى من الرمح الطاعن في الصدر.
يثرب والتوهان في الصحراء وسهام صنجيل وهي تخترقنا عند قلعة الحصن والعمر الهارب
كأنه الحرام] ص2. من
المتوقع بأنَّه مفتاح بوابة الرِّواية. ومن السِّياق العام للرواية نفهم أنَّ
قضيَّة التقمُّص المطروحة هي في مجتمع يهودي منكفئ على نفسه، خائفٌ مُتوجِّسٌ
مُتشكِّكٌ من مُحيطه المُغاير تمامًا، طبيعة الطَّوائف والأقليَّات الدِّينيَّة لا
تختلف كثيرًا، سواء كانوا في دمشق أو في بغداد أم في القاهرة.
وردت عبارة على لسان "ليلى" أو
"ليليان" عندما قدوم إليها يثرب الشاب القروي عامل مطحنة المعلَّم
"أبو عرب". لم يبق إلَّا هذه الكأس من التوت الشَّامي. يا إلهي كم خرقت
أعماقي هذه العبارة "توت شامي" ووددت لو أنَّها كانت عنوانًا للرواية،
وما أخذني لهذا المنحى هو المكان الدمشقي الذي جاء تصويره وكأنَّني أمشي مع يثرب،
وأتملَّى باب الصَّغير والأزقَّة والأبواب والشَّبابيك والرَّوائح.
أمَّا رمزية اسم الشابّ "يثرب"
وما له في ذاكرتنا من يهود المدينة وما كادوا للنبي محمد صلَّى عليه وسلم
ولأصحابه، جاءت الكلمة مفتاحًا يعين على الفهم وهو مُجرَّد إشارة رمزيَّة لطبيعة
حياة اليهود في المدينة "يثرب". وما طبيعة اسم ليلى الرّامز للمرأة
العربيَّة، وهو الرداء الذي تتخفَّى تحت ليليان اسمها اليهودي الحقيقيِّ. أمَّا
اسم المعلم الأعور "أبو عرب" وهو رداء آخر تخفَّى تحته، وإخفاء حقيقة
"عوسج الأعور". أمَّا عندما أطلقت ليلى على الشَّاب القروي الفقير اسم
"موسى" وهو رداء آخر من التخفِّي لما يحمل من قداسة لدى المسلمين، كما
أنه عندما أرسلته ليلى بصرَّة مليئة بالأعشاب لزوجة المعلَّم "أبو عرب"،
ولمَّا ناولها الصُرَّة بعد أن فتحت له الباب وزوجها في العمل، فقال لها عندما
تلدين، أسميه "يعقوب" أيضًا رداء لستر حالة، ولما يحمل من رمزية القداسة
أيضا في مجتمع دمشق المحافظ. الأمر الذي يقود لتساؤل يجب التوقف عنده.
كيف لأبي عرب أن يأخذ الولد الذي شغَّله
عنده في مطحنة البهارات، منذ بداية عمله كانت أجرته عالية مقارنة بباقي زملائه من
العمال القدماء، وفي نهاية الشَّهر سلَّمه مئة ليرة كاملة أي بزيادة عشر ليرات عن
استحقاقه، كما أنَّ أبا عرب منذ الأيَّام الأولى أخذه معه إلى البيت، وقدَّم له
الطَّعام اللَّذيذ وبحضور زوجته، كيف انكشفت على هذا الغريب المجهول. وكيف بعدما
خرج بعد انتهاء الغداء أرسلت مع زوجها بمبلغ عشر ليرات إلى الشابِّ موسى.
أمَّا قضية وصوله إلى عيادة الطَّبيب الذي
عالجه من صداع مزمن، نكَّد عليه هناءة حياته، بعد تشخيص الحالة أعطاه الدَّواء
المُناسب، ورفض أخذ الأجرة أو قيمة الدَّواء، فقال له الحساب مدفوع من السيِّدة
ليلى.
هذه التساؤلات المشروعة للقارئ، بينما جاءت
الإجابات على شكل مشاهد خفيَّة غير منظور ولا واضحة في السرديَّة القصصيَّة داخل
رواية "أردية الجسد"، وعند هذا لا يسعني إلَّا بالإشارة لا بل
ليس إشارة، إنَّما بملء الفم وباللِّسان العريض، بأنَّ حرفيَّة الروائي "محمد
الحفري" المُنبئة على خبرته الواسعة في الكتابة الروائيَّة، واستجرار
المادَّة التاريخيَّة الاعتقادية الشَّائكة، وإعادة إسقاطها بمزاوجة متقنة مُدمجة
بواقع بحاجة لأفكار جريئة بعيدًا عن التنميط الرَّتيب، الذي لا يُقدِّم ولا
يُؤخِّر ولا يُثير تساؤلًا جادًا هادفًا في نفس قارئه.
الافتراضي
المأمول، والواقع المحروق
في
رواية (ذرعان)
جنون
الأسئلة:
عود على بدء، في رحم الذاكرة الحُبلى بالكثير
من الأسئلة والتساؤلات، الطّافحة بالقلق والتوتّر تحت مسمّى أن نكون أو لا نكون،
وماذا كان.. وما هو مُتوقّع أن سيكون؟ وعلى وجه الخصوص حينما يجري الحديث عن
الوطن، وفي الإهداء بداية الرواية، اتّضح هذا المعنى: (إلى المُشتهى أو الحلم
"ذرعان" أرضًا وشعبًا ينبض بالحياة).
رؤية الكاتب العميقة بجعله من ذاكرة الأمّ
المتوفّاة منطقة مُمسرحةً بحواريّات عميقة الدلالة برمزيّها العالية في أشارت
ربّما لم تُسلّم مفاتيحها للقارئ بسهولة، ومن ذلك سنذهب في اقتناص السّهل منها،
لإخماد شهوة وحُمّى البحث عن أجوبة بعد إيراد مقتطف بسيط: (للنار وللرّصاص
والماء نصيب ممّا أنجبَ بطنك يا حُرمة). (في تلك البُقعة كنتم على مُفترق لا مفرّ
منه، ولا سبيل لتعطيله، أو سدّه على العابرين). (كل البطولات تذوب أمام عريف في
الدرك اسمه "كيكي"، ومعه ثلاثة رجال). (كيكي خدم بإمرة ثلاث سلطات،
فرنسا، والاقطاع، ومن ثمّ السلطة المحلية فيما بعد).
على خلاف القاعدة ابتدأت بعنوان الفصل الأوّل
(خاتمة النص)؛ لتُحدث صدمة غير متوقّعة لدى المُتلقّي؛ استفزّت مشاعره وأحاسيسه،
وفتحت أبوابًا كثيرة من الأسئلة الدفينة المؤجّلة لحين الانتهاء من قراءة الرواية.
حِرفيّة الكاتب العالية التقنيّة السرديّة،
وبمهارة استطاع النّفاذ لأعماق القارئ، والاستحواذ على اهتمامه، وشدّه بخيوط رغبة
متابعة القراءة بنهم وصولًا لنهاية كلّ صفحة، ثم الانتقال للتي تليها. وكلمة
الخاتمة انزياحيّة استثنائية، وهي تحتل موقع المُقدّمة الدّائم، وهي تتنازل عنها
طواعية لأمر الكاتب دون عناد.
سيزول
العجب منذ بداية، بتعانق عنوان (خاتمة النص) مع نهاية الحياة وخاتمتها بالموت.
وذلك فيما ورد على لسان البطل العليم الموازي للكاتب الروائيّ، بقوله: (عليا
مازال قبرُك طريًّا كما أنت بعد أن أرهقتك السنون، وبدلت ملامحك)، (ليس
باليد حيلة صدقيني. من منَّا قادر على ردّ
الموت يا امرأة؟ لو كنت أملك ذلك كنت رددته عنك). (ها أنا عائد كي أزرع لك شاهدة،
وقد أمضيت قبل ذلك عمرًا وأنا أزرع الشواهد، فهل أجد يومًا من يزرع لي شاهدة؟).
وربّما بعد الموت تزداد شهيّة الأسئلة بجراءة مُنطلقة من عقالها، وتنفتح الشهيّة
على فضاءات تأويليّة، تفتح آفاقًا استثنائيّة، تجلي غبش الرؤية والسواد القاتم.
***
الفصل
الثاني من الرواية (ذرعان) انضوى تحت عنوان (استهلال) مختبئًا خلف (خاتمة النص)
عنوان الفصل الأوّلي، اختراقًا لنظام التراتبيّة المعتادة بنمطيّها، وخروجًا على
المعروف السرديّ، المعلوم من التراكيب بالضرورة. ومن المفترض انتهاء النص بالخاتمة
التي خرقت تراتُبات السُّلّم المنطقيّ. بينما حاء الاستهلال ليحكي البداية بشكل
طبيعيّ، أعاد للقارىء سمة التدرّج في سرد الحدث. ظروف الحرب أقوى من كلّ شيء، تحرق
دروب الحبّ، وتتكلّس المشاعر الإنسانيّة، وتفرز حالات استثنائيّة جديدة من أنماط
السّلوك السيئة، التي تزيد السّوء المعتاد سوءًا بل تفوقه بمرّات عديدة. فالفساد
الإداريّ المُتفشّي على العموم، بمهارة تقنية سرد عالية، وجّهنا الروائيّ محمد
الحفري إلى القاع الأدنى في السُّلّم الوظيفيّ، إلى حُرّاس بوابات المشافي
الحكوميّة العامّة، وتصوير حالهم وتعاملهم الخشن مع المراجعين، وأخذهم الرّشاوى،
وهل صعوبة العيش والدّخل المُتدنّي يجعل من الإنسان وحشًا، يأكل الأخضر واليابس؟.
الحرب
تقلب موازين الحياة والاستقرار، وتنتفي قوانين الحياد الإيجابيّ والسلبيّ على حدّ
سواء، وتتبدّل المواقف والاصطفافات، وهذا غير خاف في الرواية، وأشارت إليه بوضوح:
*(لمّحوا
إلى أنني موظف لدى الحكومة، وربما أكون متواطئا مع من قَتَل، أو ساهم في القتل).
*(في
المشفى عرفتُ أيضاً بأنني رجل مطلوب بتهمة التخريب، والتآمر على الوطن).
*(كان
المهم عندي أن أهرب؛ فالروح غالية، والنار من خلفي مشتعلة، لا تترك خلفها إلّا
الرّماد).
*(السياسة
في مجتمعنا لعبة كريهة، تُفرّق ولا تجمع).
*(الحبّ
والتسامح وحدهما من يجمع كل القلوب المتنافرة). *(فأيّ لاعب محترف، ذلك الذي أغوى
خطواتنا، كي تسقط في شباك العنكبوت).
وتلعب
الشعارات دورها في تهييج العواطف، مقايل وقفات عقلانية لا مكان لها في خضمّ
مُتحرّك مُتسارع؛ فالقاتل لا يعرف لماذا يقتل، والمقتول لا قضيّة له يموت من
أجلها، ولحساب من، ينشر هذا الموت المجانيّ، بلا تفريق بين كبير وصغير، وامرأة
وطفل، وشاب وعجوز. وشواهد هذا من الرواية واضح تمامًا:
*(تعالى
صراخ سوسن في البيت، لم يُسكته إلّا صوت الرّصاصة التي عبرت النافذة؛ لتخترق
كتفها، وتُسقطها أرضًا).
*(شقيق
سوسن الأصغر قد أصابه عيار ناريّ في الصّدر؛ فأودى بحياته).
*(هناك
بكيتُ مع من بكوا على شقيقها وغيره، ممن ضاعوا في زحمة الشّعارات والمطالب).
*(لقد وقعوا بين نارين،
نار الجنود من الأمام، ونار الذين استغلّوا شعاراتهم؛ ليطلقوا عليهم وعلى الجنود
النّار معًا).
على
محمل الذاكرة المُتخمة بالتفاصيل وجزئيّاتها، ولمّا وجدت المناخ الملائم الواثق
الموثّق على صفحاتها، فتحت خزائنها على صفحات رواية (ذرعان) تلك القرية الغافية
على ضفاف نهر اليرموك، ويبدو أنّ هذا الاسم ذرعان لم يكن إلّا رمزًا للمكان،
هروبًا من الجدال والاختلاف حول الكثير، والاختلاف أيضًا حول الكثير، المعروف
والمعلوم، والسكوت عنه. وفي الحقيقة ليس كلّ ما يُعرف يُقال، وليس كلّ ما يُسمَع
يُصدّق.
وفي
فصل جديد من فصول الرواية، كُتِب تحت عنوان (رأس النصّ)، والفصل التالي جاء تحت
عنوان (حاشية)، وما بين رأس النص أي مقدّمته وحاشيته، ظهر للعلن ما فاضت به
الصدور، وما بقي بحاجة لتفسير يُكتب على الحاشية، ومتن الحاشية يكون مسرحًا
للتفسير والتأويل، وشرح ما خفي أو استعصى على الفهم. فيما يلي بعض ما جاءت به
الرواية:
*(لا أدري لماذا
تجرفني دائمًا ذكريات الطفولة).
*(ذكريات
قديمة تتناثر حولي، وتنثرني معها، لأجد نفسي مقسومًا على نفسي).
*(ليتني
لم أعُد.. ولم أر ما رأيتُ، ليت الأرض انشّقت وابتعلتني قبل ذلك).
ذكريات
طفولة غير واعية هي المحببة للنفس، ويبدو أن الوعي والإدراك يُفسدان هذه المتعة في
الكثير الأحيان، لأن متعة الحياة تشتّت في دهاليز مرارة الإحباط واليأس، فيما كان
بين المأمول في دوّامة الأحلام المسروقة والمنهوبة والموؤودة، وتتباعد الهُوّة على
أرض الواقع لتحصل القطيعة على الأقلّ في قلوب ونفوس من يتوقّف مُتأمّلًا، كوقفة
كاتب وروائي واع مثل محمد الحفري. تعد رواية ذرعان امتدادا لرواية بين دمعتين ومن
بعدها العلم ومن بعدها البوح الأخير وهي تتطرق إلى الأحداث التي عصفت بالبلاد
وتعود كي توغل عميقا في تاريخ المنطقة
وخاصة منطقة اليرموك في الوقت لم يكن ما يسمى حدودا بين سورية والأردن وفلسطين
وحياة البساطة التي كان يعيشها الناس وهي نشتغل بطريقة أقرب ما تكون إلى المسرح
وقد قسمت إلى عنوانات داخلية كتقطيع وفواصل لمضامينها الداخلية التي تركز في
غالبها على ما جرى في ذرعان من أحداث ومن هذه العناوين نذكر " خاتمة النص -
استهلال - رأس النص - حاشية - ذيل النص - جثة وأشلاء مبعثرة" حيث استخدمت
الطريقة العكسية في سرد أحداثها اعتمادا على ذلك حيث تبدأ الرواية بخاتمة نصها
لتعبر عن خصوصية ما للكاتب وللمنطقة التي عاش فيها ليأتي الفصل الأخير الخاتمة من
الرواية حاملًا عنوان (ذيل النصّ) بكلّ وضوح ليعلن نهاية الرواية وختمها،
بالانكسار والانحناء أمام العاصفة الهوجاء، ولا سبيل.. ولا رؤية.. ولا أمل.. وتبقى
النهاية مفتوحة على فضاءات الضياع والشتات. وستبقى رواية (ذرعان) مُشرعة المجالات
الواسعة بإشعال مجموعة كبيرة من التساؤلات التي تتعلق بالتاريخ والخيال.
مثلًا:
أين ينتهي التاريخ ويبدأ الخيال؟ هل البداية والنّهاية ما حدث فعلًا وما كان
بينهما من إبداع الكاتب؟ هل الرواية التاريخيّة - كما هو شائع- تأتي لقول ما لم
يُقل في المراجع؟ هل الشخصيات والأحداث ومسار الحكاية هي تمامًا كالمدوّن في
الكتب؟ هل الرواية التاريخيّة مجرد حوار ينقل الحدث من السرد التاريخيّ إلى السرد
الروائيّ؟.
حيث
يعتبر الكاتب الروائي شاهد عيان على زمانه الذي هو فيه، فهو يقوم بوظيفته الأدبية
التي اختارها، ليكون عين ولسان وقلم المجتمع، بطبيعة الحال لا يريد إلا أن يكون
الرّائد الذي لا يكذب أهله، والناصح الذي لا يغشّهم، وبذلك يكون تدوينه من خلال
عمل روائي أدبيّ أصدق من مؤرخ لا يكتب الحقيقة إلا منقوصة، ويُجانب قول الحق
خوفًا، وتملّقًا لصاحب له عنده مصلحة يرجو خيرها كما يعتقد.
ورواية
(ذرعان) جزء عظيم من رواية مجتمع عانى الكثير من الظلم، وعانى الحرمان بسبب الحروب
المُتكرّرة بآثارها الكارثيّة بعيدة المدى زمانًا طويلًا، مجتمع تكوينه شبه عسكري
من طلاب المدارس ومناهج التربية العسكرية، إلى شباب ورجال لا يروق لهم إلا ارتداء
البدلة الكوريّة الخضراء، أو (الفيلد) الرداء العسكريّ الأخضر كلباس رسميّ اعتادوه
حتى في مناسبات عامة، وكان مألوفًا غير مُستهجن، وبالعودة بنا إلى فترة حرب حزيران
ومآسيها المُباشرة على حياة السّوريّين عمومًا، وعلى الأخصّ سكّان هضبة الجولان
والمناطق القريبة منها والمحاذية لها.
كانت
تفاعلات هذا السلبيّة والإيجابية شبيهة الحال بما حدث للسوريين على مدار عشر
سنوات، الحرب والتشريد والقتل والدمار والهجرات والتهجير القسري، والتغيير
الجغرافي الخارطة الإقليمية من التبدل الديموغرافي. النهب والتعفيش للبيوت التي
تركها أهلها بنية العودة قريبًا إليها. وظهور نُدبات اجتماعية جديدة هم أثرياء
وتجار الحرب الجدد، الذين بنوا آمالهم وأحلامهم على دمار الأوطان، وبؤس أخيهم
الإنسان شريك الوطن والحياة والماء والهواء. جاءت الرواية لتكون مرآة عاكسة نظرتها
الرؤيوية للحال الذي آلت حياة الناس على أرض الواقع من الفقر.. البؤس.. التهميش..
الخوف.. المرض.. الجهل.. موات أسباب وسبا الحياة على كافة المستويات المنظورة
والخفيّة، مرآة صادقة عكست من مشاهد ومناظر، ربما يعجز العقل عن استيعابها.
الكاتب
الروائي (محمد الحفري) قامة أدبيّة يُعتدّ بها على الساحة العربية، بتعدد مواهبه
ما بين الأجناس الأدبية من المقالة إلى المسرح والقصة القصيرة، والقصيرة جدًا،
والرواية، والنثر. له حضوره الأبرز في المشهد الثقافي السوري بقوة خبرته العريقة، ورؤيته
العميق من خلال أدائه الأدبي المستند إلى أساس ثقافي متين بناه لنفسه على مدار
تاريخه الممتد على مسافة خمسة عقود وأكثر قليلا، وهي مساحة عمره. أتمنى له مزيداً
من والجمال والأداء المميز بجرأته الحاذقة بخبرة فائقة.
قراءة
في رواية العَلَم
التاريخ
والجغرافيا:
قرية
صغيرة غافية على ضفاف نهر اليرموك عند التقائه بوادي الرقاد, اسمها "معريّة"
هذه القرية النائية والغافية بين أحضان السُّهول والوديان، وبعد أن شهدت معركة
اليرموك دخلت في عالم المجهول والنِّسيان, إلَّا ممَّن سكنوها وامتزجوا بترابها
عشقًا أبديًّا, إلى أن عادت لواجهة التاريخ من جديد, بعد حرب حزيران 1967 والهجوم
الإسرائيليِّ المتكرِّر عليها؛ ممَّا جعلها أكوامًا من بقايا أطلال لا حياة فيها,
لتكون شاهدًا حيًّا على الهمجيَّة الصهيونيَّة, وجاءت اتفاقية فصل القوات، لتكون
القرية المهدمة في المنطقة العازلة, مما اضطر أهلها تحت وطأة الاتفاقيات, لأن
يرحلوا إلى ما خلف الخطوط, ويقوموا من جديد ببناء مساكن لهم, افتقدت الكثير من
روحها المتجذرة, ولتأتي مرحلة المعاناة من أنظمة قوات الطوارئ الدولية ذات القبعات
الزرقاء, عندما اقتطعوا مساحات منها لأماكن معسكراتهم، ومخافر حراستهم ودورياتهم
على مدار السَّاعة, وما جلب ذلك من مشاكل على القرية الهادئة, وكذلك قوات الحراسة
السوريَّة التي تراقب الحدود على مدار التاريخ, من خلال المواقع التي اِتَّخذوها
في القرية وأحيانًا تتلامس مباشرة مع بيوت القرية, وكذلك أجهزة الاِسْتخبارات التي
تراقب الحدود خوفًا من التسلُّل والتهريب على جانبي الحدود.
الواقع
الجديد:
قرية
قابعة خلف خطوط النِّسيان تعود للواجهة يأتي العالم كلّه من مختلف بقاعه إليها,
ولتأتي كل مشاكل الذين أتوا إلى "معرية" ليحاكي فيها التسلط
والقمع الذي مورس على أهلها وزرع الخوف في قلوبهم, ومنهم من حصل على المجلات
الجنسية ومعها تلك الثقافة التي وفدت مع
قوات الطوارئ الدولية, ما جلبت معها لاغتصاب جديد للأراضي, واستعمار جديد يجثم على
أرضنا, وذلك باسم شرعة الأمم المتحدة.
ومعرية
تلك القرية التي شاطرت الفلسطينيِّين محنتهم, فكانت أن فتحت صدرها وقلبها وبيوتها,
للأخوة الذين شرَّدتهم العصابات الصهيونية, فكانوا أعزاء كأنهم في وطنهم, ولم يكن
هناك من الفروق الواضحة بين أصحاب البلد والوافدين الجدد, الذين احتضنوا بكل حب
ومودة.
ولم تقف
الأمور عند هذا الحد, بل كانت التحديات كبيرة, لتلك القرية "معرية"
التي عادت لواجهة مسرح الحياة والتاريخ بفعالية, من خلال التميز بموقعها على خط
الهدنة, وكانت القوات العسكرية السورية و استخباراتها التي كان لها الدور السلبي
على السكان وما حدث من مضايقات للسكان وتحرش الجنود بنساء وبنات القرية, حيث حدثت
الثلمة في النسيج الاجتماعي من تلك الجرائم من الاغتصاب, وزواج البنات بدون إذن
أهلهن, بأن تذهب خطيفة مع من أحبت من الجنود, إضافة لانتشار جرائم القتل التي تسمى
بجرائم الشرف.
الواقع
الاجتماعي:
رصدت
رواية "العلم" للكاتب محمد حسن الحفري, بجرأة غير معهودة مواطن
الفساد الاجتماعي, في مجتمع القرية الصغير من مثل تلك الخلافات فيما بين العائلات,
ومجتمع الفلاحين البسيط الذي تكثر خلافاته حول الأراضي والزراعة والعمل بالأراضي,
حيث يعمل المجتمع بنسائه ورجاله وأطفاله, والذين لم يحصل الكثير منهم على فرص
التعليم إلا القلة القليلة التي مضت وقد واصلت مسيرة طلب العلم, وكذلك قد دفعت
القرية ضريبة الجغرافيا من أجل الوطن, بتهديم بيوتها من الطيران والمدفعية
الإسرائيلية وكذلك استشهاد عدد من شباب ونساء ورجال وأطفال القرية, والتي لم يخل
بيت في القرية من أحدهم أو أكثر من شهيد. وقد شهدت الرواية معالجة جريئة للإدارات
الحكومية المتكلسة على نفسها بالروتين المقيت, والفساد الإداري الذي تفشى بطريقة
بشعة, وتحكم بضعة أفراد كمدراء برقاب كل دائرة يمسكونها وكأنَّها مقتطعة لهم
يتصرفون بها كتصرف المالك بملكه الخاص, والمفارقة العظمى التي سلَّط الأضواء عليها
التمسُّك بالشِّعارات الفارغة لخداع الجماهير, وحرفها عن أهدافها الحقيقيَّة في
التنمية, والظُّلم الحقيقيِّ الذي يقع على الكثير من الموظفين الشُّرفاء الذين لا
دور لهم بفاعليَّة بل وضع الآخرين ممَّن تقلُّ كفاءاتهم وينعدم شعورهم بالمسؤوليَّة
الوطنيَّة, وهم مجموعة من الانتهازيِّين الذي لعبوا بمُقدَّرات الوطن, وجمعوا الثَّروات
والأموال من عرق ودماء الوطن, وهم يفعلون ذلك باسم مصلحته. القرية "معرية"
جزء أصيل من الوطن العربي, تتحسَّن بحبِّ ووجع لآلام الأمَّة العربيَّة من المحيط
إلى الخليج, والتألُّم لما يحصل في كلِّ بقاع العروبة، كذلك كان الكاتب جُزءًا
أصيلًا من الرِّواية بثَّ فيها روحه ونفسه العميق برسم اللَّوحة الجميلة لفسيفساء
مجتمع القرية, بكلِّ تعرُّجاته وجماليَّاته، وبساطته ومشاكله الصَّغيرة، والتي لم
يتجاوز بها حدود القرية, وباِقْتدار عجيب نقل القرية من عالم النِّسيان في غياهب
المجهول, إلى صدارة المسرح الفاعل واِرْتباط مشاكل القرية الصَّغيرة بما يحدث في
العالم أجمع من مشاكل, وجعل القرية باِمْتياز كأنَّها مركز الكون, من خلال قلمه
الجميل الذي رسم تلك اللَّوحة التي أضافت لمثلي ممَّن لم يكن يعرف حتَّى اسم تلك
القرية التي نهضت للواجهة، والذَّاكرة من خلال محمد الحفري, حتَّى حداني الشَّوق
لزيارتها، وتلمُّس مواطن القوة والضعف في "معرية".
الفهرس
ضجيج التساؤلات في رواية "أردية الجسد"
الافتراضي المأمول، والواقع المحروق