بين العدسة والكلمة
بقلم. محمد فتحي المقداد. سوريا
ما بين عدسة آلة التَّصوير والكتابة يكون موقع "محمد الصّمادي" الفوتوغرافي والأديب، وتتَّسِع رُؤاه عندما تضيق فتحة عدسته، وتندلق أفكاره حُروفًا تحبو على صفحاته البيضاء، لترسم دلالات ذات أشكالٍ ومعانٍ، ترتقي لتشكيل معلميْن في كلا الاتِّجاهيْن، في التَّصوير والكتابة. فإذا ما أراد توثيق حالة فتح قلبه في دفتره، وعندما يريد الكتابة يمتشق آلة تصويره، ليكتب بعين العدسة وقلبه بإحساسه المُختلف برؤيته لطبيعة الأشياء من حوله.
إقامتي في إربد استغرقت ستّ سنوات، أفسحت لي المجال للتعرُّف أكثر، بل التعمُّق لمعاينة تجربة محمد الصَّمادي الكتابيَّة، ومن حُسن حظِّي أنَّني شهدتُ ميلاد بعض أعماله الأدبيَّة والقصصيَّة، فقد كان لي شرف مُشاركته حفل توقيع كتابه" هو الذي يرى" بإضاءة مُتواضعة، إعرابًا عن تضامُني معه. الذي هو عبارة عن سيرته بأقلام أصدقائه ومُحبَّيه.
ومع صُدور مجموعته القصصيَّة "جُرعتان والبقيَّة تفاصيل"، حتَّى أدركت القيمة الأدبيَّة الوازنة عند "محمد الصَّمادي"، واستطعت تحديد مدرسته الواقعيَّة، يكتب قناعاته وما يُلبِّي رغبة ذائقته الأدبيَّة، وفي النصَّ "جُرعتان والبقيَّة تفاصيل"، وكان أن تصدَّر عنوان المجموعة، قُوَّة العنوان سَفَحَت ما في طريقها لتأخذ مكانها الطَّبيعيِّ.
وبعد ذلك دخلتُ معمعة كتابات محمد الصمادي في مجال القصة القصيرة جدًّا (ق.ق.ج)، وأصدر مجموعتان ضخمتان بعدد نصوصهما، والغرابة جاءت من اختياره عنوانيْن لهما فالأولى (333) والثانية (444) ودلالة العنوان على عدد النصوص التي تحتويها كلٌّ منهما.
وفي مجال الرواية فقد دخل في كتابة روايته التي كانت حلمه (مُصوِّر أعمى)، وكم حدّثني عن مشروعه الأسمى حسبما ما عبَّر بكلامه الكثير حول فكرة الرِّواية، وأظنُّها قد اكتملت خلال فترة مُغادرتي لإربد في (3\9\2025).
محمد الصَّمادي نبعٌ مُتفجِّرٌ بالكتابة حتى استطاع تشكيل سيْل لا ينقطع من تدفُّقات أفكاره، حرصه الشَّديد بسباقه مع الزَّمن، دخل في متاهة الكتابة اليوميَّة باستمرار وبلا توقُّف، لدرجة مُحيِّرة لكلِّ من يُريد مُتابعة ما يكُتب.
وآخر ما شهدتُ، ميلاد كتاب ضخم له، تحت مُسمَّى "الأعمال الكاملة. لمحمد الصَّمادي"، ويحتوي على قديمه وجديده من إصدارات، في مجال القصَّة والشِّعر، فهو مُصنَّف في رابطة الكُتّاب الأردنيين تحت مُسمَّى "شاعر"، نعم فهو شاعر بطبيعته يُدندن مع جبال عجلون لحن الطَّبيعة الخالد، ومرجعيَّته في المنشأ، الذي أكسبه صفاء الذِهن، وصلابة الموقف.
أستطيع القول بمنتهى الوضوح ، وبلا جدال ولا مِراء: إنَّ محمد الصّمادي قامة أدبيَّة وطنيَّة أردنيَّة وعربيَّة، له من الصَّوْلات والجَوْلات في توثيق الحالة الثقافيَّة في شمال المملكة، وبذلك يُعَدُّ مرجعيَّة واعية، شاهدة على عصر يُعادل رُبْع قرن على الأقلِّ من الفعل الثقافيِّ. وفي مجال الكتابة الأدبيَّة فهو لم يتوقَّف، وبعد تقاعده عند الستِّين تفرَّغ للكتابة، وإعادة ترتيب أفكاره، واستخراج قديمه المكتوب من ظلام الأدراج ليرى النُّور بحُلَّة جديدة، مُكلَّلة بتطوُّرات رُؤاه وخبراته في مجالات تتطلَّب منَّا ككُتَّاب، وأدباء، ومُهتَّمين الاِنْتباه لتجربته الأدبيَّة، ودافع للكتابة عنها كي تبقى مسيرة الإبداع على طريقها الصَّحيح.
بتوقيت بُصرى. السبت ــــا17. 12. 2025
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق