حوار صحيفة "بقعة ضوء"
أجرى الحوار "علي الراوي"
(15. 12. 2025)
الطريق إلى الزعتري…. تاريخ أم سردية
للأستاذ محمد فتحي المقداد
في ديسمبر 25, 2025
الطريق إلى الزعتري…. تاريخ أم سردية
الأستاذ محمد فتحي المقداد ..من أنت ؟
_بتوقيت بصرى: حسب تاريخ أمي بأنها ولدتني في سنة ” الصهاريج” ، وكانت تقصد أن المياه كانت تأتينا بصهاريج القطار لنشرب، حيث كان الجدب والعطش، وحسب ما هو مدون في دفتر العائلة ١٩٦٤م.
ولدت على الأطراف في مدينة بصرى الشام المتربعة على الكتف الجنوبي الشرقي لسهل حوران، ولدت خائفا مذعورا، منذ أن كنت في بطن أمي وما زلت، حينما سمعت عبارة من أحد صديقاتها ذات جلسة لهن: (للحيطان آذان)، تكورت على نفسي للحظات، وكاد جلد بطنها أن ينشق من شدة حركتي بعد ذلك.
في بصرى الشام مهابة التاريخ أبصرت عيناي النور، وتعشقت آذان جدي من مئذنة العروس لمسجدها العمري، وساحة “الراهب بحيرا” مرتع من مراتع طفولتي، وكل صباح مع ذهابي للمدرسة ؛ أبحث عن الأميرة النائمة على سريرها (سرير بنت الملك) ، كنت أتوقع رؤية وجهها الصبوح، وهي تراقبنا من عليائها، وضجيج صخب الحضارة يطن في أذني على مدار الساعة، ومازلت مضمخا بعبق التاريخ، وأنا أترسم خطى النبي “محمد صلى الله عليه وسلم” وأتبحر بنظراتي ( مبرك الناقة ) ناقة سيدنا عثمان التي حملت نسخة ” مصحف الشام”، واكتسى وجهي بسمرة تراب حوران، ولم أشرب ماء أطيب من ماء نبع الجهير. أنه هاجس بصرى الذي لا يفارقني أينما يممت وجهي.
_ أنت ابن محافظة درعا.. ما مدى ارتباطك بشرايين درعا الثائرة، وما مدى تأثيرها عليك؟
_ بكل تأكيد فإن مثلي مثل الملايين من السوريين من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال، وما إن اشتعلت شرارة الثورة فقد كنت من بين الذين هتفوا للحرية ، فقد تعرضت بيوتنا للمداهمات، واعتقلوا ابني في المدينة الجامعية بدمشق، يوم مظاهرة “المزة” الكبرى بتهمة التظاهر، وبعد شهرين أخلوا سبيله.
_ متى بدأت ظلال قلمك تخطو في رمال الكتابة والأدب؟
_ خلال مرحلة الدراسة الإعدادية كنت مهتما بحفظ الأشعار، كنت دائم التردد على مكتبة المدرسة، فأول كتاب أدبي قرأته كان ” عيادة في الريف” للدكتور “عبد السلام العجيلي”.
ومع الأيام تتبعت القراءات المختلفة، والارتحال إلى عالم اقتناء الكتب واستعارتها، إلى أن تكونت مكتبتي فخر ممتلكاتي، التي احترقت _ فترة الثورة_ فاحترق معها قلبي، وضاع معها جزء من عمري.
اكتسبت عادة اقتناء الدفتر الخاص للكتابة، أدون فيه ما يخطر ببالي من أفكار وخواطر، وما يروقني من قصيدة أو فقرة أو عبارة متوهجة، وما زلت مداوما ؛ فعندما تأتي الفكرة يجب القبض عليها وتثبيتها، وعند العودة إليها لاحقا أجدها طازجة الاستواء. وتكون لدي ثروة عظيمة من اتباعي لهذه الطريقة.
_ هل تطور السوشيال ميديا كان حليفا لك كأديب أم خنجرا يقتل روح الإمساك بأوراق رواياتك؟
_ الكاتب الممتلك لأدواته ، جاءت ثورة المعلومات التقنية ، لتعزز مهاراته وقدراته، ونافذة انتشار واسعة ، ليصل صوته إلى أطراف العالم بين الشرق والغرب، وفتحت آفاق تلاقح الأفكار ولا مناص من مجاراة التطورات المتسارعة، للإفادة ولتقييم المواقف.
_ الطريق إلى الزعتري…. روايتك الأولى، وانعطافتك الأولى نحو أدب الثورة السورية، ما مدى ارتباطك العاطفي بالرواية وشخوصها؟
_ قبل ذلك كتبت روايتين من وحي المكان والذكريات، هما ” بين بوابتين” و ” تراجانا”، وهما أقرب إلى السيرة الذاتية ، ومع بداية الثورة عام ٢٠١١م وفي الأشهر الأولى ، كتبت رواية ” دع الأزهار تتفتح”، هذه الأعمال الثلاثة مازالت مخطوطات حبيسة الأدراج، ثم جاءت رواية ” دوامة الأوغاد” عام٢٠١٦م التي شعرت معها بنضوج تجربة الكتابة الروائية، واكتمال خبرتي وتماسكها التقني، وبعدها تكللت مسيرتي الروائية برواية ” الطريق إلى الزعتري” في العام ٢٠١٨م ، إلى أن كانت رواية ” فوق الأرض” في نهاية العام ٢٠١٩م ، سلطت الضوء على مخرجات الثورة والحرب.
وتابعت مشوار الكتابة للثورة إلى أن كانت رواية ” خلف الباب” عالجت فيها الحياة والعيش في المخيم، هذه الراوية فرادتها بتقنيتها، التي اعتمدت بجميع حواراتها على حاسة السمع. ومؤخرا أنجزت رواية ” بنسيون الشارع الخلفي” ، وفازت بجائزة ” ناجي نعمان” لعام ٢٠٢٥م، وركزت على فضح الثالوث القذر ( العسكر + المخدرات+الجنس ) ، وهي من إفرازات مرحلة الحرب.
_ كيف صقل الواقع المرير الذي مر به الشعب السوري شخصيتك الأدبية ؟
_ مأساة الحرب والموت، والقتل والدمار، وحركة الحياة لم تتوقف، فكانت أرضا خصبة لنمو الأفكار ،والتقاطات تصب في مسيرة الكاتب المنتمي لقضيته، وطغت على الكتابات سمة ” الديستوبيا” أدب المدينة الفاسدة، وهي ظاهرة عمت جميع أنحاء العالم والمناطق الساخنة.
_ هل يخشى قلمك الوقوع في فخ الحساسية بين مكونات الشعب السوري المتأجج حاليا؟
_ في الأساس نحن كشعب سوري لم يكن الخلاف مع أي مكون أبدا ، خلافنا مع النظام أصلا، وكان من مصلحة النظام بث روح الحقد والكراهية بين الإثنيات السورية، وتحويل مطالبنا الأساسية بإطلاق الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وإلغاء قانون الطوارىء، والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، والإفصاح عن سجناء الثمانينيات، وغيرها من القضايا العالقة منذ عام ١٩٧٠م وما قبلها بقليل.
ولما لم يكن النظام قادرا على الإصلاح السياسي والاقتصادي، شن حربه الهوجاء على الشعب بأكمله.
_ ما هي ” الخطوط الحمراء ” التي ترفض تجاوزها في كتاباتك؟
_ بطبيعة الحال هناك محددات لا يمكن تجاوزها، لن أخون وطني بالتجديف ضده مع الأعداء والأفاقين والدجالين، فالوطن سيد الجميع، وهو سقفنا مهما اختلفنا في الآراء والمعتقدات، وأرفض رفضا قاطعا أن أكون طائفيا، أعدائي ليسوا السوريين.
_ هل من مشاريع جديدة في مخيلتك، قد ترى النور قريبا؟
_ متاهة الكتابة، والخوض فيها أمر لا مفر منه، والكتابة إدمان رغم أنها عملية شاقة.
بكل تأكيد فقد أنجزت قبل فترة رواية ” خيمة في قصر بعبدا” ، وهي العمل الأول على الإطلاق الذي يناقش علاقة السلم الأهلي والاجتماعي بين الشعبين السوري واللبناني.
وكذلك أنجزت روايتي الأهم والأدسم ” سكلمة ” التي ناقشت فترة تاريخية مهمة من فترة سقوط بغداد ودخول سوريا آنذاك، مع التحالف الدولي لتحرير الكويت، ولامست قضايا ساخنة بروح ناقدة.
ومؤخرا وقبل أشهر أتممت رواية ” صندوق بريد ” بإسقاطات تاريخية على بدايات استخدام صناديق البريد، والأبعاد الاجتماعية، وهناك قيد الإنجاز رواية ” عدسة محدبة ” أقرب إلى فكرة الفنتازيا الناقدة للجغرافية.
_ أين أحلامك في ضجيج التغيير المستدام في بلدك سوريا؟
_ لن تهدأ نبضات قلبي، وتتأجج أحلامي إلا باستقرار سوريا أمنيا واقتصاديا وسياسيا، والازدهار للتعويض عن سنوات الحرب الطويلة، أريدها سوريا موحدة من درعا إلى جرابلس، ومن القامشلي والميادين إلى اللاذقية وطرطوس، أريدها دولة قوية في ظل قانون يكون سيفا للعدالة، وتداول السلطة السلمي عندما نصل إلى مرحلة الصناديق الشفافة، وننعم بالحريات العامة والشخصية المضمونة في الدستور.
سوريا واحدة أجمل وأقوى من الكونتونات الهزيلة اللامنتمية بأجندتها . بالحب نبنيها …. بالحب نعيش بكرامة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق