الأربعاء، 14 أبريل 2021

الفكرة وعقدة الخواجة (15)

 

 

الفكرة وعقدة الخواجة

(15)

 

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

    بالتوقّف الإجباريّ أمام معايير النّصر والهزيمة في حياة الأمم، نخلص إلى أنّ نتائجهما، ومُخرجاتهما؛ تنسحبُ سلبًا أو إيجابًا على المُنتصرين والمنهزمين على حدّ سواء، كلٌّ حسب موقعه، وقُربه وبُعده عن ساحة ومركز الحَدَث.

   وحسب موقع ويكبيديا، يُعرّف عقدة الخواجة: (عقدة الخواجة: مصطلح ظهر؛ ليعبر عن حالة نفسية عامّة لشعوب المنطقة العربيّة؛ تُفسّر حُبّهم لكلّ ما هو غربيّ، ورفضهم لكل ما عربيّ). إلى حدّ ما مُمكن التوافق مع هذا التعريف في جانب، ويتبيّن قُصوره؛ بحصر الموضوع بحبّ التقليد الأعمى فقط.

   وأغفل المُدوّن للمعلومة دوافع هذا الشّغف، المتمثّلة بالهزيمة الماديّة المعنويّة على كافّة الأصعدة والمُستويات. وحصر حبّ التقليد في العرب حصرًا، وكأنّ العرب من بين شعوب الدنيا، هم وحدهم الذين يُقلّدون، في الحقيقة أنّ هذه النّقطة تنسحبُ على جميع الأمم والشّعوب المهزومة عسكريًّا وروحيًّا.

   وفي الرّجوع إلى عالم الاجتماع العربيّ ابن خلدون؛ فقد رصد قبل ستة  قرون هذه الظّاهرة، مع بداية المئة الثامنة للهجرة: (في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).

   وعُقدة الخواجة مُعادل القاسم المُشترك لمفهوم الرّسوب الحضاريّ، كما قنّن هذا المفهوم المُفكّر الجزائري "مالك بن نبي"، وما زالت كلمة خواجة التي سمعتها في صغري قبل خمسة عقود، من رجال سافروا إلى فلسطين للعمل، وأكثرهم كان في مدينة حيفا، عندما يصفون صاحب العمل اليهوديّ، يقول "الخواجة اليهوديّ" أو "الخواجة" فقط، بينما تردّدت الكلمة على ألسنة الجيل الذي يليهم ممن سافر للعمل في لبنان.

   ارتسمت صورة الخواجة في ذهني، بالرجل الأنيق الهندام، يعتمر البرنيطة على رأسه، ونظّارات سوداء، وغُليونه في فمه أو السيّجار الكوبيّ، ولا يتكلّم العربيّة، وإذا تكلّم بها، نطقها مُكسّرة، وإبدال ضمير المُذكّر بالمؤنّث أو العكس.  

   وأمّا شُعور الفلّاح ابن القرية من أيّ بُقعة ريفيّة سوريّة، لمّا كان يذهب إلى دمشق، يُصاب بصدمة الإبهار حدّ لجم لسانه عن أيّ كلام؛ فكان يُرى وهو في أحسن حالته، كأنّه بلاهة مُستوطنة في داخله منذ ولادته.  

   المنهزمون ليس عسكريًّا، لديهم شعور المهانة بالنّقص تجاه هؤلاء، سواء المُنتصر أو الخواجة  أو ابن العاصمة، ما هو إلّا عُقدة النّقص، والشّعور بالدّونيّة، والتّقليل من نفسه، لدرجة يصعب معه مُجاراتهم بالكلام معهم مُتهيّبًا، خجلًا، فيضطر لتغيير لهجته، وهذه أبسط الأشياء وأوّل تنازلاته.  لمسايرتهم ظنًا منه أنّه ارتقى قليلًا.

   الأمر ينسحب على الأمم قاطبة، بلباس الجينز، وموضات الشّعر الغريبة، وعودة موضات الهيبيز، والأردية الممزقة أطرافها خاصّة السّراويل، والتهافت على مطاعم البيتزا والهامبرجر والدوغ  هوت، والموسيقى الغربيّة التي لا يفهمون شيئًا، وانتشار المثليّين والشواذّ والمُتحوّلين والمُلحدين، وانتشار موضة المُساكَنات المختلطة (تشاركيّة السَّكن) بعيدًا عن الأهل، والتجربة الجنسيّة قبل الزواج. ويطول الحديث ويطول.

   وفي هذا القدر كفاية، أعتقدُ أنّها وضّحت رسالة العنوان "الفكرة و عقدة الخواجة". فهل على المغلوبين أن يخرجوا من جِلْدِهم، لباسهم الدّاخلي؛ ليُرضوا رغبتهم بمُجاراة الخواجة؟.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

 

عمّان – الأردنّ

15\ 4\ 2021

 

الثلاثاء، 13 أبريل 2021

الفكرة المستهلكة (14)

 

الفكرة المُستهلكة..

(14)

 

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

اضطررتُ لشرح فكرة المقال لزوجتي قبل بدء الكتابية، وكيف سأقود فكرتي مُنطلقًا بها إلى مُنتهاها، ومُستقرّ مقاصدها الرساليّة. هزّت رأسها علامة إعجاب بعد دهشتها من سؤالي: "هل تعتقدين أن المرأة هي الفكرةُ المُستهلكة الأعظم في الدنيا؟".

أكّدَت لي تأييد رأيي؛ لأنّي لن أحتمل مُعاداة ثلاث مليارات امرأة في الدّنيا، ولن أستطيع مقاومة عدائهنَّ لي. وسأفقدُ معظم جمهوري من القُرّاء في العالم الافتراضيّ. وهل من مجنونٍ يقومُ بما قمتُ به، لو كان بدون إذن وتصريح؟.

أعتقدُ جازمًا أنّ المرأة هي الفكرة المُستهلكة الأعظم على الإطلاق في تاريخ البشريّة، أقصدُ ما كُتِب عن المرأة. وفي أدبنا العربيّ الذي وصل إلينا؛ فقد كان الغَزَل هو أحد أغراض الشّعر الرّئيسة، التي لم تنفَدْ وسائلها، ووصلنا أشهر قصص العُشّاق العربيّة (قيس ولبنة)، و(مجنون ليلى)، وقصص ألف ليلة وليلة.

ومن يُطالع كتاب (تاج العرس ونُزهة النّفوس) و(أخبار النّساء)، سيجد العجب العُجاب من أوصاف جسد المرأة، ولم يتركوا أيّ عضو، إلّا وله وصف تفصيليّ مُثير غاية الدّهشة. إلى هُنا يبقى الأمر ضمن المقبول.

في حاضرنا شاعت موضة الأدب الإيروتيكيّ، أدب غرفة النّوم، والرّوْب الأحمر والأصفر والأزرق، هذه الظّاهرة هبطت إلى مُستويات، المواخير والمراقص وشواطئ العُراة، هادرة لكرامة المرأة وقُدسيّتها كأمٍّ، وأخت، وعالمة، ومُفكّرة، والانتقال بها من عوالم الفضيلة والاحترام، إلى مُستنقعات آسنة لا تليق بإنسانيّتها.

الانتقال من عالم الفضيلة، إلى جعل المرأة وسيلة تجاريّة رابحة. تجارة الرّقيق الأبيض، والإعلانات التجاريّة، والعلاقات العامّة، واتُّخذت غايات تتخفّي خلف يافطة تحرير المرأة، ومناهضة العنف الذّكوري (الجندريّة)، وانتشار موجات الشّذوذ على نطاقات عالميّة واسعة. وبالتأمّل فيما يحيط بنا بشكلٍ عامٍّ، نخلص إلى: أنّ المرأة فكرة مُستهلكة، وهي الخاسر الأكبر في كلّ ما يحدث، ويتجلّى ذلك في موجات الحروب التي أعادت استرقاق النّساء عالميًّا.

*تساؤل مُهمّ:

هل العالم الرجوليّ مُتآمر على كيان المرأة، وهتك إنسانيّتها؛ لإرضاء غرائزه ونزواته؟.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

13\ 4\ 2021

الفكرة بين المنع والانتشار (13)

 

 

الفكرة بين المنع والانتشار

(13)

 

بقلم محمد فتحي المقداد

 

كلّ فكرة تبوحُ بمحتواها المليء، ولها قيمتها التي ستُبقيها على قيد الحياة، تعيشُ مع النّاس على اختلاف أماكنهم وأزمانهم؛ فإذا ما لها توافرت شروط النموّ؛ تزدهر في مناخ من الحُريّة، التي تُفسح كُلّ الطُّرق؛ لتسير بخُطًى ثابتة واثقة.

وفي يقيني أن الصّراعات البشريّة تتمحورُ غالبًا على الأفكار؛ فالفكر التسلّطي القهريّ لمن يملكُ للقُوّة وأدواتها من حاكم أو سلطان، يُريد أن يُثبّت نفسه ساعيًا لاستقرار كُرسيّه له ولمن بعده من أبنائه إن استطاع. ولا يتأتّى له ذلك إلّا من خلال التُرغيب والترهيب، واستحمار الآخرين، واستغفالهم، يُقرّب الموثوقين بإخلاصهم، ولا أظنّ إخلاصهم إنمّا السّعي خلف مطامعهم، ليكونوا عصاه الغليظة المأمورة، فتُطيع بلا تردّدٍ.

أمّا الفئة الواعية حاملة الأفكار، قسمُ منها عنيد صلب خلف لائحة فكره، لا ينحني أبدًا، يستميتُ أمام فكرته فِداء لها يُقدّم  روحه لها بلا تردّد، رغم العروض السخيّة بالإغراءات التي لا تعني له شيئًا، بكلّ تأكيد أن فكرته ممنوعة التداول، مُعادية للسّلطان الخائف منها، فيأمر بمحوه من المشهد، بالسّجن والقتل والتّشريد، لأنّ قانونه لا يرضى إلّا بمن يكُن معه، مُعلنًا ولاءه له بصراحة، فيصنع من صاحب الفكرة عدوًّا، وشهيد قداسة الفكرة. (الأمثلة لاتُعدّ ولا تُحصى).

بالمُقابل تطفو الأفكار الرّخوة ذات الطّبيعة الرّغويّة الخادعة بمظهرها البرّاق، ذات طويّة خاوية، لا خير فيها، تتصدّر المشهد متلألئة تحت الأضواء، والطُّبول تُقرع لها، ويرقص أصحابها على وقع الإيقاع النّشاز، بفرح وسرور، فيُشكّلون حالة إبهار للأغلبيّة المُضلّلة، التي سترقص وتُصفّق بانفعال مُثير.  الفكر لا يُقاوم إلّا بفكر أقوى بالإقناع والإفحام، والعصا تُخمِد وهج الفكرة إلى حين، فتبقى حيّة تحت الرّماد. والحريّة هي المناخ الوحيد لانطلاق الفكرة الأصيلة الواعية المؤثّرة،

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء)

عمّان – الأردن

13\ 4\ 2021

الاثنين، 12 أبريل 2021

كولاجات الفكرة (12)

 

 

كُولاجات الفكرة

(12)

بقلم: محمد فتحي المقداد

 

   الفكرة الوهّاجة المُتَوثّبة تفرضُ نفسها بِقُوّة على السّاحة الثقافيّة، بما تُقدّم

من إثارات فكريّة للقارئ، وبما تتركُ من أثر عميق في نفسه، وفتح فضاءات  الإشغالات الذهنيّة بالتدقيق والتَّساؤلات.      

ما تتعدّد الرّؤى التأويليّة لأيّة فكرة، وتشكيلاتها الأدبيّة بما تحمل من مضامين تُلامس الواقع، مُنطلقة لمهمّتها الأسمى، ألا وهي النّهوض والارتقاء به، من خلال الإشارة لمشاكله، ومُعالجة قضاياه, رغم أنّ الكاتب ليس مطلوبًا منه إيجاد الحلّ والدّواء، وإنّما هي وظيفة أصحاب القرار، من يملكون مفاتيح الحلّ والرّبط.

وفي الوصف المُقدّم آنِفًا للفكرة، هو ما أقصد به الكولاج، أو الكولاجات.  والمصطلح هذا هو: (تكنيكٌ فنِيٌّ يقومُ على تجميع أشكال مُختلفة لتكوين عمل فنّي جديد. إنّ استخدام هذه التقنيّة؛ كان له تأثيره الجذريّ بين أوساط الرّسومات الزيْتيّة في القرن العشرين، كنوع من الفنّ التجريديّ، أو التّطوير الجادّ؛ وقد تسميته بذلك من قبل الفنّانيْن "جون براك" الفرنسيّ، و"بابلو بيكاسو" الإسبانيّ في بدايات القرن العشرين) *من مصادر الأنترنت.

   بالنّظر لما تقدّم، لا بدّ من تطبيقات هذا المصطلح في مجال الأدب، هو بداية لأستاذي الأديب المرحوم "محمد مُستجاب" في كتبه القّيِّم "نبشُ الغُراب". وبداية قراءتي لهذا الكتاب عندما صدر العام2010ضمن سلسلة كتاب مجلة العربي، تأثّرتُ جدًّا بطريقته الفاتنة السّاحرة، بحيث كنتُ أقرأ المقال الواحد مرّات، استهواني التّجريب في هذا المضمار، وعلى طريقتي اقتداء بِمُستجابٍ، وبدأت بكتابة أوّل مقال، أطلقتُ عليه (مقالات مُلفّقة)؛ بجُزأيْه الأول المطبوع والثاني المخطوط.

وعليه؛ فالتلفيق: ليس من الكذب والدّجل والدّسائس. بل من الترقيع والترتيق، بجمع الأشياء غير المُتجانسة، والمُتنافرة في سياق واحد؛ لتُصبح مادّةً مُعتبَرةً لها كيان، بعد مزجها وصهرها في بوتقة واحدة، وحُضور على السّاحة الأدبيّة.

   وبقياس الأشياء على مُتشابهاتها، ونظائرها؛ تبيّن لي أنّ التّلفيق هو كولاج، يتشابه معه في طريقة الإعداد للوحة، والفكرة عند تكوينها لمقطوعة أدبيّة، من الممكن أن نُطلق عليها لوحة أدبيّة،  كما هي لوحة الفنّان الزّيتيّة.

 

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

12\ 4\ 2021

السبت، 10 أبريل 2021

الفكرة الرسالية (11)

 

الفكرة الرِسَاليّة

(11)

 

بقلم محمد فتحي المقداد

 

   الفكرة تتقلّب في ذهن الكاتب غَلَيانًا حارقًا على مَجْمَرِ القارئ بعد تدوينها، وهُو ما يُمكن أن نُطلقَ عليه القلق الإبداعيّ للكاتب؛ فهل نستطيعُ تبريرَ دَوافعه القلقة؟. بكلّ تأكيد لا. لماذا؟. لأنّنا لم نقف على حقيقة مخاوفه قطعًا.

   الموضوع يتناقل صُعودًا وهُبوطًا ما بين مقاصد الكاتب في التّعبير عمّا يدور في ذهنه، فمن هو من ليس واثقًا من جودة فكرته، وربّما تسرّب الخوف إلى دواخله بتوجيه كلمة ناقدة إلى ما كتبَ، ظنًّا منه أنّه فوق النّقد، لكنّه تناسى أنّه لم يكتبْ لنفسه عندما نشر، والنشر يعني برسالته، أنّ الفكرة لم تعُد مُلك كاتبها.

   إذا الكتابة من أجل الكتابة فقط، أعتقدُ أنّها مُصطنعةٌ مفتعلةٌ ووصفيّة شخصانيّة، لا شكّ أنّها مخنوقة الأنفاس غير قادرة على الاستمرار. إدارة الفكرة إذا انطلقت بذهن الكاتب من ساحة القارئ إلى وعيه، وملء ساحة أفكاره وشغله بالتّفكير بإثارة فضاءات تساؤليّة.

   حياة أيّة فكرة تبثّها في طيّات رسالتها، وبما تُلامس وجدانه، ودغدغة عواطفه، وزرع حقول الأمل المُتفائل بمستقبل حالم، ومُحاربة الظّلم، والانحياز للإنسانيّة عمومًا، وبثّ الطمأنينة، وتشجيع روح العمل الجماعيّ في مقاومة الفقر والجهل والمرض، ومُحاربة السّلبيّات، وإبراز دور الإيجابيّات، ودعم مقاصد وسُبُل السّلم الاجتماعيّ، والسّلام العالميّ.

   الفكرة الذهبيّة بمضمون رسالتها أو رسائلها بطابع الحُب, والجمل والخير. خلاف الظلاميّة اللّاعبة على أوتار الحروب والطائفيّة والمذهبيّة؛ والدّاعية للتحلّل والتفسّخ القِيَمي، لا أستطيعُ أن أصفها إلّا أنّها: معول هدم، بيد مُتربطة، مُعادية لمُجتمعها، وتكتبُ تاريخًا تشخُب الدّماء من زواياه.

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء..)

عمّان – الأردنّ

10\ 4\ 2021

 

 

الجمعة، 9 أبريل 2021

الفكرة بين الإبداع والتجديف (10)

 


الفكرة بين الإبداع والتجديف

(10)

بقلم محمد فتحي المقداد

 

      الفكرة إذا لم تكُن إبداعيّة لا حياة لها، وكيف تكونُ إبداعيّة إذا كانت مُقيّدة بسُقُوفٍ واطئةٍ بِسِماءاتِها؟؛ تمنعُ التحليق في فضاءات واسعة بلا حُدود. بلا أجنحةٍ تُحلّق بلا استئذان في القلوب والأرواح، حتّى وإن كانت أجنحتُها مُتكسّرةً لا تتوانى في تكريس حضورها عُنْوةً.

   في الحقيقة هناك مُعضلة الإبداع والتقييد، وهو من القيد بمعناه المُتشكّل مَبدئيًّا بِمُجرّد ذكره؛ فهو: (سِلْسِلةُ مِن حديدٍ، يُربَط بها سَجين أو أسير، وقَيْد الأسير: حَبْلٌ، ونَحْوُه؛ يُجْعَل في رِجْلِ الدَّابّة، وغَيْرها فيُمْسِكُها) والعِقال قيْدٌ أيضًا حبلٌ تُعقلُ به الجِمال والإبل، لتقييدها، وتحريزها من الشّرود.

    لاكتمال الرّؤية واِتّضاحها، لا بدّ من استجلاء المقصود بالتجديف، وما دام عملنا في رحاب اللّغة وآدابها، فلا غنى لنا عن العودة إلى مَضَانّها الأساسيّة: (جَدَّفَ فعل، وجدَّفَ يُجدِّف  تجديفًا ؛ فهو مُجدِّفٌ، وجَدَّفَ بالنِّعْمَةِ: كَفَرَ بِها. لا تُجدّفوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ (حديث نبوي)، وجَدَّفَ الْمَلاَّحُ : سَيَّرَ السَّفينَةَ بِالمِجْدَافِ، وجَدَّفَ عَلى اللهِ: كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ) المصدر قاموس المعاني.

   ولا يعني ذلك أبدًا، أنّني أميلُ إلى موجة التكفير السّائدة على نطاقات واسعة، أو أستلطفها، لكنّ حلبة النّقاش تتّسع لها الصّدور والعقول والقلوب، ولنتعلم أن نُنصت ونُناقش، ولا أن نُنصّبَ من أنفسنا قُضاة للحكم على الآخرين.

    يرى كثير من الكّتّاب أن المطلوب هو الحُريّة المُطلقة تمامًا، وبلا حدود ولا ضوابط، خاصّة فيما يتعلّق بالإله والأنبياء والأديان، فكيف يمكن تبرير الموقف الخائف أمام القوانين الضّابطة لحركة المجتمع ضمن أيّة دولة في هذا الكون؟. ومعلوم كم هي قاسية الأحكام الصّادرة عن القَضاة والحُكّام القائمين على المُحافظة على كيان وهيئة ورمز تلك الدّولة مهما كانت.

   يبدو أنّ الانتقائيّة والسّياسات والقائمين عليها، واللّاهثين في ركابها، والمُتحزِّبين من اللّا دينيّين، هناك رابط خفيٌّ غير مُعلن فيما يجمعهم، وهو فكرة العداء للأديان عُمومًا على اختلافها، وما يمتُّ لها بصلة، ويُعدّون الأديان سبب رئيسيّ في مصائب البشر.     

وأيّ كاتب لا شكّ أنّه طليعةٌ اجتماعيّةٌ، بما يمتلكُ من قُدُرات وطاقات فكريّة، ويُعتبر من أصحاب المقاعد في الصّفوف المُتقدّمة في سُلّم الإصلاح على كافّة الأصعدة، ولا يُمكن أن يكون مِعوَل هدم، ولا عصًا بيد أعداء أمّته، يضرب بها نيابة عنهم، وخلق حالة عدائيّة غير مُبرّرة على الإطلاق، والمطلوب هو العمل على تكريس حالة السّلم الأهلي والاجتماعيّ. 

(من كتابي –كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنُّ

9\ 4\ 2021

 

التناص القرآني عند سليمان نحيلي

 

 

التناصّ القرآني

في نص (تشابه أسماء) للشاعر سليمان نحيلي

 

بقلم- محمد فتحي المقداد

*نص الشّاعر سليمان نحيلي المقصود بالدراسة:

*(تشابه أسماء) الشاعر سليمان نحيلي

لا تخف منّي يا معشرَ النّمل ِ\\ ليس معيَ جنودٌ لأحطمنّكم، ولا أسلحة ..\\ وتلك الحرائقُ عبر البلادِ لم أرتكبها. \\ الآخرونَ فعلوا ذلكَ ..\\ لستُ نبيًّا، وما عُلّمتُ منطقَ النّملِ، \\ وكلُّ ما هنالكَ تشابهُ أسماء ..\\ حتّى هذا الحديثَ معكمْ، وتبسُّمي \\ محضُ تخيّل أنثرهُ على الورقِ حروفاً تُشبه القمحَ ..\\ يا معشر النّملِ: \\ لسليمانَ النّبوّةُ ..\\ ولكمْ ما تبقّى من حقولِ القمحِ \\ بعدَ أنْ استتبَّ بها الرّمادُ\\ ولي ..\\ ليس لي إلاّ الشّبيهُ الاسمُ\\ وهذي اللُّغةُ،\\ وأحلامٌ كثيرةٌ؛\\ أُواجهُ بها كلَّ ذاكَ الخرابْ). ...

***

 

قراءة تحليلية للنص:

   بالتوقّف أما لائحة العنوان، تشابُه أسماء، موشية بالخوف لديّ، لموضوع تشابه الأسماء كما حصل وذهب ضحيّته أناسٌ أبرياء، فمنهم من قضى إلى جوار بّه، ومنهم من أنفقَ ردحًا من حياته خلف أسوار المعتقلات، لمُجرّد تشابه اسمه مع آخر، وهو دليل ثقافة الخوف التي رضعناها منذ تفتّح أعيننا في هذه الدنيا.

   لكن في هذا النصّ، فهو رسالة سلام مُسالمة مُطمئنة من الشّاعر إلى مخلوقات صغيرة الحجم، ضعيفة لا تُضاهي بقدرتها الظاهرة قوة البشر، إلّا أن تكون قوّتها أكبر بفعل معجزات خارقة، كما في حالة النمل الأزرق المنتشر في بلدان الخليج العربيّ، ويقوم بقرض حديد أساسات الأبنية ذي الأحجام العظيمة.

   قصّة سيّدنا نبيّ الله سليمان كما وردت في القرآن الكريم ومعروفة بتفاصيلها بطبيعة القصّ القرآني، ولكن الشّاعر هنا تماثل اسمه مع نبيّ الله سُليمان، هناك في  صوت نملة عارفة عالمة خائفة على وجودها مع بني جنسها، وفيما ورد على لسانها: (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ. قَالَتْ نَمْلَةٌ: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ، لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) سورة النمل 18. الخوف على الوجود، والتشبّث بالحياة دافع النّملة للإنذار المُبكّر للنمل.  والشاعر نحيلي يتماثل بمقاربته للنصّ القرآني: (لا تخَفْ منّي يا معشرَ النّملِ ليس معيَ جنودٌ لأحطمنّكم\ ولا أسلحة). رسالة سلام بثّها الشّاعر بداية منذ بداية قصيدته. وهي رسالة ابتدأت منذ أوّل جملة فيها، لبثّ روح السّلام والطمأنينة، خاصّة إذا عرفنا أن الشّاعر سليمان حمصيّ المنبت والمنشأ، المدينة التي عانت من الدّمار والخراب، وويلات الحرب وبالتأجيج الطائفيّ.

   وهو ما عبّر عنه فيما يلي: (وتلك الحرائقُ عبر البلادِ لم أرتكبها\الآخرونَ فعلوا ذلكَ). فهو يّعلن براءته مما حدث وما زال يحدثُ هناك (تلك الحرائق)، من حرائق ليس في مدينته، بل (عبر البلاد)، (لم أرتكبْها). ليُخبرنا بوضوح تامّ بإشارته (الآخرون فعلوا ذلك)، والآخرون بعموميّتها تُفسّر نفسها بنفسها من غير عناء البحث والتمحيص. 

   وبالمتابعة لتدرّجات النصِّ، يقول: (لستُ نَبِيًّا، وما عُلّمتُ منطقَ النّملِ،\ وكلُّ ما هنالكَ تشابهُ أسماء\حتّى هذا الحديثَ معكمْ، وتبسُّمي \محضُ تخيّل أنثرهُ على الورقِ حروفاً تُشبه القمحَ). فهو ينفي عن نفسه ادّعاء النبوءة (لستُ نَبِيًّا، وما عُلّمتُ منطقَ النّملِ)، وإنّما إعادة قراءة الواقع على ضوء المُخرجَات، وإعادة تدويرها شعريًّا من خلال نصّ مُتخَمٍ بالوجع المُستكنّ في دواخلنا، وماذا أملكُ بيدي لمثل هذا الشّاعر وأمثاله، وهو يتلمّس مواطن الوجع، ويتحسّس الآلام، بمحالاته لتطبيب الجِراح بِبلْسم كلماته ومشاعره، ورسائله السِّلميّة مقابل رسائل العدوانيّة، يتجلّى ذلك في قوله: (هذا الحديثَ معكمْ، وتبسُّمي \محضُ تخيّل أنثرهُ على الورقِ حروفاً تُشبه القمحَ). بوضوح وجلاء، ولا مجال للتأويل بأي اتّجاه كان ظاهرًا أو مخفيًّا على طريقة التقيّة. أمّا استخدامه لكلمة (قمح) مرّتين، لهو خير دليل إلى حُبّه للحياة، وهو حريص على حياة الآخرين (حروفاً تُشبه القمحَ). هو لم يدّع أنّ حروفه حياة، بل تُشبه القمح لأنّه الخير والحياة والنّماء.

   والتوجّه المُباشر في مجريات النصّ بخطاب جاء على صيغة النّداء المُباشر: (يا معشر النّملِ: لسليمانَ النّبوّةُ ..\ولكُمْ ما تبقّى من حقولِ القمحِ \بعدَ أنْ استتبَّ بها الرّمادُ). خطاب تفصيليّ بعد ان انعدمت حقول الحياة في بلدنا سوريّة، وما تبقّى من حقول القمح هو القليل، المُرمَدَة المليئة بالرّماد دليل الخراب، واستحالة الحياة، والسّهول والحقول المُرمَدة تبقى لسنوات طويلة عصيّة على استيعاب ما يُزرع فيها، وما حصل في بلدنا لا يقلّ عمّا حصل في ناغازاكي وهيروشيما، وانعدام الحية النباتيّة والحيوانيّة، والبشر المشوّهين بعاهات خَلقيّة. وهذا ما سمعناه بالفعل عن مواليد مشوّهة خلقيًّا بفعل الغازات السّامة المُستخدمة في الحرب.

   والشاعر والكاتب والمفكّر والفيلسوف، لا يملكُ إلّا أدواته المنبثقة عن فكره بلا حِراب يقتُل بها، وهو ما عبّر عنه: (وهذي اللُّغةُ،\ وأحلامٌ كثيرةٌ؛ أُواجهُ بها كلَّ ذاكَ الخرابْ). باللغة والأحلام الورديّة يُقاوم بها الخراب والموت.  

   الشاعر سليمان نحيلي يُغرّد للحياة للمستقبل بقصائد لم تأت من رفاه فكريّ، بل من خُلقت كلماته، وأفكاره من رحم المُعاناة. وبالعودة لمحتوى النصّ على قِصَره بالتتبّع نجد: تكرار كلمات بعينها، مثل (بكلماته (تشابه، تشبه، التّشبيه)، (النمل: ثلاث مرّات)، (النُّبوّة ونبيًّا، اسم سيلمان دليل النُبوّة، أي ثلاث مرّات)، (النمل: ثلاث مرّات)، (القمح: مرّتان، والحقول منابت القمح، ليكون ثلاثًا)، (لأحطمنّكم، الحرائق، الخراب: ثلاث أيضًا) وهي دليل على (الأسلحة) القاتلة التي جاءت بكلمة واحدة مفرده، وهو دليل على أنّ كلّ ما حصل، ويحصلُ من التحطيم والحرق والخراب، هو بفعل سلاح واحد، بيد واحدة أيضًا.

   بالتوقّف عند قِصَر النص المُقتضب، هل هذا التكرار أخلّ هبُوطًا بقيمة القصيدة؟. أرى أنّ النصّ جاء مُتماهِيًا حابِيًا على محمل التناصّ  والاتكاء القرآني، وكما أنّ أسلوب التكرار الجماليّ في القرآن؛ جاء لتوسيع دائرة الجماليّات، وللاستفاضة في فضاءات التأويل، لتثبيت الإعجاز البلاغيّ فيه، جاء التكرار في نص تشابه أسماء.

عمّان – الأردن

9\ 4\ 2021

 

 

تأملات قرآنية