الأربعاء، 11 يونيو 2025

كتب الصحفي والإعلامي وليد العودة


 #تحيَّة٠٠للروائي٠٠محمد٠٠فتحي٠٠المقدد

سؤال برسم الإجابة 

بفلم. الصحفي والإعلامي. وليد العودة. الحارّة. درعا

لماذا تتسابق القنوات الفضائية العربية فيما بينها على استضافة 

فنانين  ومطربين وراقصات  من الدرجة الثالثة والرابعة 

للحديث في الشأن السياسي ؟

هل هؤلاء مجتمعين مُؤهَّلين لذلك 

والله عيب عليكم 

أيها المعنيُّون على إدارة تلك المحطات أن تُنَغِّصوا علينا سهراتنا 

بتلك الوجوه التي لاتنفع إلا في مجال اختصاصها 

اسألوهم عن الهِشِّك بِشِّك 

فستجدونهم فُرِّيرة في إجاباتهم 

أمَّا السياسة 

فتحتاج لأُناس أصحاب خِبرة ومبدأ وفِكر حُر 

وكم كُنتُ أتمنى أن تستضيف تلك المحطات وجوهاً من الكُتَّاب والروائيين والمُثقفين الشباب 

وعلى سبيل المثال 

ألا يستحق الروائي السوري 

ابن مدينة بصرى الشام 

الأستاذ محمد فتحي المقداد 

صاحب رواية 

بنسيون الشارع الخلفي 

التي فازت بجائزة ناجي نعمان 

أن يكون ضيفاً على إحدى تلك المحطات التلفزيونية ؟

خاصَّةً وأنَّ الرواية طرقت موضوعاً مُهمَّاً  وغير مسبوق عن حالة المُساكنات التي ظهرت في سورية نتيجة الحرب الطويلة 

والأسباب التي أدَّت لنشوء هذه الحالة 

حيث ناقشت قضايا الثالوث القذر

العسكر والجنس والمخدرات

ولا أزال أذكر 

للاستاذ محمد فتحي المقداد 

كلماته الرائعة التي قالها لي في حديث سابق معه 

أنَّ الكُتُب جزء من حياته ولا يستطيع الإستغناء عنها 

وأضاف 

أنَّهُ يشعر بالإختناق إذا لم يكتب أو يقرأ على الدوام 

فتحيةً له من القلب 

ولأمثاله من المُثقفين الذين نفخر

بنتاجاتهم الروائية والفكرية والأدبية والشعرية وفي مجال الفنون التشكيلية 

هؤلاء وحدهم النموذج الذي يرقى المجتمع بهم 

وليس بالتفاهات الرخيصة 

التي يُصدرها لنا المتنطحين على الفن هذه الأيام 


                       يسعد مساكم 


الصورة المُرفقة 

للروائي محمد فتحي المقداد

الثلاثاء، 10 يونيو 2025

 

تقديم

 للجموعة القصصية "موعدنا الغد" للدكتورة ميسون حنا. ألأردن

محمد فتحي المقداد. سوريا

قطرة الدمِّ والقلم جدليَّة القوَّة والتسلُّط، والضَّعف والمقاومة؛ فعندما تُحاول نُقطة الحبر أن تتحوَّل إلى نُسُغ؛ فإنَّها تمدُّ الحياة بأسباب نمائها واِزْدهارها، وتصنع نسيجًا من الكلمات المُدْماة؛ لتحكي مأساة إنسانيَّة مغموسة بالألم والحزن والموت، وما قيمة الفكر والثَّقافة، ومُخرجاتها الكتابيَّة والتدوينيَّة. إذا لم تُعلن هويَّتها  المُرتبطة بقضيَّة.

الكاتبة "ميسون حنّا"  صاحبة قضيَّة، لا تُبارح  ساحاتها على الرَّغم بعدها عنه؛ تتلمَّس أوجاع وطن سليب مليء بالآهات والأحزان، ومن خلال نصوص مجموعتها القصصيَّة "الغد موعدنا"؛ فالعنوان بحدِّ ذاته لوحة مُشرقة، ترسم الغد.. غَدَ الاِنْتصار والتحرير، إنَّها تضيء بهذه الجملة الاِسْميِّة المُعرَّفة عَتَمات اللَّيل، وتُمهِّد الطَّريق بالضِّياء لهذا الغد، والذي سيكون موعدًا للنِّزال، ومُناجَزَة العدوِّ. صاحب القضيَّة على أمَلٍ بل على يقينٍ دائمٍ، بأن النَّصر حليفه ولو بعد حين. بهذا المنحى تصير الثَّقافة والكتابة مُقاوَمة.

نصوص الكتاب تتمحور حول قضيَّة العودة أوَّلًا، والقضيَّة الثَّانية في تفصيلات الصِّراعات الاِجْتماعيَّة والأُسريَّة. فَتَحْتَ عنوان رئيس (العودة) جاءت تحته عناوين نصوص مرقَّمة (1-3):

(دمية شال.1)، و(عودة ملغومة.2)، و(عُدنا.3)، ومن ثمَّ تتابعت العناوين بعدها؛ تُناقِشُ بذات القضيَّة: (الموت الكريم)، و(أحلامٌ غزيَّة)، و(نور)، و(هواجس)، و(نُقطة تفتيش)، و(قَتَام).

دلالات لوائح هذه العناوين تنسحب للتعبير عن نصوص، تحكي قصص الخوف، والقلق، والموت، والدَّمار، والجوع والعطش، والفقر المُدقِع، وتنكفئ الحياة للبحث عمَّا يُقيت البُطون، ويحفظ البقاء فقط. ولم يعُد هناك من مُبرِّرات للدِّفاع عن شيء.

والقضيَّة الثَّانية الاِجْتماعيَّة؛ فتتمحور نُصوصها، وتغوص في القضايا الأُسريَّة، والاِنْحرافات جَرَّاء البطالة والتَّعاطي، جميعها تنطق باسم الفقر اللَّائحة الأبرز، وهناك تبرز المشاكل الاِغْتراب، وأثرها التربويّ على الزَّوجة والأولاد، وصراع الأجيال من خلال التفاوت بالنَّظرة إلى الحياة بين القديم المُحافظ الجامد، وبين الحديث المُنطَلِق في دروب الحياة.

بمتابعة للعناوين تقود القارئ إلى متاهات الخَلَل الاِجْتماعيِّ:

(المخلوع): يعالج قضيَّة التَّفاوُت في المستوى الثَّقافيِّ بين الزَّوج والزَّوجة، وتنهى حياة الأسرة بالمُخالَعَة.

(مناورة): طلبات البيوت التي لا تنتهي مع ضيق العيش والرَّواتب الضَّئيلة، والتي لا تتناسب مع عدد أفراد الأسرة، وغلاء المعيشة، والأب الذي أقلع عن التدخين؛ بإلحاح من زوجته لاستثمار ثمن الدُّخان في الأساسيَّات.

(غُربة): الزَّوج الذي سافر لسنوات طويلة، وعودته ليحصل التبايُن، وجمود الحياة العاطفية بينه وبين زوجته، والفجوة المُتباعدة مع أولاده الذين كبروا، عندما كان بعيدًا عنهم.

(مُراهَقة): موت الأمِّ، وتركت خلفها طفلة كبُرت، وكانت في بداية تفتُّحها ونضجها، ومشاكل المُراهقة، وحَيْرة الأب بتربية ابنته، والاِسْتعانة بخالتها، لمُساعدتها في توعية البنت المُراهقة، التي كانت نافذتها قُبالة نافذة جيرانهم، وتعلُّقها بابن جيرانهم.

(اللَّعب بالنَّار): الصِّراع بين القديم والجديد. الأب مُدرِّس للفنون التشكيليَّة، ينظر إلى حياته وذكرياته، ويقارنها مع طريقة أولاده في اللَّعب واللَّهْو، ومُمارسة نشاطاتهم.

(الخريف): الرَّجل العجوز يحتسى مرارة حياته على ذكرى زوجته الرَّاحلة.

(اِحْتراق): الغيرة والحسد ونتائجهما على الأفراد والجماعات، واِنْعكاساتها على واقع حياتهم.

هذه الطَّائفة من النُّصوص؛ تلفت النَّظر إلى الزَّوايا المُعتمة في سُلوكات الأفراد، والأُسَر، والجماعات البشريَّة، وإن اِخْتلفت البيئات؛ فتأثيرات وسائل التواصل الاِجْتماعيِّ، اِنْعكست بآثارها السلبيَّة على حياتهم بشكل عامٍّ.    

جميع النُّصوص بواقعيَّتها الاِجْتماعيَّة، جاءت لِتُعالج خفايا منسيَّة في زحمة الصِّراعات، وقد كان الدَّوْر الأبرز لِلُّغة السَّلِسة في التعبير عن مكنونات الكاتبة، وهي تسعى للتأشير في سبيل الإصلاح والمُعالجة.

الجدير بالذِّكر أنَّ جميع نُصوص المجموعة؛ تحكي بأنَّ الكاتبة "ميسون حنَّا" مُنتمية إلى قضيَّة، لا تُفارقها في جميع كتاباتها السَّابقة، وتبيَّن ذلك من خلال مُتابعتي بقراءة مُنتَجها الفِكريِّ القصصيِّ، والمسرحيِّ، ونُصوص الخواطر.

                                                                 ــــا 9\ 6\ 2025

بيان احتاجي(نص بنكهة خاطر)

 بيان اِحْتجاجي

(نص بنكهة خاطر)

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

للصَّمت والتفكُّر في حالة الجدار المُتْعَب بصبره الطَّويل، حالات فنيَّة تستوجب الانتباه والتَّضامُن. أنينه المُتواصِل من وطأة ثِقَل أربعٍ من السَّاعات. اِثْنتان من ذَوَات العقارب، والأُخريان تُومضان بلونها الأحمر  لتظهر أرقامهما الإلكترونيَّة.

العيون جميعها مُصوَّبة على العقارب والأرقام، والجدار بِصبْرٍ شديدٍ؛ يمتصُّ فائض نظرات الزَّبائن، ووقتتهم المهدور على مساحات لَهْوِهِم لساعات طويلة في لَعِبِ الوَرَق.

حركة النَّادِليْن لا تتوقَّف طيلة نَوْبَة دَوامِهِما. كَثْرَة الطَّلبات لم تترك لهما فُرصَةً لاِلْتقاط الأنفاس، ولا لِتَلمُّس أوجاع الأرجُل، والملل يتثاءب في صَدْريْهما. أصواتُ الزَّبائن تتمازج مع قرقرة النَّراجيل التي تحتلُّ الصَّالة، وتتزاحم مع أدخنتها المُنبَثِقة من الأفواه.

اِخْتلاطات النِّداءات المُتوالِدَة؛ لتلبية الطلبات، وأصوات أَكْؤُسِ الشَّاي وفناجين القهوة. . غاب اللَّون الحقيقي الذي كانت عليه الجدران. تراكمات أكوام من ذرَّات الغُبار النَّاعم ودُخان السجائر والأراجيل وأصوات الزبائن منذ التأسيس وللحظة إعداد  هذا البيان.

حُماة وأنصار البيئة رفعوا لافتات؛ تُندِّد بالتلوُّث البصريِّ والسمعيِّ في المدينة، مُطالبين بإنقاذها من أعداء البيئة. وهناك لافتة من بينهن طالبت بالحماية الدوليَّة من منظمَّة اليونسكو، لإدراج المقهى ضمن لائحة التُّراث العالميِّ. انفضَّت التَّظاهُرة، وبقي كلُّ شيء على حاله على مدار سنوات ولم يتغير.

كتب وائل الزهراوي

 

قديمة قبل سنوات

........ 


في أقاصي الروح أنت يا سيدي 

تسكن أروقة الحنين المسافر في عروق الأمسيات .....وتمطر عطراً كعادتك أينما تكون ...

أستاذي الغالي محمد 

يعلم الله كم أغليك وكم أتمنى اللقاء بك 

لعلك تكون بألف خير . رغم أن دعوات رجلٍ ملعون بالوعي مثلي لن تستجاب 

لكني  أطمع أن يسمعها أصحاب الديوان الإلهي . 

كل عام وأنت الخير لنا

أطال الله بعمرك وأبقاك يا أغلى من عرفت.

 .....

بطاقة عيد الأضحى المبارك. وائل الزهراوي. ٦/٦/٢٠٢٥

الجمعة، 6 يونيو 2025

كنب رائد العساف. بنسيون قراءة

 قراءة انطباعيّة. .....

لرواية "بنسيون الشارع الخلفي"

للروائي محمد فتحي المقداد


بقلم. رائد العساف. الأردن 

حين تتحوّل الرواية إلى بيتٍ من نبض، ووجع، ونبوءة...


من بين عتمة الشوارع الخلفيّة حيث تختبئ الحكايات المهمّشة خلف جدران الزمن، تتسلّل رواية "بنسيون الشارع الخلفي" كضوءٍ خافت في آخر النفق، لتصير أكثر من نصّ أدبي، بل وثيقة حسيّة، حيّة، نابضة، تكتنز في تضاعيفها أرواح الشخصيات التي تنتمي إلى الهامش، لا إلى العناوين الرئيسة. بين دفّتي هذا العمل الأدبي المتفرّد، ينتصب البنسيون كمكانٍ رمزيّ، أشبه بصندوق خشبيّ قديم، لا يفتح بيده، بل بحسّه، ومن يفتحه يجد فيه وطناً مصغّراً، حزيناً، موجوعاً، لكنه حيّ... يصدر أنيناً يشبه أنين الشعوب المنسيّة في الخلف، تلك التي تقف خارج مرمى الضوء، لكنها تخلق المعنى الأعمق للحياة.


أعمق من السرد... أوسع من المكان...


الكاتب محمد فتحي المقداد لا يقدّم في "بنسيون الشارع الخلفي" رواية بمفهومها النمطي، بل ينحت مجازاً مكثفاً لتجربة إنسانيّة ممتدة، يضع القارئ أمام مشهد مركّب من التهجير، الحنين، الفقد، والأمل المرتبك. يشكّل البنسيون بؤرة روحيّة، سردية، تاريخية، ومكانية، فيها تتقاطع مصائر اللاجئين، العابرين، المهمشين، والمقهورين، الذين فقدوا بوصلة الوطن، لكنّهم لم يفقدوا البوصلة الداخليّة التي ما زالت تشير، رغم الانكسار، إلى جهات الضوء.


الشخصيات ليست نماذج سردية، بل كائنات حقيقية تنبض في الهامش. "هبهان"، تلك الطفلة التي تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى رمزٍ جامع، إلى مرآة تعكس الطفولة المسحوقة تحت أقدام الحروب، والأنوثة المقتولة تحت أنقاض القذائف، والوطن المختبئ في عيني فتاة لا تعرف تماماً لماذا غادرها كل شيء... ولماذا لا تعود الأشياء أبدًا كما كانت.


لغة تتنفس، وصور تحفر في الروح


يتميّز النصّ بلغة آسرة، مركّبة، مترعة بالإيقاع الداخلي الذي يجعل القارئ يعيش كلّ جملة كما لو كانت نبضًا. لا يكتب المقداد جملاً، بل يسكب أحاسيس في قوالب لغوية جديدة، مُطعّمة بصور فريدة، وتشبيهات لم تُستهلك، ومجازات طازجة. إنه لا يكتفي بأن يُصوّر الألم، بل يجعل القارئ يتذوّقه، يُلامسه، يتذمّره، ثم يبتلعه مرغماً، فيجد فيه طعم الحياة الذي لا يُنسى.


يقول عن الحنين:

"الحنين في البنسيون ليس كذكرى عابرة، بل كطفل يتدلّى من شرفة الغياب، يُلقي حجراً على نافذة القلب كلّ مساء، فيوقظه من سباته على صوت مَن رحلوا..."

أو حين يصف الغربة:

"الغربة هنا ليست مكاناً بعيداً ، بل شعورٌ ضيّق يسكن تحت جلدك، كلما حاولت نسيانه، نبض فيك كمسمار صدئ في الخريطة."


إنها لغة تكتب بالوجع، وتشبه في تدفّقها نهراً داخليّاً لا نرى من سطحه إلا بضع كلمات، بينما الأعماق تعجّ بعوالم كاملة من الرموز والدلالات والقصص.


البنسيون: مسرحُ الوجدان والمأساة الإنسانية


كل غرفة في هذا البنسيون تُخبّئ سرديّة مختلفة، وكل نزيلٍ فيه يمثّل فصلاً من فصول المنفى، من التاريخ المعذّب لشعوبٍ أُجبرت على أن تُهاجر داخل ذواتها قبل أن تُهاجر من جغرافيتها. نرى في هذه الرواية كيف يمكن للمكان الصغير أن يتحوّل إلى وطن بديل، إلى حكاية كبيرة، إلى قارة من الندوب، وإلى نُقطة في الذاكرة لا يمكن محوها.


ولا يغيب البعد السياسي عن النص، بل يتسلّل من بين الكلمات كأنفاس ساخنة بين البرد، يصرخ دون ضجيج، ويؤنّب الواقع دون خطابية. الكاتب لا يتكلّم عن القضايا الكبرى، لكنه يجعلنا نراها مجسّدة في أنثى، في دمعة عجوز، في لوحة على الجدار، أو في رغيف مكسور. هناك فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، هناك القضية، الحصار، النكبة، الشتات، كلها متجسّدة دون أن تُعلن عن نفسها، بل تحضر كما يحضر الوجع في جسد مجروح لا يحتاج إلى تفسير.


هبهان: أنثى الحكاية، ومجاز الوطن


تتقدّم "هبهان" لتكون قوس الرواية، قلبها، وصرختها الخفيّة. إنّها ليست فقط طفلة، بل نصّ رمزيّ بامتياز، تمتزج فيه ملامح الطفولة والأنوثة، المدينة والخيمة، الأمل والانكسار. تكبر هبهان بين السطور كما تكبر الشجرة في أرضٍ مليئة بالحجارة، تصمد، رغم الجفاف، وتورق، رغم السخام.


الكاتب يعاملها كشخصيّة حقيقية تنمو على مرأى من القارئ، يرافقها في نشأتها، انهياراتها، هواجسها، وحتى في تلك اللحظات التي يُخيّل إليه أنّها تحاوره وتقول له ما لم يستطع قوله:

"أنا الذاكرة، حين يشيخ الجميع، وأنا الرصاصة التي لم تُطلق، أنا الصوت في الحنجرة المختنقة، والوطن حين يغادر الجميع..."


 البنسيون ليس آخر الطريق، بل بدايته


"بنسيون الشارع الخلفي" ليس عملاً يقرأ ثم يُنسى، بل هو عمل يُبقي فيك أثراً، تماماً كما تبقى الرائحة في ثيابٍ كانت معلّقة في بيتٍ سكنته الحرب. هو شهادة شعورية على عصرٍ من الألم، وشرفٌ أدبيّ على بوّابة الكتابة الصادقة، العميقة، التي لا تسعى للتجميل بقدر ما تسعى للتأمل، ولا تهدف إلى إثارة الشفقة بل إلى بعث الحياة من رماد الحطام.


هذه الرواية ليست مجرّد سطور، بل وطنٌ بملامح أنثى، بلهفة لاجئ، بصرخة قهر، وبحلمٍ لم يكتمل. رواية تأخذك من يدك إلى داخل الأزقة، ثم تتركك أمام ذاتك، بعيداً عن كلّ زيف، مشبعاً بأسئلةٍ لا إجابات لها... لكنها أسئلة تُذكّرك بأنك ما زلت حيّاً، وأن الحكاية... لم تنتهِ بعد.


كتبتُ هذه القراءة، لا بوصفها تحليلاً أدبيّاً فحسب، بل مشاركة وجدانية عميقة، وشهادة حبّ لهذا العمل الذي حفر عميقاً في وجداني، وأيقظ في قلبي يقيناً: أن الأدب، حين يُكتب بالدمع، يُخلّد في الذاكرة إلى الأبد.

الثلاثاء، 3 يونيو 2025

كتب الشاعر أبراهيم علي الغزالي. قرفا

 بطاقة تهنئه للصديق الأخ العزيز

ابن حوران

الروائي  محمد فتحي المقداد

بمناسبة فوزه 

بجائزة ناجي نعمان الأدبيه العالميه


طوتك السنون غيابا

وأسحم شعرك ثلجا

وقلبك بالشوق ضجا

ومر الغياب شرابا


حبوت الخطاوي بنفس صبور

وكنت الدليل المعين اصطحابا

رسمت *الطريق إلى الزعتري *

بكل * الزوايا * وحسن النوايا

مواخر بحر بدون عبابا


وأطت إليك أحاجي الحروف

وكنت في* عتماتها الشاهد *

وأسكنت في*دوامة أوغادها*

* بتوقيت بصرى * دحة وعتابا


وأعلنت فتوى ل* رقص السنابل*

على * قارعة خاطر.*

وهمشت عنفا  * قيل وقال *

وبوحاأطحت*الرؤوس المدببه* 


و* فوق الأرض * أشدت بناءا

*بنسيون الشارع الخلفي* غصابا


ثم حصدت كل الحصاد

جوائز عز وصوت يناد

أنا ابن بصرى ذات العماد

أنا ابن درعا سهولا هضابا


نزف إليك التهاني نشيدا

نزف إليك التهاني كتابا


الفخور بك أبو حمزه

...... 

كتب. مفلح شحادة. ردت على قصيدة إيراهيم الغزالي. 

"حين تتحوّل التهنئة إلى ملحمة: قراءة في بطاقة إبراهيم الغزالي لأديب الجنوب محمد فتحي المقداد"


في كل ثقافة، هناك نصوص تُكتب للاحتفاء، وأخرى تُكتب كي تبني معمارًا موازيًا لما نحتفي به. وفي حالة بطاقة التهنئة التي أبدعها الكاتب إبراهيم علي الغزالي (أبو حمزة)، لا نقرأ تهنئةً عابرة، بل نشهد بعثًا جديدًا للقصيدة الحديثة ذات النَفَس السردي والرمزي، التي تتخفى في ثوب المديح، وتنتصر عبره للهوية، والذاكرة، والمكان، والكتابة المقاومة.


مقام أول: القصيدة التي تقودك إلى ذاكرة الجنوب


يفتتح الغزالي نصه بمشهد مدهش في بساطته الظاهرة وعمقه الضمني:


"طوتك السنون غيابا

وأسحم شعرك ثلجا

وقلبك بالشوق ضجا"


إنها ليست مجرد جمل شعرية، بل بوابة وجع رصين، يُخبرك منذ اللحظة الأولى أن هذه التهنئة ستُقاس بنبض القلب، لا بعدد الكلمات. يختار الغزالي طريقًا عكسيًا عن السائد: يبدأ من الغياب، لا من الحضور؛ من الشيب، لا من المجد؛ من الحنين، لا من المنصة. كأنه يُعلن أننا أمام احتفاء بالكينونة قبل الإنجاز، وبالوجدان قبل الورق.


مقام ثان: حين تتحوّل عناوين الروايات إلى نجوم على خارطة التكوين


"رسمت الطريق إلى الزعتري

بكل الزوايا وحسن النوايا"


"في عتماتها كنت الشاهد

وفي دوامة أوغادها… بتوقيت بصرى دحة وعتابا"


هذه ليست إحالات، بل شيفرات سردية مشفّرة، يعيد الغزالي توليفها ببراعة إلى مركّب شعري/سردي موازٍ. إنه يستخدم عناوين روايات المقداد كما تُستخدم أسماء المدن في القصائد الملحمية، فتتحوّل إلى إشارات للنجاة، للحكاية، للفداء.

ولعل استخدامه لعبارات مثل "دوامة أوغادها" و"الرؤوس المدببة" يقدّم ملمحًا نادرًا: تهنئة لا تتجمّل، بل تُجابه. فالأدب الذي يكتبه المقداد، كما يراه الغزالي، ليس مجرّد كتابة، بل فعل مقاومةٍ أخلاقيٍّ، لا يُهادن الفساد، ولا يجامل السلطة، ولا يهادن التافهين.


مقام ثالث: من "نسيون الشارع الخلفي" إلى نسيج الحارة الكبيرة


"فوق الأرض أشدت بناءا

بنسيون الشارع الخلفي غصابا"


في هذا المشهد، نقرأ أعنف ما يمكن أن تقوله قصيدة عن واقعها دون أن تصرخ. نسيون الشارع الخلفي يتحوّل هنا من عنوان رواية إلى استعارة مكانية واجتماعية، لواقع مهزوم يحاول الأدب ترميمه. الغزالي لا يُهدي فقط جائزة لصاحبها، بل يهديها أيضًا إلى الشارع الخلفي، إلى المهمّشين، إلى الذين لا يملكون سوى الكلمة كسقف وكسيف.


مقام رابع: من ابن بصرى إلى أيقونة الجنوب


"أنا ابن بصرى ذات العماد

أنا ابن درعا سهولا هضابا"


ما أجمل أن تتحول التهنئة إلى نشيد هويّة. فالمقداد هنا، كما يراه أبو حمزة، ليس فردًا بل تمثيلًا جغرافيًا وعاطفيًا للجنوب السوري بأكمله. بصرى، درعا، الزعتري، كلها تتداخل في النص لتؤكّد أن ما كتبه المقداد لم يكن عن شخصه، بل عن شعبه، وناسه، وتاريخه.


مقام خامس: التهاني كعمل أدبي مستقل


"نزف إليك التهاني نشيدا

نزف إليك التهاني كتابا"


هل ثمة أجمل من أن تتحوّل الكلمات إلى "نشيد" يُغنّى و"كتاب" يُقرأ؟ بهذا الختام العبقري، يُتوّج الغزالي نصه، لا كمجرد صديق يُكرِّم صديقه، بل ككاتب يعرف تمامًا كيف تصنع الكلمة ملامح المجد.


خاتمة: أبو حمزة… الكاتب الذي كتب تهنئة بمقام الرواية


في النهاية، هذه ليست بطاقة تهنئة، بل قصيدة سردية تستدعي قراءات متعددة. نص يمكن تدريسه في البلاغة الحديثة، أو في مادة "القراءة النقدية للتهنئات الأدبية" إن وُجدت!

إننا أمام لقاء نادر بين التكريم والتمكين، بين الشعر والتاريخ، بين المديح والمرآة. ولعل أجمل ما في النص أنه لا يُضيء المقداد وحده، بل يُضيء من كتب له، ويُضيء كل قارئ يلتقط ما بين السطور.

فطوبى لأدب تُكتب تهانيه على هذا النحو.

وطوبى لك، محمد فتحي المقداد، لأنك كتبت... حتى صار في تهنئتك نصٌ يُكتب عنه.

السبت، 31 مايو 2025

كتب مفلح شحادة (٢)

 محمد فتحي المقداد: الكاتب الذي هدم الجدار الرابع بين الأدب والحياة


في عتمة المشهد الثقافي الذي يُعيد تدوير نفسه، حيث تتشابه الأصوات وتتناسخ الحكايات، ينبثق محمد فتحي المقداد مثل ومضة في العتم، لا ليمشي بين الكلمات، بل ليخترقها.

إنه ليس كاتبًا فحسب، بل حدث أدبي، ظاهرة تمشي على قدمين، يمارس الكتابة كما يمارس الحرفي طقسه المقدّس؛ بنَفَس من يخطّ على الرمل وهو يعلم أن الموج قادم، لكنه يكتب بكل ما فيه.

حين تستمع إلى المقداد، أو تقرأه، لا تكون أمام تجربة أدبية مألوفة، بل أمام خريطة حسّية لزمن مكسور، أمام رجل لا يكتب من "برج عاجي"، بل من صالون حلاقة، حيث الشفرة تلامس الرأس، والكلمة تلامس الذاكرة.

هو روائي، ناقد، مؤرخ، وصانع جسور. لكنه قبل كل هذا، هو كائن يقظ بالأسئلة.


الحبر الذي لا يجفّ: سردٌ يقاوم النسيان


روايات المقداد ليست بناءات سردية فحسب، بل أجهزة قياسٍ دقيقة لتقلّبات النفس البشرية. هو لا يروي ما حدث، بل يفتح الجرح ليرى كيف ينزف المعنى.

في "الطريق إلى الزعتري" لا نقرأ قصة لاجئ، بل نقرأ سقوط الإنسان من خارطة الأمان إلى جغرافيا الفقد. هناك، في طيّات الخيمة، تكمن رواية أكبر من اللجوء؛ روايةٌ عن الحنين الذي صار خنجراً، عن الوطن الذي تحوّل إلى ذاكرة قابلة للاشتعال.

أما "دوّامة الأوغاد" فهي ليست رواية، بل كتيّب مواجهة، مانيفستو سردي يخلع أقنعة الزيف، ليقول: الأدب لا يهادن. الأدب يقاتل.

في رواياته، تتحوّل الفكرة إلى جسد، ويتحوّل القارئ إلى شريك في الحفر لا متلقٍ سلبي. هو لا يكتب لينقل الواقع، بل ليخلقه من جديد واقعٌ موازي، أكثر صدقًا من الحقيقة.


كأن النقد عين ثالثة


في كتبه النقدية: "حديث المنجز"، "إضاءات أدبية"، و"قراءات روائية"، نكتشف المقداد الذي يقرأ النصوص كما تُقرأ الخرائط السرية. لا يكتب من علُ، بل ينزل إلى قلب النص، ويجالس أبطاله، وينازع مؤلفه.

هو ناقد لا يعيد تفكيك النص فحسب، بل يعيد بناؤه على مرأى منا. وكأن كل قراءة لديه محاولة إنقاذ للنص من سطحه، ومحاولة إنقاذ للقارئ من قراءته الكسولة.

في زمن بات النقد فيه إعلانًا مقنّعًا أو تصفية حسابات، يأتي المقداد ليعيد للنقد هيبته: تأمل، حوار، شراكة معرفية.


الحوار كفعل تحرّر، والتراث كهوية مستدامة


في أعماله الحوارية، نكتشف جانبًا مختلفًا: المقداد المحاور الذي لا يستدرج الإجابات، بل يفجّر الأسئلة. حواراته ليست مقابلات، بل طقوس كشف، يسلّط الضوء لا على ما قيل، بل على ما لم يُقَل.

أما مشروعه التراثي، فهو لا ينطلق من الحنين، بل من الإيمان بأن من لا يُمسك بجذوره، يُقتلع بهدوء. في "الكلمات المنقرضة"، و"الوجيز في الأمثال الحورانية"، لا نجد فقط توثيقًا، بل محاولة لإعادة الذاكرة إلى التداول، كما لو أنه يقول: "لن أسمح لنفسي أن أكون الحلقة المفقودة بين الماضي والمستقبل."


الروائي الذي لم يتخلّ عن الشارع


هناك كُتّاب يرتبون مقاعدهم في الندوات ويُبرّدون نصوصهم في رفوف المكتبات، وهناك المقداد، الكاتب الذي ما زال يسمع الشارع، ويمسح العرق عن جبين اللغة.

هو مثالٌ نادر لـالكاتب الذي لا يكتب عن الإنسان فقط، بل يكتب مع الإنسان، وبالإنسان، وللإنسان.

رجلٌ حمل مهنة الحلاقة لا كوصمة، بل كامتياز أدبي، فحول صالونه إلى مختبر بشري للقصص، ومسرح شعبي للتأمل.


خاتمة ليست نهاية: محمد فتحي المقداد كمشروع وعي


حين نقرأ المقداد، لا نقرأ كاتبًا فقط، بل نُجرّب الكتابة من جديد، نتأمّل النص كأننا نلامس جلده، ونتساءل عن حدود الحبر: هل يكتب؟ أم يُنزف؟

إنه من الكُتّاب الذين يعيدون تعريف وظيفة الأدب في عصر الاستهلاك والتشظي. هو ليس ساردًا للأحداث، بل حفّار مجازات، وكاشف أقنعة، وصانع هوية.

هو مرآة الزمن، لكنه لا يعكسه فقط، بل يُحطمه، ويُعيد تركيبه، حتى يرى القارئ نفسه كما لم يعرفها من قبل.

محمد فتحي المقداد، الكاتب الذي لا يخاف من الغوص في المجهول، لأنه ببساطة: لا يكتب من أجل النجاة، بل يكتب كي يجعلنا نحيا.

تأملات قرآنية