محمد فتحي المقداد لـ"العرب": الرواية انتقام الشعوب من حكامها
كاتب سوري لم تثنه الحرب ومهنة الحلاقة عن كتابة الروايات والقصص والنقد.
خالد عواد الأحمد :
لقد كان للرواية السورية فضل كبير في كشف تفاصيل ما حدث في البلاد بعد 2011، إذ تناولت بأساليب مختلفة ومن زوايا متنوعة الواقع السوري إما مباشرة أو رمزيا أو عبر العودة إلى الماضي، وغيرها من مداخل لإيصال صوت سوريا المكلومة. صحيفة “العرب” اللندنية كان لها هذا اللقاء مع محمد فتحي المقداد، أحد الروائيين السوريين الذين غيرت حياتهم الحرب.
يحاول الروائي والقاص السوري "محمد فتحي المقداد" في أعماله الأدبية التي صدرت خلال السنوات الماضية اقتناص كل ما هو جوهري وتاريخي وامتلاك شكل إبداعي صارخ بذاتيته، وأصدر الكاتب الذي يعيش في مدينة إربد الأردنية ويعمل حلاقاً. ليكسب قوت يومه العديد من الروايات والأعمال الأدبية المنوَّعة، ومنها رواية "بين بوابتين"، و"دَعْ الأزهار تتفتَّح"، ورواية "دوامة الأوغاد" ورواية "شاهد على العتمة" التي صدرت في بغداد ورواية "الطريق إلى الزعتري"، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين إحداهما بعنوان (زوايا دائرية)، والأخرى (سراب الشاخصات)، إلى جانب كتاب نقدي حمل عنوان (مقالات مُلفَّقة).
حول ترسّم بعضَ ملامح من طفولته الأولى، ومدى انعكاسها على تجربته الروائية على صعيد الواقع والحلم والذاكرة يقول المقداد لقد امتصَّ دمي لون تُربة بصرى الشام، وسُحْنتي النُّحاسيَّة الغامقة اكتسبت اسمرارها من سواد حجارة سرير بنت الملك، ومئذنة العروس، ولدت فيها سنة الصَّهاريج أيَّام العطش 1964، لأبويْن انفصلا منذ شُهوري الأولى، توزَّعت مشاعري ما بينهما، وبصرى مسرح لمدارج طفولتي، ونشأتي الأولى، وعيتُها قرية، وتركتُها مدينة أواخر 2012 في تهجير قسريّ.
اصطحبتُ ذاكرتي مشحونة بتفاصيل بُصرى، باحثًا عن ملاذٍ آمن لأطفالي في مُخيَّم الزعتريِّ. شهادتي الثانوية ما زالت مُعلَّقة هناك على جدار غُرفتي، لهيب الحزن أحرق نصف ذاكرتي؛ باحتراق مكتبتي فخر ممتلكاتي الأثمن والأسمى.
بدأت بكتابة روايتي (الطريق إلى الزعتري) قبل خروجي من بيتي بمسافة زمنيَّة، توزَّعت كتابتها على مساحة ثلاث سنوات، طُبِعَت بداية 2018، وقد سبقها كتابة رواية عن الثورة (دَعِ الأزهار تتفتّح)، وقبلهما كانت ذاكرة المكان في رواية (بين بوابتين). البُوَّابتان هما (بوَّابة الهَوَى، والبوَّابة النبطيَّة)، وبعدها ولدت رواية (تراجانا) فنتازيا تاريخيَّة متزاوجة مع الواقع. إضافة لمجموعة قصَّة قصيرة (زوايا دائريّة)، ومجموعة ق.ق.ج (سراب الشاخصات)، وأعتبرً جازمًا أن ولادتي الثانية 2015 تزامنت مع بِكْري كتاب (شاهد على العتمة)؛ عندما رأى النور في بغداد، ثمّ تكررّت ولادتي الثالثة بصدور روايتي (دوَّامة الأوغاد) العام 2016، ومع صُدور كتابي (مقالات مُلفَّقة)؛ ليكون مُختلفًا متمايزًا عن الرواية والقصة.
واختار ابن بصرى الشام –جنوب سوريا لروايته " الطريق إلى الزعتري" حيِّزاً مكانيَّا: هو قرية (مَوْج)، وعن سبب اختياره لها كَبُنيَة مكانيَّة في الرِّواية، وما علاقتُه بهذه القرية. يرى ان ذلك جاء كمحاولة للخروج من دائرة التَّشخيص، ولأنه يعتبرُ أن كِفاية الحدث أعظم من جُزئيَّات التسميات، ابتعادًا عن توقُّعات الخلافات والمهاترات، ويتابع قائلاً :" لقد ترسّخ لديّ فكرة الهروب إلى رمزيّة الاسم، باختيار كلمة (مَوْج) دلالة على كلِّ ما حدث في سوريَّة من جُنوبها إلى شمالِها، ومن شرقها إلى غربها، وتولدّتْ فلسفة الكلمة: من توتُّر البحر الدَّائم النابض بحياة دائمة".
الوعاء الروائي يتّسع للواقع
وفي عالمه الروائيِّ اعتاد المقداد أن ينقل لنا اليوميِّ، والآني برؤية جديدة وإحساسٍ بِكْرٍ.. وحول امكانية التفاصيل الدقيقة، والآنية في إكساب ديمومة خاصَّة إذا كانت قابلة لتأويل الواقع وتقييمه يرى محدثنا أن "الوعاء الروائي يتّسع للواقع بتفاصيله الدقيقة، وقادر على تجسيده إلى مادَّة مقروءة تتناقلها الألسن مُتناولة لها بالقراءة، والنقد والحكم عليها أو لها. وما كُتِب سيُقرَأ لاحقًا إن لم يُنتَبه له حاضرًا، ومن هذا المعنى؛ فيكون قد اكتسبَ صفة الخُلود، عندما تتناقله الأجيال القادمة. وعلى رأي أحد الشعراء حينما سئل عن الفنِّ الروائيِّ، قال: "بأن الرواية هي انتقام الشعوب من حكامها"، حينما انتقلت لتسجيل حياة البسطاء الذين لا صوت لهم؛ فكانت صوتهم، وصورتهم الصَّادقة بلا رُتوشات وتزويقات.
الرقيب بالمرصاد :
ويركز المقداد في روايته (الطريق إلى الزعتري) على البُعد الإنسانيِّ، وقصص البُسطاء والمُهمَّشين في ظلِّ الحرب؛ مما يجعل القارئ مُتعاطفًّا مع أحداثها، وعن علاقتُهَ بهذه الشُّخوص، وهل هي واقعيَّة أم هي محض خيال يرى أن نسج الرواية جاءت مزيجًا دراميًّا من الواقع والخيال الأدبيِّ، مما أتاح له هامشًا واسعًا مُريحًا لحركة شخوص الرواية، وتعدديٍّة الأصوات في طيّات السّرد.
وحول قصور الأعمال الأدبية وبخاصة الرواية حيال توثيق إرهاصات الحرب في سوريا يرى المقداد أن هذا الأمر عائد إلى ظروف خارجة عن إرادة الكتّاب الروائيِّين، ضيقُ العيش، وحياةُ القلق والخوف من المجهول في داخل سوريَّة وخارجها، الأمر الذي منَعَ انطلاق آفاق الكتابة والإبداع، ولكن –كما يقول- هناك العديد من الأعمال التي وُلدِت من رَحِم الحرب، وهناك أسماء جديدة لامعة استطابت الحياة في مناخ الحريَّة؛ فأبدعت.
الحرية والورق الأبيض
وكغيره من الكتاب تشغل مسألة الحيرة في الإبداع المقداد وحول مدى ممارسته لحريته الخاصة على الورق الأبيض بعد أن تخلَّص من إسار الرَّقيب يرى المقداد أنه لا يستطيع أن يفكر مادام الرقيب يقف بالمرصاد لكلماته فالتحرُّر من إساره وقيوده؛ أطلق العَنَان لرُؤايَ لترتفعَ في سقف التفكير؛ فراحت تتلمّس حدود الكون من كافّة اتّجاهاته. ويردف قائلاً : "بياضُ الورقِ خلاصٌ من سوادٍ قاتمٍ يُحيطُني مُحاولًا تكبيلي، والحَجْرُ على أفكاري؛ لتجييرها إلى أمر مُغايرٍ لقناعاتي".
الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن
ويحضرُ المكان بحميميَّته الآسرة في العديد من أعمال المقداد وبخاصة "بُصرى الشَّام" رغم ابتعاده القسريِّ عنها لسنوات، وعن سِرُّ هذا الارتباط الحميميِّ بهذه المدينة وما الذي تُعنيه له كإنسانٍ، وأديب سوريٍّ يلمح محدثنا إلى أن المكان عزيز على قلوبنا جميعاً بما جرى فيه من أحداث، والحَدَث هو ما أكسب قيمة عُليَا للمكان الجامد، وبما بقي من ذكريات فيه".
ويتابع :"بُصرى الشَّام التي شهدَتْ وِلادتي، ويَفاعتي، ومراتِعَ طفولتي هي الكون بأجمعه.. وصورتُها أزهى صورة في ذهني، وهي مُلهِمَتي بآفاقٍ واسعة، وبما أدرِكُ من صور الحياة المُختزَنة في ذهني، والأماكن تاليًا ترتحل معنا وفينا وإن غادرناها. وفي البُعد تزداد ألقًا وسمُوًّا في أرواحنا، وزُهُوًّا في قلوبنا، وعلى رأي الشاعر محمود درويش: (الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن).
فوق الأرض... تحت الأرض:
وإضافة إلى رواياته التي تناولت وطأة الحرب وإرهاصات اللجوء والغربة كتب المقداد رواية بعنوان " فوق الأرض" تناولت فكرةَ السِّلميَّة، ونبذ العنف، والعنف المُضَادِّ، وحمل السلاح. وعن الفكرة التي أراد إيصالها من هذا العمل الروائيِّ أبان المقداد أنَّ العُنفَ، والعُنف المُضادِّ تسبّب في مأساة كبيرة تأثّرت بها كلّ الشّرائح الاجتماعيّةِ، والإثنيّات الدينيّة والقوميّة، وخلق حالات فظيعة من التهجير القسريّ انتشرت على مختلف بقاع الدّنيا، والظلم السياسيّ الذي تعرّضت له معظم فئات المجتمع السوريّ على كلّ الأصعدة؛ ساهم في تشتيت شمل المنظومة الاجتماعيّة إلى فئات مُتناحرة ما بين تأييد ومعارضة، وظهرت مصطلحات جديد ناتجة عن الحرب التي امتّدت لسنوات ناهزت العشر ولا تزال.
وختم: "روايتي "فوق الأرض" التي كُتِبَت بأسلوب حداثيٍّ، تُحاول مقاربة هذا الواقع مُبتعدةً قدَرَ الإمكان عن النقل المُباشَر للحدث المُنبَثِق من الواقع، مُقدِّمًا الفكرة فيها من خلال الاشتغال على المونولوجات الداخليّة للأبطال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق