الاثنين، 5 يناير 2026

غريب يا زمن. خلف الزرزور

 


قراءة في المجموعة القصصيَّة "غريب يا زمن" 

للأديب خلف الزرزور

بقلم. محمد فتحي المقداد


كلُّ نصٍّ بصمة كاتبه، وتتفاوت الكتابة حسب موضوعها، أمَّا حرفة الكاتب بطريقته لإدارة فكرته؛ فهي ما تُميِّز جودة نصٍّ من آخر، وفي رحاب المجموعة القصصيَّة "غريب يا زمن" للأديب "خلف الزرزور"، نتوقَّف أمام لوحات اجتماعية حاملة لمضامين فكريَّة، جريئة الطَّرح بانتقادها حينما تُسلِّط الضوء على الزوايا المُظلمة والمُعتِمَة، وهي من المدرسة الواقعيَّة التي اِسْتطاعت نقل الواقع وما استطاعت عين الكاتب التقاطه إلى عالم الورق والمقروء، ومعظم نصوص المجموعة كتبت في تسعينيَّات القرن الماضي وما قبل الألفيَّة الثَّانية، أمَّا صُدورها في السَّنة الثَّالثة بعد الألفيَّة، وبذلك هي جزء من تاريخ تلك الحقبة بما ألقت من ضوء على واقع الحياة والمعاش وطرائقها، لتُشكِّل مادَّة دسمة بجرأتها في زمن الخوف والرُّعب من النِّظام الدِّكتاتوريِّ وأجهزته القمعيَّة.

إشكاليَّة العنوان "غريب يا زمن" جاءت على بصيغة السُّؤال الاِسْتنكاريٍّ على محمل التعجُّب، ليأتي الجواب من غرابة قضايا الخوف المُستكِنِّ في القلوب، والالتفاف على الواقع بطريقة حرفيَّة للنَّجاة من الرَّقابة الأمنيَّة الصَّارمة التي لا تقبل عُذرًا أبدًا، والنَّتيجة معروفة سَلَفًا، وذلك ممَّا طرحته نصوص المجموعة بمجملها. ولم يكذب المُتنبِّي حينما قال: (ذو العقل يشقى بعقله \\ وأخو الجهالة في الشَّقاوة ينعم)، وهذا ما أصاب أصحاب العقول من المُفكَّرين والكُتَّاب وعلى الأخصِّ في عالمنا العربيِّ والشَّرق عمومًا.

ففي النصِّ الأوَّل: (أوهام على برج الحمل) الذي ناقش قضيَّة الكاتب الذي يبحث عن نافذة للنَّشر، والصُّعوبات التي عاناها أثناء سفره للقاء مسؤول في ظروف فصل الشِّتاء وقساوته، والرُّوتين المُملّ. وبذلك استطاع النص كشف فساد المنظومة الأخلاقيَّة لدى سائق (التاكسي) العُمومي، الذي يتقاضى زيادة ضعف الأجرة العاديَّة في ظرف الاضطرار لتفادي انهمار المطر الغزير، وكذلك قضيَّة تعطُّل المصعد الكهربائيّ، والخوف والهواجس التي تناهشت قلب ذلك الكاتب المسكين العالق حين تآكلت أحلامه أمام الموت اختناقًا في كابينة المصعد العالق في نقطة ما من مساره بسبب انقطاع التيَّار الكهربائي.

وفي النص الثاني (أحلام ورماد.. و..؟) ليتفرَّع عن هذا العنوان الرَّئيس ثلاثة عناوين فرعية (1.زمن آخر)، و(2. دوَّامة)، و(3. تحوُّلات). الصِّراع النفسيِّ بين الفقر والغنى، بين الضَّمير والفساد، بين صديقيْن من أيَّام الطُّفولة، أحدهما فقير يعمل بكدِّ يده لكسب قوت يومه، ويشبع بطنه من عرق جبينه (صلاح)، والآخر الغنِّي رجل الأعمال المشهور الفاسد (نزار)، التجاء الفقير لصديقه القديم للبحث عن فرصة عمل، ليُواجه صلاح عمليَّة ابتزاز صديقه نزار صاحب الشركة لبيع نفسه للشِّيْطان، يعود لبيته مساء بعد جلسة ممتعة تخللها غداء فخم في منتجع رأى فيه علية القوْم، في بيته نسيَ يومه: (لقد صِدَّتَني أيُّها الذِّئب.. يا بن الزَّانية.. غدًا سأكون في مكتبكَ صباحًا.. "باي"!! خَرَج قاصفًا الباب خلفه، وساحقًا ما تبقَّى من سُكْر في رأس نزار) ص26.

النص الثالث (حلقة مُفرغة): بطل القصَّة اسمه "عبد الفقير مظلوم" مُوظَّف في إحدى دوائر الدَّولة الغاطسة في الفساد المُقنَّن داخل بطانة الإدارة العامَّة، من القاعدة إلى القمَّة، من البوَّاب إلى المُدير العامِّ أو بالعكس، لا فرق في ذلك بين الأعلى والأدنى في السُلَّم الوظيفيِّ.

النص الرابع (سنفوريا 2000)  مثير حدَّ القهر المُعتاد وزيادة، بإسقاطاته على حالة البلد بشكل عمومًا، وسيرة الدِّيمقراطيَّة العرجاء البكماء العمياء. واختيار الكاتب لشخصيَّة المُختار المُرمَّزة لتمثيل حالة الاِنْتخابات الوهميَّة وعلى الأخص ِّ الرِّئاسيَّة المُزوَّرة، والأجهزة الأمنيَّة ومُخبريها وعملهم على مدار السَّاعة، وبالتالي هم رموز القمع وإذلال الشَّعب وتطويقه بأوهام الخوف؛ من أجل الحصول على نتيجة الـتسع وتسعين بالمئة وفاصلة تسع وتسعين.

النص الخامس: (الخيار القاتل): الظُّلم يقود حتمًا للانتقام الذي يُعَدّ الخيار القاتل عندما تتوقَّف عجلة الحياة تتباعد مسافة عن رغيف الخبز، ويصعُب الوصول إليه، ولا حلَّ بعد انسداد منافذ الحياة أمام عينيْه، خاصَّة وهو يواجه سُخرية المهندس عبد السّلام صاحب العمل الصَّلِف: (أمثالُكَ لا يرضخ إلَّا بعد أن يجوع ويُهان) ص55. (لقد أكل الوغد تعبنا، وصبرنا.. ألا تكفيه سرقاته، وسرقات آبائه وأجداده..؟؟) ص52. (تحسَّس "شِبريَّته" التي علّقها ثلاثين عامًا، ولم يستخدمها إلا لقطع الحبال حين يستعصي حلّ عُقَدها) ص53. (كي لا تخسر الحبل كاملًا.. قِسْ عرض اِصبعيْن قبل العُقدة.. وهناك دع سكِّنك تأخذُ كامل مجدها) ص56.

(لا أريدُ أن أموت قبل أن أعرف) وهو عنوان النص السَّادس. يتمحور حول حديث الذَّات مع استجرار الذِكريات، وحديث النَّفس في صراع ما بين الفضيلة والحواجز الاجتماعيَّة والعادات والتَّقاليد: (أسوار الصِّين لم تنمع الغُزاة من اقتحامها إلى الأبد..! وحُصون القُسطنطينيَّة سقطت تحت سنابك خيل محمد الفاتح.. تعالي تعالي نتَّحد كي ندُكَّ ما بيننا من أسوار ونهزم الموروث الذي تسلَّق على عقولنا منذ الأزل) ص61. (وبي جنون لاقتحام المجهول. لكنَّ الحُرَّاس.. وأنت تعرفينهم مُدجَّجون بأسحلة المواريث والعادات والتقاليد) ص63.

ففي نص "البسطار" نص حلم القائم جاء محمل الذكرى، والحلم في الكتابة هو نافذة هُروب ومخرج من المأزق المُسبِّب للحرج، والحلم في الكتابة خروج متمرِّد على المألوف والمعقول المُعتاد في الظُّروف العاديَّة. (تأكَّد أحمد بأنَّه العائد من اللازمان... وليس أحمد زمان في حمأة الاسترجاعات القاهرة) ص67.

(تستفزُّه تلك الأحذية التي تعبُر دائرة رُؤيته) ص68. (أراد الهُروب من ظلال ذلك البسطار المُرعب فلم يستطع) ص69.  وعنوان النصِّ بكلمة "البسطار" كافٍ بدلالاته القويَّة التي فتحت آفاق الخوف عند القارئ مع التقدُّم جُلمة جملة إلى نهاية النص، ويستحوذ القلق والخوف على عليه.

وفي عنوان "خطوط حمراء" لنص مُفعَمٍ بالإصرار والتحدِّي؛ لفضح منظومات الفساد المُترابطة والمُتشابكة المصالح بين أبطال النصِّ، فـ "نهاد" المهندس المعماريّ نظيف اليد نزيه، تعارضت نزاهته مع مافيات الفساد من مقالين ومُهندسين، وحُبِس على إثرها وشوَّهوا سمعته، وبقي يسعى وراء براءته ممَّا نُسب إليه، إلى أن جاءت فاعلة خير وسرَّبت له الوثائق الحقيقيَّة لدفع الظلم عن نفسه أمام القضاء، وفي الوقت نفسه إدانة لخصومه، فقد تنبَّهوا لذلك، قاموا برصِّ صفوفهم واستفاقوا للعمل على تدميره داخل اسرته، لتنتهي حالته بالموت.

وفي عنوان "حكايا من الواقع" وكأنه القسم الثاني للمجموعة القصصية "غريب يا زمن"، وقد تفرَّعت أربعة عناوين تحته، بعناوين: (حُشَري. حوار الفجَّار. على الرَّصيف. غريب يا زمن. الموت... انتصارًا)، وكأنَّها النَّقد الاجتماعيِّ لسُلوكات البشر في تعاملاتهم مع بعض البعض، فقد جاءت أمكنة نشاط النُّصوص في مدينة درعا، والمُفارقات السُلوكيَّة في الظّاهر والبَّاطن، والأمكنة هي على سبيل المثال (ساحة بُصرى. شارع هنانو. سوق العيَّاشين. السُّوق العتيق).

ختامًا تٌعتبر مجموعة "غريب يا زمن" شاهدة عيان على مرحلة حرجة من حياة الشَّعب السُّوري، بما تحمل من خوف وقلق وفساد لا بل الفساد المُقنَّن المتآلف مع حالة شاذَّة في تغييب القانون، وكثيرة الواسطات والرَّشاوى، وإبعاد وتهميش الأمناء والمًخلصين، وتقديم المنافقين والفاسدين المُفسدين للحياة العامَّة. كما أنَّ اللُّغة النَّامية في فضاءات الخبرة الأدبيَّة والعمليَّة لدى "خلف الزرزور"، فقد أوصلت رسالة الكاتب بوضوح تامٍّ لا لّبْسَ ولا غُموض، كما أنَّها اتَّسمت بالجرأة حدَّ التهوُّر، وبقيت الكلمة راسخة وثيقة في صفحات لا تُمحى، هذه هي الكلمة الشُّجاعة في زمن أغبر.


بتوقيت بُصرى ـــا 3. 11. 2025

  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق