الجمعة، 26 فبراير 2021

أضاءة على قطن أسود

إضاءة على رواية (قطن أسود. للروائي محمد مجدلاوي)

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد 


مفارقة العنوان جميلة ورائعة، لافتة للنظر.. قطن أبيض: هو المعتاد، أمّا: قطن أسود بهذا الوصف غير وارد، إلّا في مخيال الضّعفاء مسلوب الإرادة، الذين إذا قيل لهم: اللّبن أسود؛ ردّدوا بلا تفكير موافقة القائل على قوله، وإن كان خاطئًا. بينما جاء العنوان في الرواية؛ للتنبيه المُحفِّز للمشاعر، وتضارباتها بين الحقيقة والمجاز. 

    لغة الرواية التي كتبت بها سهلة وراقية وسليمة وفصيحة. والرواية بمجملها توصف بأنّها: من تجليّات من المدرسة الواقعيّة في الأدب؛ اشتغلت على إعادة تدوير مفهوم القرية؛ لإظهارها بمحتواها الحقيقيّ بلا كذب وتزييف. علمًا أنّها اتجربة الأولى للكاتب محمد مجدلاوي، وبكلّ المعايير تعتبر عملًا جميلًا.

كما أن أسلوب الرواية إخباريٌّ مُبسّط، بأسلوب حكايات الجَدّات، وقامت بتوثيق حالة مضت من حياة الفلاحين في القرية، فيها وصف دقيق لحياتهم، والتحدِّيات التي تُواجههم في حياتهم اليوميّة والموسميّة.

    أماطت الرواية اللّثام عن مشكلة المزارعين بين فَكَّيْ كمّاشة العمل والركون إلى الراحة. العمل بديمومته على مدار أيّام السّنة، اعتبارًا من التحدِّيات التي يُواجهها المُزارع البسيط بين العمل في قطعة أرض صغيرة مملوكة أو مُستأجرة، وبين سطوة الملّاكين الكبار للأراضي، والعمل لديهم بأجور زهيدة، مع تعرّضه للإهانة، واغتصاب حقوقه عُنوة، ولا يملكُ الاعتراض؛ فهو حقّ لا يملكه، ولا يستطيع تحصيله منهم.

    كما أنّ التُّجار، واحتكار الأسعار، والسَّعي الدَّائب للربح على حساب عَرَق وجُهد المزارع والفلاح البسيط. وهو مَنجَم أرباحهم وثرائهم على الدوام.

    الإنسان بين القرية والمدينة.. وهذا من التحديات الأخرى المُتوقّعة على الدّوام، التي واجهت الكثير من القُرى؛ أيّام الحروب والجوائح الطبيعية، وانحباس المطر. هذه قضايا مُهِمّة في الرواية. الأسرة وترابطها بين الآباء والأجداد والأبناء.. وهو ملمح الشَّرق عُمومًا، ضمن النَّسيج الاجتماعيّ.


عمّان – الأردن

ـــــــــــا 26\ 2\ 2021


الخميس، 25 فبراير 2021

بذرة العنف

 بذرة العنف (خاطرة)


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد


عندما نوى العودة إلى أرض بعد انتهاء دراسته العليا في ألمانيا، أخبرني: بحثتُ طويلًا عن لعبة مُسدّس لابني، بالكاد وجدتُ، وبعدما أتعبني التجوال بين المحالّ التجاريّة.

ذات لقاء عابر أعربَ لي عن ندمه على ذلك، عندما كنّا نتحدّث عن العنف المجتمعيّ كظاهرة عامّة في المجتمعات الإنسانيّة بنسبٍ متفاوتة. يبدو أنّ في داخل كلٍّ منّا بدوي متأهّب لتنفيس غضبه، إذا استُغضِب.

في صغري لم يرُق لي شراء المُسدّسات والمفرقعات لها؛ فالطفولة مرآة عاكسة لقيم وعادات مجتمعاتها، وبداية حياتي راقتني البدلة الكوريّة الخضراء، وأسعى لاقتناء المعطف العسكريّ (الفيلد)، وفي السابع دروس مادة التربية العسكريّة (الفُتوّة)، واللباس المُوحّد في المدارس، والأخضر والخاكي هما سيّدا الألوان في حياتي.

العسكرة في المظهر المُوحّد في المدارس، ومعسكرات الفُتُوّة، ومعسكرات التدريب الجامعيّ؛ عسكرت نفوس ومشاعر السّوريين عُمومًا، ودرّبت الجميع على استخدام السّلاح في مرحلة زمنية مُبكّرة، بدل الانصراف إلى التحصيل العلميّ، وتنمية الهوايات، ومهارات الشّباب في التبارز في دروب العلم والارتقاء، وحقول الابتكار، وهو ما ظهر من الطلّاب السّوريين في بلاد الاغتراب.


من كتابي (كيف.. وكاف.. ياء.. فاء)

الأربعاء، 24 فبراير 2021

سيرة شرطي

 سيرة شرطي




مجموعة (ق.ق.ج)
بقلم ( محمد فتحي المقداد)


تعريف الشرطي :
هو عصا القانون الغليظة, التي ضربت أول ما ضربت القانون ومواده, وابتدع من عنده مواداً تحافظ على هيبته ومكانته ومصالحه, وذلك من خلال السيطرة على كل مقدرات المجتمع.

النص الأول – ( مرتد )*
في صغره كان يقدس المخفر والشرطة, لمّا كبُر كفر وارتد .

النص الثاني- ( من سيربح المليون)*
في برنامج من سيربح المليون, سُئِل الشرطي, أيهما أصح, العبارة: الشرطة في خدمة الشعب, أم الشرطة في خدمة القانون ؟ . أجاب: الشعب والشرطة والقانون في خدمة الشرطة, والشرطة فوق الجميع. ضحك جورج قرداحي وأعطاه جائزة السؤال.

النص الثالث – ( تجيير )*
شرطي وحده العارف للقانون وخباياه, طوّعَهً لمصلحته، أًتخِمَتْ جيوبه.

النص الرابع- ( تفاخر )*
شرطي يتفاخر بأنه شبيه ستالين .... وآخر شبيه هتلر.. يا للعار ..

النص الخامس – ( تنظير)*
شرطي كرشه مُنْدَلِقة أمامه, جيوبه منتفخةٌ, قال مرةً: إنه حريص على مصلحة الوطن والمواطن.

النص السادس – ( تنفيذ القانون)*
شرطي متقاعد سُئِلَ, عن مبرر قسوته و فضاضته المفرطة, أجاب: كنتُ أُنَفِّذ القانون.

النص السابع – ( مبررات)*
شرطي عجوز أوصى بدفن عصاه معه..!!, قيل له: ولماذا؟. قال: خوفاً من تمردهم هناك...

النص الثامن – ( ترقي)*
شرطي بعد تقاعده ارتقى سُلَّمَ المناصب, فأصبح محافظاً ثم وزيراً ثم رئيساً للوزراء، طموحاته لازالت مستمرة.

النص التاسع – ( غدٌ مشرق)*
شرطي مُعْجَبٌ ببسطاره, يمسحه ويلمعه ويضعه أمامه على الطاولة, فيتأمله ثم يخاطبه: هكذا ستكون جاهزاً لدعس رؤوسهم غداً.

النص العاشر – ( تطور غير طبيعي)*
شرطي تقاعد وله مجموعة من العمارات و السيارات والمزارع, خطرت له التوبة, ذهب لأداء العمرة, صار من رُوّاد المسجد ..أطلق لحيته على سجيّتها, تقدَّم للمحراب، فأصبح إماماً للقرية.

النص الحادي عشر – ( إشارة ..)*
شرطي يشير إلى عصاه المعلقة خلفه على الحائط أثناء التحقيق مع أحد الموقوفين. الموقوف: حسناً سأعترف, ولكن بماذا؟...!!!...

النص الثاني عشر – ( أغنية ...)*
اختلى بنفسه، دَنْدَنَ :" مُنحنيَ القامة أمشي, مَكْسوفَ الهامة أمشي, في وجهي لكمةُ شرطي, و على كتفي عفشي, وأنا أمشي وأنا امشي ". اغرورقت عيناه, جففهما بمنديل رفض الامتصاص.
------------------------------------
( مقطع الأغنبية مقتبسٌ بتصرف ..)

النص الثالث عشر – ( اعتداء ...)*
انكسرت العصا الغليظة عليه أثناء التحقيق معه, اتهم بإتلاف الأملاك العامة, صدر الحكم بتغريمه ألفي ليرة, تَعَهَّدَ بعدم الإتلاف, عاد مزهوّاً .. ضحكهُ ملأ الحارة .

النص الرابع عشر – ( هجرة ... )*
رغبة الهروب إلى أحلام بعيدة راودتهم بعد اختناق المصابيح .. شَحّتِ المَرَابِعُ من خوالي الأيام, و الطيور هجرت أفنانها الجرداء, أحلام متوردة هناك لن يصلوها.

النص الرابع عشر – ( جيب منفتقة ...)*
من ثقل حًمْلِها انفتقت جيب الشرطي الممتلئة، والممتدة لأمتار طويلة, زوجته ما استطاعت أن ترفو الفتق, زاغت عيناها فوضعت الإبرة في فتحة المقبس الكهربائي.

النص الخامس عشر – ( شاعر ... )*
شرطي حاول طويلاً أن يكتب قصيدة لكنه عجز, فاستأجر شاعراً، ظهر عجزهُ بتلاوة القصيدة في مناسبة عامة, فَجَلَدَ الشاعر .

النص السادس عشر – ( وليمة ...)*
كان فظاً غليظ القلب، متكبر متعالٍ أثناء خدمته في سلك الشرطة, بعد تقاعده أقام وليمة في قصره المشرف حضرها الحارس والسائق والجنايني وكلبه المدلل فقط . دموعٌ مترقرقة في عينيه حاول إخفاءها.

النص السابع عشر – ( حريق...)*
دشّن شرطيٌّ قصره المنيف بعد تقاعده, اكتظت صالاته بثمين الفرش والتحف النادرة, خزائنه مليئة بمجوهرات نفسية، وأوراق المالية مُكَدَّسة, في مساء ذلك اليوم اشتعلت النار ملتهمة القصر بأكمله - جراء شرر كهربائي- , نام ليلنه في الفندق..!!..

النص الثامن عشر –(محذوف) 
النص التاسع عشر – ( أدوات ...)*
شرطي يفتخر بأنه يَحْكُم المجتمع بأدوات بسيطة .. راح يعددها( البدلة, العصا, القيد, القانون), توعدٌ لمُخالفيه .
النص العشرون – ( يوم موهوم...)*
قال: اقترب اليوم الذي ينتصر فيه الشعب على الشرطة, ردّ عليه: نعم, إذا انتصرتْ قَطَرْ على أمريكا.

النص الحادي والعشرون – ( فوضى مقننة)*
قانون جعل من الشرطي فوضى مقننة, وعد بأن يكون شهيداً وطنياً للمحافظة عليه, ماتَ مُنتَحِراً.
----------------------
( من مجموعتي سراب الشاخصات )

الأحد، 21 فبراير 2021

الكرنتينا (خاطرة)

الكرنتينا (خاطرة)


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد


   خطرتني كلمة مُتداولة يطلقونها على مَن حُبٌسَ لسببٍ ما، يُقال: (فلان كَرْتَنُوه ببيت خالته)، أسمعُها، ولم أُدَقّق في معناها، والكلمة المقصودة (كَرْتَنُوه)، وفي الوباء الذي نحن فيه منذ سنة تقريبًا، كانت مناسبة للتفكير في الكلمة مُجدَّدا.


  كَْرتَنُوه، أساسها من (كوارنتي)، والمستخدمين للكلمة يلفظونها(الكَرَنتين)، وفي الأساس هي كلمة فرنسيّة مُحوّرة عن (كَرَانْت)، وهو الرّقم أربعين من سلسلة التعداد الرقميّ الفرنسيّ، وتُعتبر فرنسا هي أوّل من  خصّصت أماكن الحجر الصحيّ للمصابين بالأوبئة، خاصّة في المدن البحريّة ذات الموانئ؛ لمنع العدوى من القادمين على متن السُفن والبواخر.


   وفي العام 1835أثناء سيطرة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا حاكم مصر على بلاد الشام؛ فقد كانت البواخر تبقى راسية في عرض البحر لأربعين يومًا قُبالة ميناء بيروت، وبعدها تتقدّم لتفريغ حمولاتها، والسّماح بنزول من جاؤوا على متنها، ولما كانت هناك الكثير من البضائع التي لا تحتمل الظروف الجوية؛ فتفسد.

 

   قام إبراهيم باشا وقتها بإنشاء محجر صحّي للغرباء القادمين (كرنتين) شرق ميناء بيروت، وأصبح هذا الحيّ الآن هو الكرنتينا، وهو على الأغلب من العشوائيات في طرف بيروت الشمالي، والكرنتينا تسمية انتشرت، وصارت تُطلق على الأحياء التي فيها المَحْجَر الصِحّي، مثل مدينة جدّة، وبغداد، والإسكندريّة، وهي غالبًا ما تتشابه في مُكوّنانها السكانيّة حاليًا. 


من كتابي (كيف.. كاف وياء.. فاء)

السبت، 20 فبراير 2021

في جوار سيف (خاطرة)

 في جوار سَيْف (خاطرة)


بقلم الروائي ~ محمد فتحي المقداد


بقيتُ عُمرًا في نيّة:  أستلُّ سيفًا. بعد كفاحٍ؛ خرج المِقبضُ في يدي، بقيَ النّّصْلُ في غِمْدِه يتألّمُ.  مُكابدًا ظُلمة الغِمْد.

شقيتُ زمانًا في اشتقاق السّيف؛ فهو: سَفّ، يسِفُ، سيْفًا؛ كأنّه هفّ، جَزّ رأسا. وحُكمه (حُكْمُ السّيف) جبرًا وقسرًا، وظُلمًا وقهرًا، دُموعًا وحُزنًا.

من كتابي (كيف.. وكاف وياء وفاء)

ربما تفاءلت يوما (خاطرة)

 ربّما تفاءلتُ يومًا (خاطرة)


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد


لا تجزع إنْ لم تُباركني بعيد ميلادي.

سأنادي غَدِيَ القادم؛ لأرى إن كان سيكون..!!. 

مانَفْعُ ميلادِ كائنٍ من قَحْطِ السّنين..؟.

جاء عَطِشًا..

يطلبُ ماء للحياة: "ليْتَ.. وليْتَ، ويا لَيْت.. لو كانت بتعمّر بيت".

صدى صوتُ فرحة أمّي ما زال قائمًا يُصلّي في أُذُنيّ.

يتلو صلاة الخوف علَيّ.

يجوبُ الكونَ خلفي بأحمال تمائمه الثقيلة.

"أين الشّموع؟".

في زمن الخوفِ ذاكَ البعيدُ الحاضرُ.

" عيدُ ميلادٍ سعيد".

هززتُ رأسي مُجاملةً لهم، ولكنّي غيرُ سعيد.. وأنا أفتقدُ الشُّموع. 


من كتابي (كيف.. وكاف.. ياء.. فاء)

منخفض جوّي (خاطرة)

 منخفض جوّي (خاطرة)


بقلم الروائي-  محمد فتحي المقداد 


منخفض. اذا انخفض اي شيء إلى الأسفل.


قِلّة الفَهْم (قليل الفَهْم): انخفاضُ وتَدنّي مستوى الفهْم، عندما يتوقّف مؤشّره عند الحدّ الأدنى (الصُّفر) للعدّاد؛ يُصطلَح عليه مُنخفض فهمي.


وعليه يمكنُني التجرُّؤ بقياس الأشياء على نظائرها، وأتمنّى أن يصاحبَه الصّواب، ولا يكون فاسدًا؛ فالمُؤدّى: أنّه إذا انخفض المستوى الفكريّ، وتدنّى إلى درجة الإسفاف، من المُمكن تسميته بالمنخفض الفكريّ.


وإذا ما انخفض مُستوى الأدب سُلوكيًّا (قِلّة الأدب)، وأدبيًّا (مُجرّد تهريج.. وصَفُّ حَكْيٍ مُنمّقٍ): نُطلقُ عليه صفة مُنخفضٍ أدبيٍّ.


أعتقدُ جازمًا أنّ كلّ سِلعةٍ كثُرت، وازداد عرضُها للجُمهور المُستهلك؛ فترخص وتَبُور.


إلّا العقل كلّما ازداد نشاطه الإيجابيّ؛ نعُمَت البشريّة بخيره. على عكس السِّلبيِّ منه؛ المُشقي.


من كتابي (كيف.. وكاف.. ياء.. فاء)

تأملات قرآنية