السبت، 9 نوفمبر 2024

الحكواتي. قصة قصيرة

 ‏ الحكواتي

(أقصوصة) 


بقلم – محمد فتحي المقداد


الحكواتي على غير عادته توقّف فجأة عن الاسترسال في حديثه. لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة، كوجه ذاك التمثال المُنتصب في ميدان العاصمة الرّئيس، بإطلالته العُلويّة من فوق القاعدة الرُّخاميّة العالية بمشهدية بانوراميّة. 

خطوط وجهه العميقة حفرها النحّات بعمق جراحات وعذابات الحكواتي مع أبطاله. عينا الرّجل ما زالتا مُصوّبتَيْن إلى فم الحكواتي. الحكواتي مُجهَدٌ من أثر  معارك جسّاس والزّير، حاول إزاحة تراكُم نظرات زبائن المقهى جميعًا عن شفتيْه، تثاءب على غير عادته، وضع كفّه اليُمنى على فمه، بحركة من أصابعه، دفع بالعوائق المُتراكمة إلى جوفه. 

فطن بأنّ الجميع صامتون بانتظار إكمال المشهد، وأعينهم تتركُز  نظراتها في وجهه، من جديد مسح وجنتيْه وحول أنفه ومحيط فمه، وآثار تعرّق جبينه. اعتدل في جلسته، وأصلح طُربوشه الأحمر ذي الشربوشة السوداء المتناغمة بحركاتها المنفعلة بفعل اهتزاز رأسه مع نهاية كلّ عبارة حارّة إذا حمي الوطيس. 

وتنحنح بصوت مسموع في أرجاء صالة المقهى، وضرب بعصاه الرّفيعة على طاولته، نظّارته ثابتة على رأس أنفه، لكنّ عيناه تنظران من خارج الإطار إلى صفحات الكتاب العتيق ذي الورق الأصفر، استأنف سرده في القسم المخصص لهذه الأمسية من السيرة الهُلاليّة، وابتدأ قوله: "يا سادة.. يا كرام...إلخ".

تذكّر حدّة نظرات التمثال الجامدة والمُحدّقة في وجوه العابرين جميعًا بلا استثناء، استعاد تفاصيل مروره في نفس المكان؛ تلعثُم لسانه نبّه جمهور المُستمعين لشيء ما، أوخلل خفيّ على إثره اجتمعت كلّها في لحظة واحدة، شعر بثقل نظراتهم في وجهه، كان على وشك أن يصرخ فيهم: "كفى.. كفى.. أرجوكم". أدركته صحوة نفسه في اللحظة الأخيرة، توقّف، كأنه حرّك لسانه في فمه بكلام، لم يسمعه إلا هو: "ما الذي جرى لي، كأنّني جُننتُ..!!".

كلام زوجته  حينما حدّثته في الليلة الماضية شتّت تركيزه الآن، وبدّد طاقته، وهي تحكي نقلًا عن قريبتها التي تسكنُ في الضاحية الراقية على أطراف العاصمة، في زيارة لها بمناسبة نجاح ابنتها. 

كلماتها ما فتئت تقرع سمعه.. عندما قرع بعصاه الطاولة: "شاب اختفى منذ أسبوع، قيل: "أنه أشار بإصبعه الوسطى إلى وجه التمثال في ليلة باردة بامتياز، وهبوب الريح منعت الناس من الخروج إلّا للضرورة القُصوى، حتّى رجال الرّصد والمُراقبة  على أطراف السّاحة الواسعة، أغلقوا عليهم باب مكتبهم، مُتحلّقين حول مدفأة المازوت، ومصّاصات المتّة في أفواههم برتشفون شرابها الدّافىء".

حديثها الطويل عن زيارتها استغرق السّهرة كاملة، يستمع لها باهتمام، سألها: "ومن الذي أخبرهم إذًا عن الشاب؟". 

دوّامة من الصمت غيّبته تفكيرًا في متاهاتها، ولم يعِ شيئًا من إجابتها: قالوا: "هناك كاميرات مراقبة داخل عيني التمثال".

اعتذر من زبائن المقهى، وغادر قبل انتهاء موعده عند ختام المشهد كما هو معتاد في كلّ سهرة. تأفّفٌ، وضجرٌ، وقرقرة النراجيل سيطرت، ودخانها لم يتوقّف صدوره من أفواههم.


عمّان – الأردن

9/ 11/ 2021

مقطع من فوق الأرض

 حيّرتني أستاذ فتحي، ارتبكتُ من قرارك المُتسرّع، لم أكن أتخيّل أن أستلم دوري بهذه السُّرعة منذ البداية، كنتُ أخطط أن تكون صفحاتي هي الأخيرة في "فوق الأرض"، الآن لا أعرف من أين أبدأ، ذهنيّتي فارغة من أيّ شيء، ممكن أن أبني عليه حديثًا ماتعًا شائقًا لمن سيقرأ. 

كما يقولون يا سيّدتي: (حصة الغالي للتّالي)، فكما تعلمي أن مأساة أخوك "بشار عمر" في رأس الأولويات من هذا العمل. 

هزّت رأسها بالإيجاب، ووجها مُطرق إلى الأرض، لم تنبس بكلمة واحدة.

الأحد، 3 نوفمبر 2024

كتبت إحسان مارديني. وغيرها

 الشاعرة احسان مارديني.

اقتنت روايتيْ. الطريق إلى الزعتري. ودوامة الأوغاد. وقامت بنسخهما ورقيا.

(نقلا عن صفحتها لتعذر المشاركة لمنشورها) 

... 

كتبت الشاعرة إحسان مارديني:

.... 

اللقاء:

شكرا الروائي الجميل ، ياابن بلدي ..

انك مكنتني من روايتيك ..

أنذا أعُدُّ الأوغاد ..وغدا وغدا ..وأخطو باتجاه الزعتري ..ليكتمل المشهد ... 

سعدت بحصولي عليهما 

ولنا لقاء ..

...... 


عودة إلى وعدي .

كنت قلت سعدت بحصولي على الرواية ، وأني عنها سأتحدث حين أنتهي من قراءتها . 

باندفاعٍ كعادتي أمام الكتاب توجهت إليها .

لكنها ليست كغيرها وكنت أحدس ذلك ، فصاحبها إبن المكان ، وابن الزمان ، وابن الحدث ..وقبل هذا وذاك صاحب العين الراصدة أدق التفاصيل ، وأفترض أنه كان في عمق هذه التفاصيل ، في أزقة المدينة وحاراتها ، حين خرج الشباب يهزجون مطالبهم وهم ينثرون الورد ، وينتظرون رد الورد وردا ...فكان أن جاء الرد مخرزا يثقب جسد حمزة .


شخصيات الرواية بواقعيتها المؤلمة يتنوعون ، مابين محامٍ وأستاذٍ وبنّاءٍ ومزارعٍ ذابت فيهم بلدتهم وذابوا فيها . لكنهم تباينوا بين عاشقٍ حقيقي حدَّ الوجع وبين دعي غلبت عليه المصلحة ..والعبارة العنوان للبطل ،،لومي على من باع ،، 


رواية قالت الثورة منذ لحظتها الاولى ، جابت شوارع المدينة ، وعينها على كل مدينة . كيف تداعت المدن لبعضها بعضا ، وكيف غنت لبعضها بعضا .

يقول ، كانت الخطوة بداية وهي أساس الطريق ..آمن الاستاذ فتحي المقداد أن الزمن هو أشرف النقاد ، لانه الوحيد الذي يعلي الحق، ويسقط الباطل ، ولا ينحاز لأحد . والعبارة لطاغور ..


وأقول إن علينا أن ننتظر حكمه ..الفاجعة حين انتظر الشباب كلمة الشقي في مجلس الشعب ..والخيبة التي أصابت الكل ..


روايةٌ تنكأ جرح كل من تابع يوميات الثورة ، وانا على يقين بأنه لم يندمل ولن ..


أكثر اللحظات جرحاً قرار العائلة الجميلة بالخروج إلى مخيم الزعتري حماية لصغارها من وطأة القتل الذي بات يعبر نوافذ البيت عندما يقرر أحد البواسل أن يتسلى بإطلاق الرصاص وهو يشرب كأس المتة ويشعل لفافة تبغٍ يضعها في فمه ..


تفاصيل ..تفاصيل ..تفاصيل ..أشعلت الذاكرة وأضرمت فيها نشاط نيرانٍ لم تخمد يوماً ...

لأردد مع كليب 

سالم لا تصالح ...


وأقول كم من مارغريت دوراس يلزمنا لتؤرخ ما حلَّ بالوطن ..


______

كتب الأستاذ سامر المسالمة:

....

محمد فتحي المقداد تميل القلوب كلها عندما ترتشف نبضات هذا الساحر الذي يسمى تواضعا كاتبا. إنه القادم من شرايين التاريخ والذي يبري أقلام الحقيقة بحواف صخور البازلت . فيحيل الحرف سفرا في سماء الإبداع ويستقي من دموع المسافرين نحو الزعتري حبر مخطوطاته وكعادته عندما يمازحني قائلا :عندما يتكلم المركز على الأطراف أن تصمت هنا أصمت لأن المركز دكتاتور جميل تستبد حروفه بالقلب وخفقانه .

______

كتبت الأديبة فايزة رشدان :

....

الجميلة السيدة احسان مارديني الراقية ابداعا وحضورا عابقا بالأدب

 لا حروف تضاهي ما قدمه أو مايقدمه الاستاذ الروائي محمد فتحي المقداد .. عندما تَقرأ له لايَمنحك فُرصة التِقاط أنفاسك ولايَسْمَح لتَنهيدة ان تخرج تُنفّس فيها الرّوح عن شيءٍ لامَسَها بِعنف 

يَشُدّك ِمن أوّل حَرفٍ حتى آخرِ قطرةِ بوح في رواياته...التي تبحث عن الضوءِ والحريّة

كل الحب استاذتنا الجميلة وكل الأمنيات الصادقه الطيبة بالتوفيق للأستاذ محمد فتحي المقداد 

تقبّلوا فائق ودي واحترامي وتقديري

... 

بعض الأمكنة تأسِرُنا وتفرض علينا هيبة الصمت والتطلُّع بعقول توّاقة للإستزادة من مناهل الأدب 

ولا ترتوي منها ذآئقة التلميذ العاكف على ضفافها يغترف من نمير البيان وسحره 


شكرا لقلمك الكبير بحجم روح ينساب في داخله همّ وطن

بوركتم.. وزادكم الله من عظيم فضله ورفع من شأنكم.. 

تقديري وكل الشكر.. بارك الله خطاك .

______

كتبت الأديبة هيفاء عمر Haifaa Ismaiel Omar 

..

من اروع الهدايا التي بقدر ما تسعدنا بقدر ما تحي في ذاكرتنا الشجن.. كل روايات الكاتب القدير محمد فتحي المقداد إبداع سيخلدها التاريخ ...في حروفه نقرأ حقيقة ما حصل للشعب السوري … روايات تشهد للتاريخ وللأجيال وتوثق ماحصل لنا في قرن 21 …..

بالنسبة لي سأرويها لأحفادي كي يعرفو أن زماننا كان زمان عمالقة الفن والأدب رغم كل ما مررنا به من حزن وخوف وآلام ….

كل الحب والاحترام لكما 

🌹🌹

_______

 كتب الأستاذ نوران الحوراني

....

لا حدود بين المسافات الفكرية ، فخطوط الفلسفة تتوازى مع خطوط الأدب ، ومفردات ألم المعاناة أثناء غذ السير إلى السراب هي مفردات تصقلها فلسفة حب الحياة ، لن يكون وراء الأكمة سوى تنهيدة عابرة إلى اسلاك خطيرة تحبس خلفها خيام الوجع ، وتمتد زفراتها إلى عشق الوطن كأغنية يتردد صداها في جوانب معلمة يرسم التاريخ على وضاءة وجهها تعابير الحب وعطف انسانية المشاعر المشتركة بين الروائي محمد فتحي المقداد وصاحبة تحليل موجات الألم والفرح ورجحان العقل المتزن لدى مدرسة الكلمة ومعناها بالنغم السلسبيل ، هي رواية الطريق إلى الزعتري والسيدة احسان مارديني .

خالص تحياتي لكم

_____

كتب الأستاذ عماد المصري

....

وكم هي وعرةٌ طريقُ الزعتريّ ، وكم هي خطيرةٌ دوّامةُ الأوغاد !

لقلبكِ السعادةُ دائماً أديبتَنا المبدعة ، وكلّ التحيّات وأطيب الأمنيات للأستاذ المبدع فتحي المقداد أديبنا الخلّاق 🎩🌹لكما منّي كبيرَ مودّة 🌹🎩

______

الأحد، 20 أكتوبر 2024

رواية حسن أبو هنية

 محطَّات سلوكيَّة في رواية

"السّجينة والسجّان". للروائيّ "حسن أبو هنية"

بقلم الروائي. محمد فتحي المقداد

مقدمة:

إن الدراسات السلوكية تستهدف البشر عمومًا، فتذهب بعيدًا لسّبر نشاطاتهم الحياتية التفاعلية، أسبابها ومُسبّباتها، والتأثيرات والمؤثّرات، والنتائج المُترتّبة على جميع الحالات المُتشابهة، والمقارنة بين بين الأقوال والأفعال، وذلك بهدف تسليط الضوء على الانحرافات الخارجة عن الأنساق العامّة للمجتمعات الإنسانية ذات المُشتركات بأعرافها وتقاليدها وقِيَمها الدينيّة الأخلاقية، وكذلك تذهب لدراسة خصوصيّة كل مجتمع على حِدة.

وتعتبر الأعمال الروائية منحى جديدًا ليس لدراسة السّلوكات البشرية فقط، إنما لمعالجتها دراميًّا، والإشارة والتنبيه لموطن الخلل في الزوايا السّوداء والمُعتِمة، والإشارة للسّلوكات القويمة بهدف تنميتها، والكاتب الروائيّ مثله عالم النفسيّ يسعى للإصلاح، وفي الجهة المُقابلة من الممكن أين يكون معول هدم وتدمير لقيم وأخلاق المجتمعات.

ورواية "السّجينة والسجّان" مُفردة اجتماعيّة غنيّة بالتفاصيل والتشابكات والتعالقات المُبرّرة سرديًّا. وبمجرّد التوقّف عند كلمة "السّجينة"؛ تحيلنا لتساؤل: ولماذا سجينة، وما الذي فعلته حتى صارت سجينة؟. بلا شكٍّ تأتي قضيّة الانحرافات العديدة، والفلتان الاجتماعيّ ومُسبباته من الفقر والجوع المؤدّي بدوره للتفّتت الأسريّ المُفضي لانحراف الأبناء النّاشئين إلى دروب المهاوي والضّياع في مُستنقَعات الجريمة المُنظّمة.

محطة العنوان:

سهولة العنوان أشرعت الأبواب والنوافذ التي أضاءت دواخل الرواية؛ فكشفت وفضحت مكنونات ومسارات الرّواية، فلا يحتاج القارئ لكثير من البحث عن تأويلات ودلالات العنوان المُنسحبة على سرديّة العمل الروائيّ، ومن الوهلة الأولى يتبادر إلى السّجان الذي وقع في حبّ سجينة محكومة بالإعدام، لارتكابها جريمة قتل بحق زوجها عندما تحققت من خيانته الزوجية. ومن جانب آخر كان عتبة صالحة للدّخول إلى عوالم السّجون بتفاصيلها المكانيّة والزمانيّة، وما يدور فيها من توتُّرات وعوامل نفسيّة.

(هل باستطاعة الكلمات أن تكون أشدّ قسوة من الموت؟)ص45. وبدوري كقارئ فهل بالكلمات تُحلّ المشاكل والمُعضلات بالكلمات وحدها؟. بشكل طبيعي الرواية تؤشّر بكلماتها لمواطن الجمال والخلل بكافّة أشكاله في المجتمع. رواية "السّجينة والسجّان" من المدرسة الواقعية للأدب، وبتتبع بسيط لمسار الأحداث تتبيّن ثيمة الرواية ذات الطّابع الاجتماعي ببعدها الإصلاحي من خلال أفكار ناقشتها، على محمل أدبيّ بمساحة ثقافيّة حاملة للأثقال والأعباء المثقلة لدواخل الكاتب "حسن أبو هنية"، ويظهر عمق درايته الثقافيّة من خلال التعابير المفتاحيّة بدلالات مفتوحة على عوالم التأويل المُتعدّد الرُّؤى والأفكار.

*محطّ سلوكيّة. (جريمة قتل بسبب الخيانة الزوجية);

الزوجة (وداد) بنت العائلة الثريّة تقتل زوجها (عمر)، حينما ضطبته في حالة تلبّس أثناء قيامه بخيانة زوجية مع امرأة أخرى في بيت الزوجيّة، وقبص عليها، وعليها مواجهة حكم الإعدام. وبررت ارتكابها جريمة قتل زوجها بأنه كسر كبريائها.

*محطة سلوكيّة. (متلازمة ستوكهولم):

جاء حبّ السجّان (درويش) للسّجينة (وداد) بوّابة يدخل منها للانخراط في دروب قلبه يتلمّس عواطفه، مع غياب عقله وغافلًا عن مهنته الوظيفيّة في سلك الشّرطة ومتطلّباتها الانضباطيّة، عندما تعاطف من سجينته، وهو ما يطلق عليه: "متلازمة ستوكهولم" . وهي (ليست تشخيصًا نفسيًا، بل إنّها طريقة لفهم الاستجابة العاطفيّة لبعض الأشخاص تجاه الخاطف أو المعتدي. في بعض الأحيان قد يشعر الأشخاص المحتجزون أو الذين يتعرضون لسوء المعاملة بمشاعر التعاطف أو مشاعر إيجابية أخرى تجاه الخاطف، ويبدو أن هذا يحدث على مدار أيام أو أسابيع أو شهور أو سنوات) نقلًا عن ويكيبيديا.

*محطة سلوكية. (جريمة شرف):

(وكان بين المساجين رجل عظيم الجثة ... قاسي الملامح ... لم يميزه فقد مضى وقت طويل.... ولما استعرض أحد زملائه الأسماء كان هو ... نعم الآن عرف لماذا رعش عندما رأى ملامح ذلك الرجل.. هو مصطفى أبو الروس الشاب الذي فر منذ أكثر من عشر سنين مع أخته... وانقض عليه كالنمر... غرس مخالبه في عنقه وأسرع الرجال يأخذون درويش بعيداً... وسأل درويش عن تهمة مصطفى ... وأخبروه بأنه قتل زوجته ... وسأل عن اسمها ... وقالوا له : ساره ... وتصاعد غضب درويش... أصبح له الآن عند مصطفى ثأران... طعنه في شرفه وقتله لأخته. ولم يمض وقت طويل حتى أعدم مصطفى وبردت : نار درویش) ص٤٤.

*محطة سلوكية. (التسرب من المدرسة):

(أخوم ترك المدرسة مبكراً... وراح يعبث مع . الأخرى ..... شلة مجانين.... في القديم قبل موت أمه ... كانت هي الوحيدة التي تستطيع التعامل مع كل واحد فيهم.... ضربت الابن الفاز... وحرمته دخول الدار... ولم يدخلها ... حتى بعد موتها ... وسارت جنازة الأم بدون الابن الأول.)ص٤١.

*محطة سلوكية. (السرقة):

(طالما شعر درويش بأنه صورة عن ملاك حقيقي ... لكن حادثة السرقة الأولى في حياته ... جعلته يعيد التفكير ...) ص٤٥.

(كان درويش يخشى أمه كثيراً ... فهي تضربه بشدّة وتقسو عليه ومرة كسرت له ذراعه عندما سرق رغيف خبز من الفرن الآلي الجديد... كانت أمه هي السبب في أول سرقة ... رفضت أن تعطيه نقوداً ليشتري من الخبز الحديث... وفعلت كما تفعل القطة وهي تحمي صغارها وكانت الأرغفة التي تصنعها هي صغارها الضعيفة... يذكر درويش أنه رفض أن يأكل من خبز أمه ...) ص٤٢.

(وأتهمه بالسرقة... وأنقض على درويش يريد تفتيش جيوبه... ووجد منه فروشاً كثيرة ... وكمن وجد دليلاً قاطعاً صاح بأعلى صوت وبأحد نبرة : هو ذا سارقكم)ص٤٦.

محطة التساؤلات:

الأسئلة التساؤلات مثار الأجوبة بمداراتها المختلفة صحيحها وخاطئها. للأسئلة دوافعها الوجيهة للاستعلام واستجلاء الحقيقة والمعرفة. وكثيرًا ما تنشأ الأسئلة من القلق والخوف من القادم، وذلك بهدف أخذ الخيطة والحذر، أو لكشف وفضح المستور، وفي محطتنا بتتبع نماذج بسيطة من تساؤلات العمل الروائي "السّجينة والسجّان"، لأن هذه التساؤلات تفتح آفاق التأويل والتخمين والمقاصد الظاهرة والباطنة، وهي تستهدف الحياة والوجود:

*(هل يملك الإنسان كل هذه القوة من الشر فيحركها لأهوائه.. أم تملكه هي فتحركه؟).ص١٥.

*ما الذي يمنع السجان من مدح سجينته ومن التغزل؟) .ص١٥

*(هل بلغ احترامك لحقوق الآخرين تلك الدرجة البعيدة؟) .ص٢٠

*(هل تسلمني الرغبة في عدم الخضوع للموت؟) ص٢٠

*(هل يبلّغني الشعور باليأس من الحياة درجة من عدم التعقل؟) .ص٢٠.

*(هل ستظن أني سأظلّ هاربة طوال عمري؟) ص٢١

*(ما هي خطتك؟) ص٢٢.

*(لماذا يُعذَّب الإنسان وهو يرتكب جريمته؟) ص٢٥.

*(وماذا ستعملين يا وداد؟). ص٥٣.

*محطة الجمل المفتاحية:

هذه طائفة من الجمل المفتاحيّة، وهي تفتح شهيّة القراءة لأنّها تأخذ القارئ إلى عوالم السّباحة في فضاءات التأويل، وقراءة ما وراء السُطور، لعظيم دلالاتها غير العادية بكلّ المعايير، فهي وازنة بثقلها المعرفيّ المُثقل بالمعاني المُنبثقة والمُنبئة عن عمق ثقافة الكاتب ودرايته، ودليل تجربته الشخصيّة، وفيها تتجلّى رؤاه برسائله من خلال هذه التعابير:

*(نهوي ضربًا الى الأجساد الثانية، وأجسادنا أولى بالضّرب، ونفوسنا أحقّ بالتهذيب) ص٦.

*(وهل يستطيع السجّان أن يستشعر مشاعر غريبة نحو سجينة) ص٧.

*(فهو السجّان لا السّجين، وهو الحرّ الطّليق لا المأسور المُقيّد، وهو الحكومة أو هو ممثّلها، وهنّ ضدّ الحكومة، أو هن من يعملن ضدّ قوانينها) ص١١.

*(ما أجمل أن يغرس الإنسان أظافره في وجه عدوّه) ص١٣.

*(حتى في السجن توجد شمس.. أتراها تخالف شمس الخريّة شكلًا ومضمونًا) ص١٤.

*(هل تقدر شمس السّجن على إنبات النبات، وتبخير المياه، وتفتيت السُّحُب) ص١٤.

*(هل يملك الإنسان كلّ هذه القوّة من الشرّ فيُحركّها لأهوائه.. أم تملكه فتُحرّكه..!!) ص١٥.

*(ما الذي يمنع السجّان من مدح سجينه، ومن التغزُّل به..!!) ص١٥.

*(شُدّ وثاقي أيّها السجّان؛ فأنا أكثر حريّة منكَ) ص١٦.

*(من يُوفّق بين الماء والنّار؛ فيجعل الأوّل يحرق ويشتعل، ويجعل الثَّاني يُطفِئ وينساب صافيًا..!!) ص١٩.

*(درويش.. هو الشيء الوحيد الذي تغيّر، ولأنّه تغيّر؛ تغيّر معه عالم السّجن..!!) ص١٩.

*(الهروب كالموت، هذه نظريّة اكتشفتها الآن؛ إذن فالهروب والموت سيّان) ص٢١.

محطة النهاية والخاتمة:

بجولة سريعة أمكننا الإبحار إلى هذه المحطّات التربويّة الهادفة في رواية "السجينة والسجان"، بروعة تأشيرها إلى مواطن الخلل، والزوايا السوداء في الجانب الاجتماعي الآخر، المهول والمُروّع بتناقضاته المُربكة، والتي بحاجة لتظافر جهود قادة الرأي والفكر والإصلاح لما فيه مجتمعاتهم، حتّى تنعُم بالسلام والسِّلم الاجتماعيّ، وزرع الطمأنينة في النفوس من أجل حياة هادئة مليئة بالحبّ والودّ.

وسواء اختلفنا مع الكاتب "حسن أبو هنية" أو اتفقنا، سيبقى عمله الروائي مُشرعًا للقراءة والدّراسات المُنصفة، ومشروعًا بأبعاد فكريّة أخذ على عاتقه فكرة النقد الاجتماعيّ.

__ا ٢٠/ ١٠/ 2024


الأحد، 6 أكتوبر 2024

تقديم كتاب ٣٣٣ محمد الصمادي

 

الدَّلالات المُعلنَة في لوائح العناوين في المجموعة القصصية

(٣٣٣) ق. ق. ج

بقلم الروائي. محمد فتحي المقداد

ماذا يعني اللوائح؟

مدخل:

ليتضّح في أذهاننا معنى وأصل كلمة اللوحة، علينا تتبّع دروب معانيها المُعجميّة، والمجازيّة في الاستخدام. قبل ولوجنا للمنحى الأدبي الذي سلكناه من خلال اتخاذنا هذا المعنى وتطبيقه على نصوص القصة القصيرة جدًا (ق. ق. ج).

وقد ورد في معجم المعاني: (اللَّوْحُ: كلُّ صَفِيحة عريضة من صفائح الخشب؛ واللَّوْحُ صفيحة من صفائح الخشب، والكَتِف إِذا كتب عليها سميت لَوْحاً)، كذلك(يقال: نظرت إِلى لوائحه. و اللائِحَةُ مجموعة من الموادّ توضع لتنظيم العمل فى هيئة، أو فى مصلحة، أو مؤسَّسة).

 واللّائحة شبيهة القانون يترتب عليها عقوبات، وتضمُّ قواعد عامةً مُجرّدةً ولا تختص بفئة بعينها ولا حالة بعينها ولا زمن بعينه، ومُلزِمةً وتترتب عقوبات على من يخالفها، وتختلف عن القانون في أنها لا تصدر عن هيئة تشريعية (برلمان) ولا عن جهة تابعة لها، بل عن جهات أخرى هي في الأرجح جهات تنفيذيّة.

لمحة حول فن ال (ق. ق. ج):

فن القصة القصيرة جدًا هو نوع أدبي حديث يتميز بقصر الحجم والإيحاء المكثف. ظهر هذا الفن في التسعينيات من القرن الماضي، ويعتمد على تقديم قصة كاملة في بضع جمل أو حتى في سطر واحد.

بعض من مميزات وخصائص ال (ق. ق. ج):

*الإيجاز والتكثيف: يتم التركيز على تقديم الأحداث والشخصيات بأقل عدد ممكن من الكلمات، مما يتطلب اختيار الكلمات بعناية فائقة.

*الرمزية والتلميح: تعتمد القصة القصيرة جدًا على الرموز والتلميحات بدلاً من السرد المباشر، مما يتيح للقارئ فرصة للتأمل والتفسير.

النهاية المفاجئة: غالبًا ما تنتهي القصة القصيرة جدًا بنهاية غير متوقعة أو مفاجئة، مما يترك أثرًا قويًا في ذهن القارئ.

*التجريب والإبداع: يشجع هذا النوع الأدبي على التجريب بأساليب سردية جديدة ومبتكرة.

محمد علي الصمادي. أديبٌ فاعلٌ مُتفاعِلٌ، ومُنفَعلٌ بمحيطة الاجتماعيِّ. مُدرِكٌ تماماً بِوَعيٍ لأدنى درجات التغيُّرات الطَّارئة؛ فهو راصدٌ يقظٌ كأنَّه الجُنديُّ القائم على حدود الوطن، حريص كلَّ الحِرْص؛ أن لا يُؤتى الوطن من ثغرته التي يحرسها. ينهل من وعاء اللُّغة؛ ليكتب قصصه والتي هي عبارة عن لوحاتٍ ناقدةٍ وناصحةٍ في سبيل الارتقاء بمجتمعه ووطنه . فهو كمؤشر ميزان الحرارة يتاثر بأدنى شيء

فكرة حول الكتاب والكتاب:

محمد الصمادي واقعي التفكير حتى الصميم. وإن كان متقلب المزاج في كثير من حالاته وأحواله، إنما هو قلق الإبداع المتأجّج في دواخله، ليخرج على شكل نصوص قصة قصيرة جدا، وفي نص "رسالة إلى الذات": (كتب محمد رسالته الأخيرة، ليس لرفيقه الذي خذله، بل لنفسه. قال فيها: "لا تنتظر أن يعكس الآخرون حقيقتك، أنت الوحيد القادر على رؤية ما حققت " ثم طواها، ليبدأ رحلة جديدة بعين الماضي). في هذا النص المُعنون "رسالة إلى الذات" وبتأمّل جاد لتمثيل العنوان لطبيعة النص، يتبيّن أنه وقفة صريحة مع الذات، وموقفه من الصديق والآخرين. فالذات والآخر. وما بين الحقيقة والبحث عنها، وما بين المُنجز النهائي حصيلة حياته التي ناهزت الخامسة والستّين عامًا. تمثلت بطبيعتها في دلالات النص. وحينما يصل الإنسان لمرحلة التأمل والبحث عن ذاته في غِمار منحنيات الحياة، بلا شكٍّ يكون قد وصل لمرحلة النضج والحكمة، حتى يستطيع تقييم موضوعيٍّ شامل مُتجرّد لا يسمع إلّا صوت العقل الواعي بعيدًا عن العواطف.

ومن هذا النص "رسالة إلى الذات" نستطيع الانطلاق للبحث في "الدلالات اللوائح المعلنة في لوائح العناوين" في مجموعة " ٣٣٣". عند الأديب "محمد علي الصمادي". وبملاحقة لمجموعة من عناوين نصوص ال "ق ق. ج" في المجموعة التي تفصح بدلالتها على من مجموعة من اللّوائح.

لوائح الكتاب:

*اللائحة الأولى "قصتي مع التصوير":

وما قاد لهذا الاستنتاج إلّا هذه العناوين: (الظلّ. الضوء. النّقرة الأخيرة. الصورة المنسية. المُصوّر بعقله لا بيده. عدسة الحياة. صورة في عيون الآخرين. الكلمات غير المنطوقة. بين الظل والضوء. الصورة الممزقة). وبتأمُّل بسيط تُعلن هذه الكلمات والجمل بوضوح عن اجتماعها والتفافها على قضيّة التصوير الضّوئي. من خلال معرفتي الممتدة على مساحة سنوات ثمان بالصديق "محمد الصمادي" من خلال لقائي الأول به. حيث كان مديرا لاحتفالية توقيع روايتي الأولى "دوّامة الأوغاد" 2016 في منتدى "آرب آرت" مدينة إربد. وكان يترك دفّة الإدارة ليقود عدسة كاميرته لالتقاط صورًا للوجوه والابتسامات بعفوية تامّة، واصطياد اللّحظة الفارقة التي صارت تاريخًا في هذا الوقت.

وما حكاية المُصوّر الأعمى إلا الرواية التي لم يكتبها ذلك المُراسل الحربي الذي سأل الجندي في خندقه: كيف تُدافع عن الوطن. أجاب: "هكذا"، وضغط باصبعه على الزّناد.

وهكذا فإن التصوير لم يكن إلا هواية في البداية عند "محمد الصمادي" إلى تحولت إلى احتراف مع الأيام، ووثق بعدسته لمعظم الفعاليات الثقافية في إربد وعجلون على الأخصّ، وقد سرقه مسار التصوير من حقل كتابة القصة والأدب بشكل عامٍّ زمنًا طويلًا.

*اللائحة الثانية "الغياب":

والغياب نقيض الحضور واللقاء، وما ينتج عنه من لوعة واشتياق وحنين وقد تجلت هذه المعاني وآثارها في عناوين: (الظل. العطر. المرأة. الكتاب، الليل. الرسالة. النافذة. موعد مع البحر. الرسالة الأخيرة. أشباح الذاكرة. الحرب والغياب. وداع العلاقات السامّة. لهفة القلب. قلق. الجرح. صدى الغياب. لقاء الصدفة. القلب المسلوب. أبحث عنك في غيابك. شوق مؤلم. حيرة القلوب. الوهم والواقع). بتأمّل بسيط لا يحوجنا الأمر عناء البحث للخيوط الرّابطة لهذه العناوين، فإن لم يكن ارتباطها كاملًا بهذه المنظومة؛ ففي بعض طرائق دلالات معانيها القريبة البعيدة تُعلن ارتباطها بوضوح تامٍّ.

*اللائحة الثالثة (الطين والحياة)

وفي هذه اللائحة تتحد العناوين على التعمق لقراءة الموضوع برؤية فلسفية. ففي (الطين الأول. الخطيئة الأولى. المرأة والأرض. كن فكانت الحياة) فالطين والخطيئة والمرأة نواة الحياة بجميع أشكالها. وهو محاكاة للآية الكريمة(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ). الأنعام/٢. وتأويل (خلقكم من طين) يعني: (أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا). نتوقف هنا عند إشكالية الطين والتراب ﴿هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ﴾غافر/ 67. فالتراب أصل الطين بعد أن تخالطه الماء. فالحياة تتولد من تمازجهما فلا حياة بدون ماء.

أما عنوان (الخطيئة الأولى) فترسيمة خطيئة (هابيل وقابيل) ولدا آدم عليه السلام خطّت نهج القتل والعنف وعدم الاستماع للنصح وعدم الاعتراف بالآخر، والرأي والرأي الآخر.

والمرأة والأرض رُكنا الحياة التي قامت على الأرض، التي جرت عليها جريمة هابيل بحق أخيه قابيل لاختلافهما على المرأة، التي هي مُستنبَت الحياة وقطبها الموجب في استمرار النسل والنموّ البشريّ على وجه الأرض.

*اللائحة الرابعة (يوميات متقاعد):

وهي لوحة هامّة من تاريخ البشر العاملين الذين أدّوا مهتهم على مدار سنوات طويلة مكللة بالكدّ والتعب، فمن حقّهم الاستراحة بعد هذه المدّة، وينعموا بالهدوء والأمان، وقد اصطُلح على ذلك بفترة التقاعد، وفي المجموعة "٣٣٣" ورد عدد من العناوين شكلت لائحة "يوميات مُتقاعد" وكلمة مُتقاعِد مُثيرة للاشمئزار بوقعها على النفس، حينما تأوّلوها على أنّها دلالة: (مُت وأنت قاعد). ولا تَسَل عن الانقلاب في حياة من يصل سنّ التقاعد، فهو بمثابة سن اليأس عند المرأة، شعور محبط بانتهاء الصلاحية. فكثيرا ما تتناوب على الشخص حالات من الاكتئاب والتوحُّد والهواجس، مما ينعكس على الحالة العضوية والبدء بمرحلة الأمراض وهجومها المفاجئ، ومكابدة الأوجاع ومعايشة الأدوية بروائحها المُقززة.

ويتابع محمد الصمادي سرديّة عناوينه في لائحة اليوميّات التالية: (يوميات المقعد الخشبية. يوميات الزهرة. يوميات القلم. يوميات النافذة. يوميات البحر)، وعلى الأغلب أن مثل هذه اليوميات هي جزء لا يتجزّأ من الحياة ففيها تسجيل حادثة معينة أو موقف خارق للوضع الاعتيادي، فيلجأ الكاتب لتثبيتها كي لا تضيع في زحمة بين منحنيات وتجاعيد الحياة.

*اللائحة الخامسة (روائح):

تتجلى معطيات وتفاصيل لائحة الرّوائح بعناوين (رائحة الأم. عبق الحنان. رائحة الأب عطر الزمن. رائحة الأطفال. نفحات البراءة. رائحة الأصدقاء. عبق المغامرات). وفي تعدد لوائح العناوين في العطر والروائح. يتبادر للذهن رواية العطر ل"باتريك زوسكند" تروي العطر سيرة حياة جان باتيست غرونوي، الشخصية الغرائبية المنبثقة من عوالم باريس السفلية والمتملكة لحاسة شم إعجازية. تسرد الرواية تطور حياة العطار غرونوي وكيف غدا إنساناً مجردا من مفهومي الخير والشر، لا يحركه إلا شغف لامتناه بشحذ مواهبه في سبر أغوار العطور والروائح، ولا يحدّه أي وازع أخلاقي. وتختلف نصوص محمد الصمادي في أنها واقعية تعالج قضايا يومية ومعروفة، وليس لها أي اتجاه غرائبيّ.

*اللائحة السابعة (المرأة):

ليس مستغربًا اجتماع هذه اللوائح لتعلن هويتها حول المرأة، وما المرأة إلا لأنها تُناصِف الرجل الكون بأجمعه، لا تألو التأخر بخطوة واحدة عن الرجل، وهم متساوون في الجزاء والحساب أمام الله أوّلا، توزن أعمالهم بميزان الخير والشر على حدٍّ سواء. وكذلك أمام القوانين البشرية، والمنظومات الاجتماعية ذات الأعراف والتقاليد الصّارمة بمُحافظتها. وهذه بعض العناوين في موضوع المرأة: (المرأة المتسلطة. الثقافة والزواج. الخوف من الذكاء. حلم سوبّر وومنWomem/ /. المرأة المخلصة).

*اللائحة الثامنة (اعترافات):

وهنا تنشأ قضية "الاعتراف" الشائكة. لمن يكون الاعتراف، وأمام من؟. وهل فكرة كرسي الاعتراف هي المخلص للبشر من عذاب الضمير بخطيئة الجسد والحواسّ؟. كيف لي أن أعترف لبشر مثلي مثله، ولا أدري شيئًا عن خفاياه الخيّرة والشرّيرة. وفكرة الاعتراف لا تنشأ إلا من تبكيت الضّمير لمن يمتلكه. للتخلّص من عُقدة الذّنب وهو الاعتراف الاختياريّ للوصول إلى حالة الطّهر، وهناك اعترافات يُجبَرعليها البشر تحت الضّغط والإكراه بالتهديد بتعظيم طرائق الخوف والترهيب. وفي هذه اللوائح للعنوانات. إنّما جاءت على لسان أديب ليُؤكد حقيقة أن هناك من يعترف لبشر مثله: (اعترافات الزوجة. اعترافات الخطيب. اعترافات الرجل المُتردّد. اعترافات الأنانيّة).

*اللائحة التاسعة (الوطن):

جميع اللّوائح معلقة كجداريات راسخة على صدر الوطن.

(التنازل ليس هزيمة. الغريب في وطنه. الوطن المسلوب. هوية بلا مأوى. رسالة القريب. حنين إلى الأمان).

فالتنازل. الهزيمة. الهوية. المسلوب. حنين. الأمان. المأوى. هذه الكلمات ذات دلالات بخصوص لوائح الوطن الذي اِحْتضن جميع لوائح "محمد الصّمادي" ودلالاتها المُعلنة والخفيّة.

الخاتمة:

والنتيجة فإن اللوائح التي أعلنها القاص "محمد الصمادي" في مجموعته "٣٣٣" كثيرة. هذه الدراسة جاءت على أمثلة للتدليل على طبيعتها، ونصوص ال "ق. ق. ج" بشكلٍ عامٍّ مُنفتِحَة على عوالم من التأويلات التحليلات التي تتقارب أو تتباعد مع روح النصّ ومدلولاته، ومهما حاول النّقد بأدواته ذات السّطوة بتشريح وبعثرة النصّ وإعادة تركيبه. بلا شكٍّ أن تبقى نظرة النّاقد وفق رؤيته وأيديولوجيّة ونظريات النقد، تتلمس جوانب أيّ نصٍّ من منظور مُعيَّن. ربّما تتوافق أو تتقاطع مع رؤية الكاتب.

ومن خلال قراءتي لنصوص المجموعة استنجتُ أنّ "محمد الصّمادي" دوّن نفسه في نصوصه وبطريقة ما. كان تعبيرًا صادقًا كمرآة عكست دواخله من خلال لوائح جاءت على محمل جمع ما بين التصريح والتلميح، والمُباشرة والتورية المُرمّزة، تفاديًا لإشكالات انتقال الواقع إلى عالم الكتابة والمقروء.

نصوص المجموعة طرحت قضايا شخصيّة وإنسانيّة ووطنيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة بأبعاد فكريّة؛ تسترعي الانتباه والتوقُّف في رحابها لاستجلاء العبر والعظات والدّلالات غير المُعلنة، وقامت بتسليط الضوء على الواقع المُثقل بمستويات هابطة، وإبراز الجوانب المضيئة. معالجات تسترعي الانتباه والتوقف في رحابها.

إربد __| ٦/ ١٠/ 2024


الأربعاء، 25 سبتمبر 2024

جريدة الرأي. الطريق إلى الزعتري

 https://alrai.com/article/10452661/ثقافة-وفنون/المقداد-يشهر-رواية-الطريق-الى-الزعتري?fbclid=IwY2xjawFgrmlleHRuA2FlbQIxMQABHeXuowYKpfAr2iIocY0Wd3YD7uW10Ew5lOwn8G4c37tZ0tPBaM32sN8iOw_aem_dSSq49sRIX_zVX1EkaZ3Ug

تأملات قرآنية