الاثنين، 5 يناير 2026

قراءة فوق الأرض. عبد النبي البزاز

 ميزات التعدد والتنوع والتشعب والانفتاح في رواية " فوق الأرض "


بقلم الناقد. عبد النبي البزاز. بغداد 

لعل أبرز ما يميز رواية " فوق الأرض " للكاتب والأديب السوري محمد فتحي المقداد هو طول النفس السردي ( أكثر من 250 صفحة )، وعدد الشخوص ( الذي تجاوز الثلاثين ) ، والأمكنة العديدة والمتنوعة ، فضلا عن تفاصيل ، وجزئيات ، واستطرادات ولَّدت حكايات متشابكة الخيوط ، متعددة المناحي والمرامي في أبعادها النفسية والاجتماعية والإنسانية والتاريخية  عبر أحداث ووقائع توزعت بين قيم وأفعال كالظلم والعداء ، والمقاومة ، والخيانة ، والاستسلام ... تم تصريفها عبر ُنُظم ومسلكيات من تظاهر واحتجاج وهجرة وترحيل مرهونة لرؤى تأرجحت بين الثبات والتراجع ، والتضحية والخذلان ... وأمام تشعب فصول الرواية ، وكثرة تفاصيلها مما يُصَعِّب من الإلمام بأغلب مكوناتها  ، والنبش في ما تتضمنه من عناصر تتآلف ، وتتناشز عبر علاقات مركبة ومعقدة ، وامتدادات موسومة بسعة آفاقها ، وبُعْد رؤاها وتصوراتها سنقتصر على بعض الجوانب  من متنها السردي الغني والمتنوع .

ومما يطالعنا في مستهل الرواية حديث الراوي فاضل عن اختياره للعزلة كما عبر عن ذلك في قوله : "أغلقت نافذة صومعتي ، أرخيت ستائرها عدت إلى رشدي ... انتبهت لأوراقي وأقلامي مما أثار بداخلي شعورا بالراحة ... " ص25، وهي طقوس انخرط فيها الراوي بخلق الأجواء المناسبة لكتابة نوعية تمنح شخوصها ( الأبطال ) حرية التعبير دون أي تدخل لتحوير كلامهم أو تحريفه مع تخويل صلاحية الحكم للقارئ : " من المهم لي احترام الموقف ؛ بإفساح المجال لأبطال الرواية الآخرين ... ولن أتدخل في مسار أحاديثهم ... والقارئ هو الحكم الوحيد الذي بإمكانه الدفاع عما قرأ ... " ص 25، وهذه الخلوة التي اختارها الراوي تعج بحكايات وقصص مختلفة ومتنوعة بين الإبهار والجودة ، والتفاهة والإسفاف : " صومعتي (غرفتي ) معتزلي ، يختزن حكايات وقصصا تنث دهشة ، ومنها مما لا يُنْظَر له إلا على أنه تافه مضحك . " ص 26، معلنا عن قرار كتابة روايته " فوق الأرض " دون إهدار للوقت في أمور غير ذات نفع أو فائدة : " شعرت بأهمية الوقت ، وكان علي عدم إضاعة دقيقة واحدة ، عندما قررت كتابة هذه الرواية " فوق الأرض. " ص7 ، موضوع الكتابة الذي سلك منعرجات متباينة ، واجترح حدودا مغايرة في المسار الذي رسمته رواية  " فوق الأرض " ، فحسب فاضل السلمان ، والذي لم يمنعه خطه النضالي الشائك والمكلف ، في الإقرار بقيمة الكتابة وأهميتها : " ـ فاضل السلمان : أنا على قناعة تامة بأنه لا بد من الكتابة ، لأنها هي الحل برأيي ... ربما يتوجب علي كتابة الكثير بالتفاصيل المملة ... " ص164. وعلاقة بموضوع الكتابة ، وما تحتله  من مكانة مؤثرة في التعبير يحضر فعل القراءة ، بحمولاتها المعرفية ، والتي تسهم في إغناء الرصيد الثقافي فيصبح أكثر سعة وانفتاحا : " القراءة المتأنية تحفر بنتائجها مسارب العقل العميقة ، وتلامس شغاف القلب . " ص 236، فهي ،أي القراءة ، في كنهها الوجداني ، وجوهرها الذهني تغوص في أعماق القلب ، وخفايا الفكر . وإن  كان عدد الشخوص كبيرا إلا أن الذين ساهموا في تسيير الأحداث ، وانخرطوا في معمعتها ارتباطا بموضوعات كالاعتقال ، والنضال ،و التظاهر، والاستشهاد في تعالق وتواشج وتقاطع مع ما هو ثقافي وفني ، وهم قلة ، فإذا كان فطين اعتكف في غرفته ناشدا العثور على فكرة بحث عنها طويلا : " وجدت فكرة كنت أبحث عنها منذ سنة تقريبا ، والآن وجدتها . " ص11 ، وتداعت إليه صور تطفح حزنا وأسى عن أمه التي تألمت كثيرا على فقدان ابنها محمد من زوجها الثاني : " أحزان الأرض كلها تهيجت من اجل وجهها المتلألئ الغائص في لجج الآلام على وحيدها محمد من زوجها الثاني غير أبي ، وأنا وحيدها كذلك من أبي .. أم الوحيدين . " ص  15،  والذي اغتيل فأثر ذلك على الأم التي تقطع قلبها ، وانتابتها مشاعر حزن عميق  : " الفجيعة فطرت قلبك .. ، أواه يا قلبك المسكين ..!!، وصلك الخبر أثناء تواجدك في مخيم الزعتري ... تربته ارتوت من دموعك وحدك ... " ص 16، وتفاعله مع أمه التي رزئت في ابنها ، وما خلفه ذلك من جرح غائر بدواخلها عصي عن  الالتئام والاندمال : " أؤكد أن دموع أمي لم تكن وسيلة العجز بل ضريبة الأمومة ، فآخر كلام قالته ، أنقله عنها بالضبط . بعد أن كفكفت دموعها : ... دم محمد مازال نديا في قلبي ، والتراب الذي ارتوى منه أعشب ... " ص 23. ومن أهم شخصيات الرواية نصّار الذي تطوع لمهمة حفر القبور ، رغم منصبه الاجتماعي والوظيفي المحترم ، بعد مقتل أخيه نادر متخطيا ما راوده  من توجسات : " ـ أعتقد أنها مهمة مخيفة ... أين سيكون موقع قلبي مني ؟. هل سيترتب علي نسيان عواطفي ، وتجميدها ؟." ص 34، أسئلة تقاطعت مع صور ترسخت في ذاكرته ووجدانه : " انداحت أمام نصّار صور شتى لا تعد ولا تحصى ، اصطفى من بينها صورتين ... صورة فادي ( ابن عمته ) ... يتلمس جرحه البليغ ، دمه يثعب مستعجلا إلى خارج جسده ، حدقتاه تُعتِمان، وينتهي كل شيء هناك فوق الأرض في بيروت ... صورة أخي نادر أتخيلها ، عندما أصيب برصاص القناص  اللئيم ... " ص46. ثم ما فتئ يحدد ويجدد رؤيته للموت موازاة مع الحياة : " في مهابة الموت تهون كل زخارف الدنيا ومباهجها ... " ص40، وعلاقته ، أي الموت ، بتبديد غياهب النسيان التي تجلل محيط الذاكرة : " وهل نحن بحاجة للموت لإجلاء غبار النسيان عن ذاكرتنا ؟. " ص 15، في تساؤل وجودي عن مدى حضور الموت واستحضاره لتطهير الذاكرة من أدران النسيان . وفائق ابن عم نصّار الذي عاد من ليبيا بعد عشر سنوات واسترجاعه لما عاشه من معاناة وقهر وتعذيب في سجن تدمر العسكري حيث قضى سنة كاملة بسبب فراره من دوامه خلال تأديته خدمة العلم ( العسكرية ) مما َولَّد لديه ( فوبيا) رهيبة ، وقد استفاد بشكل ، غير متوقع ، من دعم السلطات ، وحفاوة التعامل " ـ خذ الرحالة فائق إلى قيادة الشرطة ؛ لاستصدار كتاب موجه إلى فرع الحزب ... لم يواجه فائق أية صعوبات في الحصول على الموافقات اللازمة ... " ص95، وهو ما  لم يصدقه ولم يتوقعه : " نشوة عارمة اكتسحته ، نقلته إلى عالم الخيال ... وهو ما لم يكن قد توقعه ، في أن يصبح موضوعه وقصته حديث الساعة ، وعلى هذا المستوى من حفاوة الاستقبال والتوديع ... " ص 96، وهالة نجم الدين الفنانة التشكيلية المقيمة بإيطاليا التي ألهمتها أجواؤها  وفضاءاتها زخما إبداعيا عكسته وترجمته في لوحاتها : " بدأت رحلتي  قبل سنوات مع روما لليوم الأول، بجولة تاريخية لمشاهدة أجمل ما خلَّفته الحضارة الرومانية ... مدينة منسوجة من الأشواق والعشق والرومانسية ... " ص 135 ، وما راعها من مشاهدات ومعاينات أذكت جذوة الإبداع بداخلها : " هناك على طرف الميدان وتحت عامود الكهرباء أرى أحد الفنانين التشكيليين ، يرسم جدارية على جدار أوهنه الزمن هشاشة من كثرة الرسم والمسح ." ص 137، ومشهد فتاة غجرية يطوقها التيه والعوز والضياع : " إنها هناك ، فتاة صغيرة شقراء ، متشابكة الشعر... إنها قطعة من القدر تمشي في شارع الحياة ، المثقلة بأحمال  الخوف من الجوع ... لا يستر جسدها سوى أسمال بالية ... " ص 139، مشهد فَجَّر لديها الإحساس بالكتابة عما راعها من تلك الفتاة فسطرت مقاطع شعرية تنضح صدقية وتأثرا قرأتها على زوجها . هالة التي استضافتها قناة الجزيرة مما ساهم في منحها إشعاعا وانتشارا فنيا وإبداعيا وثقافيا وهو ما أفرح فئات عريضة من الجمهور العربي  والسوري وأصدقائها من كتاب و مثقفين ، وقد اخبر فاضل صديقه معن وسعيد الذين جمعتهم سهرة غنية بنقاشات حول الوضع في بلدهم ، وما أفرزه من وقائع وأحداث : " نسيت أن أخبركم عن موعد حلقة صديقتنا ( هالة نجم الدين ) ستبث على قناة الجزيرة ، يوم غد الأربعاء التاسعة ليلا بعد نشرة الأخبار . " ص206، وفعلا كانت المتابعة ممزوجة بشوق ولهفة : " العيون مثبتة على أجهزة التلفزيون والأعصاب مشدودة ... " ص 207، وكان الموضوع يدور حول رواية " فوق الأرض " ، والتي ساهم في كتابتها مجموعة من الأصدقاء من ضمنهم هالة ، والتي سألها المذيع أيضا ، إلى جانب مشاركتها في إنجاز الرواية ، عن إقامتها في إيطاليا ، وممارستها للفن التشكيلي ، وعلاقتها بهذا الفن وحيثيات اتجاهها لمجال الكتابة ، ومدى تأثير الغربة والاغتراب على حياتها الفنية والإبداعية ، وحجم اهتمامها بالموسيقى ، والأوضاع المزرية والمأساوية في بلادها سوريا ، وعن أمها وابنتها سارة ووقع تأثرها بالمظاهر الحضارية والعقدية والفنية في إيطاليا ، وأيضا عشقها لأغاني فيروز ، واهتمامها بالأدب العربي ، وما يكتبه روائيون مثل فطين ، وشعراء كأمل دنقل ، ومدى إحساسها بالوحدة في بلاد الغربة ... تألق توالى وغدا أكثر انتشارا حيث عرفت معارضها إقبالا كبيرا بإيطاليا أكسبها شهرة غطت الآفاق : " هالة بعد انتهاء معرضها الثاني هذا ونجاحه الباهر ؛ سيضعها على قائمة الفنانين التشكيليين المرموقين ، واسمها صار عالميا بعد شهرتها عربيا إثر مقابلتين لها مع قناة الجزيرة ... " ص 252، وعلى نفس المنوال سار القاص والروائي فطين الذي ظهر في برنامج تلفزيوني ثقافي للحديث عن المشروع الروائي " فوق الأرض " بحيث أوضح فيه رؤيته للكتابة من زاوية مخالفة تمنح لأبطال الرواية حرية التعبير بمحض إرادتهم واختيارهم دون وصاية أو تحكم مسبق من الكاتب : " وأخبرتني وقتذاك : أنك أفسحت المجال لأصدقائك أبطال روايتك كتابة ما يشاؤون وعلى طريقتهم ، وقررت الوقوف جانبا تنظر إليهم ، وهم منهمكون في رسم أدوارهم . " ص 226، بل ساهموا في كتابة خاتمة الرواية خوفا من أن تأتي مبتورة . كما أن منهم من تطوع للكتابة عن أمه لأنها أمية مثل فطين : " فأنا تطوعت للكتابة عن أمي لأنها أمية ، لا تعرف حقيقة تاريخ ميلادها ... وتنفرج أساريرها بفرح طفولي ، وهي تعود لِسِني طفولتها وشبابها ..." ص228.

وفي تقاطع وتواشج وتجاذب مع باقي موضوعات الرواية الكثيرة ، وأحداثها المتداخلة والمتشابكة والمتشعبة ؛ من مظاهرات ، واعتقالات ، ونضالات ...برز موضوع الثقافة والفن من خلال شخصيات فائق ، وهالة ، وفطين  التي ساهمت في مشروع رواية " فوق الأرض " ، وما تطرحه وتتبناه من تصور مختلف للكتابة النمطية ، وذلك بإشراك وإسهام شخوص الرواية وأبطالها في رسم معالمها ، وسير أحداثها عكس ما هو سائد من إناطة نسج خيوط السرد للراوي . ومن أهم موضوعات مدونة الحكي موضوع الاعتقالات بدءا  من أسرة عبد الرحمن التي اعتقل ابنهم سمير كما يروي الأب : " ـ والله ، مع انطلاق آذان الفجر أثناء يومنا ، اقتحمت دورية الأمن بيتنا ، واعتقلوا ابني سمير ، بعد أن قلبوا أغراض البيت ... وتركونا في حالة يرثى لها ، مازالت  أم سمير تبكي والأولاد من حولها لم تنقطع دمعتهم . " ص 71، وحسب ما راج عن سبب اعتقالهم ما كتبوه على الجدران من عبارات ضد الدولة ... وفاضل السلمان اعتقل على خلفية ما كتب في المنتدى عن بلده سوريا ، وطرحت عليه أسئلة حول ما كتب فأكد أنه لم يسئ إلى البلد : " ـ موقفي كان واضحا من خلال ما كتبت في مقالتي ، وأشرت فيها إلى الاستقرار والأمان الذي ننعم فيه جميعا في سورية . " ص 117، وسُئل عن علاقته بالمهندس معن ، وهالة نجم الدين فأجاب بما يعرفه عنهما ، كما تحدث عن معاناته من ظروف الاعتقال المزرية : " آثار التعذيب تركت بصمتها المنقوشة في أعماقي جرحا نازفا ... ضيق زنزانتي رحمة ، ظلامها فسحة مضيئة من الهدوء ، أتاحت لي لملمة ذاتي . " ص 120،  مع ما صاحب ذلك من مضايقات ومتابعات عبر لغة الفرض والإرغام  : " خاصة بعد مجيء عنصرين من الأمن السياسي وقتها ، وأخذوا مني تعهدا خطيا بعدم الدخول لمنتدى ( أتاو ) ... " ص 121، واعتقال فائق كذلك في ظروف لا تقل سوءا : " بينما أخرجوا فائق من الحمَّام مغطي العينين بطماشة جلدية سوداء ... ويداه مكبلتان للأمام بقيد حديدي ... " ص 190. وموضوع المظاهرات والاحتجاج الذي انطلقت شرارته بعدما ضاق المواطن ذرعا من أساليب الظلم والقمع والتضييق ، والاعتقالات التعسفية : " لكنهم آمنوا أن الحرية تؤخذ ولا تعطى .. طار صواب السلطات بمجانبتها  للاستماع  والإنصات لصوت العقل .. وصوت الجماهير ، واعتبروا أن شق عصا الطاعة جريمة لا تغتفر أبدا ... انقلبوا، وكأن مسا من الجن أصابهم ؛ فاستنفروا بكامل وحشيتهم وهمجيتهم . " ص60، مما ضاعف من عزم المواطنين على التمرد على كل ألوان الظلم  وقرروا الخروج للتظاهر والاحتجاج : " أولياء أمور الأولاد المعتقلين ، عندما ضاقوا ذرعا باحتجاز أطفالهم ، بعد مشاورات ومداولات وسهرات متتابعة ... أخيرا أجمعوا الرأي على التجمع كوفد ... للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم . " ص61 . وذكر موضوع الحرب كآفة لا تتوانى في حصد الأرواح ، وإزهاق النفوس : " الحرب ظالمة وإن كانت عادلة . العلاقة جدلية قائمة فيما بين نقيضين ، الحرب ظلمها  في دمارها للإنسان والبنيان . فلا ينجو من شرورها لا حجر ولا بشر ."  ص242 ، والنضال كوسيلة للرفض والمواجهة، الذي كرست له نخبة من أنتلجنسيا البلد حياتها ، ووهبت له نفسها دفاعا عن قناعة راسخة لمناهضة الظلم والفساد مثل نموذج المهندس معن : " معن صلب الإرادة ، من الممكن أن تلين صخور البازلت ، بينما يقينه يزداد رسوخا بعدالة قضية شعبه المظلوم ...فإن صرخة معن جديرة أن تؤرخ ؛ فالبدايات لها شرف السبق . " ص 78، نضال كان مصير متزعميه الاستشهاد وهو ما حصل مع معن : " والمهندس سعيد صديق الشهيد معن رحمه الله ..." ص243 ، فسعيد هو الآخر أدى ثمن نضاله بإعاقة حركية إثر إصابته بشظية في ظهره عقب قصف طائرة مروحية لبرميل متفجر تطايرت شظاياه . فالحرب الغاشمة المدمرة حصدت أرواح مواطنين أبرياء ، ومناضلين بررة شرفاء وهبوا حياتهم للذود عن قضايا العدل والحرية والكرامة ، وقدموا أرواحهم فداء لمبادئهم الإنسانية النبيلة . كما ورد ، في سياق أحداث الرواية ومجرياتها ، الحديث عن القومية العربية ، وما أحاط بها من استرخاص وتبخيس للدم العربي : " المفارقة أن الدم العربي رخيص على الصعيد الرسمي ، خلاف الأمم الأخرى . " ص43، وتخاذل العرب ، وتقاعسهم عن الوحدة والتضامن ارتهانا لحسابات ضيقة يحكمها حس الانتقام القائم على أسباب واهية مما حذا بفاضل إلى القسم والجزم بعجز العرب عن تقديم ما يعود بالنفع على بلادهم وأمتهم : " أقسم بالله العظيم ، أنه منذ1900 م، لم يستطع أحد من العرب تحقيق شيء نافع لبلاده . هذا اليمين المغلظ من أجل التاريخ ، لم يطالبني به أحد البتة . " ص 132، شهادة من شخص خبر النضال ، وذاق ويلات الاعتقال . ووردت كذلك في ثنايا الرواية فكرة ذات صبغة وجودية طرفاها الموت  والحياة كما يراها نصّار حين تطوعه لمهمة حفر قبور الشهداء ، وما عاشه من أحداث في فضاء المقبرة ، وما أحاط به من مشاهد ومواقف عمقت من تصوراته ، ووسعت رؤيته للموت والحياة ، حيث يقول : " أنا الآن في عنق الحياة ، شعوري هذه اللحظة أني قريب من الموت حد الموت بحجم الأسى .. بعيد عن الحياة كتباعد يوم ميلادي .. لا يقلقني الموت بذاته .. تستفزني تناقضات المشاعر . " ص 48، في مقاربة فلسفية بطابع وجودي قطباه الموت والحياة . وتمت كذلك الإشارة لوقائع تاريخية في السياق السردي : " كما بغداد تحت سنابك خيول المغول في سقوطها الأول  ، ودجلة مازال شاهدا على مغول العصر  ... ولو ملئت صحف الدنيا كلها كتابة ؛ فإنها لم ، ولن تفي وصف ساعة واحدة من حياة البغداديين في مرحلة بريمر . " ص17، في إشارة إلى ما تعرضت له العراق من تدمير وخراب على يد المغول قديما ، وأمريكا في العصر الحالي بعد غزوها للعراق ، وإرسال بريمر إلى بغداد ليشرف على إدارة شؤون العراق بعد الغزو الأمريكي . والأحداث المؤلمة لسوريا التي ترزح تحت وطأة  التهجير  والتقتيل  : " بلا شك أن أحداثه وقعت فوق الأرض في الجمهورية العربية السورية على أيدي حماتها المفترضين ؛ بتحقيق موازين العدالة والرفاه  لمواطنيهم الذين أصبحوا مأساة العالم ولم يحدث أكبر مما صنعوا من مآسي التهجير الجماعي ... " ص22، وما تعرض له لبنان من جور وعدوان من قبل الأشقاء السوريين : " مساكين هم أهل لبنان لا حول ولا قوة لهم ، مقابل الآلة الهمجية للجيش السوري بإمكاناته الضخمة ... " ص 156، وهو ما يعكس تناحر العرب بينهم بدافع حسابات تسقط في مغبة التسرع والتهوربدل توجيه بوصلتهم ، وتكثيف قواهم لمناصرة فلسطين المكلومة في مواجهة عدوان الصهاينة، وكسر شوكة غطرستهم وجبروتهم . ورغم ما طغى على المتن السردي من مآسي ونكبات فإنه لم يخل من ذكر  بعض مظاهر الفساد التي تستفحل في المجتمع من رشوة : " ومن لم يكن من أصحاب المعدلات العالية ؛ فعليه دفع الرشاوي لأصحاب الواسطات ؛ للحصول على هذه الوظيفة ، لما لها من الامتيازات الكثيرة ... " ص32، وتهريب السلع لبيعها في استغلال لعامل السلطة وامتيازاتها : " عندما كان يوصي عليه من لبنان مع العساكر الذين كانوا يخدمون هناك ، ويجلبون معهم الأغراض والأشياء لبيعها في سورية ؛ لتحسين وضعهم المعاشي، ومنهم من جمع ثروات حقيقية من التهريب ببن البلدين ، خاصة الضباط وصف الضباط والعساكر . " ص 86، والسرقة المكشوفة التي يقترفها العسكر في حق أفراد مدنيين كحالة  فاضل مع العسكري الذي سطا على نقوده : " العسكري تمتد يداه لتفتيش جيوب ملابسي ... وهو يسحب منها حافظة نقودي الجلدية السوداء ، يفرغ محتوياتها على الطاولة ، النقود يدسها في جيبه خفية ... " ص149 ، وورد كذلك في سياق الأحداث التي عجت بها الرواية  قصة الحب من طرف نصار إزاء ابنة عمته حمدة التي هاجرت للسعودية  والذي رغم قناعته بعدم نجاحه في الارتباط بها ظل وفيا لهذا الحب ولو من جانب واحد كما صرح بذلك : " رغم فارق السن بيننا ، ويقيني منذ البداية أنه كان مستحيلا أن نكون لبعضنا  أزواجا رغم حبي الذي لا يموت ما دمت على قيد الحياة ... لكنك ملهمتي . مشاعر طغت على تفكيري ، سدت كل منافذ الرؤية باتجاه المستقبل ، إلا نافذة واحدة .. فقط من خلال عينيك . " ص 52، عشق لازمه لأمد طويل ، بحيث سكن ضلوعه ، وعشش في ذهنه حتى بعد زواجه ومن امرأة تتمتع بالوسامة والجمال : " رغم جمال زوجتي الباهر ، لكنه لم يستطع التغطية على حبي الأول السلبي من طرف واحد إلى هذه الساعة وبعد هذه السنوات الطوال من زواجنا ما زالت عينا حمدة الأجمل... " ص 222 . كما تضمن المتن السردي  ذكر أسماء أعلام في السياسة ك نابليون ، وتشرشل ، وأمين الجميل ، وميشال عون ، ومعاوية بن أبي سفيان . والأدب مثل حنا مينة ، ومعروف الرصافي ، وأمل دنقل ، وامرئ القيس ، وابن الرومي ، وتوفيق الحكيم ، وصلاح عبد الصبور ، وواسيني الأعرج . والتصوف كالحلاج . وفي مجال الفقه والدين كابن تيمية ، وابن حنبل . وهو ما أفرز استحضار فاضل ، في عز محنته ، داخل المعتقل أعلام مثل ابن تيمية : " ما قادني لهذا الشعور المفاجئ ، عندما تذكرت عالم الدين والفقيه ( ابن تيمية ) . حينما  حُبِس ، على خلفية اختلاف آرائه في العقيدة مع علماء السلطان الذين أرادوا سوءا . وفي فترة الحبس الثانية على خلافه مع الصوفية ، عندما أنكر عليهم كثيرا من أفعالهم وشطحاتهم ، رغم أنه كان صوفيا في بعض مراحله . " ص125 ،  في تقاطع وتماه مع وضعيته وقت اعتقاله : " عند إخباري بنقلي إلى سجن  ( عدرا) ، الذي قضيت فيه ثلاثة أسابيع ؛ لتكمل فترتي كلها تسعين يوما ، كنت محتجزا على ذمة التحقيق عند المخابرات ، وبلا مذكرة اعتقال. " ص 127، و استحضار الشاعر صلاح عبد الصبور حيث قال بصدد ذلك : " الشاعر( صلاح عبد الصبور)، جاءني بصورته المرتسمة بقاياها في مخيلتي ... استعرضت من جديد بقايا ما علق في ذهني مما قرأته قبل سنوات ، في مسرحيته الشعرية الشهيرة ( مأساة الحلاج ) ... " ص128، مما َولَّد لديه حالة من تجاذب روحي وحسي : " خاصة في حبسه (يعني الحلاج ) ، اتحاد حالتي واندماجها بتماثل عجيب مع هؤلاء القوم من صفة الصفوة ، الصفاء الروحي في أعلى تجلياته المتسامية على واقعي المتردي في هذا المكان الحقير... " ص129، لينضاف إلى ابن تيمية ، والحلاج ، وصلاح عبد الصبور الروائي الجزائري واسيني الأعرج والإمام أحمد بن حنبل في أفق تداعي تتوارد صوره ومشهدياته : " ألتقي ( ابن تيمية )، و( الحلاج ) جاء مقيدا بأصفاد رائعة ( صلاح عبد الصبور ، و( واسيني الأعرج ). يا إلهي ..!!.. التهيؤات تتجلى إلى تصورات أعاينها بكل قواي العقلية ، الإمام (أحمد بن حنبل ) حضر إلي أيضا ليشد من عزيمتي ؛ فانجلت أغشية الظلام عن روحي ، وحكى لي الكثير عن محنته في السجن ، ومراودته على صلابته في الحق ، وأساليب الإغراء بالترغيب تارة ، وأخرى بالترهيب . " ص 130، فيجترح معهم حوارا ت ،خاصة مع ابن حنبل، عقدية وجودية ، واستخدام طرق القمع والترهيب لزعزعة قوة الإيمان بقناعة فكرية و دينية ، للتحايل ، بشتى الوسائل ، على اجتثاتها واستئصالها . ولابد من الإشارة ولو باقتضاب لما ورد في مقابل عنوان الرواية " فوق الأرض "  عبارة " التحت "   مثل ما جاء على لسان فاضل : " فتساوى عندي الفوق والتحت ، هذا التقارب ؛ أطلقني للتفكير على سجيتي بلا قيود . " ص 120، الذي سحب صفة التقابل والتضاد عن الفوق والتحت وهو ما غدا معه نمط تفكيره سلسا وتلقائيا .

فرواية " فوق الأرض " تتضمن ميزات وخاصيات سردية موسومة بالتعدد والتنوع والتشعب والانفتاح مما يصعب معه الإحاطة بمكونات نسقها الروائي ، ومجريات أحداثه ، وتوجهات شخصياته  بما يجمعها من مواقف ورؤى ، وما يفرقها من سياقات حبلى بزخم من تحديات ورهانات نأمل أن نكون وفقنا في مقاربة بعضها من خلال هذه القراءة التي  يعوزها الكثير من عناصر الإلمام والاستفاضة نظرا لضيق حدودها وحيزها. 

عبد النبي بزاز ـ المغرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ فوق الأرض ( رواية ) محمد فتحي المقداد .

ــ المكتبة الوطنية ـ الأردن 2019 .


بين العدسة والكلمة

 


بين العدسة والكلمة

بقلم. محمد فتحي المقداد. سوريا


ما بين عدسة آلة التَّصوير والكتابة يكون موقع "محمد الصّمادي" الفوتوغرافي والأديب، وتتَّسِع رُؤاه عندما تضيق فتحة عدسته، وتندلق أفكاره حُروفًا تحبو على صفحاته البيضاء، لترسم دلالات ذات أشكالٍ ومعانٍ، ترتقي لتشكيل معلميْن في كلا الاتِّجاهيْن، في التَّصوير والكتابة. فإذا ما أراد توثيق حالة فتح قلبه في دفتره، وعندما يريد الكتابة يمتشق آلة تصويره، ليكتب بعين العدسة وقلبه بإحساسه المُختلف برؤيته لطبيعة الأشياء من حوله. 

إقامتي في إربد استغرقت ستّ سنوات، أفسحت لي المجال للتعرُّف أكثر، بل  التعمُّق لمعاينة تجربة محمد الصَّمادي الكتابيَّة، ومن حُسن حظِّي أنَّني شهدتُ ميلاد بعض أعماله الأدبيَّة والقصصيَّة، فقد كان لي شرف مُشاركته حفل توقيع كتابه" هو الذي يرى" بإضاءة مُتواضعة، إعرابًا عن تضامُني معه. الذي هو عبارة عن سيرته بأقلام أصدقائه ومُحبَّيه.

ومع صُدور مجموعته القصصيَّة "جُرعتان والبقيَّة تفاصيل"، حتَّى أدركت القيمة الأدبيَّة الوازنة عند "محمد الصَّمادي"، واستطعت تحديد مدرسته الواقعيَّة، يكتب قناعاته وما يُلبِّي رغبة ذائقته الأدبيَّة، وفي النصَّ "جُرعتان والبقيَّة تفاصيل"، وكان أن تصدَّر عنوان المجموعة، قُوَّة العنوان سَفَحَت ما في طريقها لتأخذ مكانها الطَّبيعيِّ.

وبعد ذلك دخلتُ معمعة كتابات محمد الصمادي في مجال القصة القصيرة جدًّا (ق.ق.ج)، وأصدر مجموعتان ضخمتان بعدد نصوصهما، والغرابة جاءت من اختياره عنوانيْن لهما فالأولى (333) والثانية (444) ودلالة العنوان على عدد النصوص التي تحتويها كلٌّ منهما.

وفي مجال الرواية فقد دخل في كتابة روايته التي كانت حلمه (مُصوِّر أعمى)، وكم حدّثني عن مشروعه الأسمى حسبما ما عبَّر بكلامه الكثير حول فكرة الرِّواية، وأظنُّها قد اكتملت خلال فترة مُغادرتي لإربد في (3\9\2025). 

محمد الصَّمادي نبعٌ مُتفجِّرٌ بالكتابة حتى استطاع تشكيل سيْل لا ينقطع من تدفُّقات أفكاره، حرصه الشَّديد بسباقه مع الزَّمن، دخل في متاهة الكتابة اليوميَّة باستمرار وبلا توقُّف، لدرجة مُحيِّرة لكلِّ من يُريد مُتابعة ما يكُتب.

وآخر ما شهدتُ، ميلاد كتاب ضخم له، تحت مُسمَّى "الأعمال الكاملة. لمحمد الصَّمادي"، ويحتوي على قديمه وجديده من إصدارات، في مجال القصَّة والشِّعر، فهو مُصنَّف في رابطة الكُتّاب الأردنيين تحت مُسمَّى "شاعر"، نعم فهو شاعر بطبيعته يُدندن مع جبال عجلون لحن الطَّبيعة الخالد، ومرجعيَّته في المنشأ، الذي أكسبه صفاء الذِهن، وصلابة الموقف.

أستطيع القول بمنتهى الوضوح ، وبلا جدال ولا مِراء: إنَّ محمد الصّمادي قامة أدبيَّة وطنيَّة أردنيَّة وعربيَّة، له من الصَّوْلات والجَوْلات في توثيق الحالة الثقافيَّة في شمال المملكة، وبذلك يُعَدُّ مرجعيَّة واعية، شاهدة على عصر يُعادل رُبْع قرن على الأقلِّ من الفعل الثقافيِّ. وفي مجال الكتابة الأدبيَّة فهو لم يتوقَّف، وبعد تقاعده عند الستِّين تفرَّغ للكتابة، وإعادة ترتيب أفكاره، واستخراج قديمه المكتوب من ظلام الأدراج ليرى النُّور بحُلَّة جديدة، مُكلَّلة بتطوُّرات رُؤاه  وخبراته في مجالات تتطلَّب منَّا ككُتَّاب، وأدباء، ومُهتَّمين الاِنْتباه لتجربته الأدبيَّة، ودافع للكتابة عنها كي تبقى مسيرة الإبداع على طريقها الصَّحيح. 

بتوقيت بُصرى. السبت ــــا17. 12. 2025


قراءة بنسيون. محمد الحفري

 


بنسيون الشارع الخلفي 

الرواية الفائزة بجائزة ناجي نعمان عام 2025م

محمد الحفري 

عندما تقرأ رواية "بنسيون الشارع الخلفي" لمؤلفها الكاتب محمد فتحي المقداد، تشعر أنك تشاهد تلك النفوس البشرية التي تكسرت بين الحرب والخوف، وكل نفس منها تحمل وجعاً أكبر من حجمها، والبنسيون هنا ليس مجرد مكان محدد وضيق كما في معناه العادي والرواية لا تحكي فقط عن حال الذين عاشوا في داخله، بل عن وطن نازف بعد أن تمزقت روحة إلى أشلاء تناثرت، وتبعثرت في أرجاء هذه المعمورة، لتصل في نهاية الأمر إلى مقولات لها وقعها الخاص منها أن الحرب لا تدمر البيوت وحسب، بل تخرب القلوب وتترك فيها فجوات وجراحات لا تندمل طوال العمر، وتتجلى أهمها من خلال حديث "نورما" التي تأخذ دور البطولة في هذا العمل، وخاصة وهي تشير إلى التعليم والأطفال والمستقبل، وكأنها تقول: رغم كل شيء هناك بذرة للحياة، لا بد أن تنبت من جديد. 

يبني الكاتب المقداد وبذكاء يثير الانتباه مكان نصه بين الخراب والعمران، وبين الموت والحياة، ويبدو أن سنوات الغربة الطويلة التي عاشها في الأردن لم تنسه سوريا، وشوارعها وناسها وتفصيلات حياتهم، ولذلك وضع "بنسيونه" بالقرب من دوار"البطيخة" الشهير والواقع في الجهة الجنوبية من مدينة دمشق ومن ذلك الدوار يبدأ شارع الثلاثين الذي يتفرع إلى عدة محاور ويصل إلى " الحجر الأسود" شمالاً ومن جهته الشرقية مدخل مخيمي"اليرموك، وفلسطين" بينما تقع "الزاهرة" من الجهة الشمالية ومنطقة "البوابة" من الجهة الغربية ونحن إذ نشير إلى ذلك، فقصديتنا منها التنويه إلى الموقع الحساس الذي اتخذت منه الرواية مكاناً خصباً لها، و"لا يمكن تصور الرواية بلا مكان حتى لو كان خيالياً، وأعتقد أن كثيراً من الروائيين يفضلون الأمكنة الواقعية رغم خيالية الأحداث" كما يرى الباحث محمد سليمان، وفي اختيار الكاتب لذلك المكان الخيالي بين الأمكنة الواقعية يتجلى حسن التصرف والتوجه صوب مغامرة التجريب التي أنتجت نصاً سردياً سبر لجة الأحداث السورية وغاص في مكنوناتها العميقة. 

لقد كان "أبو حيدر" الضابط المسؤول عن حاجز "دوار البطيخة"  يشرف على عمل "البنسيون" الذي يمتلكه " نبهان" وهو من تجار الحرب وقد ساهم في تعفيش البيوت، وتجريدها من كل شيء، ثم انشغل بالبحث عن المخطوطات الثمينة، فهي الأكثر رواجاً وربحاً وكان يشتغل على قاعدة يقول مفادها: " حلال على الشاطر، ستذهب لي ولغيري، وأنا أولى بها" وكان مقتنعاً أن الحرب فرصة عابرة ربما لا تتكرر، وكثيراً ما اشتغل مع عماله "بتشليح" الناس أو سلبهم ممتلكاتهم، وخاصة بعد أن خلت البيوت من أصحابها ولم يتبق فيها سوى القليل من كبار السن، وهو يتعامل مع من يلتقي بهم كمحقق مدرب ويمتلك الخبرة، كما تصفه الرواية ونحن إذ نركز على هذه الشخصية، فهي "محور الرواية والوحدة العضوية تتحقق من خلالها، والأحداث تدور حول تلك الشخصية، وتتصاعد مع نمو الشخصية، والشخصيات هي خادمة الفكرة" كما يرى الناقد المغربي الدكتور عبد الله حمدنا الله، وذلك يعود برأينا إلى كونها صاحبة المكان من جهة، والكثير من شخصيات العمل تتبع لها من جهة أخرى، ومنها " سيرا، فايا، علوان، محمود، نورما، أبو دعاس"

بين تلك الشخصيات المهمة التي يجب التطرق إليها هي "نورما" والتي يمكن وضعها بالمركز الثاني، أو الثالث بعد ضابط الحاجز والتي فقدت زوجها على أحد الحواجز وهو بالتأكيد قد قتل أثناء الاشتباك الذي جرى هناك، وهي تجبر على الإقامة في ذلك المكان نتيجة الظروف وقلة المال، وقد استقبلتها "سيرا" وعاملتها بمحبة وترحاب، لكن تلك المحبة لم تكن "لله بالله" كما يقول العامة، بل من أجل تلبية شذوذها، وتستطيع بعد أكثر من عشرين يوماً الهروب من مكان الفساد والتوجه نحو الشمال السوري، ونحن حين نقول الفساد ذلك لأن المكان قائم عليه، وهذا يعني أنه يهيمن ويسطو على الكثير من مناحي الحياة التي كانت سائدة أيام الحرب

وإذا جاز لنا استخدام المصطلح الرياضي، فنحن نعتقد أن الروائي قد سدد ضربة جزاء محكمة من خلال شخصية "علوان" ولا نبالغ لو قلنا إن وجودها فوق صفحات هذا العمل قد أحدث فارقاً مميزاً في النص، وشكل إضافة مهمة، فهو فاقد للذاكرة من ناحية، وهو قريب إلى القلب، ويشعر من يتلقى كلماته أنه يعرف كل شيء على الرغم من فقدانه للذاكرة، ومن خلاله أوجد الكاتب صوتاً جديداً للسرد وتلك مسألة يشار إليها في تناوب الأصوات، لكن الأهم من ذلك كله أن "علوان" يترك من خلفه رسالتين يخبرنا في واحدة منهما عن العصابات التي دخلت المخيم المنكوب مطالبة الناس بالتوبة، وتقوم بقطع الرؤوس أمام الجميع وفي الرسالتين تفصيلات كثيرة وعلى غاية كبيرة في فن القول وهما يستحقان أن نفرد لهما دراسة خاصة مع شخصية كاتبهما. 

في نهاية هذه العجالة لا يسعنا سوى القول أننا أمام عمل يأخذ بتلابيب القارئ منذ طرقته الأولى، أي قبل سقوط الظلم عن الناس بأيام، وحتى نهايته التي تبث الأمل في القلوب، وقد أستطاع الكاتب محمد فتحي المقداد برأينا أن يجعلنا نقف أمام نصه بما فيه من كنوز ثمينة كي نتأمل أنفسنا ونبحث عنها، ونفكر طويلاً فيما جرى وكيف حصلت المأساة السورية، وهذا ليس بالأمر العادي أو السهل كما يعتقد بعضنا، لأنها من مهام الكتابة الناضجة التي يتقارب فيها الإبداع مع القمم العالية.        

         

          


حوار مع بقعة ضوء

 


حوار صحيفة "بقعة ضوء"

أجرى الحوار "علي الراوي"

(15. 12. 2025)


الطريق إلى الزعتري…. تاريخ أم سردية 

للأستاذ محمد فتحي المقداد

في ديسمبر 25, 2025


الطريق إلى الزعتري…. تاريخ أم سردية

الأستاذ محمد فتحي المقداد ..من أنت ؟

_بتوقيت بصرى: حسب تاريخ أمي بأنها ولدتني في سنة ” الصهاريج” ، وكانت تقصد أن المياه كانت تأتينا بصهاريج القطار لنشرب، حيث كان الجدب والعطش، وحسب ما هو مدون في دفتر العائلة ١٩٦٤م.

ولدت على الأطراف في مدينة بصرى الشام المتربعة على الكتف الجنوبي الشرقي لسهل حوران، ولدت خائفا مذعورا، منذ أن كنت في بطن أمي وما زلت، حينما سمعت عبارة من أحد صديقاتها ذات جلسة لهن: (للحيطان آذان)، تكورت على نفسي للحظات، وكاد جلد بطنها أن ينشق من شدة حركتي بعد ذلك.

في بصرى الشام مهابة التاريخ أبصرت عيناي النور، وتعشقت آذان جدي من مئذنة العروس لمسجدها العمري، وساحة “الراهب بحيرا” مرتع من مراتع طفولتي، وكل صباح مع ذهابي للمدرسة ؛ أبحث عن الأميرة النائمة على سريرها (سرير بنت الملك) ، كنت أتوقع رؤية وجهها الصبوح، وهي تراقبنا من عليائها، وضجيج صخب الحضارة يطن في أذني على مدار الساعة، ومازلت مضمخا بعبق التاريخ، وأنا أترسم خطى النبي “محمد صلى الله عليه وسلم” وأتبحر بنظراتي ( مبرك الناقة ) ناقة سيدنا عثمان التي حملت نسخة ” مصحف الشام”، واكتسى وجهي بسمرة تراب حوران، ولم أشرب ماء أطيب من ماء نبع الجهير. أنه هاجس بصرى الذي لا يفارقني أينما يممت وجهي.

_ أنت ابن محافظة درعا.. ما مدى ارتباطك بشرايين درعا الثائرة، وما مدى تأثيرها عليك؟

_ بكل تأكيد فإن مثلي مثل الملايين من السوريين من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال، وما إن اشتعلت شرارة الثورة فقد كنت من بين الذين هتفوا للحرية ، فقد تعرضت بيوتنا للمداهمات، واعتقلوا ابني في المدينة الجامعية بدمشق، يوم مظاهرة “المزة” الكبرى بتهمة التظاهر، وبعد شهرين أخلوا سبيله.

_ متى بدأت ظلال قلمك تخطو في رمال الكتابة والأدب؟

_ خلال مرحلة الدراسة الإعدادية كنت مهتما بحفظ الأشعار، كنت دائم التردد على مكتبة المدرسة، فأول كتاب أدبي قرأته كان ” عيادة في الريف” للدكتور “عبد السلام العجيلي”.

ومع الأيام تتبعت القراءات المختلفة، والارتحال إلى عالم اقتناء الكتب واستعارتها، إلى أن تكونت مكتبتي فخر ممتلكاتي، التي احترقت _ فترة الثورة_ فاحترق معها قلبي، وضاع معها جزء من عمري.

اكتسبت عادة اقتناء الدفتر الخاص للكتابة، أدون فيه ما يخطر ببالي من أفكار وخواطر، وما يروقني من قصيدة أو فقرة أو عبارة متوهجة، وما زلت مداوما ؛ فعندما تأتي الفكرة يجب القبض عليها وتثبيتها، وعند العودة إليها لاحقا أجدها طازجة الاستواء. وتكون لدي ثروة عظيمة من اتباعي لهذه الطريقة.

_ هل تطور السوشيال ميديا كان حليفا لك كأديب أم خنجرا يقتل روح الإمساك بأوراق رواياتك؟

_ الكاتب الممتلك لأدواته ، جاءت ثورة المعلومات التقنية ، لتعزز مهاراته وقدراته، ونافذة انتشار واسعة ، ليصل صوته إلى أطراف العالم بين الشرق والغرب، وفتحت آفاق تلاقح الأفكار ولا مناص من مجاراة التطورات المتسارعة، للإفادة ولتقييم المواقف.

_ الطريق إلى الزعتري…. روايتك الأولى، وانعطافتك الأولى نحو أدب الثورة السورية، ما مدى ارتباطك العاطفي بالرواية وشخوصها؟

_ قبل ذلك كتبت روايتين من وحي المكان والذكريات، هما ” بين بوابتين” و ” تراجانا”، وهما أقرب إلى السيرة الذاتية ، ومع بداية الثورة عام ٢٠١١م وفي الأشهر الأولى ، كتبت رواية ” دع الأزهار تتفتح”، هذه الأعمال الثلاثة مازالت مخطوطات حبيسة الأدراج، ثم جاءت رواية ” دوامة الأوغاد” عام٢٠١٦م التي شعرت معها بنضوج تجربة الكتابة الروائية، واكتمال خبرتي وتماسكها التقني، وبعدها تكللت مسيرتي الروائية برواية ” الطريق إلى الزعتري” في العام ٢٠١٨م ، إلى أن كانت رواية ” فوق الأرض” في نهاية العام ٢٠١٩م ، سلطت الضوء على مخرجات الثورة والحرب.

وتابعت مشوار الكتابة للثورة إلى أن كانت رواية ” خلف الباب” عالجت فيها الحياة والعيش في المخيم، هذه الراوية فرادتها بتقنيتها، التي اعتمدت بجميع حواراتها على حاسة السمع. ومؤخرا أنجزت رواية ” بنسيون الشارع الخلفي” ، وفازت بجائزة ” ناجي نعمان” لعام ٢٠٢٥م، وركزت على فضح الثالوث القذر ( العسكر + المخدرات+الجنس ) ، وهي من إفرازات مرحلة الحرب.

_ كيف صقل الواقع المرير الذي مر به الشعب السوري شخصيتك الأدبية ؟

_ مأساة الحرب والموت، والقتل والدمار، وحركة الحياة لم تتوقف، فكانت أرضا خصبة لنمو الأفكار ،والتقاطات تصب في مسيرة الكاتب المنتمي لقضيته، وطغت على الكتابات سمة ” الديستوبيا” أدب المدينة الفاسدة، وهي ظاهرة عمت جميع أنحاء العالم والمناطق الساخنة.

_ هل يخشى قلمك الوقوع في فخ الحساسية بين مكونات الشعب السوري المتأجج حاليا؟

_ في الأساس نحن كشعب سوري لم يكن الخلاف مع أي مكون أبدا ، خلافنا مع النظام أصلا، وكان من مصلحة النظام بث روح الحقد والكراهية بين الإثنيات السورية، وتحويل مطالبنا الأساسية بإطلاق الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وإلغاء قانون الطوارىء، والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، والإفصاح عن سجناء الثمانينيات، وغيرها من القضايا العالقة منذ عام ١٩٧٠م وما قبلها بقليل.

ولما لم يكن النظام قادرا على الإصلاح السياسي والاقتصادي، شن حربه الهوجاء على الشعب بأكمله.

_ ما هي ” الخطوط الحمراء ” التي ترفض تجاوزها في كتاباتك؟

_ بطبيعة الحال هناك محددات لا يمكن تجاوزها، لن أخون وطني بالتجديف ضده مع الأعداء والأفاقين والدجالين، فالوطن سيد الجميع، وهو سقفنا مهما اختلفنا في الآراء والمعتقدات، وأرفض رفضا قاطعا أن أكون طائفيا، أعدائي ليسوا السوريين.

_ هل من مشاريع جديدة في مخيلتك، قد ترى النور قريبا؟

_ متاهة الكتابة، والخوض فيها أمر لا مفر منه، والكتابة إدمان رغم أنها عملية شاقة.

بكل تأكيد فقد أنجزت قبل فترة رواية ” خيمة في قصر بعبدا” ، وهي العمل الأول على الإطلاق الذي يناقش علاقة السلم الأهلي والاجتماعي بين الشعبين السوري واللبناني.

وكذلك أنجزت روايتي الأهم والأدسم ” سكلمة ” التي ناقشت فترة تاريخية مهمة من فترة سقوط بغداد ودخول سوريا آنذاك، مع التحالف الدولي لتحرير الكويت، ولامست قضايا ساخنة بروح ناقدة.

ومؤخرا وقبل أشهر أتممت رواية ” صندوق بريد ” بإسقاطات تاريخية على بدايات استخدام صناديق البريد، والأبعاد الاجتماعية، وهناك قيد الإنجاز رواية ” عدسة محدبة ” أقرب إلى فكرة الفنتازيا الناقدة للجغرافية.

_ أين أحلامك في ضجيج التغيير المستدام في بلدك سوريا؟

_ لن تهدأ نبضات قلبي، وتتأجج أحلامي إلا باستقرار سوريا أمنيا واقتصاديا وسياسيا، والازدهار للتعويض عن سنوات الحرب الطويلة، أريدها سوريا موحدة من درعا إلى جرابلس، ومن القامشلي والميادين إلى اللاذقية وطرطوس، أريدها دولة قوية في ظل قانون يكون سيفا للعدالة، وتداول السلطة السلمي عندما نصل إلى مرحلة الصناديق الشفافة، وننعم بالحريات العامة والشخصية المضمونة في الدستور.

سوريا واحدة أجمل وأقوى من الكونتونات الهزيلة اللامنتمية بأجندتها . بالحب نبنيها …. بالحب نعيش بكرامة.


سردية الحرب في بنسيون الشارع الخلفي

 سردية الحرب والمكان ..الانهيار القيمي واعتياد الصدمة:

 دراسة ذرائعية في رواية )بنسيون الشارع الخلفي(

للروائي السوري محمد فتحي المقداد

بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

      تُعدّ رواية (بنسيون الشارع الخلفي) لمحمد فتحي المقداد رواية حرب سورية بامتياز، لا تكتفي بتسجيل وقائع الحرب، بل تتوغّل في آثارها البنيوية على الإنسان والقيم والمكان خلال أربعة عشر عامًا من حكم استبدادي دمّر البنية الاجتماعية والأخلاقية للبلاد.

لا تُقدَّم الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل كقوّة تفكيك شاملة: تفكك الإنسان، المدينة، المعرفة، والعلاقات.

تتخذ الرواية من البنسيون فضاءً مركزيًا، لا كمكان عرضي، بل كـ شخصية مكانية رمزية تمثّل وطنًا منكفئًا على جراحه، معزولًا عن محيطه، وقد انهار نزلاؤه إلى ما دون العتبة الأخلاقية، تحت ضغط الخوف، الجوع، القمع، والتهجير.

• البؤرة الفكرية:

الحرب السورية ليست دمارًا ماديًا فقط، بل انهيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا شاملًا، يُسقط الإنسان من موقع الضحية إلى حافة التواطؤ أو التشيّؤ.

الحرب، في الرواية، تُنتج:

- تآكلًا تدريجيًا للقيم.

" في الحرب تتآلف المتناقضات وتتقارب؛ فتموت القيم، وتنتشي شهوة تحويش الأموال." ( ص29)

- اعتياد العنف.

- تسليع الإنسان والمعرفة.

- تحوّل النجاة إلى مبرّر أخلاقي لأي فعل.

شاهد نصي:

" في العادة هناك موقف نُجبَر عليها، وبالتعامل معها، ولا مناص من الخوض فيها" (ص 89)

" في ظل ظروف قاهرة مفروضة علينا. الكل يكذب على الكل، اعتدنا الكذب، ولا مشكلة لدينا..!!"(ص 90)

هذا القول ل فايا، إحدى شخصيات الرواية، هربت من بيت أسرتها، مع شاب عقدت معه زواج متعة، وسكنا معًا في غرفة في البنسيون.

" خسرنا الكثير، ولم يبق شيء لنخسره، لم نملك إلا أنفسنا وقدرتنا على الحركة، نعيش التحدي الأكبر مع أنفسنا على مواصلة الحياة، وعدم الاستسلام،... " (ص 90)

الدلالة الذرائعية:

الفعل لم يعد يُقاس أخلاقيًا، بل وظيفيًا: هل يضمن البقاء أم لا؟

• الخلفية الأخلاقية

الخلفية الأخلاقية في الرواية تشخيصية لا وعظية؛ النص لا يُدين مباشرة، وإنما يعرّي.

ملامحها:

- انهيار مفهوم الخير والشر.

- تطبيع الخوف.

- تبرير الكذب، السرقة، التهريب، الصمت، الرذيلة، تعاطي المخدرات، والمتاجرة بالمعرفة.

- غياب الدولة الأخلاقية لصالح دولة الحواجز.

شاهد:

"خمسة بيوت .... المكتبات فيها، لم تمتد لها يد التعفيش،... ففي وقت الحرب من الذي سيشتري كتابًا؟ مثلًا لو تُباع الكتب مع أصحابها..!! لما تردّدوا ببيعها من أجل ربطة خبز..." ( ص 185)

الدلالة: انحدار المعرفة من قيمة عليا إلى سلعة مسروقة، في انسجام كامل مع منطق الحرب.

• دلالة العنوان

"بنسيون الشارع الخلفي"

البنسيون: ليس مكانًا محايدًا، بل: فضاء هشّ- إقامة مؤقتة- حياة بلا استقرار- يمثّل وطنًا لم يعد بيتًا.

" ... شبيه بمركز إيواء مؤقّت حسب الظروف السائدة والمتغيّرة باستمرار بلا ثبات، ولا ضمانة من أحد مطمئنة، .... حتى أن الفندق، مهما كان مجهّزًا بكل وسائل الراحة، مصمّم على أساس العبور، دائمًا يذكّرك بالمغادرة، حتى وأنت تحلّ فيه" ( ص52- 53)

2. الشارع الخلفي يحيل إلى: الهامش- اللامرئي - ما يُخفى عن الواجهة- سوريا التي دُفعت خارج التاريخ، وخارج العدالة.

شاهد:

" لم تستغرب نورما قلة السالكين للطريق الخلفي المحاذي للشارع الرئيس في أحد ضواحي العاصمة الجنوبية، وعلى الأغلب، كما أفصحت عن المكان فيما بعد بزمان طويل: إنه في منطقة مخيّم اليرموك، وبالتحديد خلف شارع لوبية . المكان الذي كانت تقصده كل فترة لشراء الملابس..."( ص 16)

• المستوى البصري :

أولًا: البنية البصرية العامة

يقوم المستوى البصري في الرواية على جماليات الخراب لا جماليات الوصف. الصورة لا تُنتج للزينة، بل لتكثيف الإحساس بالانهيار. الكاتب يتعمّد:

- تفكيك الصورة الكاملة للمدينة

- الاكتفاء بلقطات جزئية (حيّ، حاجز، غرفة، درج، شارع)

- خلق إحساس بالكاميرا المرتجفة لا باللوحة الثابتة

وهذا يجعل القارئ شاهدًا لا متفرجًا.

ثانيًا: البنسيون كشخصية بصرية

البنسيون ليس مجرد مكان للسكن، بل جسد بصري متهالك:

غرف ضيقة- جدران متشققة- ممرات معتمة- أبواب تُفتح وتُغلق بحذر

شاهد:

" الأبواب المغلقة تختفي وراءها حكايات مبهمة عصي على الفهم، أبواب الغرف لا تُفتح إلا لضرورة الخروج لقضاء حاجة ما أو إلى الحمام" ( ص 66)

" العمارة الضخمة ذات الطوابق الثلاثة .... من بداية مدخل الشارع الخلفي لشارع لوبية الرئيس كوجه مومياء عتيقة لا أحد يحب النظر النظر إليه...." ( ص 24)

الدلالة الذرائعية: البنسيون يتحوّل من عنصر معماري إلى ذاكرة موت .

" الجدران المقشرة من طول معاناتها من الاشتباكات المتبادلة يوميًا بين المتحاربين ...." ( ص 24)

الدلالة الذرائعية : المكان يكتسب وعيًا، ويشارك الشخصيات أوجاعها.

ثالثًا: الشارع الخلفي بوصفه رؤية بصرية

الشارع الخلفي ليس فقط موقعًا جغرافيًا، بل زاوية رؤية: لا واجهات، لا ساحات احتفالية، لا رمزية وطنية مرفوعة.

شاهد:

" تضيع ملامح المكان إذا قلّ ارتياده، وتضيع المعلومات القديمة؛ فتظهر المفاجآت... كان المحل والمحلات التي بجانبه مُغلقات، وبعضها مهشَم الواجهات وأغلاق أبوابها الحديدية منزوعة"

 الرؤية البصرية هنا مهمَّشة مثل الشخصيات.

الكاميرا السردية ترفض المركز، وتختار الهامش.

رابعًا: الحواجز الأمنية كعنصر بصري قمعي

الحواجز في الرواية ليست حدثًا عابرًا، بل مشهد بصري متكرّر:

أسلحة، نظرات تفتيش، انتظار، صمت ثقيل

شاهد:

" ... سلوك العساكر مختلف هذا اليوم، حالة استرخاء غير طبيعية، بعضهم تحلل من التزامه بلباسه العسكري، حتى أن بوط الرياضة استُبدل مكان البوط العسكري ... وبعضهم بدلاتهم العسكرة ذات الألوان المموهة بألوان حمراء وخضراء وبنية، لتشكيل لوحة كئيبة تبعث الرعب في نفوس من يعبرون الحاجز.... العساكر ضجرون من توترهم الدائم، بين أوامر قادتهم والمسؤولين عنهم، وبين القيام بواجباتهم العسكرية بالحراسة والتفتيش على مدار الساعة" ( ص 71- 72)

دلالة بصرية:

الجسد يُقرأ بصريًا (ملابس، ملامح، طريقة الوقوف).

الإنسان يتحوّل إلى علامة قابلة للتجريم.

خامسًا: المدينة المدمّرة – الصورة المجتزأة

الكاتب لا يقدّم صورة بانورامية للدمار، بل: بيت منهوب، مطعم فارغ، حيّ خالٍ، واجهات مكسورة

شاهد:

" ... كل العمارات المطلة على الساحة مت جوانبها الأربعة مهجورة، لا أحد يجلس مساء يشرب قهوته،... أو يدخن الشيشة، وصحن الموالح أمامه على الطربيزة، والمدام تجلس قبالته تتأمل شاربيه" ( ص 73)

 التدمير يُرى عبر غياب البشر لا عبر كثرة الركام فقط.

 الفراغ عنصر بصري أساسي.

سادسًا: الكتب كعنصر بصري معرفي منهار

واحدة من أقوى الصور البصرية في الرواية:

الكتب وقد نزلت من الرفوف، معروضة للبيع، بلا سياق، بلا سؤال أخلاقي

شاهد:

" الموضوع مثير بكافة تفاصيله الجديدة كليًّا لنبهان، الانبهار بموضوع الكتب ؛ فعظُمت قيمتها المعنوية بنفسه، غير مؤمن بفائدتها إلا إذا بيعت بمزادات ، ودخلت أثمانها إلى جيبته" ( ص 190)

الدلالة:

 سقوط الهرم المعرفي بصريًا.

 المعرفة تُرى مبعثرة كما المدن.

سابعًا: الضوء والظل

البنية الضوئية في الرواية قاتمة:

إضاءة خافتة- عتمة الممرات- ظلال الأشخاص

شاهد:

" سيرا تتأمل خيالات نورما المرتسمة على الجدار الذي خلفها، لآن الشمعة المضاءة على طاولة الطربيزة تتوسط جلستهما وجهًا لوجه، رأتها شبحًا أسود يستحوذ على أكثر مساحة الجدار" ( ص 63)

الضوء ليس عنصرًا جماليًا بل قيمة مفقودة.

 العتمة هي الوضع الطبيعي للحرب.

ثامنًا- البنسيون كفضاء مُركَّب من أثاثٍ مسروق وغير منسجم

لا يتشكّل البنسيون في الرواية من بنية معمارية متماسكة أو أثاث منسجم، بل من قطع متنافرة المصدر والهوية:

أسِرّة لا تشبه بعضها، كراسٍ من بيوت مختلفة، طاولات لا تنتمي إلى المكان، خزائن مكسورة، وأدوات بلا سياق.

هذا الأثاث ليس تفصيلًا ديكوريًا، بل علامة بصرية أخلاقية.

شاهد دال (مضموني):

الأثاث في البنسيون لا يبدو مختارًا، بل مجمَّعًا…كل قطعة جاءت من مكان آخر، ومن حياةٍ لم تكن هنا. حتى وإن لم يصرّح النص بكلمة "مسروق" مباشرة في كل موضع، فإن تراكم الإشارات إلى المصدر المجهول، التفكك، والتنافر، يشي بذلك بوضوح بصري.

"المكان هنا أخذ على عاتقه عدم التناسق، شهادة امتياز بالتشويه البصري المتنافر، كما يُقال: (من كل قطرة أغنية)، شيوع التنافر ليكون شأنًا عامًّا هذه الأيام، ولا شيء في مساره الصحيح المعتاد قطعًا" ( ص 50)

الدلالة البصرية للأثاث المسروق:

1. الأثاث بوصفه بقايا حياة

كل قطعة أثاث:

اقتُلعت من بيت، فُصلت عن أصحابها، أُعيد توظيفها في سياق بقاء، كما السوريين أنفسهم.

الأثاث هنا: لا يؤدي وظيفة الراحة، بل وظيفة النجاة المؤقتة

2. عدم الانسجام البصري = تفكك الهوية الوطنية

غياب الانسجام بين:الألوان، الأحجام، الأساليب

يعكس:غياب المشروع الجامع، تشظّي المجتمع، انهيار الذائقة والقيم معًا

البنسيون وطنٌ بلا هوية جمالية، كما هو وطن بلا هوية سياسية أو أخلاقية.

3. الأثاث المسروق والحدّ الأخلاقي المكسور

بصريًا، لا يعود السؤال: هل هذا الأثاث جميل؟

بل: من أين جاء؟ وهذا سؤال أخلاقي لا جمالي.

دلالة ذرائعية: الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل تُسقط الحرج الأخلاقي عن الاستفادة من خراب الآخرين.

4. الأثاث كدليل صامت على النهب:

كما البيوت المنهوبة في الرواية، الأثاث في البنسيون: لا يتكلم، لكنه يشهد ويُدين بصمته.

 هو أثر مادي للجريمة داخل فضاء يفترض أنه مأوى.

5. البنسيون كـ "وطن من الغنائم"

يتحوّل البنسيون، بصريَّا، إلى:

وطن مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين، بلا شرعية أخلاقية، بلا انسجام داخلي.

وهنا تتقاطع الدلالة مع فكرة: الدولة التي تأسست على النهب، لا يمكن أن تكون بيتًا.

تاسعًا- وظيفة المستوى البصري ذرائعيًا:

وفق المنهج الذرائعي، المستوى البصري هنا:

- لا يصف، بل يُقنع

- لا يجمّل، بل يفضح

- لا يحيّد القارئ، بل يزجّه داخل المشهد

 الصورة تؤدي وظيفة حجاجية أخلاقية: هكذا تبدو الحرب حين تُرى من الداخل، لا من الشاشات.

خلاصة المستوى البصري

المستوى البصري في بنسيون الشارع الخلفي:

يصنع وعيًا لا صورة، ويحوّل المكان إلى شاهد إدانة، ويجعل الحرب تُرى بوصفها خرابًا يوميًا عاديًا.

• المستوى اللغوي والجمالي

(لغة الخراب – اعتياد الكارثة – تآكل الدهشة)

أولًا: السمات العامة للغة

لغة الرواية:

- غير خطابية

- غير انفعالية

- خالية من البلاغة الزخرفية

- تميل إلى الاقتصاد اللغوي والتقريرية الباردة

 وهذا خيار جمالي مقصود، لأن الحرب الطويلة تقتل الفصاحة الانفعالية، وتستبدلها بلغة مُنهَكة تشبه وعي الشخصيات.

ثانيًا: مفردات الخراب (المعجم الحربي اليومي)

يتشكّل معجم الرواية من كلمات لم تعد استثنائية، بل أصبحت مكوّنًا يوميًا في الجملة السردية:

أمثلة معجمية متكرّرة:

حاجز- تفتيش- عبور- خوف- صمت- دمار- نهب- تهجير- جثث- بيوت فارغة- ممرّات- عتمة

شاهد:

"... أنزلوه مكبّلًا، يداه خلف ظهره، ووضعوا الطماشة الجلدية السوداء على عينيه، اختفى النور صار كالأعمى، اقتاده العسكري بخشونة وقساوة،... بوغتنا جميعًا بزخات رصاص. هجوم مفاجئ لمسلّحين، أرادوا اقتحام الحاجز، للسيطرة عليه..." (ص 42)

الخراب لا يُعلن نفسه بالصراخ، بل بالإجراء: عبور، انتظار، تفتيش.

ثالثًا: اعتياد الخراب (اللغة بعد الصدمة)

الأخطر جماليًا هو غياب الدهشة.

اللغة لا تقول: "حدث أمر فظيع"

بل: "حدث… وانتهى"

شاهد:

" تراءى لي وجه زوجي المدمى المعفّر بالتراب، أثناء سقوطه يتلوى من أثر إصابته، ولا أحد يمسح له جبينه... ولم يبكه أحدٌ..." ( ص 119)

هنا تتحوّل الكارثة من حدث إلى معلومة.

وهذا هو جوهر رواية الحرب الطويلة: تطبيع الفاجعة لغويًا.

رابعًا: تآكل المفردات القيمية

الكلمات الكبرى (وطن، كرامة، عدالة، معرفة) تغيب أو تُفرّغ من محتواها.

بدلًا منها:

بقاء- فرصة- طريق- تهريب- بيع- نجاة- خراب – حياة- موت – فراغ – استمرار

" الخراب حلّ مكان الحياة، والموت طاردٌ لتفاعلات يبدو أنها ضرورية من أجل الاستمرار، شعوري بالفراغ هائل..." (ص 68)

 اللغة تعكس انهيار الهرم القيمي:

لم يعد السؤال ماذا نفعل؟

بل كيف ننجو؟

خامسًا: الجملة السردية (البناء الجمالي)

خصائص الجملة:

قصيرة أو متوسطة، قليلة الاستعارات، تعتمد التراكم لا الإيقاع.

مثال دال:

"لا نداءات لله في بيوته المهجورة المخرّبة، الريح عصفت بها، وزمهرت ذات زمن مضى"( ص67)

هي جملة بسيطة تركيبيًا، لكنها عميقة جماليًا ودلاليًا. تقوم على اقتصاد لغوي واضح، يخلو من الزخرفة البلاغية، ويعتمد على التراكم الإيحائي لا على الإطناب. لا تستدعي الصورة هنا مفردات صادمة أو تشبيهات مباشرة، بل تبني أثرها عبر الغياب: غياب النداء، غياب الساكن، وغياب الزمن الحي.

الجملة تُحمِّل المكان بعدًا روحيًا مقلوبًا؛ فـ"بيوت الله" التي يُفترض أن تكون فضاءً للسكينة والابتهال، تتحوّل إلى شاهد صامت على الخراب، حيث لم يبقَ من القداسة سوى الريح، ولم يبقَ من الزمن سوى زمهرير الذاكرة. وبهذا تنتقل الجملة من توصيف مادي إلى مجاز وجودي، تُعبّر فيه عن انقطاع العلاقة بين الإنسان والمقدّس بفعل الحرب، دون خطاب مباشر أو إدانة صريحة.

جماليًا، تنتمي هذه الجملة إلى ما يمكن تسميته جماليات الفراغ؛ إذ إن قوتها لا تنبع مما تقوله، بل مما تتركه معلقًا: سؤال الإيمان، سؤال الغياب، وسؤال الجدوى. وهي بذلك تمثّل نموذجًا للجملة السردية في الرواية، التي تفضّل الهدوء البارد على الانفعال، والتأمّل الصامت على الصرخة، بما ينسجم مع سردية اعتياد الخراب التي تحكم النص بأكمله.

سادسًا: الجماليات السالبة (Aesthetics of Ruin)

الجمال في الرواية ليس جمالًا إيجابيًا، بل: جمال الصدق، جمال التعرية، جمال اللازينة

الكاتب يستخدم التشبيه البلاغي بقلّة:

" كلام البدايات ناعم كفخ مغطى بحشائش يابسة لخداع الفرائس" ( ص 46)

ويتجنّب الصورة الشعرية اللامعة، ويعتمد:

المشهد الخام، اللغة الوظيفية، التكرار الهادئ

وهذا يتسق مع منهج ذرائعي: اللغة تؤدّي وظيفة كشف، لا وظيفة إبهار.

سابعًا: التكرار بوصفه تقنية جمالية

تتكرّر مفردات مثل:

نفس الحاجز، نفس الطريق، نفس الخوف، نفس المكان.

 التكرار هنا ليس ضعفًا أسلوبيًا، بل تمثيل لغوي لدوّامة الحرب.

ثامنًا: العلاقة بين اللغة والبنية النفسية

اللغة تُحاكي:

التبلّد- الإنهاك- فقدان الأمل

الجملة نفسها متعبة.

 الإيقاع بطيء.

 المفردات مستهلكة ومنهكة، كما الشخصيات.

خلاصة المستوى اللغوي والجمالي

لغة بنسيون الشارع الخلفي:

- لغة حرب طويلة لا لحظة انفجار

- لغة اعتياد لا صدمة

- لغة خراب صار طبيعيًا

وبذلك تتحوّل الرواية إلى: وثيقة لغوية عن كيف تتغيّر اللغة حين تُهزَم القيم.

• المستوى الديناميكي

(حركية الشخصيات تحت ضغط الحرب وانهيار القيم)

أولًا: ملامح المستوى الديناميكي في الرواية

الحركية في الرواية:

ليست بطولية، ولا تصاعدية، بل انحدارية وتكتيكية

الشخصيات لا تسعى إلى: تحقيق حلم، أو تغيير الواقع

بل إلى: تفادي الخطر، تأجيل السقوط، النجاة المؤقتة

 هذا ما يجعل الرواية رواية حرب طويلة الأمد، لا رواية لحظة انفجار.

ثانيًا: تفكيك أبعاد الشخصيات

1. نبهان: (شخصية الوسيط – التكيّف الرمادي)

ديناميكيًا:

نبهان شخصية حركتها الأساسية هي المراوغة:

يعرف متى يتكلم، متى يصمت، متى ينسحب، هو ليس جلادًا، ولا ضحية خالصة، بل: نتاج مباشر للحرب الطويلة.

سلوكيًا:

- يقبل بالوضع القائم

- يكيّف نفسه مع الانهيار

- لا يصطدم مباشرة بالشر

نبهان يمثّل الطبقة التي نجت لأنها لم تقاوم ولم تواجه.

دلالة ذرائعية: نبهان = الإنسان الذي تآكلت قيمه بالتدريج، لا بالسقوط المفاجئ.

2. نورما: (شخصية الوعي الجريح – الصدمة المستمرة)

ديناميكيًا:

نورما لا تتحرّك كثيرًا في المكان، لكن: تتحرّك بعنف داخل ذاتها، تعيش صراعًا دائمًا بين ما كانت عليه وما صارت إليه.

نفسيًا:

لم تعتد الحرب، لكنها عاجزة عن مغادرتها، تعيش في منطقة الصدمة المفتوحة.

 حركتها الأساسية: التفكير، التذكّر، الانكسار.

دلالتها: نورما تمثّل الوعي الذي لم يتبلّد، فدفع الثمن ألمًا مضاعفًا.

3. سيرا (شخصية البراغماتية – النجاة بأي ثمن)

ديناميكيًا:

سيرا تتحرّك بسرعة: تعرف الطرق، تعرف الأشخاص، تعرف كيف تعبر.

أخلاقيًا:

لا تطرح أسئلة كبرى

لا تبحث عن معنى

تبحث عن مخرج

سيرا تمثّل: الإنسان الذي أعاد تعريف الأخلاق وفق منطق البقاء بطريقة شاذة.

دلالة: ليست شخصية شريرة، بل مُعاد تشكيلها بفعل الحرب.

4. فايا (شخصية الانكسار الصامت)

ديناميكيًا:

فايا: قليلة الحركة، قليلة الكلام، لكنها محمّلة بثقل التجربة.

حضورها السلبي هو حضور دال.

سلوكيًّا:

تمتص العنف، لا تواجه، تنسحب إلى الداخل.

دلالتها: فايا تمثّل ضحايا الحرب غير المرئيين: من لم يُقتلوا… لكنهم خسروا أنفسهم.

5. لارا (شخصية التمزّق الهويّاتي)

ديناميكيًا:

لارا تعيش انقسامًا حادًا: بين الماضي والحاضر، بين ما تريد وما تستطيع.

سلوكيًا: مترددة، قلقة، غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم

 لارا تمثّل:الجيل الذي سرقته الحرب من نفسه.

6. محمود (شخصية الانكسار الذكوري – فقدان الدور)

ديناميكيًا:

محمود:يتحرّك داخل دائرة مغلقة، عاجز عن الفعل الحقيقي، فقد دوره الاجتماعي.

نفسيًا:

يشعر بالهزيمة، بالعجز، بالفراغ.

هو ضحية حرب كسرت صورة الرجل/المعيل/الحامي.

7. الفتى أيمن (شخصية المستقبل المصادَر)

ديناميكيًا:

أيمن: يتحرّك دون بوصلة، يتعلّم من الفوضى، يتشرّب مناخ العنف كطبيعي

دلالته:

أيمن ليس طفلًا بريئًا، ولا مجرمًا، بل نتاجًا خامًا للحرب

 هو المستقبل الذي لم يُصَغ بعد، لكنه مهدّد بالتشوّه.

8. أبو حيدر (شخصية السلطة الصغرى – الاستبداد اليومي)

ديناميكيًا:

أبو حيدر: يتحرّك من موقع القوة، يستثمر الخوف، يمارس سلطة جزئية.

 هو صورة السلطة حين تتفتّت إلى وكلاء صغار.

دلالته: أبو حيدر لا يحتاج أيديولوجيا: يكفيه أن الخوف يعمل لصالحه.

ثالثًا: العلاقات الديناميكية بين الشخصيات

العلاقة: نبهان × أبو حيدر طبيعتها: تكيّف مع السلطة

العلاقة: نورما × سيرا طبيعتها: صراع القيم × البقاء

العلاقة: فايا × لارا طبيعتها: صمت × تردّد

العلاقة:محمود × الحرب طبيعتها: فقدان الدور

العلاقة: أيمن × الجميع طبيعتها: مستقبل مهدّد

خلاصة المستوى الديناميكي

الشخصيات في الرواية: لا تتطوّر، بل تتغيّر اضطرارًا، تتحرّك داخل قفص الحرب

والرواية، ديناميكيًا، تقول:

الحرب لا تصنع أبطالًا دائمًا، بل تصنع ناجين، ومكسورين، ومتواطئين، وأطفالًا بلا ملامح واضحة.

• المستوى النفسي :

(من الصدمة إلى التبلّد ثم إعادة التشكّل المشوَّه)

كيف تُنتج الحرب أنماطًا نفسية؟ كيف يتحوّل الخوف إلى بنية داخلية؟ كيف يتشوّه الوعي دون انهيارٍ فجائي؟

أولاً: البنية النفسية العامة للرواية

الرواية لا تنتمي إلى: أدب الصدمة المفاجئة، ولا إلى أدب البطولة أو المقاومة.

بل إلى: أدب الصدمة المزمنة (Chronic Trauma)

وهي أخطر أشكال الأذى النفسي، لأن:

الألم لا ينفجر، بل يتسرّب ببطء، ويتحوّل إلى طبيعة ثانية.

الشخصيات لا تصرخ، بل تتآكل بصمت.

ثانيًا: الصدمة الأولى (Trauma)

الصدمة في الرواية: ليست حدثًا واحدًا، بل سلسلة مستمرة من: خوف- فقد- تهديد- مراقبة

شاهد دال:

" ... كل ما هنا مخيف بطبيعته" ( ص 72)

الدلالة:

الصدمة لم تعد استجابة نفسية، بل بنية عقلية دائمة.

ثالثًا: التبلّد النفسي (Emotional Numbing)

أخطر ما ترصده الرواية هو:

- اعتياد الموت والعنف

- اختفاء الدهشة

- غياب الحزن الحاد

- تحوّل الكارثة إلى معلومة

هذا ليس قسوة، بل آلية دفاع نفسي.

رابعًا: القلق الوجودي وفقدان المعنى

الشخصيات تعيش:

- دون أفق

- دون تخطيط

- دون تصور للمستقبل

شاهد:

" شعوري بالفراغ هائل، للمرة الأولى يداهمني هذا الإحساس المفاجئ، مشاغلي الكثيرة أنستني تفقّد نفسي، ونظافتها المعهودة من قبل" ( ص68)

هذا ما يسمّى: الفراغ الوجودي الناتج عن الحرب الطويلة.

خامسًا: الخوف بوصفه منظم السلوك

الخوف في الرواية:

لا يُذكر دائمًا، لكنه يحكم كل فعل. وهو حالة نفسية كامنة، مظاهره:

- اختيار الصمت

- تبرير الانسحاب

- قبول الإهانة

- التعايش مع القمع

شاهد:

"الهدوء الواسع بمساحات الفراغ في محيط (البنسيون) لا يقلّ أهمية عن هدوء الصحراء المخيف، ولا عن الهدوء المتجمّد منذ بدء الخليقة في القارتين القطبيتين." (ص 67)

تُجسِّد هذه الجملة الخوف بوصفه حالة نفسية كامنة لا تحتاج إلى تسمية مباشرة، إذ يُستبدل التعبير عن الخوف بتمثيل إحساسه الداخلي عبر صور الفراغ والجمود.

 نفسيًا، لا يدلّ هذا الهدوء على الطمأنينة، بل على توقّف الاستجابة الانفعالية، وهي إحدى العلامات الأساسية لما يُعرف بصدمة الحرب الممتدّة، حيث يصل الفرد إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على الخوف الصاخب، فيتحوّل الخوف إلى سكون داخلي كثيف.

الفراغ هنا ليس فراغ المكان فحسب، بل فراغ الشعور؛ حالة من الانسحاب العاطفي (Emotional Withdrawal) تُصيب الشخصيات بعد طول تعرّض للتهديد، فتُفضّل النفس آلية الدفاع الأكثر أمانًا: التجمّد. وتشبيه الهدوء بالصحراء والقطبين يعكس حالة التخشّب النفسي، حيث يتوقّف الزمن الداخلي، وتتعطّل الرغبة، ويغدو البقاء هو الهدف الوحيد.

ومن هذا المنظور النفسي، يمكن فهم السلوكيات المتكرّرة في الرواية بوصفها نتائج مباشرة لهذه الحالة:

اختيار الصمت: ليس فضيلة ولا حكمة، بل استجابة نفسية لحماية الذات من الانكشاف.

تبرير الانسحاب: آلية دفاع عقلانية تخفّف الإحساس بالعجز.

قبول الإهانة: نتيجة تآكل الإحساس بالقيمة الذاتية تحت ضغط الخوف المستمر.

التعايش مع القمع: ليس رضوخًا واعيًا، بل تكيّف نفسي قهري مع واقع لا يُتصوَّر تغييره.

تكشف الجملة، نفسيًا، عن انتقال الشخصيات من حالة الخوف الحاد إلى الخوف المُمأسس داخليًا؛ ذلك الخوف الذي لم يعد يُشعَر به بوصفه ألمًا، بل يُعاش بوصفه نمطًا مستقرًا للحياة. وهنا تتحقّق إحدى أخطر نتائج الحرب النفسية: أن يتوقّف الإنسان عن مقاومة الخوف لأنه لم يعد يراه استثناءً، بل جزءًا طبيعيًا من الوجود.

سادسًا: تشوّه العلاقات الإنسانية

الحرب لم تُنتج فقط، أفرادًا متألمين بل:علاقات مشوّهة

مظاهره:

- انعدام الثقة

- تآكل التضامن

- الخوف من الآخر

شاهد:

"الخوف… نعم الخوف وحده، نحن في مجتمع شرقي شديد الخصوصية بتدخلاته الاجتماعية، ولا يمكن نشوء علاقة منفردة بذاتها إلا بجرجرة خيوط الماضي معها."( ص 84)

تكشف هذه الجملة عن الأثر النفسي العميق للحرب في تشويه العلاقات الإنسانية، حيث لا يعود الخوف شعورًا فرديًا عابرًا، بل يتحوّل إلى عامل منظِّم للعلاقة مع الآخر.

نفسيًا، يعطّل الخوف إمكانية بناء علاقة حاضرة مستقلة، إذ تُستدعى الذاكرة الجريحة والشكوك المتراكمة إلى كل تواصل جديد، فتُفقد العلاقة عفويتها وتُحمَّل بثقل الماضي.

وتظهر مظاهر هذا التشوّه في ثلاثة مستويات متلازمة: انعدام الثقة بوصفه نتيجة مباشرة لتجربة الخذلان والخطر، وتآكل التضامن بسبب تغليب آليات النجاة الفردية على الفعل الجماعي، والخوف من الآخر الذي لم يعد شريكًا محتملًا، بل احتمال تهديد. وبهذا، تُنتج الحرب عالمًا اجتماعيًا هشًّا، لا يكتفي بإعادة تشكيل الألم النفسي، بل يعيد صياغة العلاقات نفسها على أساس الريبة والتحفّظ، حتى داخل المجتمع الواحد.

سابعًا: الأطفال والمراهقون (أيمن نموذجًا)

أيمن لا يعيش صدمة ثم يتجاوزها، بل: ينشأ داخل الصدمة، يتعلّم الشذوذ الجنسي والعنف بوصفه طبيعيًا

دلالته النفسية:

أيمن يمثّل جيلاً لم يعرف ما قبل الحرب، نفسيته ليست مكسورة فقط، بل مُعاد تشكيلها على الخوف والفوضى

ثامنًا: الشخصيات النسائية والضغط النفسي المركّب

نورما – فايا – لارا – سيرا يعشن:

- صدمة الحرب

- هشاشة اجتماعية

- خوف مضاعف

القلق هنا: جسدي، ذهني، دائم

تاسعًا: آليات التكيّف النفسي

الشخصيات تستخدم: الإنكار- التبرير- التطبيع- التهكّم أحيانًا. ليست حلولًا، بل مسكّنات نفسية.

عاشرًا: البنسيون كحاوية نفسية جماعية

البنسيون: يحتضن الصدمات، يجمع المنكسرين، يضاعف القلق.

هو: لاوعي جمعي للحرب السورية.

الجدران، الممرات، الأثاث المسروق: تخزّن الخوف، وتعيد إنتاجه

خلاصة المستوى النفسي

الرواية تقدّم:

لا أبطالاً مصابين، بل بشرًا يعيشون بعد الصدمة

وتقول بوضوح: الحرب لا تنتهي عند وقف القصف، بل تبدأ داخل النفوس

المستوى النفسي – التناص

(تناص الصدمة، التبلّد، وتشظّي الوعي في رواية الحرب)

سنُدرج التناص داخل المستوى النفسي بوصفه تناصًّا وظيفيًا (ذرائعيًا) لا إحاليًّا زخرفيًا؛ أي تناصًّا ينبع من تشابه البنى النفسية تحت الحرب، لا من الاستدعاء الواعي للنصوص.

أولًا: مفهوم التناص النفسي في هذه الرواية:

التناص في بنسيون الشارع الخلفي ليس: تناص اقتباس، ولا تناص إحالة مباشرة، بل هو:

تناص بنيوي– نفسي

تشترك فيه روايات الحرب التي كُتبت من داخل التجربة لا من خارجها.

أي أنّ النص يتقاطع مع نصوص أخرى في أعراض الصدمة، آليات الدفاع، وأنماط الوعي المنهك.

ثانياً: التناص مع روايات الحرب السورية

(الصدمة المزمنة لا الحدث المفرد)

1. التناص مع (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) – خالد خليفة

نقطة التناص النفسي:

- الصدمة الطويلة

- العجز عن الفعل

- التواطؤ الصامت

في رواية المقداد، كما عند خليفة: الخوف ليس انفجارًا نفسيًا، بل حالة اعتياد

 تناص في تحويل الخوف إلى بنية ذهنية دائمة.

2. التناص مع (رائحة القرفة) – سمر يزبك

نقطة التناص النفسي:

- الوعي النسوي الجريح

- الجسد بوصفه مخزنًا للخوف

- القلق المستمر

نورما / فايا / لارا:

لا يعشن صدمة واحدة، بل ضغطًا نفسيًا مركّبًا

تناص في الوعي المرهق الذي لا يجد ملاذًا داخليًا.

3. التناص مع (الخائفون) – ديمة ونوس

نقطة التناص:

- القلق بوصفه هوية

- العلاقات المشوّهة

- انعدام الأمان الداخلي

تناص في تحوّل العلاقات الإنسانية إلى فضاء تهديد نفسي.

ثالثًا: التناص مع أدب الحرب العالمي

(الاعتياد بوصفه ذروة الصدمة)

1. التناص مع The Things They Carried – تيم أوبراين

نقطة التناص:

- الاعتياد على الموت

- تحوّل الفقد إلى تفصيل يومي

- تناص في انتقال الموت من حدث إلى معلومة.

2. التناص مع All Quiet on the Western Front – إريش ماريا ريمارك

نقطة التناص:

- جيل مدمَّر نفسيًا

- فقدان المعنى

- الزمن الثقيل

تناص في الإحساس بالزمن كعبء نفسي لا كمسار حياة.

رابعًا: التناص التقمّصي (Empathic Intertextuality)

الرواية لا تُحيل إلى نصوص بعينها، لكنها تدفع القارئ إلى استدعاء ذاكرته القرائية وتخلق حالة:

"قرأت هذا الألم من قبل… لكن هنا هو أقرب"

 هذا ما يُسمّى: التناص التقمّصي حيث يتماهى القارئ نفسيًا لا ثقافيًا.

خامسًا: التناص السلوكي

(تشابه أنماط التكيّف)- السلوك- دلالته النفسية- الصمت- آلية بقاء- التبرير- حماية الذات- التبلّد- درع نفسي الانسحاب- تجنّب الانهيار.

هذه السلوكيات تتكرر في: الرواية ونصوص حرب أخرى، مما يؤكّد أنّ: الحرب تُنتج نفس الإنسان مهما اختلفت الجغرافيا.

سادسًا: الفرق الجوهري في تناص المقداد

ما يميّز بنسيون الشارع الخلفي عن كثير من نصوص الحرب:

- لا بطولات نفسية

- لا شفاء

- لا خلاص

بل: بشر يعيشون داخل الصدمة، لا بعدها

وهذا يجعل التناص:

- غير رومانسي

- غير تعويضي

- شديد القسوة والصدق

خلاصة التناص داخل المستوى النفسي

التناص هنا: ليس استدعاء أسماء،بل تشابه جروح، وتشابك وعي، وتكرار مصير نفسي واحد

وتقول الرواية، ضمنيًا:

الحرب السورية ليست استثناءً نفسيًا، لكنها إحدى أكثر تجليات الصدمة الإنسانية قسوةً واستمرارًا

• المستوى الإيحائي في رواية بنسيون الشارع الخلفي

(من الدلالة المباشرة إلى المعنى العميق للحرب السورية)

ننتقل الآن إلى المستوى الإيحائي بوصفه المستوى الذي تتكثّف فيه كل المستويات السابقة (البصري، اللغوي، الديناميكي، النفسي)، ليُنتج المعنى العميق غير المصرّح به في الرواية.

وسأعالجه ذرائعيًّا: أي بوصف الإيحاء ناتجًا عن وظيفة الرموز داخل التجربة لا عن الزخرفة أو الغموض المقصود.

أولًا: طبيعة الإيحاء في الرواية

الإيحاء في هذا النص: ليس شعريًا تجريديًا، ولا رمزيًا ميتافيزيقيًا، بل إيحاء واقعيًّا–أخلاقيًّا.

أي أن كل عنصر واقعي يتحوّل – بتراكمه ووظيفته – إلى علامة دلالية عميقة

ثانيًا: البنسيون – الإيحاء المركزي

الإيحاء:

البنسيون = الوطن السوري خلال الحرب

ليس الوطن بوصفه جغرافيا، بل بوصفه فضاءً مكسورًا، منزوع السيادة، مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين

عناصر الإيحاء:

- عزلة عن الجوار

- أثاث مسروق

- نزلاء متشظّون

- غياب الانسجام

 الإيحاء العميق: الوطن لم يعد بيتًا، بل مأوى مؤقتًا لمن نجا

ثالثًا: الشارع الخلفي – إيحاء الإقصاء التاريخي

الإيحاء: الشارع الخلفي لا يعني الهامش فقط، بل:

- الإخفاء المتعمّد

- العيش خارج الضوء

- شطب الوجود من الواجهة

سوريا التي دُفعت:

- خارج التاريخ

- خارج العدالة

- خارج السردية العالمية المعلَنة

الإيحاء العميق هنا: حياة تُعاش في الظل كي لا تُرى الجريمة

رابعًا: الحواجز الأمنية – إيحاء السلطة الشاملة

الإيحاء: الحاجز ليس نقطة تفتيش فقط، بل: عقل الدولة، عينها، منطقها

الحاجز يراقب: الجسد، اللغة، الصمت، النوايا

 الإيحاء العميق: السلطة لا تحتاج إلى حضور دائم، يكفي أن تُزرع داخل الوعي

خامسًا: الأثاث المسروق – إيحاء الجريمة المؤسِّسة

الإيحاء: الأثاث ليس تفصيلًا ماديًا، بل:

- أثر جريمة

- شاهد صامت

- دليل على انهيار الحرج الأخلاقي

الإيحاء العميق: الوطن الذي تأسّس على النهب، لا يمكن أن ينتج شعور الانتماء.

سادساً: الكتب المسروقة – إيحاء سقوط المعرفة

الإيحاء:الكتب نزلت من القمة المعرفية إلى سلعة، إلى بضاعة إلكترونية

 الإيحاء العميق : الحرب لا تدمّر المثقف فقط، بل تُهين المعرفة ذاتها

الكتاب هنا:بلا قارئ، بلا سياق، بلا قداسة

سابعًا: البيوت المنهوبة – إيحاء انتهاك الحُرمة

الإيحاء: البيت في الوعي الجمعي: أمان، خصوصية، ذاكرة

تحوّله إلى:غنيمة، مخزن، فراغ

 الإيحاء العميق: الحرب كسرت آخر خطوط الحُرمة.

ثامنًا: التهجير والتهريب – إيحاء اقتلاع الجذور

الإيحاء: الهجرة ليست اختيارًا، بل: اقتلاع قسري، انقطاع زمني، تشظّي هوية.

والتهريب: ليس جريمة فردية، بل اقتصاد حرب.

 الإيحاء العميق: حين تسقط الدولة، يولد السوق الأسود بوصفه بديلًا أخلاقيًّا مشوّهًا.

تاسعًا: الشخصيات – إيحاء ما بعد الإنسان

الشخصيات لا تمثّل ذواتًا فردية فقط، بل أنماطًا وجودية.

الشخصية وإيحاؤها:

نبهان= الإنسان الرمادي

نورما=الوعي الجريح

سيرا=البقاء بلا أسئلة

فايا=الضحية الصامتة

لارا=التمزّق

محمود=سقوط الدور

أيمن= مستقبل مشوّه

أبو حيدر=السلطة المتناسلة

الإيحاء الجامع:الحرب لا تقتل الإنسان دائمًا، بل تعيد إنتاجه بشكل مشوَّه.

عاشرًا: الإيحاء الختامي (النهاية المفتوحة)

النهاية المفتوحة توحي بـ:

- غياب العدالة

- استمرار الصدمة

- لا خلاص قريب

 الإيحاء الأخير: الحرب لم تنتهِ، لأنها ما زالت تسكن النفوس.

خلاصة المستوى الإيحائي

لا يهرب من الواقع، بل يغوص فيه حتى أقصى قسوته، ويحوّل الرواية من حكاية حرب إلى تشريح عميق لانهيار الإنسان والوطن معًا.

• المستوى الديناميكي التداولي

(حركية الفعل، تدفّق السلطة، والشقّ المعرفي في زمن الحرب)

أولًا: تأطير المستوى

لا يقتصر المستوى الديناميكي في رواية بنسيون الشارع الخلفي على حركة الشخصيات داخل الفضاء السردي، بل يتّسع ليشمل حركة المعنى، والسلطة، والمعرفة داخل سياق الحرب السورية.

ومن هنا يُقرأ هذا المستوى بوصفه ديناميكيًّا تداوليًا، حيث تُقاس الأفعال لا بآليتها التنفيذية، بل بأثرها الدلالي والأخلاقي في الوعي الفردي والجمعي.

ثانيًا: حركية الأفعال بوصفها رسائل تداولية

في هذا المستوى، يتحوّل الفعل إلى خطاب، وتتحوّل الحركة إلى رسالة:

- عبور الحواجز ليس انتقالًا مكانيًا فقط، بل خطاب خوف.

- الصمت ليس غياب كلام، وإنما استراتيجية بقاء.

- التكيّف ليس حيادًا، بل موقفًا أخلاقيًّا ضمنيًّا.

وهكذا تتأسّس ديناميكية الرواية على تبادل غير منطوق للمعاني.

ثالثًا: الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي:

1. نقل رفات الجنود الإسرائيليين وتدمير مقبرة مخيم اليرموك

تشير الرواية إلى عملية مشتركة قامت بها عناصر كوماندوس إسرائيلية وروسية لاستخراج رفات جنود إسرائيليين من مقبرة في مخيم اليرموك، أعقبها تدمير المقبرة بالكامل بقصفها بالبراميل المتفجرة .

شاهد:

"فريق ( كوماندوس إسرائيلي) دخلوا مقبرة الشهداء بلحظة خاطفة بسيارات مصفّحة برفقة الشرطة الروسية، وفي سرعة نبشوا قبرين في طرف المقبرة القبلي،كنت سمعتُ من أخي المرحوم، أن في المقبرة جثتين لجنديين اسرائيليين من فترة سابقة"(ص229)

"الأمور مترابطة بتوقيت دقيق، جاء قصف المقبرة بالبراميل بعد حادثة ( الكوماندوس) بيومين حسب ما أذكر على وجه التحديد" (ص229)

القراءة التداولية:

هذا الفعل لا يُقرأ بوصفه عملية عسكرية فقط، بل بوصفه: خطاب قوة، وفعلًا تداوليًّا يحمل رسالة مفادها:

(بعض الموتى يستحقون الاستعادة، وبعض الذاكرات قابلة للمحو.)

شاهد:

" ما هذا الحرص الشديد من إسرائيل على فرد من أفرادها، باعتبارهم أن عملهم مقدسًا، ونصرَا مبينًا، بالمقابل عندنا الأعداد الهائلة التي ماتت وتموت كل يوم، والأمر عادي وأقل من عادي" ( ص 163)

إن تدمير المقبرة بعد نقل الرفات يُحيل إلى محو الذاكرة المحلية مقابل صيانة الذاكرة المدعومة بالقوة.

2. رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا وجمع المخطوط:

في مقابل ديناميكية القوة، تطرح الرواية ديناميكية معرفية هشّة، تتمثّل في رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا لجمع أجزاء مخطوط نادر كُلّف بتحقيقه، بعد أن تفرّق بفعل الحرب والتهريب.

شاهد:

" الفترة الماضية قضيتها في سفر دائم ما بين القاهرة وباريس واسطنبول بحثًا وراء أجزاء مخطوط مهمة وضرورية... " ( ص 166)

القراءة التداولية:

تتحوّل الرحلة إلى فعل مقاومة معرفية، وخطاب أخلاقي صامت، فالمخطوط هنا يتحرّك كما يتحرّك اللاجئ، ويتشظّى كما تشظّت الذاكرة الجماعية.

رابعًا: المفارقة التداولية الكبرى

تضع الرواية القارئ أمام مفارقة صارخة:

ديناميكية السلطة × ديناميكية المعرفة

استعادة الرفات بقوة عسكرية × جمع المخطوط بجهد فردي

حماية ذاكرة مدعومة بالقوة × إهمال الذاكرة المحلية

تدمير المقبرة × محاولة ترميم المعنى

هذه المفارقة تُنتج خطابًا تداوليًا عميقًا حول أولويات الحرب وما تحميه وما تتركه للضياع.

خامسًا: القيمة الذرائعية لهذا المستوى

إدراج الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي ← يوسّع مفهوم الحركة ليشمل حركة التاريخ والذاكرة.

ويُظهر أنّ الرواية: لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تُحاكم منطق القوة الذي يعيد ترتيب العالم.

خلاصة المستوى:

يتحوّل المستوى الديناميكي التداولي في بنسيون الشارع الخلفي إلى مستوى:

- حركية الأجساد

- وحركية السلطة

- وحركية المعرفة المهدَّدة

ويؤكّد أنّ: الحرب لا تتحكّم فقط بمن يعيش ومن يموت، بل بمن يُتذكَّر، وبما يُحفَظ، وبما يُمحى.

• التجربة الإبداعية :

(الكتابة من داخل الحرب لا عن الحرب)

أولًا: موقع الكاتب من التجربة:

التجربة الإبداعية في هذه الرواية لا تنطلق من موقع الراوي العارف، ولا من مسافة زمنية مريحة، ولا من خطاب إدانة جاهز، وإنما من موقع الشاهد المنهك الذي عاش الحرب زمنًا طويلًا، حتى فقد القدرة على الصدمة.

الكاتب لا يكتب الحرب كحدث تاريخي، بل كحياة يومية، كاعتياد، كتحلّل بطيء للقيم.

وهذا يفسّر: هدوء اللغة، غياب الانفجار الدرامي، سيطرة النبرة الباردة.

ثانيًا: الكتابة بوصفها فعل مقاومة صامتة

رغم أن الرواية لا ترفع شعار المقاومة، فإن فعل الكتابة نفسه مقاومة معرفية وأخلاقية؛ لأن الكاتب يصرّ على التوثيق، يرفض التجميل، لا يمنح القارئ عزاءً كاذبًا.

 التجربة الإبداعية هنا تقوم على فضح الخراب كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.

ثالثًا: اختيار المكان بوصفه قرارًا إبداعيًّا

اختيار البنسيون ليس اعتباطيًّا:

- ليس بيتًا

- ليس شارعًا عامًّا

- ليس سجنًا مباشرًا

بل مساحة بينيّة (In-between Space) وهي المساحة التي عاش فيها السوريون:

- لاجئون في وطنهم

- آمنون ظاهريًّا

- مهدّدون دائمًا

 هذا الاختيار يكشف وعيًا سرديًا عميقًا مفاده: المكان ليس خلفية، بل أداة تفكير.

رابعًا: بناء الشخصيات بوصفها آثارًا لا أبطالًا

التجربة الإبداعية ترفض:

- البطولة

- التطهير

- الخلاص

الشخصيات: لا تُصاغ لتُحب، ولا لتُدان، وإنما لتُفهم.

هم آثار بشرية للحرب، لا نماذج أخلاقية، وهذا خيار جمالي وأخلاقي جريء.

خامسًا: الاقتصاد السردي واللغة المنهكة

الكاتب يتعمّد:

- الجُمل القصيرة

- التوصيف المباشر

- غياب البلاغة العالية

لأن اللغة نفسها أُُنهكت بالحرب.

 التجربة الإبداعية تحاكي: وعي الشخصيات، تعبها، تبلّدها.

فالأسلوب هنا امتداد نفسي للمضمون.

سادسًا: رفض التفسير والوعظ

من أبرز سمات التجربة:

- غياب الأحكام المباشرة

- عدم توجيه القارئ

- ترك المعنى يتكوّن بالتراكم

الكاتب لا يقول: هذا صواب وهذا خطأ، بل يضع القارئ أمام السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟

وهذا جوهر الكتابة الذرائعية.

سابعًا: الكتابة بوصفها أرشفة أخلاقية

الرواية تؤدي وظيفة ليست إعلامية، ولا توثيقية باردة، وإنما أرشفة وجدانية وأخلاقية للحرب، توثّق:

- سقوط القيم

- تشوّه العلاقات

- انهيار المعرفة

- تحوّل الخوف إلى نظام حياة.

ثامنًا: الزمن الإبداعي للرواية

الرواية مكتوبة بعد زمن طويل من الحرب، لا في لحظتها الأولى، وهذا يجعلها:

- رواية ما بعد الصدمة الأولى

- رواية التعب الطويل

وهذا يفسّر:

- بطء الإيقاع

- التكرار

- الإحساس بالدوّامة

تاسعًا: موقع الرواية ضمن أدب الحرب السوري:

إبداعيًّا، تنتمي الرواية إلى:

- أدب الحرب غير البطولي

- أدب الاعتياد

- أدب الانكسار الصامت

وهي بذلك:

تكمّل سردية الحرب السورية من زاوية الحياة اليومية لا الجبهة.

خلاصة التجربة الإبداعية:

التجربة الإبداعية في بنسيون الشارع الخلفي تقوم على:

- كتابة من داخل الجرح

- لغة بلا زينة

- شخصيات بلا خلاص

- مكان بوصفه وطنًا مكسورًا

- وأخلاق تُختبر لا تُعلَّق عليها.

وتؤكّد أن أعنف ما فعلته الحرب لم يكن القتل فقط، بل تغيير الإنسان من الداخل

• خاتمة الدراسة

تقدّم رواية "بنسيون الشارع الخلفي" لمحمد فتحي المقداد نموذجًا سرديًّا مكثّفًا لرواية الحرب السورية الممتدّة، لا بوصفها حدثًا عسكريًا أو صراعًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها انهيارًا بنيويًا شاملًا طال الإنسان، المكان، والقيم.

وقد أظهرت القراءة الذرائعية أنّ الرواية لا تُراكم الأحداث بقدر ما تُراكم الآثار، ولا تبني حبكة تقليدية بقدر ما تُشيّد وعياً نقدياً قلقاً تجاه ما خلّفته الحرب في النفوس والسلوكيات.

أبرزت الدراسة أنّ البنسيون لم يكن فضاءً محايدًا، بل تحوّل إلى شخصية مكانية رمزية تختزن صورة الوطن المنكفئ على أوجاعه، وطن أعيد تركيبه من بقايا منهوبة، وأُثِّث بأثاث مسروق غير منسجم، في إحالة عميقة إلى وطن فقد شرعيته الأخلاقية قبل أن يفقد سيادته المادية. كما كشف المستوى البصري عن جماليات الخراب والفراغ، حيث لم تعد الصورة أداة توصيف جمالي، بل وسيلة إدانة صامتة للدمار الممنهج.

أما المستوى اللغوي والجمالي، فقد بيّن أنّ اللغة في الرواية لغة مُنهكة، متقشّفة، خالية من البلاغة الانفعالية، وهو اختيار فني ينسجم مع طبيعة الحرب الطويلة التي تُنتج اعتيادًا على الكارثة وتآكلًا في الدهشة. اللغة هنا لا تصرخ، وإنما تُبلّغ، وتؤدي وظيفة كشف لا وظيفة إبهار.

وفي المستوى الديناميكي، تبيّن أنّ الشخصيات لا تتطوّر بالمعنى الكلاسيكي، بل تتغيّر اضطرارًا تحت ضغط الخوف والتهديد، فتتوزّع بين التكيّف الرمادي، والانكسار الصامت، والبراغماتية القاسية، والوعي الجريح. وقد أكّد المستوى النفسي أنّ الرواية تنتمي إلى أدب الصدمة المزمنة، حيث يتحوّل الخوف إلى بنية ذهنية، والموت إلى خبر، والعنف إلى جزء من الحياة اليومية، دون وعدٍ بالشفاء أو التعافي.

كما أظهر المستوى الإيحائي أنّ الرواية اشتغلت على شبكة كثيفة من الرموز الواقعية ذات الحمولة الأخلاقية العميقة: الحواجز الأمنية بوصفها تمثيلًا للسلطة الشاملة، الكتب المسروقة علامة على سقوط المعرفة، البيوت المنهوبة إيحاء بانتهاك الحُرَم، والتهجير والتهريب بوصفهما اقتصاد حرب لا خيار فردي. ولم يكن هذا الإيحاء هروبًا من الواقع، وإنما كان غوصًا فيه حتى أقصى درجات القسوة. وفي ضوء التجربة الإبداعية، يتضح أنّ المقداد كتب هذه الرواية من موقع الشاهد لا المؤرّخ، ومن داخل التعب لا من مسافة آمنة، فجاء نصّه خاليًا من البطولات الزائفة، رافضًا الوعظ والخلاص السريع، ومقدّمًا كتابة تقوم على الأرشفة الأخلاقية للخراب أكثر من تقديم الحلول.

تخلص الدراسة إلى أنّ "بنسيون الشارع الخلفي" ليست رواية عن الحرب فقط، بل عن ما تفعله الحرب بالإنسان حين تطول؛ حين تُغيّر نظرته إلى نفسه، وإلى الآخر، وإلى المعنى ذاته. وهي بذلك تشكّل إضافة نوعية إلى أدب الحرب السوري، وتؤكّد أنّ أخطر نتائج الحرب ليست الدمار المرئي، بل التشوّه الصامت الذي يستقرّ في النفوس، ويستمرّ حتى بعد انقطاع أصوات القصف.

وبهذا لا تكتفي الرواية بتسجيل آثار الحرب، بل تؤدي وظيفة ذرائعية كاشفة، تفكك آليات اعتياد الخراب، وتُعيد طرح السؤال الأخلاقي حول اللحظة التي يتوقّف فيها الألم عن كونه صدمة ليغدو نظامًا للحياة.

                                    #دعبيرخالديحيي مرسين- تركيا 4 يناير 2026

المراجع

أولًا: المراجع النظرية والمنهجية (الذرائعية والسرد)

1. الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2017). الذرائعية في التطبيق: آلية نقدية عربية. القاهرة: دار شعلة الإبداع.

2. الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية في التطبيق (طبعة مزيدة منقحة). طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

3. الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

4. الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

5. الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2021). الذرائعية والعقل. بغداد: منشورات اتحاد الكتّاب العراقيين.

6. جيرار جنيت. (1997). خطاب الحكاية (ترجمة محمد معتصم). الدار البيضاء: دار توبقال.

7. ميخائيل باختين. (1987). جماليات الخطاب الروائي (ترجمة محمد برادة). بيروت: دار الفكر.

ثانيًا: مرجع الرواية (النص المدروس)

8. المقداد، محمد فتحي. (2024). بنسيون الشارع الخلفي. ألمانيا:الأكاديمية الحرة للدراسات العلمية.

ثالثًا: مراجع في رواية الحرب وأدب الصدمة

9. خالد خليفة. (2013). لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة. بيروت: دار الآداب.

10. سمر يزبك. (2008).رائحة القرفة. بيروت: دارالآداب.

11. ديمة ونوس. (2017). الخائفون. بيروت: دار الآداب.

12. روزا ياسين حسن. (2011). بروفا. بيروت: دارالريس.

رابعًا: المراجع النفسية (الصدمة، اعتياد الخوف، تشوّه العلاقات)

13. جوديث هيرمان. (1992). Trauma and Recovery. New York: Basic Books.

14. كاثي كاروث. (1996). Unclaimed Experience: Trauma, Narrative, and History. Baltimore: Johns Hopkins University Press.

15. دوري لاوب. (1995). “Truth and Testimony: The Process and the Struggle.” American Imago, 48(1), 75–91.

خامسًا: المكان، الذاكرة، والانهيار القيمي

16. غاستون باشلار. (1984). جماليات المكان (ترجمة غالب هلسا). بيروت: المؤسسة الجامعية.

17. بول ريكور. (2004). الذاكرة، التاريخ، النسيان (ترجمة جورج زيناتي). بيروت: دار الكتاب الجديد.

18. زيغمونت باومان. (2000). الحداثة السائلة. Cambridge: Polity Press.

سادسًا: مراجع مساندة في تفكك القيم والمجتمع تحت الحرب

19. حنّة آرندت. (1963). في العنف. New York: Harcourt Brace.

20. بيير بورديو. (1998). الهيمنة الذكورية (للاستئناس بمفهوم العنف الرمزي).


الجمعة، 12 ديسمبر 2025

وقفة تأملية كتاب الفكر عورة

 

وقفة تأملية في ظلال كتاب

"الفكر عورة" للكاتب "محمد إقبال حرب"

بقلم . محمد فتحي المقداد. سوريا

أيقنتُ منذ زمان غير بعيد، بأنَّ الكتابة عملٌ شاقٌّ حقيقة لا جدال ولا مِراء فيها، رغم مُتابعتي الحثيثة لما يُنشَر على وسائل التواصل، كثيره الغثُّ وقليله السَّمين ذي الفائدة، ولا أقول عن المنقول والمنحول والمسروق من صفحات أخرى، وليست أيَّة كتابة لأيِّ نصٍّ مُغرية بالقراءة والمُتابعة، وهذا بالطَّبع ليس من باب الاستعلاء على الآخرين، إنَّما من طريق فرز الأفضل والبحث عن الأجود صياغة للفكرة، وطريقة التعامل معها، وهنا تتجلَّى مهارة الكاتب أيّ كاتب، كيف سيُدير فكرته؟.

ومنذ فترة وصلتني نسخة إلكترونيَّة (pdf) من كتاب "الفكر عورة" للصديق الكاتب والأديب الروائي "محمد إقبال حرب" من لبنان. بداية العنوان لفت انتباهي بغرابته، وإشكاليَّته المُثيرة، ولمَّا وجدتُ الفُرصة مُواتية بعد عودتي الطوعيَّة من الأردنِّ إلى بلدي وموطني، واستقراري المبدئي؛ كانت العودة أيضًا لبرنامج القراءة من جديد، بعد انقطاع إجباريٍّ لفترة لم تتعدَّ الشَّهرين.

لقائي مع الكتاب لم يكُن عاديًّا، بل اِكْتشفتُ من جديد التماثُل الفكريِّ بنقاط عديدة، جمعتني بالصَّديق "محمد إقبال حرب"، ووقفتُ على مجموعة من الجُمل، والعبارات ذات الدَّلالات العميقة، ومن الممكن إطلاق الجمل المشهديَّة. الجملة الواحدة مشهدٌ بحدِّ ذاته.

وقُمت بتدوينها في دفتري، ومن ثمَّ... ولتعميم الفائدة، نقلتُها إلى عالم القرَّاء والمُهتميِّن، لعِظَم فائدتها -لاِعْتقادي ذلك على الأقلِّ-:

. (إن الزرازير لمَّا قام قائمها توهمَّت أنَّها صارت شواهينا) للشَّاعر صفِّي الدِّين الحلِّي. هذا بيت الشِّعر تصدَّر الصفحة الأولى من الكتاب، وتظهر دلالة الاختيار، وبُعدها الفلسفي.

. أهل الضَّاد والأضداد.

. نُبِشَت رُفات الرَّشيد فأفقده رُشده، ونُبِشَتْ رُفات الزبَّاء في وضَح النَّهار، ونُبِشَت رُفات عمر المُختار من دون أيِّ شكوى أو مظلمة.

. اِسْتَعَنَّا بالجانِّ، واِحْتميْنا بالأمريكان.

. يوم أن كانت ولادتي نكبة جديدة، توصم وجه العائلة بعجزها عن توليد ذَكَرٍ آخَر، يحمل بُندقيَّة ؛ للثأر من العائلة المُنافسة.

. عَتَبي على اللَّيل بأحزانه التي يسوقها من كلّش حَدَبٍ وصَوْب.

. لم يشأ الزَّعيم أن يراني مُغادرًا من دون رفيق؛ فقتلهم جميعًا، ثمَّ توضَّأ بدمائهم، وأقام صلاة الشُّكر لربِّه، الذي أنقَذ عرشه بقرابين، بشُربةٍ يعشقها ربُّ الطّغاة.

. جاء كابوس في منامي، رأيتُ شَبَحًا يُناديني: "يا إنسان" فَخِفْتُ من هذا الاحترام، وصَدَح بي مرَّة أخرى: أنتَ يا أيُّها الإنسان". قلتُ له: " لا .. لا أنا حيوان، هكذا علَّمني مُعلِّمي الطَّاغية".

. اِقْتادوني إلى مدرسة التَّأهيل . أوضح لي المسؤول الكريم جريمتي، وأمر القاضي بتقويم اِعْوجاجي؛ فعيَّن لي رجُل دينٍ إلى طريق الحاكم القويم. تولَّى أمري رجالٌ أشدَّاء، بختم جسدي بالأوامر السُّلطانيَّة؛ فدفعوا الأقوال بالسِّياط، ومهروها بنُبوت السُّلطان لسعًا ووخزًا.

. وكم ستكون وجبة الإيمان دسمةً، حينما تُطيَّبُ ببهارات الدِّيانات الأخرى.

. نحن نستخدم العُنصريَّة في حياتنا كالماء والهواء.

. في أمريكا قَتلَ شُرطيٌّ رجلًا من أُصول أفريقيَّة؛ فثار الشَّعب في أمريكا احتاجًا، وهلَّل العُربان فرحين، ينتظرون نهاية الشَّيْطان الأكبر.

. يا هذا دُموعكَ تملأُ البحر نجاسة رغم مُلوحته، والعصافير تهرب إلى عليائها كي لا تسمع شكواك.

. من غرائب القَدَر، أنَّ النَّاس صنعوا إلهًا يُشبههم، يُحبُّ ويكره ويُتاجر بالمشاعر.

. تألَّق.. تجلَّ. سيِّدي الدُّولار؛ فلم يحدُث أن اُتُّفِق على إله سِواك.

. المعبد الطَّاغي.

.مهما كان حال البقرة، سينتهي بها الأمر إلى سكِّين الجزَّار، ليُقطِّعها إرَبًا؛ تُدِرُّ على سيِّدها أضعاف كلفتها.

. لا نجدُ حيوانًا يتغذَّى على نوعه.

هذه العبارات اقتُبِسَت من سياق مقالات فكريَّة وثقافيَّة مادَّة كتاب "الفكر عَوْرَة"، الذي يُمثِل صرخة "محمد إقبال حرب" الصَّادقة الغاضبة الجريئة... ولكن هل من مُجيب...!!.

بتوقيت بُصرى ــــــــــــا 12. 12. 2025


محمد الصمادي يحاور فتحي المقداد

 *سأل الكاتب والقاص محمد علي فالح الصمادي:


(سلام من الله عليكم. 

السؤال: لماذا نكتب؟


الروائي و القاص محمد فتحي المقداد لماذا تكتب  حوار مركب لمجموعة اصدقائي؟)


 


*إجابة الروائي محمد فتحي المقداد على سؤال القاصّ محمد الصمادي بالتالي:


الكتابة هَمٌّ يعيشه بل هموم مُثقِلة لكاهل كلّ من يقترف ليس جريمة أقول، بل هي إدمان مَشوبٌ بقلق دائم يستوطن بواطن النفس، ويستغرق حالات تفكير نازفة لدواخل الكاتب. الكتابة ليست رفاهًا ولا مهنة يُكتَسب منها الرّزق عمومًا، أراها حاجة ضروريّة مُلحّة، لتتلطّخ الصفحات بدم المخاض عند ميلاد الفكرة، ساعتها يكون مأزق الكاتب الذي يحشره في عنق الزجاجة، فإذا استطاع الإفلات والخروج لفضاء التدوين، يستعيد أنفاسه، وتهدأ روحه وتعود نبضات قلبه لمعدلها الطبيعيّ، وتزول مخاوفه وهواجسه، ويملأ صدره بأوكسجين يُساعده باستعادة أنساغ الحياة.


رغم كلّ المُكابدات والمعاناة لكنّها متعة حقيقية، لأنّها مُحاكاة عالية المستوى بما يرتقي فوق مستوى البطن بكثير إلى مُخاطبة العقول الراقية بوعي لإيصال رسالة ما.


بلا شكٍّ بأنّ كتابة القصّة بكافّة أشكالها الأدبيّة فيها من الصّعوبة، لأنّها تحتاج لحشد قُدُرات الكاتب إلى درجات التأهُّب القُصوى للإحاطة بكافة جوانب النصّ، والتي هي ضرورة تأثيثه باللّغة المُعبرّة ذات الدّلالة الدّقيقة على المعنى المُراد، وحصر الموضوع بنقاط محددّة، وزمن ومكان، وكيفية بناء شخصيّة البطل القائمة على الفعل والحركة داخل النصّ، واِسْتبطان العوامل النفسيّة والظّروف المرافقة حسب حاجة النصّ، بحيث لا تكون أحمالًا زائدة، تُثقل كاهله؛ فيترهّل.


انتاج نصّ عالٍ بمُستواه يحتاج وقتًا ليس بالقليل من الكاتب، بما يستلزم بالقراءة والإعادة والتدقيق والمُراجعة، لتفادي التناقضات والفراغات غير المُبرّرة، لأنها من مَقتَل لأيّ نصّ أدبيّ، والرُّكن الأهمّ المُوازي لذلك هو الاستماع للملاحظات النَّاقدة للنصّ، والتفريق بين النصّ والكاتب، على اِعْتبار أنّ النّقد مُوجّهٌ للنصّ فقط.


من مهارة الكاتب اِستطاعته توهيم القارئ وتوريطه في صوابيّة وأحقيّة نصّه، ولا بدّ من المفارقات وتتاقضاتها والانزياحات والدّهشة الخادمة لفكرة ونسيج ودَوَالّ النصّ،


 لفتح سماءات التأويل على أوجه عدّة، وهي دلالة على ثراء النص واكتنازه، وكلّ هذا يجعل من القارئ شريكًا يُكمل بعض المسكوت عنه والمخفي وراء السّطور والكلمات، وبذلك تكوم رسالة الكاتب وصلت بسلام واِطْمئنان لمن 

قصدهم


الفصل الثالث: تشريح الهَمّ الكتابي - حوار مع الروائي محمد فتحي المقداد


تقديم المحاور: محمد الصمادي


بعد حوارين مع شاعرين، يأتي رد الروائي محمد فتحي المقداد من عالم السرد، من فضاء الحكاية والشخصية والحدث. إذا كانت الشاعرة إيمان العمري تحدثت عن "لمعة النزف" والشاعر ناصر قواسمي عن "صناعة الوطن من الخردة"، فإن المقداد يتحدث عن "الهَمّ" و"الإدمان" و"المخاض". هنا ندخل إلى ورشة الصنعة القصصية حيث الفكرة تتحول إلى نسيج سردي، حيث الدم يتحول إلى حبر.


---


إجابة الروائي محمد فتحي المقداد:


"الكتابة هَمٌّ يعيشه بل هموم مُثقِلة لكاهل كلّ من يقترف ليس جريمة أقول، بل هي إدمان مَشوبٌ بقلق دائم... الكتابة ليست رفاهًا ولا مهنة يُكتَسب منها الرّزق... أراها حاجة ضروريّة مُلحّة، لتتلطّخ الصفحات بدم المخاض عند ميلاد الفكرة... رغم كلّ المُكابدات والمعاناة لكنّها متعة حقيقية... لأنّها مُحاكاة عالية المستوى..."


---


قراءة محمد الصمادي: تشريح الهَمّ الكتابي بين المخاض والمتعة


المقطع الأول: الكتابة كـ"هَمّ" وجودي و"إدمان" وجودي


يبدأ المقداد بتشخيص دقيق: "الكتابة هَمٌّ". لكن هذا الهم ليس عبئاً عابراً، بل هو "هموم مُثقِلة". الكاتب هنا ليس مختاراً بل "مقترف"، والكتابة ليست "جريمة" بل "إدمان". في هذا التشخيص نلمس الازدواجية الأساسية في العلاقة مع الكتابة: هي قسر وحرية، عبء ونشوة، مرض وشفاء.


في فلسفة الكتابة التي أطورها عبر حواراتي المتعددة، أرى أن هذا "الإدمان المشوب بقلق دائم" هو بالضبط ما يجعل الكتابة فعل وجود أصيل. القلق الوجودي الذي تحدث عنه هايدغر يجد في الكتابة ملاذه وميدان معركته. الكاتب لا يكتب رغم قلقه، بل يكتب من قلقه، وبقلقه، وإليه.


المقطع الثاني: المخاض الكتابي: من "عنق الزجاجة" إلى "فضاء التدوين"


يقدم المقداد صورة جراحية دقيقة: "مخاض عند ميلاد الفكرة". الكتابة ولادة، لكنها ولادة متعسرة أحياناً. "عنق الزجاجة" الذي يحشر فيه الكاتب هو لحظة الحبس بين الفكرة والتعبير، بين الرؤية والكلمة، بين العالم الداخلي والعالم الخارجي.


"فضاء التدوين" الذي يليه هو لحظة التحرر، لكنه تحرر مؤقت، لأن كل فكرة تولد تحمل في أحشائها بذور الفكرة التالية. هذا التناقض بين الاختناق والتحرر، بين الضيق والسعة، هو ما يجعل الكتابة دورة وجودية: نحن نحتجز لنتحرر، ننغلق لننفتح.


المقطع الثالث: المتعة والمكابدة: ثنائية الجذاب والطاردة


"رغم كلّ المُكابدات والمعاناة لكنّها متعة حقيقية". هذه الجملة تختزل تناقض التجربة الكتابية. المتعة ليست نقيض المعاناة، بل هي ولدت منها. كما أن ألم الولادة لا ينفي بهجة المولود.


في تداخل الأجناس الأدبية الذي أمارسه وأتحدث عنه، أجد أن هذه الثنائية تتضاعف. فكاتب القصة القصيرة الذي يتحدث عنه المقداد يعاني من معاناة مضاعفة: عليه أن يختزل الكون في لحظة، أن يصنع عالماً كاملاً في بضع صفحات. هذه "المحاكاة عالية المستوى" التي يتحدث عنها هي بالضبط مصدر المتعة والمكابدة معاً.


المقطع الرابع: صنعة القصة: بين "التأهُّب القُصوى" و"المسكوت عنه"


يقدم المقداد هنا درساً في فن القصة: "حشد قُدُرات الكاتب إلى درجات التأهُّب القُصوى". لكن هذا التأهب لا يعني التحكم الكامل، بل يعني الاستعداد للانفلات. "الشخصية القائمة على الفعل" قد تبدأ في فعل ما لم يخطط له الكاتب، و"العوامل النفسية" قد تقود إلى حيث لا يتوقع.


هنا تكمن براعة الكاتب الحق: أن يخطط لكي يسمح باللا مخطط له. أن يبني عالماً متماسكاً ليسمح للفجوات أن تظهر. "المسكوت عنه" الذي يذكره المقداد ليس نقصاً، بل هو فراغ ضروري يدعو القارئ إلى المشاركة في الخلق.


المقطع الخامس: النقد والقراءة: من "الملاحظات الناقدة" إلى "القارئ الشريك"


"التفريق بين النصّ والكاتب" - هذه النقطة التي يذكرها المقداد أساسية في فهم طبيعة العمل الإبداعي. النص حين يولد ينفصل عن والديه، يصير كائناً مستقلاً يعيش حياة خاصة به. النقد الموجه للنص ليس نقداً للكاتب، بل هو حوار مع النص بوصفه كياناً مستقلاً.


"توهيم القارئ وتوريطه" - هنا تكمن قوة الأدب. ليس الهدف خداع القارئ، بل إشراكه في اللعبة الإبداعية. "الانزياحات والدّهشة" التي يتحدث عنها المقداد هي أدوات هذا التوظيب. القارئ لا يستهلك النص، بل يشارك في بنائه عبر "تأويلات متعددة".


المقطع السادس: الكتابة كحوار مع الغياب: "المخفي وراء السّطور"


"المسكوت عنه والمخفي وراء السّطور" - هذه العبارة تختزل فلسفة الكتابة عند المقداد. الكتابة ليست قول كل شيء، بل هي قول ما يمكن قوله بطريقة تدل على ما لا يمكن قوله. الكلمات ليست سوى قمة جبل الجليد، أما الجذر الأكبر فهو تحت السطح.


في رؤيتي الفلسفية للكتابة، أرى أن هذا "المخفي" هو بالضبط ما يجعل الكتابة ضرورية. نحن نكتب لأن هناك ما لا يمكن قوله مباشرة، فنقوله بشكل غير مباشر. نحن نكتب لأن الصمت يحتاج إلى صوت، حتى ولو كان صوتاً غير مباشر.


المقطع السابع: التداخل الأجناسي: القصة كـ"نص عالٍ بمُستواه"


حين يتحدث المقداد عن "إنتاج نصّ عالٍ بمُستواه"، فهو يشير إلى تلك النقلة النوعية التي تجعل من القصة فناً قائماً بذاته. لكن هذا لا يعني انغلاقها. القصة العالية المستوى هي تلك التي تسمح بتداخل الأجناس: قد تحتوي على الشعر في وصفها، على الفلسفة في حواراتها، على الدراما في أحداثها.


في ممارستي للكتابة متعددة الأجناس، أجد أن القصة القصيرة هي أكثر الأجناس قابلية لهذا التداخل. لأنها تعمل بالتكثيف، والتداخل الأجناسي يزيد من كثافتها وقدرتها على الإيحاء.


المقطع الثامن: الزمن الكتابي: بين "الوقت الطويل" و"اللحظة الأبدية"


يذكر المقداد أن النص العالي "يحتاج وقتًا ليس بالقليل". لكن هذا الوقت الطويل لا يقاس بالساعات والأيام، بل بشدة التركيز، بعمق الغوص، ببطء المخاض. الكاتب يقضي وقتاً طويلاً مع نص قصير، لأن كل كلمة يجب أن تكون في مكانها، كل جملة يجب أن تحمل أكثر من معنى.


هنا يتداخل الزمن النفسي مع الزمن الفيزيائي. اللحظة التي يمر فيها القارئ على جملة قد تكون استغرقت من الكاتب ساعات من التفكير. الكتابة هي انتصار للزمن الداخلي على الزمن الخارجي، للعمق على السطحية.


---


خاتمة الحوار: الكتابة كـ"رسالة تصل بسلام"


يختتم المقداد بقوله: "وبذلك تكون رسالة الكاتب وصلت بسلام". لكن هذا السلام ليس غياب الصراع، بل هو لحظة التوازن بعد العاصفة. الرسالة التي تصل "بسلام" هي تلك التي خاضت معركة مع الكلمات، مع المعاني، مع القارئ المتخيل.


في النهاية، الكتابة كما يصورها المقداد هي رحلة من الهَمّ إلى السلام، من المخاض إلى الولادة، من المعاناة إلى المتعة. لكنها رحلة لا تنتهي، لأن كل سلام هو بداية هَمّ جديد، كل ولادة تحمل في أحشائها بذور الولادة التالية.


نكتب لأننا نحمل هموماً تبحث عن شكل، ولأن الأشكال التي نجدها تخلق هموماً جديدة. الكتابة حلقة مفرغة، لكنها الحلقة المفرغة الوحيدة التي تستحق الدوران فيها.


---


محمد الصمادي

في حوار متواصل مع أغوار الكتابة وأسرارها

مع محمد فتحي المقداد

تأملات قرآنية