الخميس، 8 أبريل 2021

الفكرة ذات الجرس الموسيقي 8

 

 

الفكرة ذات الجَرْسِ الموسيقيّ

(8)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

 

   للأفكار قيمةٌ ماديّة ومعنويّة عالية في ذهن من يُقدّرونها، ولا وجه للمقارنة بينها وبين العادية، أو التي ما زالت لم تروِ نُضجًا في عقول أصحابها، فضلًا أن تُنشر للعلن وللعموم.

   وهي دليل ذهنيّة وعقل الكاتب، ومدى اتّساع آفاقه المعرفيّة بشواهدها وأدلّتها وحيثيّاها، وتكليلًا لموهبته ذات القابليّة الإبداعيّة المُتزاوجة بتقنيّة الصّنعة الكتابيّة في كافّة مجالاتها الفكريّة والأدبيّة.   

   فنحن نقف الآن على أعتاب فكرة ناضجة بتفرّدها، وبطرحٍها الجريء الجديد المُبتكر الجدير بالاهتمام، لعلنّي لا أغادر الحقيقة، إذا أطلقتُ عليها الفكرة الذهبيّة، وفي المجال الأدبيّ هو ما سأذهب إليه في هذه العُجالة. وفي الشّعر بجميع أشكاله وألوانه، هناك الموسيقى الخارجيّة المُتولدّة عن استخدام الأوزان والقوافي والمُحسنّات البديعيّة، لتخلق تناغمًا لائقًا سَلِسًا داهِشًا بفنيّه عالية المُستوى، وهو ما تتجلّى فيه قُدرات الكاتب الموهوب أو غير ذلك.

   بالتوفيق بين الموسيقى الخارجيّة والدّاخليّة، ندخل في التنظير  للجرس الموسيقيّ للفكرة، عند استلهامنا النغم الخفيّ المُتولّد في أنفسنا، عند قراءتها الأعمال الأدبيّة المميّزة سواء كانت شعراً، أو نثراً؛ فنغمة باعثة للحماس فينا، و أخرى جالبة للحزن والكآبة، ومثيرة للحنان والحنين.

   بتتبّع مصدر النّغمات المُختلفة المُتولّد في النّفوس؛ لتبيّن لنا مَلَكَة الكاتب، وحِسّه المُرهّف، بحُسن اختياره الدّقيق لكلماته، بتوافقاتها المُنسجمة المتآلفة بدلالاتها، بعيدة عن التنافر، وتسيل كالماء في رقّته وسلاسة جريانه، وكلّ ذلك دليلٌ أيضًا على ثقافة وسعة اطّلاع الكاتب، وثراء مُعجمه اللغويّ، والتبحّر العميق في توليد فرائد اللّغة وتفجير ينابيعها.

     بالعودة إلى مُصطلح العنوان:(الجرس الموسيقي: الذي هو الكلام، وتكلّمُت بشيء وتنغّمت، وجرست وتجرست: أي تكلمت بشيء وتنغمت. والجرس: الصوت، وقيل: الصوت الخفي، وقيل: الحركة، وتنصرف اللفظة إلى نغم الكلام، ويقال: أجرس: علا صوته).

   على أنّ الجَرْس يُعدّ من الموسيقى الداخليّة للألفاظ لأن: (الألفاظ داخلة في حيّز الأصوات، كالذي يستلذّه السَّمع منها، ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبح). بين قوسين من مصادر الأنترنت.

   والجرس الموسيقي تداخل ما بين عناصر النص، بدءًا من اختيار الكلمات والأحرف، وتشكيلها في جُمل ومقاطع ومشاهد؛ تحمل في ثناياه أنفاس الكاتب وصدق عاطفته، للاستشعار حرارة أنفاس ما كتب، وترك الأثر المأمول، وتُخلّدُ في العقول حِفظًا وتِردادًا كلّما جاءت مناسبتها، طازجة كأنّها خارجة للتوّ من فم كاتبها.

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

 

عمّان – الأردن

ــــــــا 8\ 4\ 2021

 

الثلاثاء، 6 أبريل 2021

تشاركية الفكرة (7)

 

تشاركيّة الفكرة

(7)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

   بِولادة الفكرة تُصبح حقيقة ثابتة بين يديّ صاحبها، ومالكها الأوّل المُبتكر لها؛ وسيحصل على براءة حقّ الملكيّة الفكريّة لها، من خلال التّوثيق لها في دوائر المكتبات الوطنيّة في البُلدان المختلفة، ويُسمح له بنشرها من خلال كتاب مطبوع للجمهور عُمومًا.

   وما دامت قد أُتيحت من خلال نوافذ البيع، أو التوزيع المجانيّ، وذلك بهدف نشرها لتعميم فائدتها المعنويّة، والماديّة لصاحبها، والتأثير برسالتها إذا كانت تحمل مضمونًا مُعيّنًا في أيٍّ من مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة والدّين والجغرافيا والتّاريخ.

   من خلال ما تقدّم: لا يُمكن أن تكون قضايا الفكر والآداب خاصّة بمؤلّفها أو مُبتكرها، لم يكتبها، ويعمل على نشرها من أجل نفسه، بل يقينًا من أجل الإنسان، وهو بذلك يتنازل طوْعًا عن خصوصيّتها الحصريّة بنفسه؛ ليتشاركها مع الآخرين؛ ليتناولوها بالقراءات والدّراسات النقديّة والتطبيقيّة.

   فهم بذلك أصبحوا شركاء في الفكرة مع صاحبها الأساسيّ، ومن  الممكن أن يشتغل عليها مُشتغِلٌ، بالتطوير والتحديث، لإنتاج واحدة أخرى تتصّل بجذورها مع السّابقة، ورُبّما تسبق الأصليّة، وتأخذ مكانها من خلال نظريّة، أو اكتشاف جديد، وتتحوّل الأنظار، وتُسلّط الأضواء على المُطوّر، ولا يُذكرُ أبدًا مُبتكرها الأوّل.

   الفكرُ يبدأ فرديًّا، ويترعرعُ جماعيًّا، بصيغة ما تتجاوز الحدود والحواجز والموانع؛ لتأخذ أبعادًا ومداياتٍ إنسانيّة أعمّ وأشمل، وبذلك لا مَوْطن للفكرة، بل هي مُلْكُ البشريّة عامّة.   

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

ــــــا 6\ 4\ 2021

الفكرة تحت مطرقة الأستيطيقيا

 

 

الفكرة تحت مطرقة الأستطيقيا

خاطرة (6)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

   الغرضُ النَقديُّ بشكلٍ عامٍّ يتناول الفكرة ومُنتجاتها؛ فإذا لم يوجد لها أساسًا، فما الذي سيدرسه؟. لذلك لا بُدّ من وجود مُستوى أفكار ذات مُحتوى أصيل، تحتوي على الجمال بذاتها، ليست بحاجة لمُحسّنات لتجميلها، وعلى هذا تكون الفكرة الذهبيّة؛ وهي الأقوى الأرقى، وهناك ما دونها إلى أقلّ المُستويات دُنُوًّا لتلتصق بالقاع الموحل.

     فالمساقات العقلانيّة بفلسفتها لعلم الجمال، ذات بُعدٍ زمانيّ تعود إلى عصر النهضة في القرن الثامن عشر، وأخذت بتطوير رؤيتها للتقييم على أساس أنّه علم له أصوله ومناهجه، القادرة على رؤية الأفكار بشكل مختلف عن ظواهرها، ولكن من خلال الغوص العميق في دلالاتها، وسَبْرِ كُنهها، وأخذها بطرائق تشابهاتها ونظائرها القياسية، بتطبيقاتها للخروج بتوليفة أدبيّة ذات قيمة يُعتدّ بها.

   نعود لاتفاقنا على مصطلح الكاتب: (الشاعر والروائي والقاصّ والمفكّر والفيلسوف والصحفي.. إلخ).

   الفكرة لدى الكاتب هي معرفة بالدّرجة الأولى، وغالبًا ما يكون واعيًا لها، يستطيع الكتابة عنها تأصيلًا وتوثيقًا، والأروع إذا كان قادرًا للدّفاع عنها من باب معرفته الدّقيقة بمساراتها ومُنْعرَجاتِها، وقد تبنّاها عن قناعة تامّة، لتكون مشروعه الرّساليّ، المُراد له الحياة، وهو راجيًا لها الخلود.

   فالفكرة الذهبيّة خالدة بهذا المفهوم، ولا تأتي من فراغ أبدًا، ولا من العدم أو المجهول، بل هي رؤية الكاتب المُنبثقة عن خلفيّات، ذات أبعادٍ اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسية ودينيّة واثنيّة وعرقيّة؛ تحمل بين يَديْها أسباب بقائها ونمائها، وتألّقها وجمالها، وهي الفكرة التي تستحقُّ أن تُدرَس وتُدرَّس جماليًّا على أيدي عُلماء الجمال.

   زمن المُمكن أن تحمل أسباب فنائها؛ إذا كانت حاملة فيروسات الطّيْش الغاضب، بردود الأفعال المُتعصّبة، وبثّ الكراهيّة الإنسانيّة، والعنصريّة، واللّعب على أوتار الخلافات وتأجيجها، وإثارة النّعرات، وتحريك الرّاسب الآسن في مُستنقعات القذارة البشريّة، فاتحة لأبواب الشّرور الجهنميّة الحارقة لأسباب العيش المُشترَك،  وبذلك تكون مِعْوَل هَدمٍ لمجتمعاتها.

وبالعودة إلى مصادر ويكبيديا، لمعرفة نبذة تاريخيّة عن علم الجمال، والجماليات أو علم المحاسن: (علم الشهوات والزين أو الأستطاقية (بالإنجليزية: Aesthetics)‏، أحد الفروع المتعدّدة للفلسفة، لم يُعرفْ كعلمٍ خاصٍّ قائمٍ بحدِّ ذاته، حتّى قامَ الفيلسوف (بومجارتن) (1714–1762) في آخر كتابه "تأملات فلسفية" في بعض المعلومات المتعلّقة بماهيّة الشِّعر 1735، إذ قام بالتّفريق بين علم الجمال، وبقيّة المعارف الإنسانيّة، وأطلقَ عليه لفظةَ الأستاطيقا ‘‘‘Aesthetics‘، وعيّن له موضوعًا داخل مجموعة العلوم الفلسفيّة.

   وهناك من قال بأنّ: الجماليّات هي فرعٌ من فلسفة التّعامل مع الطبيعة والجمال والفنّ والذّوق. علميًّا، عُرّفت على أنّها دراسة حِسيَّة، أو قِيَمٍ عاطفيّة، التي تسمّى أحيانًا الأحكام الصّادرة عن الشعور، والباحثون في مجال تحديد الجماليّات اتّفقوا بأنّها: "التّفكير النّقديّ في الثقافة والفن والطبيعة".

   *اليونانيون كانوا يرون أنّ الإله يجمع بين الجماليّات البشريّة الكاملة، وأنّهُ المثال المتكامل السّامي للإنسان.

    *هربرت ريد، عَرّف الجمال: "بأنّهُ وحْدةُ العلاقات الشّكليّة بين الأشياء التي تُدركها حَواسّنا.       أمّا هيجل، فكان يرى الجمال: "بأنّه ذلك الجنّيُّ الأنيس الذي نصادفه في كلّ مكان".).

(من كتابي - كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان –الأردنّ

5\ 4\ 2021

الاثنين، 5 أبريل 2021

الكاتب الذبابة

 

الكاتب الذّبابة

خاطرة (5)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

   من المُفزعِ لي، لو ظنّ القارئ للوهلة الأولى وصفي لكاتب بأنّه ذُبابة. سيكون ذلك بكلّ تأكيد إهانة عظيمة لذوي الفكر والكفاءات؛ عندها يتوجّب عليّ لَبْسَ دروع الدّنيا كلّها لاتّقاء السّهام التي ستُصوّب انتقامًا منّي، أو أُتّهم بالعُنصريّة ومُعاداة السّاميّة، وبالتالي؛ سأكونُ مطلوبًا لمحكمة العدل الدُّوليَّة، ودمي مهدور في العالم أجمع، ولن أستطيع السّفر من قرية إلى أخرى، لأنّ العدالة الدُّوليّة ستتعقّبني، ولا أشكّ في ذلك أبدًا.

   مُتفّق سابقًا على مُصطلح كاتب: (الشاعر والروائيّ والقاص والمُفكّر والفيلسوف والصحفيّ.. إلخ). 

   لكنّ مَنْحَى المقالة هذه بعيدٌ كلّ البُعد عن دلالة الذّبابة الحشرة القميئة، بل هي "ذُبابة سُقراط". يُقال: بأنّ أفلاطون وصفَ أستاذه سُقراط: "بأنّه كالذُّبابة، التي تلدغُ الخيل؛ فتدفعها إلى الحركة. قائلًا: بأنّ حِواراته الفلسفيّة؛ تلدغُ البشرَ، وتدفعهم إلى التفكير والتبصُّر". 

   وهذا المنحى الذي أحاولُ تطبيقه على الكاتب، بإثارة التساؤلات الكثيرة والمُتكرّرة: "لماذا.. لِمَن.. من أجل مَنْ.. مِنْ أجل ماذا، يكتبُ الكاتب". أعتقد أنّ المقالة غير معنيّة بالإجابات المُقنعة أو غير المُقنعة، أو سَوْقُ الأدّلة والبراهين على صحتّها أو خطئها. إنّما هي مُقاربات للواقع.

   وفي مقولة للكاتب "فرانز كافكا": "على الكاتب أنْ يكونَ الفأسّ؛ التي تكسرُ ما في دواخلنا من جليد". أظنّ هُنا بانَتْ هُويّة المقال، والمطلوب من الكاتب. سأورد استشهادًا آخر، للكاتب سلامة موسى: "إنّني العُضو المُقلق للمجتمع المِصريّ، مثل ذّبابة سُقراط؛ أُنَبّهُ الغافلين، وأثيرُ الرّاكدين، وأُقيمُ الرّاكعين الخاضعين".

   وقصّة سُقراط كما ذكرها كتاب "قصّة الحضارة – ويل ديورانت": (عندما هَمّ حُكّام اليونان بإعدام سُقراط، بِتُهَمٍ تتعلّقُ بإفساد عُقول الشّباب، وزعزعة البلاد بسبب أفكاره. فقال لهم: "عند إعدامه، أفضل لهم أكثر منه"؛ فقالوا: "كيف؟". قال لهم: "أنا كمثل الذُّبابة، والأمّةُ كمثل الحصان السّمين؛ فهي تُساعده على الحركة، وهي حافزٌ كبير ؛لكي يتحرّك وينتفض).

   ورغم عُمق مثال سُقراط؛ لأنّ غرور قاتليه، منعهم من فَهْم ما قال، وأعدموه. أخيرًا، وفيما قاله سلامة موسى: "إنّني مُوفّقٌ دائمًا في كَسْب الأعداء"، وهو حال لسان كلّ كاتب، إذا حادَ قيْدَ أنمُلةٍ عن السّائد للعُموم.

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

ــــــــا 5\ 4\ 2021

الفصل (5) من رواية خلف الباب

(6)

الرسالة الثانية من فاضل السلمان (السّويد)

 

** خلف الباب أبواب..

(مقالة فاضل  على صفحته الجديدة)

 

   "انفتح الباب الكبير على بوابات وهميّة لا تُعدّ ولا تُحصى، لطوابير الخِيَم المُصطَّفة بانتظام بخطوط مستقيمة طولًا وعرضًا، وخلف الأبواب ينكشف المستور، وتُنثَر العطور، وتُقام المذابح، وتُبنى المسالخ، ويُهان المشايخ. 

 

   وخلف الأبواب تُكتَم الأسرار، وتُنتهَك الحُرمات، وتُجتَرَع الغُصّات، وتُسكبُ الدّموع على وَقْع العذابات.

 

   المُتضايق من شيء ما؛ يُطلّ من النّافذة، والخائف  يُغلق الباب ويجلس خلفه. ومن قائل يقول: (الباب إلّلي يجي منه الرّيح سِدّه، واِسْتريح).

   خلف الأبواب تنحني القامات.. تتمدّد صحارى العَثَرات.. تستطيل الإحباطات في النّفوس الخائفات اليائسات.

   خلف الأبواب تُسْدَل الرّحمات.. تتنزّل المَغْفِرات.. تطمئنّ القلوب المؤمنة في كَنَف خالقها، هنا تُسكَب العبرات لتطهير القلوب، وتنقية الدُّروب من أشواك الذّنوب.

   وخلف الأبواب يَحتجِبُ المتآمرون، والمنافقون، والسَرّاقون، جميعهم ذوي الأيادي السّوداء المُستحوذة على البَيَاض؛ فلوّثته بِدانستها" .

 

 

الكلام هنا (فطين)

   تنازعتني الأفكار شرقًا وغربًا، وطافت بي مُحيطَ الكُرةِ الأرضيَّة مرّات ومرّات؛ قبل انتهائي من قراءة مقالة صديقي (فاضل السلمان) بعد أن عثرتُ على صفحته على الفيسبوك، قبل وصولِ أوّل رسالةِ إلكترونيّة منه على الإيميل.

 

    أضناني البحثُ عنه لفترة طويلة، انقطعت أخباره عنّي، وتطابق ذلك تزامنًا مع تهكير صفحته المعروفة، وجاءت هجرته إلى أوربّا عبر البحر؛ لتُؤكّد التباعد القسريّ بيننا. والدُّنيا في عصر وسائل التواصل؛ جعلت من عالمنا قرية كونيّة صغيرة.

 

   كانت مفاجأة سارّة فتحت شهيّة الحياة عندي مُجدّدًا، وآمالي لم تَمُت، ازداد نبض قلبي من فرحة طويلة، بعدما انقطعت أخباره تمامًا ليس عنّي فقط، بل  على جميع الأصدقاء.

..*..

 

    خلف الباب فلسفة كبيرة لم يتطرّق ذهني لهذه المعاني التي قرأتُها في مقالة صديقي فاضل، فتحَتْ عَيْنيّ على أشياء جديدة، ومعانٍ غارقة في العمق، وكلّما "ضاقت العبارة اتّسع المعنى.

 

  أخذتني بعيدًا إلى عوالم لم أتصوّرها، هناك كلمة تكون مفتاحًا(ماستر كيْه) تفتح جميع الأبواب الموصدة بلا استثناء؛ هذا ما استدعاني لاستذكار آخر كلمة في رسالة أبي فندي، وهو ينظر إلى اللّوحة: (أهلا بكم في مخيّم الزعتري).

 

   أدخلوه، وأغلقوا البُوابة؛ فصار هو وعائلته، ومن معهم جميعًا من اللّاجئين خلف الباب، كأمواتٍ بلا قُبور.. اللّجوءُ موتٌ بطيءٌ، بمرور الوقت تَتَهرّأ الأجساد هُزالًا هَرِما، وتذبُل على أعتاب المنافي مقهورة، كانت مُتلهّفةً لرؤية ذكرياتها، أمنياتٌ ماتت على أعتاب أحلام العودة، غصّةُ البُعاد والموت تآخَيَتا؛ لإخماد أنفاس الحياة. 

 

أبو فندي:

   داخل الخيمة.. خلف بابها نام هو وأولاده، التي أخبرني عنها سابقًا بمقولة، كأنّها السّكين الماضية غُرست بقلبي، وما زالت تنخزني برأسها الحادّ، ودمي ينزّ منذ عشر سنوات، ومازال:

   "إنّها خيمةٌ يا فطين..!! وما أدراكَ ما الخيمة..!!.. أبدًا ليست كخيمة جيراننا في كَرْم العِنَب أيّام موسم الصَّيْف، ولا مثل التي سَكَنْتُها أثناء خدمتي العسكريَّة، كَرَاهتي لها..!!، مثلما كرهتُ تلكَ التي كانت تنتصبُ على الحاجز في وسط بلدتنا.. ألَا تذكرها؟".

 

فطين:

   محطّاتٌ التوقّف فيها إجباريٌّ لا مناص منه؛ هدأت أعصابي قليلًا، وخَفَّ توتُّري، استعدتُ صوابي، استغرقتُ بتفكير عميق، أطْلَلْتُ من نافذة ضيّقة على فضاء واسع، استنشقتُ هواء نقيًّا، نبَضَتْ رئتاي بقوّة، وتباطأت دقّاتُ قلبي بعد التسارع المديد، وأنا أعيشُ على أعصابي التَّالفة.

 

   استقرّ الرّأي على نُقاطٍ ارتكز عليها هذا العمل الروائيّ، خلف الباب.. والخيمة، نُقطتان بارزتان، نبّهني إليهما أبي فندي؛ فالخيمة خلف باب المُخيّم.. الخيمة وطن صغير، فقط من أجل مُمارسة الحياة بحدودها الدّنيا، وخلف بابها أسرة وحياة خاصّة، وهي لا تسترُ أدنى الخُصوصيّة أبدًا.

   ومن خلف باب المُخيم.. انهالت الخيالات بالمعقول واللّامعقول، وما لم يخطر على البال، ما أروع انفتاح الأفق برؤاه، لكنّ المشكلة إذا استدعى الأحزان والآلام لتجديد مواسمها.

 

   وتتالت الرّسائل من محمد أبي فندي، وفاضل أبي المجد بحماس، بعدما كنتُ أودّ إخبارهَما: بِنِيّتي جمع رسائلهما في عمل روائيّ؛ أطلقتُ عليه (خلف الباب)، إكرامًا وإجلالًا لذكراهم.  

 

   ولم يكُن أمامي إلّا احترام رغبة صديقَيّ (محمد وفاضل) باجتهاد فيما أسعى إليه؛ لأنّهما شَهِدَا بأمّ أعيُنِهِما، و(من رأى ليس كم سمع)، وشاهدُ العيانِ وثيقُ الصّلة بالحدث المُنحفِر في دواخله، لا يمكن اِنْمحاء آثاره حتّى الموت، وإن اِخْتَفَت مُؤقّتًا في مجاهيل غابات النّسيان.

 

   أنا من شهدتُ ولادة فكرة وخاتمة الرواية، ومن خلال ما أرسلوا لي أصبحتُ بمنزلتهم، لأنّهم مصدرٌ موثوق عندي، آخُذُ عنهم باطمئنان، وأروي عنهم بثقة؛ وكأنّني رأيتُ بأمِّ عينيَّ، لا بدّ لي من إكمال مِشوار مُشاهداتي.. والإدلاء بشهادتي.. بصدق وأمانة لله والتاريخ، والمستقبلُ الذي سيكون لأبناء سوريّة.

 

   لم أشأ إخبارهما بقراري الأخير هذا. بل أبقيْتُه طيّ الصّفحات؛ لأفاجئهم به فيما بعد، لأنّني شهدتُ ما شهدوه، في كلّ ما ناقشناه ثلاثتنا، كنتُ واثقًا بحقيقة وقوعه، مُتيقّنًا من صحّته، أعرف أبطاله، واعٍ تمامًا ما حصل بدقّة، وإن باعدتني عوامل الزْمان عنها، أظنّ أنّني كنتُ خائفًا من خيانة ذاكرتي الهَرِمة.

 

   المتعةُ لا تكتمل؛ لأنّها كانت افتراضيّة. تداعي الأفكار كثيرًا ما يُنقذ السّقوط في متاهات اليأس والإحباط".

..*..

فاضل

 

*المشاعر لكل فرد من الأسرة بعد جلوسه داخل الخيمة..

*التشابه الكبير بين الخيم.. كأسرب القطا  يصعب التفريق بينها من الصياد الماهر الخبير..

ضاع الولد.. ارتباك في الاسرة واستنفار.. وحالة خوف..

*الخوف على الولد من الخطف. او التعرض للتحرش.. الذهاب للمسجد والاعلان من مايكروفون المسجد عن ضياع الصبي وإعطاء مواصفات ولباسه بالألوان.

*الليلة الأولى في الخيمة الخاصة

 

******

رسالة فاضل:  

المطرقة تهوي بقوّة ضرباتِها السّاحقة على رأس الوَتَد الحديديّ. أشعرُ بأنينِه يكوي قلبي. ماذا لو كانت ضربة واحدة منها انحرفت عن هدفها إلى اُصْبعي؟، لا شكّ أن صُراخي سيشُقُّ تجمّع الأولاد من حولنا؛ وسيُغطّي على صُراخهم المُتَماوِج مع حركاتهم السّريعة غير المُنضبطة، اِنْتباهي مركّزٌ على المكان الصحيح لضربات المِطرقة التي لا ترحم.

   لا أذكر أهي ثمانية أم عشرة أوتاد، التي كانتُ مُعدّة لتثبيت حبال الخيمة، عندما تنتصبُ بكامل أرْكانها، قويّة بوجه الرّياح العاتيات، كما لا أنسى أنّني سأنام في باطنها، كيف لو نمتُ، وأنا خائف غير مطمئن، ونبضات قلبي تتسارع عندما كنّا هُناك؛ بمُجرّد سماع هدير الطّائرة المروحيّة، لستُ وحدي ممّن لم يتمالك نفسه، جميع أهل الحارة يُسارعون بالخروج هائمين على رؤوسنا إلى الأرض الخلاء، نتراكضُ في اتّجاهات شتّى طالبين النّجاة، لننتشرَ مُنبَطحين بين أشجار الزَّيْتون المُتقاربة بصفوفها المُنتظمة طولًا وعَرْضًا بخطوطٍ مُستقيمةٍ، مُتشابهة مع ترتيبات مُخَطِّطْ المُخيّم كما أراد له المُهندس، الذي رسم الخطوط على الورق، لو لا بعض الخيام انحرفت عن أماكنها المُقرّرة من؛ فَشوّهت التناسق المرسوم مُسبقًا.

     ما إن بدأ الدّوام حوالي التّاسعة في يومنا الأوّل، كُنّا قد تناولنا إفطارنا، استعدادي المفعم بأمل الاستقرار  منذ ساعات النّهار الأولى، توجّهتُ مع القادمين المُستجدّين حسب إرشادات المسؤول عن النُّزل الجماعيّ، بالتوجّه إلى الجانب الآخر إلى المُستودع لاستلام الخيمة وأدواتها.

   مشوارنا ذو هدفٍ واحد، آراؤنا مُختلفة. نظراتي حائرة.. عينياي تُوصْوِصان بلا ثبات على شيء مُعيّن، أُذُنياي أظنّ أنّهما تسمعان، كأنّي لم أُدركْ أنّ أحدهم، يشكو لمن في جانبه موت ابنه في المُعتقل، وآخر يهمسُ بصوت مَبْحوحٍ، لا يكادُ يُفصح عن كلامه: "من يوميْن جاءت الحوّامة، ورَمَت بِرميلًا على بيت أختي، وما خَرَج من البيت المُخبِّر عما حصل، لأنّهم كانوا مُجتمعين على طعام الغداء". ثالثٌ: "حملة أمنيّة مُشتركة كبيرة مُدجّجة بالعتاد الثقيل؛ داهمت بيوتنا في القرية".

   سأله آخر: "سمعتُ أنّهم يملؤون جيوبهم ممّا يجدون من الموبايلات والمصاري". بوتيرة أعلى أجابه: "بل حتّى المصوغات الذهبيّة، والله أخبرني صديق لي من حارة أخرى، أنّهم أثناء التفتيش في أحد بيوت المُغتربين الأثرياء، أخذوا منه خمسة كيلو غرامات من الذهب، جرّدوه من ثروته التي أفنى عمره يجمعها، ضاعت في لحظة".

   ما زلتُ أسمعُ، أحمدُ الله أنّ أحدًا لم يسألني. خُطواتي مُتسارعة قليلًا عنهم؛ فأتقدّم قليلًا عنهم، كأنّي لم أكُن معهم. طليعة القوم من المتوقّع تلقّي الصّدمة الأولى، على مدخل المُستودع أوّل وجه رأيتُه خارجًا منه، يُرسل بكلماته: "إذا كنتم تريدون استلام الخِيَم، مَن هُم في الدّاخل؛ أرشدوني إلى الجهة الجُنوبيّة، هناك.. الخِيَم منصوبة جاهزة لاستقبالكم".

   أتلفّتُ حوْلي، لعلّه يقصدُ أحدًا، لكنّ عيناه مُصوّبتان نحوي تفترسان ملامح وجهي بنهم. تلمّستُ وجهي بِنَيّة حمايته، خوفًا من إصابته بسوء من أثر نظراته الغاضبة، أوّل ما تَبَادر إلى ذهني صفعة قويّة؛ كتلك التاريخيّة من يد ذاكَ السَجّان اللّئيم.. يا إلهي..!! ما زلتُ أحسبها بمساحة سهل حوران.

   كأنّ لَسْعةَ الألم المُخدّر تحرّكت الآن، تشنّجت  عضلات وجهي، امتدّت يدي لتليين ومحو آثار الصّفعة. أذكرُ أنّني صرختُ بصوتٍ مُفاجئ أخرج من حوْلي من حكاويهم الطويلة، انتبهوا لي..!!.

   مؤكّدٌ أنّهم ظنّوا بي جُنونًا، هكذا كأنّني سمعتُ مقولاتهم المُتولدّة في قلوبهم، وما هَمَسُوا به لبعضهم بعضًا، رَغْمًا عنّي حفظتُ ما تناهي إلى مسمعي.

   أُذُناي أخبرتاني أنّهما لم تسمعا شيئًا؛ إحداهُما مُعَطّلة عن مُهمّتها من أثر صَفعة السجّان منذ أشهر، وطنينُ الأخرى منذ انفجار  البرميل قربَ بيتي، يمنعني من سماع أصواتٍ قريبة، لأيّ كلام،  ولو من مسافة وما يزيد.

   استدرنا عكس الاتّجاه من تلقاء أنفسنا، دون تلقّي أمْرِ آمِرٍ، وكيف أستطيعُ تفسير حركات شِفاهم؟. كلامهم مُجدّدًا. تأفَّفَ أحدهم: تكسّرت رجلاي، لولا ضيق الوقت لجلستُ في مكاني. أنفاسٌ تصعد وتهبط من آخر.

   حاولتُ استجلاء وجهه المُتعب، هيأته؛ كأنّها تقول: "إنّه سِتينيّ  على طريق الكُهولة، خلفيّته رأسه بشعره المُشعّث، ولباسه المهلهل يحكي فقره". موقعي تحوّل إلى مؤخّرة المجموعة، بعدما كنتُ في المُقدّمة. آخر: "هل المكان بعيدٌ من هنا؟". لا إجابة تلقّاها. تباطأت خُطواتي لإبقائي في موقعي المتأخّر بقصد.

   "لم يعرف أحدًا ذلك، إلّا أنتَ يا فطين.. والآن فقط أقولها للمرّة الأولى: "تمنيّتُ لو أنّني اِسْتطعتُ التقاط صورة لأقفيتهم، لحظة ذهنيّة كنتُ أتمنّاها، كأنّ هناك من دغدغ دواخلي؛ فأيقظها لو أنّ اللّوحة أمامي لتشكيل ربّما أنال عليها جائزة دوليّة، فيما لو أرسلتُها لمسابقة، وأحقّق حُلُمي بالشّهرة كما بيكاسو".   

.. *..

 

     مئة خطوة أو يزيد بقليل؛ وضعتنا قُبالة الشّارع الرّئيس الوحيد المُعبّد في المّخيّم؛ كان فاصلًا ما بين قِسميْه الشّرقيّ والغربيّ، حسبما عرفتُ، أنّهما تشكّلا قبل سنة.

 

   من غير المُتوقّع الذي لم يكُن يخطر على بالي أبًدا، ولم أعرف مُسبقًا بوجود مساكن  الكرفان الجاهزة. صُدِمتُ للمنظر.

 

   بصوت عالٍ من أحدهم، هذه المرّة أسمع: "هاه..!!، لماذا لا يُسلّموا الكرفانات للجميع؟".

  آخر: "ليس عدْلًا".

  صوت غاضب: "يا عمّي هناك خيار وفَقُّوس".

 كأنّي بملامح وجه الأخير، وهو يتفوّه بكلماته المُقتضبة الشّائعة: "عُوجَة من يوم يومها يا خال، ما رَحْ تَتعدّل الآن..!!".

  

   بنظرة ماسحة لأقفيَتِهم، شَعْر رؤوسهم الأشيَبِ المُشعّث، كمكنسة البُلّان. مرآةُ مُخيّلتي عكست لوحاتَ وجوهِهِمُ الباهتة. غُبار الحرب يكسوها بُؤسًا بلمسات الموت. قراءتُها وتفسيرها لا تحتاج لمهارات فنيّة مُتخصّصة.    

 

   هالةُ غُبارٍ مُتولّدةٍ ليس بفعل رياح. خُطواتُهم تضربُ الأرض بعُنف ظاهر. يا إلهي..!! هل هم يقصدون ذلك؟؛ انصرف تفكيري بحثًا عن الرّابط بين طبقَتيْ الغُبار. تَزاوُج حالتَيْ الاغبرار بِعُرسٍ غير مُعْلَنٍ عنه؛ سأنتظر وليدهما بصبر طويل. تصوّراتي مُشوّهة عنه.

 

   خُطواتنا على الإسفلت هَدَأت حدّة ضغطها على الأرض، لم أعُد أسمعُ وَقْعَها، وغُبارها اختفى خلفنا؛ انفتح الأفُق أمامنا، وانقشعت الرُّؤية بشكل جيّد عكس ألوان الكرفانات الباهتة أيضًا بغبار صحراويّ مائلٍ للاحمرار، وكأنّها باقية هنا من عهد الأنباط، مُرابطة بجوار قصور عَمْره والحرّانه والحلّابات، تستمتعُ بغبار حوافر خُيول عبد الملك بن مروان.

 

   وعند نهاية وادي الزّعتري المُنحدِر من هُناك، كأنّ أحدهم مُستفسرًا: "من أين..؟".

رفعتُ نبرة صوتي: "من جبل حَوْران" وأشرتُ باُصْبُعي إلى الجهة المقابلة.

انتبهتُ: "لا أحد سمع جَوابي".

تذكّرتُ أنّني من سألتُ نفسي بنفسي.

 

   ربوعٌ تنتظر بداية الرّبيع بفارغ الصّبر، صراعُها العنيد، وإصرارها المُتجذّر في مُقاومة غضب الصحراء، مَلْءُ الآبار والبِرَكُ في قرية الزَّعتريّ فرضُ عيْنٍ، له طقوسه وتراتيله من كلّ عام، تُقام في محرابها، وجِوَارها الغافي على مَجدٍ أثِيلٍ تحتفظ به من أجلنا، والزّعتر فيها؛ يُعبّق الوجود برسائل السّلام .

  

   الصحراء ما زالت بنتًا بِكْرًا من رَبّات الخُدور، عتّقها الزّمان؛ فنامت قريرة العين على صخب التّاريخ، وعَبَق الحضارة؛ لتستفيق على دموعٍ وأحزانٍ، لم تكُن مُنتظرةً أبدًا بهذا الحجم، الغارق في مُستنقعات الدّماء والدّموع، التي لا تروي عطش المُتعطّشين لها.  

  

   الشارع الوحيد.. السّوق الوحيد هنا، اختلف الوضع قليلًا عن نغمة مجموعتي الاحتجاجيّة غضبًا وتنفيسًا عن أوجاعها، أصوات الباعة بدّدت اهتمامنا وأنا معهم.

 

   "يا إلهي.. ماذا أرى.. محلّات تجاريّة على الجانبيْن، اكتظاظ مُكثّف.. ازدحام العابرين في الاتّجاهين، هدير مُحرّكات السيّارات القليلة المُصرح لها بالدّخول هُنا لخدمة النّاس في نقل أمتعتهم، أو السيّارات الرسميّة الحاملة لشعارات زرقاء بلغة أجنبيّة، أظنّ أنّها تابعة للـUN)).

  

   صراع بالكلام بين مُتناقشين، يقفون أمام إحدى المحلّات على شيء غير مفهوم لي. أولادٌ يتراكضون؛ يشُقُّون طريقهم بصعوبة بين الجُموع، كأنّهم يُطاردون شيئًا. شبابٌ آخرون خطواتُهم مديدةٌ مُتعجّلة. "أهم على موعد..!!؟" أظنّ ذلك.  

 

   بعض العابرين فرّق شمل جماعتي، "لا تغفل عنهم" تنبيه لي مجهول المصدر، تلفّتُ حولي؛ مُستفسرًا من وجوه لا أعرفها، ولا تعرفني. باهتمام تابعتُ من هو أمامي مُباشرة على مسافة متر واحد، بحركة روتينيّة كانت خُطواتي التي تنقلني للأمام؛ تقع مكان خُطواته، كلّما تقدمّت إحدى قدميْه، حلّت محلّها قدمي، مُشكلة إذا فقدتُ أثر خُطواتهم في هذا الخِضَمّ الهائل.

..*..

السبت، 3 أبريل 2021

الفكرة بين الخط الهمايوني والميلودي

 

الفكرة بين الخط الهمايوني والميلودي

خاطرة (4)

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

       كما اتّفقنا سابقّا على مصطلح كاتب: (الشاعر والروائيّ والقاصّ والمُفكّر والفيلسوف والإعلاميّ.. إلخ).

   الذّهاب في عالم الأفكار سياحة فكريّة ممتعة حقيقة، ليس لدى جميع القرّاء بالطّبع، والإبحار عميقًا في بواطن المُصطلحات والقِيَم المُثقّفة، تحتاج منّا لرويّة وصبرٍ وأناة، لإيضاح ما ممكن أن نصل إليه.

   ففي المقال السابق (الكاتب بين الفكرة والتدوين)، كان التّركيز على ولادة الفكرة بداية، ومن ثمّ في مرحلتها الثانية التدوين، لتصبح في عالم المقروءات مادّة حيّة نابضة بالحياة.

   الكاتب عندما يمتلك فكرته، فهو بمثابة السّلطان عليها بامتلاك زِمامها، وهي وثيقة بيده، يوقّعها بكتابتها وتدوينها؛ لتكون بين أيدي قُرّائه من نافذة المقال أو القصيدة أو القصّة أو الرواية أو الخاطر.

   وهو بهذا لا يختلف عن السّلطان العثمانيّ الذي بيده حصرًا، صلاحيّة الكتابة والتأشير على الوثائق، التي كان يُخاطب بها الصّدر الأعظم (رئيس الوزراء) أو أحد وزرائه. وأوّل من استخدم الخطّ الهمايوني هو السّلطان عبدالمجيد يكتبُ على الوثائق باللون الأحمر أو الأسود.

   وهذا الشّرح ينطبق تقريبًا في كثير من جوانبه على الكاتب. وهو مُصطلح دبلوماسيٌّ لوثيقة أو مُذكّرة، مكتوبة بخطّ اليد تتّسم بطابع رسميّ، يصدر عن ديوان الخلافة السّلطانيّ.

   ولتكون الفكرة ذات اتّساق موضوعيّ، ووجهة عامّة لها بكافّة حيثيّاتها، لا بدّ أن لها من خط أساسيّ تنتهجه لتأدية مفهومها الرّساليّ عُمومًا، وهو الخطّ الميلوديّ لها. هذا المفهوم استعرتُه من النُّوتَة الموسيقيّة لأيّ لحنٍ مُتكاملٍ لمقطوعة سيمفونيّة أو أغنية طويلة كانت أم خفيفة.

   وللتعبير عن دروب الفكرة بمؤدّياتها بين الأدبيّ والتصوير الفنّي، وما يتفرّع عنها من وصف وبلاغة وتمثيلات تشبيهيّة، هي بمثابة الخط الهارموني لها، تأتي بمُوازاة الخطّ الأساسيّ للفكرة، وخادمًا ومُكمّلًا لها، لتتّصف بالإبداعيّة.

   وبالتالي فإن الهمايوني هو الفكرة حينما تكون بيد كاتبها، يشتغل عليها من حين ولادتها، لتأخذ معه ميلوديّتها، وتتفرّع إلى أنساق هارمونيّة، لتنتهي مُدوّنة ناصعة باهرة راسخة في العقول قبل الورق، تتناقلها الألسن في مجالس الأدب.     

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

 

عمّان – الأردنّ

3\ 4\ 2021

الجمعة، 2 أبريل 2021

الكاتب بين الفكرة والتدوين

 

 

الكاتب بين الفكرة والتدوين

خاطرة

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

    كما اتفّقنا على مصطلح الكاتب هو لمجموعة مُسميّات (الشّاعر والروائيّ والقاصّ والمُفكّر والفيلسوف.. إلخ).

   تبدأ المرحلة بمخاض صعب عند  ميلاد الفكرة، تُؤرّقه.. تُحرّقه.. تقضّ مضاجعَه؛ فلا راحة ولا استراحة، تحرمه النّوم، كلّ ذلك حتّى تتضّح معالمها، وتفتح أبوابها المُسْتَغلِقة على صاحبها، وتُسلمّه مفاتيحها، وتبسطُ له أرديتها بِسَاطًا له، تَحُنُّنًا منها وإشفاقًا؛ لتأخذ مكانها في ورقة، فتخلُد بحبورها لخلودها الأبديّ ماثلة في عقول وقلوب القُرّاء.

   بالانتقال إلى إدارة الفكرة، وهو ما نُطلق عليه: المهارة والتألق والإبداع، ولكلّ كاتب طريقته في التّعبير عنها، ولو أعطينا الفكرة نفسها لعشرة كُتّابٍ، وطلبنا منهمُ الكتابة في نفس النّقطة؛ لجاءتنا عشر نسخ إبداعيّة مختلفة تمامًا، رُبّما تتشارك أو تتقاطع بقليل أو كثير من مُؤدّياتها.

   مؤكّد أنّ لكلّ فكرة مكتوبة أو مقروءة أو مرئيّة رسالة، واضحة جليّة، أو مُستترة فيما وراء الخطاب للترويج.. للتغيير.. لإعادة تشكيل الرأي، وهذا النوع يقف وراءه أساطين تشتغل عليه ليل نهار، بلا كللٍ أو ملَلٍ، لإيصال رسالتهم ورؤاهم، مُنتظرين ساعة الصّفر عند التنفيذ، وإن تباعد الزّمن بهم. 

   وما جدوى الحياة إذا لم تُؤسّس على فكرة هادفة، لتكون مُنطلقًا بنائيًا حضاريًّا يمتلكُ أسباب قوّته الذاتيّة الضّامنة للبقاء، والانفتاح على الآخر بتلاقحات مُنتجة للسّلم الاجتماعيّ، وإرساء قواعد المحبّة والتّعاون بين شُعوب العالم, والابتعاد عن التوحُّش والخُشونة، لتحيا الإنسانيّة عُمومًا بخير وأمان وسلام. حياة بلا أفكار لا تُعتبر حياة، فينطبق عليها قول الحقّ سُبحانه وتعالى:

-(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) *سورة الفرقان-الآية 44.

-أو (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) *سورة الجمعة الآية 5. باستشهادنا هذا بالآيتيْن القرآنيّتيْن الكريمتيْن، تتبيّن لنا أهميّة الأفكار للحياة، والمستقبل لأصحاب الأفكار الخلّاقة.

من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان- الأردنّ

2\ 4\ 2021

  

تأملات قرآنية