الاثنين، 5 يناير 2026

قراءة بنسيون. محمد الحفري

 


بنسيون الشارع الخلفي 

الرواية الفائزة بجائزة ناجي نعمان عام 2025م

محمد الحفري 

عندما تقرأ رواية "بنسيون الشارع الخلفي" لمؤلفها الكاتب محمد فتحي المقداد، تشعر أنك تشاهد تلك النفوس البشرية التي تكسرت بين الحرب والخوف، وكل نفس منها تحمل وجعاً أكبر من حجمها، والبنسيون هنا ليس مجرد مكان محدد وضيق كما في معناه العادي والرواية لا تحكي فقط عن حال الذين عاشوا في داخله، بل عن وطن نازف بعد أن تمزقت روحة إلى أشلاء تناثرت، وتبعثرت في أرجاء هذه المعمورة، لتصل في نهاية الأمر إلى مقولات لها وقعها الخاص منها أن الحرب لا تدمر البيوت وحسب، بل تخرب القلوب وتترك فيها فجوات وجراحات لا تندمل طوال العمر، وتتجلى أهمها من خلال حديث "نورما" التي تأخذ دور البطولة في هذا العمل، وخاصة وهي تشير إلى التعليم والأطفال والمستقبل، وكأنها تقول: رغم كل شيء هناك بذرة للحياة، لا بد أن تنبت من جديد. 

يبني الكاتب المقداد وبذكاء يثير الانتباه مكان نصه بين الخراب والعمران، وبين الموت والحياة، ويبدو أن سنوات الغربة الطويلة التي عاشها في الأردن لم تنسه سوريا، وشوارعها وناسها وتفصيلات حياتهم، ولذلك وضع "بنسيونه" بالقرب من دوار"البطيخة" الشهير والواقع في الجهة الجنوبية من مدينة دمشق ومن ذلك الدوار يبدأ شارع الثلاثين الذي يتفرع إلى عدة محاور ويصل إلى " الحجر الأسود" شمالاً ومن جهته الشرقية مدخل مخيمي"اليرموك، وفلسطين" بينما تقع "الزاهرة" من الجهة الشمالية ومنطقة "البوابة" من الجهة الغربية ونحن إذ نشير إلى ذلك، فقصديتنا منها التنويه إلى الموقع الحساس الذي اتخذت منه الرواية مكاناً خصباً لها، و"لا يمكن تصور الرواية بلا مكان حتى لو كان خيالياً، وأعتقد أن كثيراً من الروائيين يفضلون الأمكنة الواقعية رغم خيالية الأحداث" كما يرى الباحث محمد سليمان، وفي اختيار الكاتب لذلك المكان الخيالي بين الأمكنة الواقعية يتجلى حسن التصرف والتوجه صوب مغامرة التجريب التي أنتجت نصاً سردياً سبر لجة الأحداث السورية وغاص في مكنوناتها العميقة. 

لقد كان "أبو حيدر" الضابط المسؤول عن حاجز "دوار البطيخة"  يشرف على عمل "البنسيون" الذي يمتلكه " نبهان" وهو من تجار الحرب وقد ساهم في تعفيش البيوت، وتجريدها من كل شيء، ثم انشغل بالبحث عن المخطوطات الثمينة، فهي الأكثر رواجاً وربحاً وكان يشتغل على قاعدة يقول مفادها: " حلال على الشاطر، ستذهب لي ولغيري، وأنا أولى بها" وكان مقتنعاً أن الحرب فرصة عابرة ربما لا تتكرر، وكثيراً ما اشتغل مع عماله "بتشليح" الناس أو سلبهم ممتلكاتهم، وخاصة بعد أن خلت البيوت من أصحابها ولم يتبق فيها سوى القليل من كبار السن، وهو يتعامل مع من يلتقي بهم كمحقق مدرب ويمتلك الخبرة، كما تصفه الرواية ونحن إذ نركز على هذه الشخصية، فهي "محور الرواية والوحدة العضوية تتحقق من خلالها، والأحداث تدور حول تلك الشخصية، وتتصاعد مع نمو الشخصية، والشخصيات هي خادمة الفكرة" كما يرى الناقد المغربي الدكتور عبد الله حمدنا الله، وذلك يعود برأينا إلى كونها صاحبة المكان من جهة، والكثير من شخصيات العمل تتبع لها من جهة أخرى، ومنها " سيرا، فايا، علوان، محمود، نورما، أبو دعاس"

بين تلك الشخصيات المهمة التي يجب التطرق إليها هي "نورما" والتي يمكن وضعها بالمركز الثاني، أو الثالث بعد ضابط الحاجز والتي فقدت زوجها على أحد الحواجز وهو بالتأكيد قد قتل أثناء الاشتباك الذي جرى هناك، وهي تجبر على الإقامة في ذلك المكان نتيجة الظروف وقلة المال، وقد استقبلتها "سيرا" وعاملتها بمحبة وترحاب، لكن تلك المحبة لم تكن "لله بالله" كما يقول العامة، بل من أجل تلبية شذوذها، وتستطيع بعد أكثر من عشرين يوماً الهروب من مكان الفساد والتوجه نحو الشمال السوري، ونحن حين نقول الفساد ذلك لأن المكان قائم عليه، وهذا يعني أنه يهيمن ويسطو على الكثير من مناحي الحياة التي كانت سائدة أيام الحرب

وإذا جاز لنا استخدام المصطلح الرياضي، فنحن نعتقد أن الروائي قد سدد ضربة جزاء محكمة من خلال شخصية "علوان" ولا نبالغ لو قلنا إن وجودها فوق صفحات هذا العمل قد أحدث فارقاً مميزاً في النص، وشكل إضافة مهمة، فهو فاقد للذاكرة من ناحية، وهو قريب إلى القلب، ويشعر من يتلقى كلماته أنه يعرف كل شيء على الرغم من فقدانه للذاكرة، ومن خلاله أوجد الكاتب صوتاً جديداً للسرد وتلك مسألة يشار إليها في تناوب الأصوات، لكن الأهم من ذلك كله أن "علوان" يترك من خلفه رسالتين يخبرنا في واحدة منهما عن العصابات التي دخلت المخيم المنكوب مطالبة الناس بالتوبة، وتقوم بقطع الرؤوس أمام الجميع وفي الرسالتين تفصيلات كثيرة وعلى غاية كبيرة في فن القول وهما يستحقان أن نفرد لهما دراسة خاصة مع شخصية كاتبهما. 

في نهاية هذه العجالة لا يسعنا سوى القول أننا أمام عمل يأخذ بتلابيب القارئ منذ طرقته الأولى، أي قبل سقوط الظلم عن الناس بأيام، وحتى نهايته التي تبث الأمل في القلوب، وقد أستطاع الكاتب محمد فتحي المقداد برأينا أن يجعلنا نقف أمام نصه بما فيه من كنوز ثمينة كي نتأمل أنفسنا ونبحث عنها، ونفكر طويلاً فيما جرى وكيف حصلت المأساة السورية، وهذا ليس بالأمر العادي أو السهل كما يعتقد بعضنا، لأنها من مهام الكتابة الناضجة التي يتقارب فيها الإبداع مع القمم العالية.        

         

          


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق