بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وهبنا نعمة الفكر والقلم، وجعل الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار ونقل المعارف. ما الكلمة إلا روح تتنفس في قلوب القراء، وما الأديب إلا رسول يحمل رسائل الفكر والحياة.
يشرفني أن أكتب مقدمة كتاب يجمع بين أصالة الفكرة وعمق المعنى" الدّر المكين في كتاب المساكين" لمؤلفه محمد المقداد الذي يعيد إحياء القيم الأدبية والفكرية من منظور إنساني عميق، يتجاوز فيه حدود الزمان والمكان.
في هذا العمل يصطحب المقداد قارئه في رحلة أدبية وفكرية إلى معانٍ تتألق كشذرات مضيئة، ويُعد جسر بين التراث الأدبي الأصيل والفكر الحديث. فقد بذل جهداً واضحاً في استنباط الأفكار، وربطها بأسلوب يلفت محبّي المعرفة، مع وقفات ذكية تربطه واقعنا المعاصر. فتكون انعكاساً دقيقاً لروحه الأدبية، وأفكاره التي بنيت على قراءة متأنية.
بين دفتي هذا الكتاب، نعيد اكتشاف الرافعي الأديب الخالد ومعلم الأجيال، لايزال يحمل للثقافة العربية رسالة عميقة وراسخة، تدعو القارئ الواعي إلى التمسك بجذوره الأصيلة، بينما خطاه تتقدم نحو المستقبل "مصطفى صادق الرافعي" أحد أعمدة الفكر والبيان العربي في تاريخ الفكر والأدب الحديث. شاعر الروح الذي ارتقى بالكلمة إلى أسمى مراتب الفن والجمال، وفيلسوف المعاني الذي يغوص في أعماق النفس البشرية كاشفاً عن مكنوناتها بلغة تنساب كالموسيقى، وتلامس الروح بصدقها. كان أدب الرافعي مرآة لروح عصره، وما زال ينبض في كل زمان يبحث فيه الإنسان المعنى. يذكرنا بأن الابداع الأصيل لا يكمن في تقليد الغرب، إنما بل يستلهم روح التراث وإحيائه بأسلوب متفرد يجمع فيه بين الفلسفة والإيمان. فقد كتب عن الحب كأنه صلاة، وعن الوطن كما لو كان عقيدة، وعن اللغة العربية كأنها كائن حي ينبض بين يديه. لقد طوّع اللغة لتكون أداة للسمو والتعبير عن أعمق المشاعر الإنسانية، وكرّس حياته للدفاع عنها، إيماناً منه بأنها هوية الأمة وروحها الحقيقية.
في أدبه نجد مزيجاً فريداً من الفكر والإحساس، تتجلى فيه عظمة الكلمة حين تتصل بالروح، فتصور رؤيته الفلسفية العميقة للإنسان والحياة والمجتمع. مؤمناً بأن الإنسان كائن سامٍ، ميزه الله ميزه الله بالعقل والروح، مما يؤكد أن مهمته في الحياة هي الارتقاء بذاته والسمو بروحه. ويرى أن المجتمع المثالي هو الذي يُعلي شأن الأخلاق، ويحقق العدالة بين أفراده، ويحترم هويته الثقافية والدينية. فيتحقق الكمال الإنساني من خلال الموازنة بين الروح والمادة ليحقق معنى وجوده.
الكتاب يفتح نافذة على عوالم من الصفاء والتأمل، ليكون حواراً صادقاً مع القيم الإنسانية التي باتت اليوم في حاجة ماسة إلى إحياء. إنه دعوة كريمة من كاتب عرفنا نشاطه اللافت، وتميّز بعدم توقفه عن الابداع ولو لحظة وسط الزحام. اليوم، في زمن انحسر فيه الجمال وأصبحت الحكمة عملة نادرة، تأتي هذه المعاني كمقاومة للانفصال عن الذات، تعيد ترتيب الفوضى الداخلية، لتلبي الاحتياجات النفسية والفكرية للإنسان. جاء هذا الكتاب ثمرة جهد دؤوب وعمل منهجي استهدف تقديم مختارات أدبية تمثل جوهر رؤية مصطفى صادق الرافعي. اختار الباحث بعناية شذرات أدبية قصيرة تعبر عن رؤاهما معاً.
تتميز هذا المختارات بقصر بنيتها وثراء مضمونها، حيث تأتي في عبارات موجزة تُظهر جوهر الإنسان، وتتناول القيَم التي شكلت أساس الحضارة. مروراً بمفاهيم الجمال الذي يرتقي بالأرواح، وتتعمق في تساؤلات عن الحب والحياة والأمل. ينتقل المؤلف بعد مقدمته التي سلطت الضوء على أهمية كتاب "المساكين" لمصطفى صادق الرافعي، إلى الحديث عن أثر الكتاب في حياته. فقد عبّر عن ولعه بالقراءة والكتابات الأدبية ذات الطابع الفلسفي والإنساني، وكيف شكل هذا الكتاب نقطة تحول في رؤيته عبر استلهام الحكمة وتجديد معاني الحياة.
قُسم الكتاب إلى إحدى عشرة فقرة تبدأ باستفتاح حول كتاب "المساكين"، حيث يقف المؤلف طويلاً عند "الشيخ علي" الشخصية المحورية التي تجسد صورة الإنسان الفقير كيف يعيش على هامش المجتمع، متصالحاً مع فقره، لا يلفت الانتباه إليه رغم معاناته. ثم يناقش فلسفة الحياة والوجود في فقرة "وحي الروح" من خلال التوازن بين الفرح والحزن، مؤكداً أن الجمال يكمن في التناقضات التي تشكل حقيقتنا. ومن هذه التأملات ينتقل إلى" الفقر والفقير" فيقدم وصفاً دقيقاً للفقر بدراسة أبعاده النفسية والاجتماعية. ثم ينتقل إلى الفقرة الرابعة "مسكينة! مسكينة" التي يصف فيها الحياة كمخلوق ضعيف مسكين مليء بالتناقضات، تثقلها قسوة البشر وصراعاتهم، لكنها تستمر في مواجهة أعبائها رغم هشاشتها.
ومنها ينطلق إلى فقرة " لؤم المال وهم التعاسة" حيث ينتقد الطمع والجشع، مبرزاً كيف أن السعي المحموم وراء المال يحول الإنسان إلى عبد له، فيفقد إحساسه وإنسانيته، ويعيش في وهم التعاسة. هذا النقد يقودنا إلى فقرة "وهم الحياة والسعادة". وفي الفقرة السابعة "سحق اللؤلؤ" يربط المؤلف بين الانشغال بالمال والجشع المفرط الذي يفقد الحياة معناها وقيمتها. فيشبه المال باللؤلؤ الذي يسحق تحت أقدام الطمع، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير جوهره وجماله.
إن هذا العمل نافذة مشرقة يفتحها المقداد، تعيد تسليط الضوء على أهمية الأدب كأداة لفهم الإنسان ومجتمعه وقضاياه. فالشذرات المختارة بعناية لا تكتفي بطرح الأفكار، ولكنها تثير شعوراً بالدهشة، كأنها تنبع من تجارب الإنسان المتأمل في ذاته، لتشكل فلسفة مصغرة للحياة، وتعيد صياغة ما نعرفه عن الإنسان ومعاناته، الفقر والغنى، الأمل واليأس، والكون، بكلمات بسيطة تفيض بالحكمة.
في الفقرة الثامنة يعيد المقداد تعريف "الحظ" كقوة خفيّة تتجاوز إدراك الإنسان، كأنما هو حركة من حركات القدر الإلهي، يذكرنا بأن الأمور كلها في يد الخالق جلّ وعلا. ثم ينتقل إلى " الحرب" فتتنوع اختياراته بين تعاريف ورؤى عميقة، استوقفني أحدها: " كيف لعمري يخلق الكتّاب والفلاسفة هذا الإنسان الجديد ( فترة ما بعد الحرب) من عناصر السلم وحدها؟"
ثم يطرح المؤلف " الجمال والحب" كقوتين مترابطتين، كأنهما يعبران عن ازدواجية الوجود الإنساني بين الظاهر والباطن. فالحب هو القوة تجمع بين الجمال والتقديس، ينير المعاني ويكشف عن الجمال الذي يتجلى في القلب والروح. ويختم المقداد كتابه بفقرة "الدين ولادة ثانية" حيث يصف الدين بأنه ولادة جديدة تشكّل الإنسان أخلاقياً وروحياً. فالدين هو الجوهر الذي يعيد للإنسان بوصلته الأخلاقية، بعيداً عن تناقضات الماديات التي تعصف به ككائن يتأرجح بين الخير والشر.
من الناحية الفنية، تتسم هذه (المختارات) بالاقتصاد في الكلمات مع غزارة في الدلالة، فتشكّل قوة تعبيرية استثنائية، تزاوج بين البساطة والعمق، وبين اللغة الشفافة والجمال النثري الذي يلامس القارئ في وجدانه وعقله على حد سواء. واختيارها يعكس رؤية أدبية راقية تهدف إلى تقديم أدب يدعو للتفكر ويقدم رسالة سامية وهادفة. فالأدب العظيم هو الذي يترك أثراً عميقاً في وجدان قارئه.
بعد عملية الاختيار، يبذل المقداد جهداً كبيراً في تصنيف النصوص وتبويبها، بحيث يسهل تنظيمها التفاعل مع الكتاب. كما حرص أن تكون النصوص المختارة قادرة عل مخاطبة إنسان اليوم، فعمل على التعقيب والتحليل الذي يبرز الأبعاد الفكرية والفنية للنصوص.
لعل ما يميز هذا الكتاب هو التنوع في الأسلوب والمضمون المعتمد من قبل الباحث، في اختيار نصوص الرافعي التي تجمع بين العمق الفلسفي والجمال الأدبي، والتي تضمنت نصوصاً جمالية، وأخرى أخلاقية وإصلاحية، متناولة موضوعات متعددة في الصراع الإنساني مع الذات، السمو الروحي والتأمل، الحب كقيمة سامية، الجمال كوسيلة للارتقاء بالروح، وجميعها الأخلاق لتبيان أهميتها في بناء الإنسان والمجتمع.
هذا التنوع يشكّل كلّاً متكاملاً يجمع بين الفكر والوجدان في إطار من الجمال اللغوي، لا يرتبط بزمانه فقط وإنما يتصل بقيمه إلى مكانة خالدة. ترافق القارئ في رحلته بحث عن الحقيقة حيث المعاني تشظّت في التجارب الفردية، وتُشعر القارئ بأنه ليس وحده في مواجهة أسئلة الحياة الكبرى.
في الختام، إن اختيار النصوص وتصنيفها وتبويبها وعرضها بهذه الطريقة يعكس حرص الباحث على تقديم عمل أدبي متكامل، يبرز ثقافة الكاتب، ويعيد تقديم رؤيته في مظهر جديد، مما يجعل هذه المختارات إضافة قيمة للمكتبة العربية، كأنها فرز لأنواع من الدر. فتح محمد المقداد بهذا الكتاب نافذة على عالم الرافعي الساحر، عندما اتبع أسلوب العرب في المختارات واتخذ من الكلمات عوالم للفكر والتأمل والحكمة، تبرهن لقارئ اليوم أن الجمال مازال ممكناً، فيستعيد إحساسه بالدهشة والامتنان.
ريما آل كلزلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق