الاثنين، 3 أبريل 2023

ساعة متأخرة. قصة قصيرة

ساعة متأخرة.

(قصة قصيرة)

 

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

دائم التأخّر منذ أن تجاوزت أمّه عند ولادتها وقتها الذي حدّدته الطّبيبة وفق الذكاء الصّناعيّ للأجهزة المُتقدْمة تقنيًّا.

 لسوء الحظ لم يلحظ تقصير ساعة الحائط تراجعها ساعة بسبب ضعف بطّاريّتها. وصل متأخرًا ساعتين كاملتيْن عن موعد عقد قرانه على الزوجة الثانية بعد الأولى. لم يأبه للاحتجاجات التي جابهوه بها، بكل هدوء، حاول الاعتذار، وشرح أسباب التأخُّر غير المقصود، وإلقاء اللَّوْم على السَّاعة اللَّعينة التي أخَلَّت بالتوقيت. تأجَّلت حفلة العقد؛ لأخذ موعدٍ جديدٍ من المأذون الشرعيِّ، الذي غادر لارتباطه بمواعيد دقيقة، وكتب على غلاف الإضبارة الخارجيِّ بالقلم الأحمر:

-        "تُؤجَّل إلى الشَّهر القادم في مثل هذا اليوم، ويتحمَّل العريس كافّة الرُّسوم الغرامات، والنفقات الإضافيَّة؛ لعدم حضوره في الوقت المُناسب".

وفي اليوم الثاني وصل الجامع لأداء صلاة الجمعة؛ فوجئ بالأبواب المُغلقة. حينها ظنَّ أنَّه جاء مُبكِّرًا؛ رفع يديْه وعينيه إلى السَّماء، وقال بصوت مسموع:

-        "الحمد لله أنَّني وصلتُ قبل الموعد، وسأكونُ أوَّل القادمين. مؤكَّدٌ. هذه المرّة سأنالُ الجائزة الأعظم عند الله".

قيل له من أحدهم:

-        "الصلاة اِنْتهت منذ ساعتين".

عاد يُجرجر أذيال الخيْبة. لسانُه لم يتوقَّف عن شَتْم ساعته تلك، وقرَّر تحطيمها إذا وصل البيت. قادته رغبته بتَسوُّق بعض من الموادِّ للغداء، لكنَّه لم يشتر إلّا عُبوة كُرتونيَّة شفَّافة الوجه، بحجم عُلبة الكبريت تحتوي بطاريَّتين صغيرتيْن بحجم الإصبع فقط.

رنينُ الهاتف النقَّال أجبره للنُّزول عن الكُرسيِّ، وبيده السَّاعة. جاءه صوت أخ خطيبته، وهو وَلِيُّ أمرها بعد وفاة والدهما، والمسؤول عنها:

-        "يا أحمد.. لقد اِتَّخذنا قرارنا الأخير الذي لا رجعة عنه تحت ضغط أيِّ ظرف كان، وبإجماع العائلة، فَسْخ خطوبتكَ، واِعْتبرْ أنَّ نصيبكَ انقطعَ من عندنا".

اِنْقطاعُ المُكالمة الفوريِّ، لم يترك له مجالًا للردِّ أبدًا. السّاعة وقعت من يده، وتناثرت أجزاؤها على كامل بلاط الصّالة. بينما قَذَف زَوْج البطاريّات نحو النّافذة المُطلَّة على حديقة البيت الخارجيَّة بغضبٍ، دخلت موجة هواء باردة؛ أوقفت تعرُّقه المُفاجئ، ورطَّبت الموقف.

تذكّر هذا الزَّمن المديد المُتخَم بالخيبات والمآسي، وهو يُعاين وجهه بنظَّارتها الشمسيَّة السَّوداء، وهما يحتسيان قهوة المساء على الشّاطئ، بينما تمتدُّ يدها مُتجاوزةً نصف الطَّاولة من جانبها إلى جانبه، فأمسكت بيده قبل إمساكها فُنجان قهوته. وقالت:

-        "حبيبي.. رغم تأخّركَ عُمريْن، يبقى أنّكَ جئتَ في موعدكَ".

اِسْتغراقه بتأمُّل ملامح وجهه الذي يراه للمرّة الأولى في حياته بهذا الإشراق، ولم تستطع بل عجزت مرايا الشَّاليه، وغرفة نومه إيضاح ذلك له. ضغط بيده الأُخرى على يدها بقوَّة؛ سالت حرارة التعرُّق بينهما كدموع الفرح. غادرا المكان بهدوء.

 

3/4/2023

 

 

الأربعاء، 22 مارس 2023

حوار عماد المقداد

 

حوارات سورية في المنفى

الروائي محمد فتحي المقداد

يحاور

الفنان والكاتب "عماد عبدالله المقداد"

 

 

 


التقديم:

كيف لحوار أن يتمَّ مع "عماد عبدالله المقداد"، و أن يمضي بعيدًا عن روح المكان وجاذبيته، دون الانطلاق من جوار الرَّاهب، وموطِئ قدم النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم؟.  مضى ومضيتُ معه فرارًا من جحيم الحرب، وكيف الحنين يتأجَّج فيه شوقًا لذرّة من ترابها؟.

عماد ابن السنابل. أحد ابناء مدينة بُصرى الشام أقصى جنوب سوريا. حمل إرثه العابق بالحضارة، المُثقَل بصخب التّاريخ. يليقُ بابن هذا كلّه؛ أن يكون واجهة ثقافيَّة عالميَّة طافحة بالحبِّ، والعطاء للإنسانيَّة جمعاء.

تفرَّد من جيل كادح خارج السِّرْبِ. يعمل ليبقى شامخًا بشموخ سنابل حوران؛ فكان هو الجيل بأكمله، حمل بقلبه هموم وطن جريح؛ فوقف واستوقف معه، ليعلنها شعرًا، ولوحات فنيَّة، وكُتُبا تعليميَّة، وألحانًا بالصَّوت والصُّورة.

بلا شكٍّ. أنَّ ضيْفي على منصَّة حوارات سورية في المنفى "عماد عبدالله المقداد". هو حالة فريدة بمواهبه المُتعدّدة، وما زال في قمّة النمَّاء والعطاء، وبإصرار على تجاوز العقبات، وتمهيد الطَّريق من أجل المستقبل.

 

أسئلة الحوار:

 

*س1* عماد المقداد الفنان والكاتب المُتعدّد المواهب الفنيّة والأدبيّة. شخصيَّة مُتشابكة بتعالقاتها ذات الأبعاد والامتدادات، تتعدّى حُدود مألوف الموهبة. جمهورك وقراؤك يريدون التعرُّف إليكَ عن قُربٍ. كيف ستُقدِّم نفسكَ لهم، وعلى طريقتك.

عماد المقداد هو الإنسان الباحث عن الحقيقة والجمال بكل الصور وبكل الأشكال، وربما تعدد المواهب جاء من الطفولة مبكراً، واستمر اخلاصي لهذه المهارات وشغفي بها على مدار سنوات حياتي، وتطورت مع الوقت ومع الحدث الذي يسيطر على حياتي من غربة وهجرة وما بينهما، لذلك عندما جاءت لحظات الاحتراف والتصدر كنت بفضل الله على قدر حمل المسؤولية .

 

*س2* تعدديّة المواهب المُتفجّرة في صدر شخص واحد، مثل عماد المقداد. فمن الرّسم إلى الغناء والإنشاد والتلحين، إلى الكتابة الأدبية والتعليمية. لا شكّ بأنّنا أمام حالة فريدة في ظروف استثنائية. كيف استطعتَ الجمع بين هذه المسارات المختلفة المُتباينة؟. مع ضيق مساحة الوقت المُتاحة لكلّ هذا، ومع تقدّمك بالعمر، والعمل لاكتساب لقمة العيش. لو سمحتَ أضِئْ هذه الزاوية المهمّة في شخصيّتك بالطريقة المُحبّبة إلى نفسك.

أحب التغيير والتجديد دائماً، وتطوير المهارة كي لا أشعر بالملل من حدود معينة، لذا أبحث عن تقنيات جديدة باستمرار، حتى إذا أتقنتها خرجت لمهارة أخرى، وكله يسبح في ملكوت واحد، وهي أساليب وتعابير متداخلة .

وقضية الحالة الفريدة ربما لأنني منذ صغري لدي فرط نشاط ذهني (ADHD)، حتى أثناء النوم، وكون عملي في الحقل الفني الشامل يتطلب التمرين المستمر على هذه المهارات وأحيانا الحاجة للاكتفاء الذاتي تدفعني لذلك، مع العلم أنني أحب العمل الجماعي.

 

*س3* قُربي وقرابتي منكَ بمسافة سمحت لي بمعرفة الكثير عنكَ. ولكننا في حوار أدبي، من المُفترض بي سؤالك: عن معلمك وملهمك الأول في الفن والموسيقى والرسم؟. وما أثر ذلك وانعكاسه على مسيرة حياتك؟.

أفهم ما ترمي إليه، لأن من تقصده لنا ذكريات جميلة معه وهو (الخال) ابن عم والدتي. الفنان الشامل الراحل أبو السعود المقداد.  أول حالة فريدة أعايشها شخصياً، وتتتفح عيوني في مدينتي على أعماله المبهرة في شوارع المدينة وألوانه الجذابة، وخياله الرصين، والذي زرع بي اللمعان الأول والإعجاب بهذه اللوحات الإعلانية منذ فترة الصبا الأولى، والتي كانت تملأ مدن حوران في فترة الثمانينيات بالذات، ولأنه استفرد على الساحة في تلك الحقبة، فكان السند الفني الأول، علميّاً وتقنياً، ومعلم وموجه، ولا أنكر أيضا أستاذنا ومعلمنا أيضا في فترة الإعدادي الفنان والخطاط الراحل. علي الحليم المقداد. رحمهما الله تعالى وغفر لهما .

مما لا شك فيه أن هذه الشخصية الفريدة المتعددة المشارب الفنية والأدبية والمسرحية، والتي عايشتها عن قرب كان لها أثر محوري في حياتي العملية وربما الشخصية وربما اليوم نحمل الكثير من سماته .

 

*س4* أستطيع وصفك الفنان الملتزم. الملتصق بقضايا أمته وشعبه. فما هو نصيب الثورة السوريّة المجيدة (ثورة الحرية والكرامة 2011) من فن عماد المقداد المسموع والمشاهَد والمقروء؟.

(الثورة السورية) وهو المصطلح المتداول لحالة الهيجان الشعبي والمظاهرات ضد الظلم والفساد، بدأ التفاعل الفطري معها منذ اللحظات الأولى، فقد كنت أمتلك في دمشق استديو للتسجيل الصوتي، وخلال نزول أولى قطرات الدماء في حوران كنت أؤلف وألحن عمل موسيقي بعنوان (جرحك يا حوران)، وبعدها أرسل لي من البلد أخي أبو عبدالله المقدادي  الباحث المعروف. وعبر الإيميل عدد من القصائد باللهجة الدارجة وأنجزتها بوقت سريع، وتم تداولها على نطاق ما، وطبعاً أدركت بعد سنوات أن هذا كان عملاً انتحاريًّا، ونحن نقيم بقلب دمشق، وأتنقل بينها وبين مدينتنا (بصرى الشام) عدة مرات، وأشكر الله كثيراً أنني لم أتعرض للاعتقال بسببها، والآن أتساءل كيف قمت بهذا العمل حقاًّ، ولكن الله قدر ولطف.

وطبعا كنا نخرج بمظاهرات في حي الميدان مع أصدقائنا المتحمسين، وبعدها الجميع يعلم ما حصل تعرضت كل البيوت لنكبة وشهيد وهدم ووووو أشياء كثيرة أنتم أكثر من أرخ لها، وحين خرجت من حوران باتجاه الأردن وجلست في مخيم الزعتري قمت بإنشاء موقع للرسم الكاريكاتوري والذي كنت أتفاعل فيه مع الأحداث اليومية ولاقى قبول لدى جمهور الثورة .

ثم لاحقاً توقفت، لأن سقفي كان أعلى من سقف الثورة، فقد كنت أنتقد الأخطاء والممارسات المحسوبة على الثورة نفسها، ثم صنعت موقعًا آخر لرسم شهداء مدينتي لحظة استشهادهم، كنا نرسمهم بالدموع والألم .

ثم انتقلت لعمان وبدأت أطور من مدرسة التجريد الفني وأجري تجارب متطورة بحكم خبرتي الطويلة بالرسم والجداريات، فأقمت عدة معارض مشتركة وفردية ربما أهمها معرض (قارئة الفنجان) في محافظة الزرقاء، والذي لخصت من خلال لوحاته الكثير من قضايا الثورة مثل لوحة (الظل الأبيض) اللوحة الأشهر والتي أصبحت غلاف لإحدى رواياتك ، ولوحة الديكتاتور، ولوحة وجوه رمادية وكثير من الأعمال أرخت لهذه المرحلة .

ثم أدركت بعقل متزن أن الأمور أعظم بكثير من إمكانياتنا وصراخنا فاتجهت ثورتي للبناء الذاتي وتأليف الكتب في الإبداع و أدب الطفل، وطبعا تربية الأولاد وبناء نشء جديد متغير، (إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وربما مع الإطالة بدأت تحدث سُنّة الاستبدال ونخسر الكثير من الناس، فكان يتوجب عليّ أن أحرف بوصلتي اتجاه البناء، بعيدا عن زعيق ونعيق وصراخ المتسلقين بدون جدوى، ناهيك عن الفساد الذي استشرى في جسم الثورة وأوقفها عند حدود معينة.

ولاحظ اليوم: ولهذه اللحظات التي أكتب بها ما زلنا نُراوح، وتُراوح الثورة معنا لم تنته الأمور كما يشتهي الشعب ويحبُّ، وقد تحولت الثورة إلى فتنة (وهو المصطلح الشرعي) .

 

*س5* سننتقل في حوارنا هذا إلى ساحة ورحاب الكتابة. فقد صدر في مجال الشعر ديوان نثري بعنوان (نغيمات الرحيل2020)، وآخر بعنوان(ابن الشتاء) ما زال مخطوطًا. هلّا حدّثتنا عن محاورهما الرّئيسة والمواضيع التي من خلال تريد إيصال رسائلك للمُتلقّي؟.

ديوان نغيمات الرحيل هو انعكاس للسنوات السبع الأولى من الثورة السورية جمعت به كل ذكرياتي ويومياتي الشعرية الموزونة وبعض الكتابات النثرية وبعض من الشعر العمودي، وربما تنحصر قيمته في تأريخه وتوثيقه لهذه المرحلة.

الديوان يتكون من (150) صفحة من القطع الصغير، وموجود على بعض المواقع العربية، وموقعي الشخصي، أما الديواني الثاني (ابن الشتاء) ربما يكون أكثر حرفة ونضوج وعمق ورؤية، وقد انتهى منذ فترة ولكن فضلت أن أحتفظ به كمخطوط حتى أستنفذ مقدرتي الشعرية، والتي لا أنوي أن تأخذ وقت أطول، لأن الشعر بوجهة نظري حاجة فطرية وتأريخية ولست على نسق دائم معه، وقد قلت كل ما أريد وأنتظر قضايا قليلة وأختمه وأطرحه.

 

*س6* عملت في تدريس فنون الخط العربيّ والرّسم وورشات عمل خاصّة للأطفال الهُواة والموهوبين. ما الذي أضفته لهم؟. وما الذي أضافوه لك من خلال تعاملك مع جيل مختلف عن جيلكَ بمسافة زمنية واسعة، واختلاف طرائق التفكير بين جيلين على طرفي نقيض؟.

صحيح بالأمس ختمت دورة وخرجت طلاب جدد لدي، وقد شعر الطلاب بمشاعر الحزن لانتهاء الدورة، كما شعرت أنا بنفس الشعور لتعلقي بطلابي، فأنا ولله الحمد ما زلت أحمل الكثير في شخصيتي من نزعات الطفولة، وربما يكون هذا ما أضافوه إليّ ( الاحتفاظ بروح الطفولة ) .

ورغم سيرتي الحياتية المريرة والتي تحمل الاغتراب واللجوء والكد والتعب وغيره، إلا أنني ما زلت أعيش بذات النفس البريئة التي حملتها طفلاً، لا تحمل الخبث في التفكير أو المواقف وردّات الفعل كما يفعل البعض، وتعتمد العفوية والصدق، نعم كسبت منهم الاحتفاظ بالفطرة ولكن بحذر وخبرة .

واقترابي من الأطفال ونجاحي في التعامل معهم، لأنني عملت في جداريات المدارس منذ ثلاثين عاما وكنت أتعامل معهم باستمرار وبشكل يومي، وربما فعلا زادت عاطفتي عندما أصبحت بهذا السن والخبرة وتوقي الفطري للأحفاد.

 

*س7* من المُلاحظ توجُّهك لأدب الأطفال فقد أنتجتَ سلسلة (يوميات نانا للصغار. ستّة أجزاء. عبارة قصص   ٢٠٢٠) وكتاب (الفنان الصغير2021). كتابَي(حروفنا العربية) و (English letters) منهاجي تعليم الحروف العربية و الإنكليزية للأطفال.

 ففي رأيك أيّهما الأجدى والأهم: الكتابة للصغار أم للكبار؟، وهل كان الشاعر السّوريّ "سليمان العيسى" مُصيبًا في قراره؛ حينما تحول لشاعر الأطفال الأهمّ عربيًّا بعد هزيمة حزيران 1967؟.

طبعا مصيباً 100 % لأنه حفر اسمه في وجداننا منذ الصغر، وقد ذكرتُ في الإجابة على السؤال الأول ربما أنني اتجهت في ثورتي للبناء الداخلي وتكوين الثورة البنائية الخاصة، وتوافقا مع سني وخبرتي، آليت على نفسي أن أتجه للكتابة لأفرغ هذه الخبرة لتستفيد منها الأجيال القادمة.

ورأيت أن البناء مع الصفحة البيضاء للطفولة أهون وأكثر دواماً وفائدة زمنية، وأكثر عمقاً، فأنت تحفر بالصخر (أليس يقولون العلم في الصغر كالنقش في الحجر)، و في جلسة مع كبار الشعراء صرَّحوا بأن الكتابة للصغار أصعب من الكتابة للكبار، لأنه مطلوب منك أن تصيغ لهم السهل الممتنع البسيط والأسلوب الميسر والعمق بنفس الوقت، هذه رسالتي باختصار مع الصغار وأدبهم .

*س8* صدر لك مؤخرًا كتاب (أسس العمل الإبداعي 2022)، وكتاب (اللغة البصرية) في تعليم مبادئ الرسم. هل تعتبر نفسك مُعلّمًا أم فنّانًا أم كاتبًا؟، وأين يجد "عماد المقداد" حقيقته بين هذا كلّه؟.

(الباحث عن الحقيقة والجمال ) بكل أشكالها هو الأقرب لنفسي، فأنا فنان أولاً، وأصبحت كاتباً بعد أن اكتسبت خبرة حياتية من خلال الفن الذي تعلمت أن يكون انعكاس لمضامين ثقافية وحياتية متنوعة، ثم أصبحت معلماً بعد أن أصبح لدي مضمون نفعي أقدمه.

والفن أتاح لي الخيال والمراقبة أيضاً والقدرة على التأمل بعمق شديد، وكأنني أرسم لوحة دقيقة التفاصيل ولكن بالوصف الكتابي، لذلك أجد حقيقتي بالبحث المستمر عن الحقيقة ولا أتوانى أن أصدح بها.

لدي برنامج أسبوعي كل يوم جمعة الساعة العاشرة مساء اسمه (برنامج منارات مستقبلية)، أستضيف به أخي الباحث (أبوعبدالله المقدادي) على قناته في حوار حول قضايا عديدة، وكانت لدينا بالأمس حلقة امتدت لثلاث ساعات، وجدت حقيقتي أيضا وحقيقة خلق الله تعالى لنا، وذلك من خلال البحث العلمي والشرعي وإسقاطاته على واقعنا المعاصر، وتعلم قد ورثنا هذا الحب من والدي رحمه الله، وجدي العالم  (عثمان المقداد) ، ولا شك أنني استفدت طبعا من خبرة أخي الباحث وعلمه الغزير، وكل هذا أشعر به بالاطمئنان وأجد به ذاتي .

 

 

*س9* هذه الأيّام نحن في الذكرى الثانية عشرة من انطلاق ثورتنا السورية (15/3/2011)، في ظل الاختلافات والاختلاطات والمؤامرات والانكسارات، والأوحال الماديّة، والنفسيّة، والروحيّة للسوريين في الداخل والخارج. فهل برأيك هذه هنا نهاية المطاف، والعودة للمُربّع الأول الذي انطلقنا منه؟، وهل هذه نتيجة منطقيّة لحجم التضحيات الضخمة التي قدّمناها من أجل حريّتنا؟.

كما يقولون بالدارج (تعلمنا من كيس أنفسنا) ومن تضحياتنا الكبيرة واكتشفنا حجم الخداع في هذا العالم، وحجم المؤامرات أنك يجب أن تبقى تحت مسمى (العالم الثالث) وليس الثاني حتى، وهذا التصنيف وحده يحمل الكثير من الاحتقار للشعوب الذين كانوا هم المسؤولين عن توصيلهم لهذه الحالة بالأوحال المصطنعة.

مؤكد ليس هذا نهاية المطاف، بل أؤكد من خلال الدراسات أننا على شفا مرحلة انتقالية كبيرة تنتهي بها سلطة الحكم الجبري العاليمة وسلطة قرن الشيطان الإقليمي والذي تحالف على إهلاك الأمة بتزوير الدين، وتصدير حياة استهلاكية تامة تجعلنا نعيش في جحر الضب النجدي مدد طويلة، نأكل بعضنا ونجاهد بعضنا ونقتل بعضنا البعض.

قد يكون ما حصل نتيجة طبيعية لحجم الفساد والإفساد وليس لحجم التضحيات، فبالتضحيات تقوم الأمم وتُبنى من جديد، وكلما طال أمد التضحيات كبرت التربية.

 

 

*س10* ما هي رؤيتك لمنتج الأدباء والكتاب السوريين في المنافي بمختلف تجنيساته؟. وهل نستطيع وصفه أو تسميته بأدب الثورة السورية؟. وهل لك توصيفه برؤيتك الشخصية؟.

مؤكد أن الناتج ربما تعرض للغربلة والتحولات توازياً مع ما حصل، ويحدث خلال الـ 12 عاما المنصرمة، وكنتيجة ستفرز الظروف الجيد من الهزيل، ويبقى الأكثر صدقاً والأكثر نقاءً، والأوسع رؤية،

الأدب هو أدبنا وهو نتاجنا ويوسم بأدب الثورة السورية لأنه نتاج لهذه المرحلة الزمنية من الفتنة ووضوح الرؤية، وطبعا كلمة الفتنة لها مدلول واسع وأستعملها بهذا الغرض، أي تمحيص الناس وافتتانهم ليخرج منهم زيافهم، ويبقى صفوة الصفوة الذين سيقيمون الدولة القادمة والتي مؤكَّد ستتغير معه خارطة المنطقة وتعود بلاد الشام كتلة واحدة، بعد أن تتفكك وتتشرذم إلى قبائل (وهذه سمتنا التاريخية) وليست غريبة علينا، حتى يلتئم شمل لأمتنا العربيَّة الموَحَّدة.

 

*س11* حدث تغيير ديمغرافي داخل الوطن. بينما خارج الوطن، اللاجئون لا خيارات أمامهم إلا بانتظار العودة، أو إعادة التوطين في بلاد مختلفة الثقافة والأديان والعادات والتقاليد. فهلّا بوقفة للتأمّل: نحن أمام معضلة وجودنا أو عدم وجودنا، وقضية انتمائنا لسوريا وللعروبة والإسلام. فماذا لو أدليتَ بدلوكَ في هذه القضايا السّاخنة؟ وماهي أمنيتك لسوريا المستقبل؟.

وجودنا باقٍ بشهادة القرآن والسيرة النبوية ووعد الآخرة، وهذه الأمة التي تعرضت للتمحيص هي من سيحمل الراية غداً، ونحن اليوم لنا من النبوة قدوة وأسوة حسنة في هجرته وإعادة بنائه مدة لا تقل عما نحن به اليوم، ثم عاد فاتحاً، وكل الأنبياء الكرام تجد في سيرتهم شيء من هذا الذي نحن به اليوم، لذلك أنا اليوم غير قانط وغير يائس، بل أؤكد على السنن الكونية التي وضعها الله في الأرض في تعامله مع أنبيائه وشعوبهم.. سوريا المستقبل لن تكون كما هي اليوم مؤكد ذلك.

 

*س12* عماد المقداد. بكلمة أخيرة ما مشاريعك المستقبلية؟. وأين تريد الوصول؟.

مشاريعي الحالية واستكمالاً لفكرة الفنان الشامل الذي لا ييأس عن اقتحام كل جديد، وتعلم أنني درست الموسيقى صغيراً وأعشق التلحين منذ فترة صباي الأولى ولم أتوقف عن هذه الهواية وكان لدي استديو في الشام والكويت كما أسلفت، وانقطعت عن ذلك بسبب الحالة التي وصلنا لها في الهجرة وأيام الضنك.

اليوم أفتتح استديو جديد من خلال عملي، وأعود لتسمعوا أعمالاً موسيقية احترافية بإذنه تعالى تحمل القيم والمضمون الجيد، لعلها تساهم في طرد القبيح وإن بنسبة 1 بالألف، كل أذن تقومها بلحن أصيل تطرد تلقائيا النشاز السمعي الذي تعودته الأذن العربية اليوم . وللزمن دورات يدورها وبإذنه تعالى نحن مع دورة الأصالة الفكرية والثقافية والأدبية والفنية، نقوم على القطعة التي نستطيع تأديتها بواجبنا اتجاه هذه الأجيال التي هي أمانة في أعناقنا، أن نقدم لها كل ما هو أصيل وينتمي لتراثنا وحضارتنا حتى وإن كانت قطعة موسيقية . وأختم .. وأريد تقديم عميق شكري الجزيل لهذه اللحظات التي استدرجتني بها لأتكلم بصدق مع صديقنا وحبيبنا وقدوتنا في العمل والكد والبناء .

بوركت والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

..*..

 

** بطاقة تعريفية "عماد المقداد"

 

- عماد عبدالله المقداد/ تولد دمشق/١٩٧٠

- خريج جامعة دمشق/دبلوم كهرباء/١٩٩٣

-  *العمل الأساسي* : رسام جداريات متفرغ منذ ١٩٩٣ حتى اليوم .. رسم الآلاف من الجداريات التعليمية المدرسية ولوحات الطبيعة في عدة دول الكويت والشام والأردن .

- فنان تشكيلي مشارك بمعارض عديدة تجاوزت 25 معرض نال عنها التكريمات .. أهمها المعرض الشخصي الثالث بعنوان ( قارئة الفنجان ) في البيت الأدبي للثقافة والفنون/أحمد أبو حليوة/ والذي قدمت فيه دراسة مفصلة من الناقد الأردني/ عبدالرحيم الجداية وكان أشبه باحتفالية امتدت لست ساعات ..

- كُتب في أعماله التشكيلية مقالات ودراسات في عدة صحف عربية ومحلية .. جمعت في إصدارين من 350 صفحة ..

- معلم  مادة الرسم بمركز الأمل للتعليم التأهيلي/ ٢٠١٨ - ٢٠٢٠

- تولى تحكيم مسابقة منتدى الجياد السنوية للفن التشكيلي ٢٠٢٠

- أديب ومؤلف في الفكر الإبداعي وباحث في علم الاسكاتولوجي وقضايا الساعة ..

- رئيس تحرير مجلة نورك الثقافية  الالكترونية المتنوعة (صدر منها 11 عدد ) ..

*أهم تكريماته* :

- أوسكار جمعية نجم العربية الدولية عن مرور 30 سنة على احترافه العمل الإبداعي وتم بحفل إشهار آخر إصداراته ( أسس العمل الإبداعي) في المكتبة الوطنية/ عمّان / 2022

- وثيقة اتحاد شركاء النجاح الدولي / المكز الثقافي الملكي/ 2021

- درع الثقافة والفن / مقدم من الفريق الإبداعي الأردني /2022

 

  * *إصداراته من الكتب*  : 

 

في *الأدب والشعر* :

- ديوان (نغيمات الرحيل)2020

- ديوان ( ابن الشتاء ) مخطوط جاهز

*في مجال أدب الطفل*:

- سلسلة (يوميات نانا للصغار) ٦ اجزاء قصص ورقية ملونة ٢٠٢٠

- كتاب ( الفنان الصغير) ٢٠٢١

- عدة مخطوطات تحت التحضير مجموعة للأطفال ( ديوان براعم النور - كتاب تغاريد صامدة ( نظرة في أدب عبدالكريم نعسان) - تنمية مهارات الطفل الإبداعية)

و *صدر إلكترونياً للأطفال* :

- كتابَي(حروفنا العربية) و (English letters) منهاجي تعليم الحروف العربية و الإنكليزية للأطفال ملون ..

*في الدراسات الإبداعية والفنية* :

 - كتاب (دراسات وقراءات تشكيلية )دار الصايل/٢٠٢١

- كتاب (أسس العمل الإبداعي)/٢٠٢٢

- كتاب ( اللغة البصرية) في تعليم مبادئ الرسم /٢٠٢٢

- *صدر إلكترونيا* :

- كتاب أمثال وأشكال( تراث حوران الشعبي) 2022

- كتاب (ملامح النسيج التشكيلي) 2022

*جميع الكتب وإصدارات أعداد مجلة نورك متوفرة إلكترونيا (pdf) على موقع الفنان وبعضها مجاني* https://emadworld.com/

*  *لقاءاته* :

- ( الرافدين - أوريينت - الجسر - أبو ظبي - الشارقة - الغد - التلفزيون الأردني- التلفزيون العربي ) ولقائين إذاعيين مع (الإذاعة الأردنية - وإذاعة مجمع اللغة العربية ) ..

* *دراساته الخاصة* :

- دراسات شرعية في الفقه والعقيدة ودورة سنة في الأوقاف ٢٠١٠

- دراسة الهندسة الصوتية وإدارة الاستديو ٤ سنوات كورسات على النت / ٢٠٠٢م والمقامات الموسيقية و له عدد من التجارب والإصدارات في مجال الإنشاد للأطفال وأوبريت بمناسبة المئوية الأردنية ..

*لقبه* : يلقبه أصدقاؤه ( الفنان الشامل )

..*..

 

 

 

الخميس، 23 فبراير 2023

تقديم كتاب وقالت الصفحات

 (وقالت الصفحات) للمفكر والكاتب والمترجم محمد زعل السلوم.. سينشر في استنابول.. ألف مبارك..

وكان لي شرف كتابة تقديم للكتاب.. كما قمت بتنسيقه ومراجعته وإعداده للطباعة

=======


تقديم


الروائي – محمد فتحي المقداد


العالم يحتاج لإيقاظه من غفوته، وإنارة دربه بعض الرّجال المُميّزين الثّوريّين، وهم يحملون أقلامهم، ويثبّتون أفكارهم ورؤاهم على صفحة الكون، كأمثال  الكاتب والمحلّل السياسيّ (محمد زعل السّلّوم)، وفي كتابه الذي بين يديّ (وقالت الصّفحات)، وقفتُ على رؤى، وأبعاد فكريّة مستندة إلى وقائع تاريخيّة، وجغرافيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، جاءت ضمن سياق مقالات تحمل عناوين بدلالات عميقة السّبر  في أغوار الواقع المؤلم في سوريّة، وتداعيات مرعبة بمخرجات الحرب القذرة الأخيرة، التي قادها نظام أسد على الشّعب منذ مجيئه مع الفريق الطائفيّ المُتستّر تحت ستار القوميّة في عام 1963.

وحسب عالم الاجتماع الفرنسيّ (غوستاف لوبون): (فإنّ عقليّة الجماهير تتميّز بالسطحيّة، والضّعف في المُحاجّة العقليّة، وضعف قدرة الحوار المنطقي. وأمّا عواطف الجماهير وأخلاقيّاتها، تتميّز بسرعة الانفعال، وسرعة التأثّر والسّذاجة العقليّة، وإمّا تكون مُعقّدة أو بسيطة، وأيضًا تكون مُتعصّبة مُستبدّة).

من هذا المُنطلق رأى (محمد السّلّوم) الكاتب والمُترجم، أن يُثبت في مقالاته أن الحقائق بإسقاطاتها التاريخيّة، وتطبيقها من خلال نظريّته على نهج دكتاتوريّ، حين اختلفت جماهير الشّعب السّوريّ ما بين مُؤيّد، ومعارض، وحائر في المنطقة الرماديّة. فإذا فقد الأمل من حالة التذبذب، فقد كتب وأرّخ، وأظهر، وأبان، ونفض غبار الأيّام عن كثير من المجهول والمخفي، والمسكوت عنه من الأكثريّة الصّامتة، مقابل أن تكون على قيد حياة فقط. وعلى رأي من يقول: (كُنّا عايشين). 

محمد السّلّوم بجرأته أراد أن يكون منبرًا، يعلو صوته ليُخاطب العالم في الحاضر والمستقبل. ومرآة نظيفة صافية تعكس دواخله بشفافيّة الباحث عن الحقيقة، من خلال معطيات، ووثائق، وإحصاءات، وحوادث، ووقائع، بنظرة خبيرة صنعت مما تقدّم تقاطعات، ربّما فسّرت أشياء غامضة بلا أثر دالّ على شيء من دروبها.           

كلّ ما كُتب هو جزء بسيط جدًا من الحقيقة، وما قالته الصّفحات وأثبتته إنّما هو خط بسيط في سبيل الباحثين عن الحق.

وعلى رأي الشاعر (محمود درويش): (ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشّهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل. لا أعلم من باع الوطن، ولكنّي رأيتُ من دفع الثّمن). ستبقى سوريّة هي هي..!! وإن جار الزّمان عليها، ولكنّها كبوة.. وستنهض من جديد، ولا شيء يدوم.  وختامًا فإنّ في التّاريخ عبرة. ومنهاج. على اعتبار أن كتاب (وقالت الصّفحات) سيكون هو التاريخ مٌستقبلًا.


الأردن  - عمّان

ـــــا 22 \ 2 \ 2020

الثلاثاء، 21 فبراير 2023

باب القانون

 باب القانون


حديث الذكريات

بقلم- ( محمد فتحي المقداد)*


يحكى أن أحد رجالات بصرى الشام، يدعى أبو عبدالغفور، كان طويل القامة باعتدال مهيب، ووجهه الصبوح كالقمر، يحترمه أهل القرية آنذاك، لما يجدون فيه من الدماثة و حُسن الخلق، وطيب المعشر، وحلاوة لسانه التي تقطر عسلاً، يتميز برأيه السديد، ودرايته في أحوال الحياة بشكل عام، وقد أعطاه ذلك ميزة طلاوة الحديث، بحيث يشدّ سامعيه، ولا يستطيعون ترك حديث أو الانصراف عنه. 

قيل: أن أحد أولاده ويدعى اسماعيل في مقتبل عمره، وحرارة الشباب، رأى أنه من الخير له أن يسجله في الجيش، ففي تلك الأيام كان الفقر سيد الموقف (فترة الستينيات) من القرن المنصرم،  فحياة الفلاحين القاسية، جميعهم يعملون في الأرض البعلية، المعتمدة على مياه الأمطار فقط. 

*** 


ابتدأت حياة الشاب اسماعيل العسكرية في مدرسة الرتباء، قساوة التدريب، و النمط العسكري الجديد كُليّة عليه، جعله يتأفف، لعدم انسجامه بداية عندما انتقل من بساطة وطيب أهل القرية، إلى هذه المدرسة العسكرية، بعد طول تردد، أخيراً قرر فيما بينه وبين نفسه، أنه في أول إجازة له، لن يعود إلى هذا المكان مهما كلف الأمر. 

والده كان يرى في هذه الخطوة ناحية إيجابية، بحيث أن ابنه سيصير موظفاُ عند الدولة، وكانت الوظيفة حلم الكثير من أبناء الريف، فنسبة البطالة العالية، وصعوبة الحياة، جعلت الشباب يتوجهون بأعينهم صوب الهجرة للعمل في ال=زيرة السورية، أو لبنان، والقليل منهم من إلى دول الخليج.

*** 

رفعت مذكرة بحث باسم اسماعيل، وعُممت على كافة وحدات الشرطة العسكرية، التي تقوم بدورها بملاحقة العسكريين الفارّين من الخدمة، واقتيادهم إلى سجن تدمر العسكري، بعد عرضه على قاضي الفرد العسكري.

بدأت ملاحقته عندما وصل اسمه لمفرزة الشرطة العسكرية في درعا، ولما لم يتمكنوا من القبض عليه عندما داهموا بيتهم في القرية، فتواري عنهم من خلال الصعود على سطح المنزل، والهروب عبر أسطح بيوت الجيران المتلاصقة و الخروج من حارة أخرى، بعيدة نسبياً عن بيتهم، عادت الدوريّة أدراجها خائبة من القبض عليه، رغم أنهم في طريقهم قبضوا على بعض الشباب الفارّين ا, المتخلفين عن الخدمة من الأحياء الأخرى، او القرى المجاورة. 

*** 


الوالد أبو عبدالغفور، أحسّ بالمصيبة الكبيرة التي وقعت عليهم، فما كان منه، إلا أن حزم أمره، وقرر الذهاب إلى دمشق من أجل حل قضية ابنه، والتي بحاجة إلى وساطة نافذة لحل المشكلة. 

سأل كثيراً، واستفسر، وفهم من هو الشخص الذي بيده الحل، فقالوا له وزير الدفاع، ونصحوه بتقديم طلب لمقابلته، وعليه الانتظار لمدة أسبوع، وبعدها يراجع، ويكون على موعد مع الوزير.  يلبس عباءته، وهو بكامل هيبته، و وقاره، وبساطته المليئة بعزة النفس و الأنفة، بعد أن قرع العسكري الذي يمشي أمامه باب المكتب، قال له: تفضل يا حاج. بعد أن ضرب التحية، واستدار خارجاً من الباب. 

- أبو عبد الغفور: السلام عليكم، يا باشا. 

- الوزير: وعليكم السلام، أهلا وسهلاً، تفضل يا حاج.

- أبو عبد الغفور: (يا يابا أنتم دولة كبيرة، و بتفهموا، وعقلكم كبير، حاطّين راسكم براس اسماعيل؟، نحن جبناه لعندكم حتى يتعلم، ويصير من الأوادم).

- الوزير: باستغراب واندهاش..!!، من اسماعيل يا حاج، وما هي قصته.

- أبو عبد الغفور: اسماعيل، هو ابني، جاءت الشرطة العسكرية تبحث عنه، وعلمتُ أن الوحيد الذي بيده الحل هو أنت. 

- الوزير: والله يا حاج هذا هو القانون كما تعلم.

- أبو عبد الغفور، نظر ملياً في وجه الوزير، وقال: (يا يابا افتح باب القانون فوِّتْ ابني، وسكِّر - أغلق – وراه الباب، مين داري عنّك؟.).

- الوزير: حار في الرد على بساطة منطق الحاج، ولما لم يجد بُدّاً، قال له: هذا توقيعي, بأمان الله.

      (من مجموعتي - يا ما حكوا)


عمّان \ الأردن 

21 \ 2 \ 2016

الأحد، 19 فبراير 2023

كتاب رجل آخر



قراءة في المجموعة القصصية "رجل آخر" للقاص "أحمد أبو حليوة"


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


   في لقاء أدبي خُطِّط له مع الأستاذ القاص "أحمد أبو حليوة"، للاشتراك بأمسية أدبية جمعتني به، بالإضافة للشاعر الشاب المُتأجّج شعرًا "محمد كنعان"، ومع الكاتب الواعد "رائد العمارات"، وكان ذلك بتنسيق من الشاعر الرائع"أحمد الحشوش" في منطقة "غور الصافي" بتاريخ 2023/1/19، متعة التسامر مع الأصدقاء حطّمت طول المسافة، وقرّبت عهدنا بمعرفتي بهم بعمق أكثر، بالطبع إلّا "أحمد أبو حليوة" الذي عرفتُه منذ أعوام خلت.


   النّسخة الوحيدة كانت بيد أحمد، ليقرأ منها ما اختار من نصوص قصصيّة له، وكأنّه استشفّ ما بنفسي من شغفي لقراءته قصصيًا، من خلال عمل متكامل للعديد من النصوص التي تحمل سمات ونفس الكاتب؛ فتفضّل بإهدائها لي، وما لم يكن بالحسبان بأن هذا الإهداء كان بمثابة تكليف ضمنيّ لي بالقراءة؛ للبحث عن ذاك الرجل الآخر، بعد أن كتب أبو حليوة بخطّ يده على الصفحة الأولى من مجموعته القصصية إهداء لي نصّه: "إلى صديقي القاص والروائي محمد فتحي المقداد، أهدي عملي القصصي هذا، علّكَ تجدُ فيه ذاك الرّجل الآخر".


عتبة العنوان:

العنوان هنا جملة اِسميّة مُكتملة البناء من مبتدأ محذوف وكلمة "رجل" خبر للمبتدأ المحذوف "رجلٌ آخر"، وكلمة "آخر" هي نعت للرّجُل؛ فهي ذات بُعد دلاليّ على رجل ما غير معروف ليكون مُعرفًا بأداة تعريف، ولكنها مُنكّرة، والتنكير نحويًّا يأتي للتكثير بفتح آفاق أكبر للتدليل على رجل من رجال كُثُر. والإشكالية الأخرى في كلمة "آخر"، فمن هو الرجل الذي نبحث عنه، ولم يُعثَر عليه أو معرفة أي خبر عنه، ليُدخلنا العنوان بكلمة "آخر" في تساؤلات أخرى. 


   يعني ذلك أنّ البحث لم يتوقّف رغم معرفتنا بجنسه أنّه "رجل"، وستمتدّ رحلة البحث المُضنية عن ذاك ال"آخر"، فمن هو هذا الآخر، وما هو شكله ولونه وكنهه، وعمله وعمره، وشهادته وذوقه، وووو...، لتُسلمنا هذه المفردة إلى ما لا نهاية من الاحتمالات الواردة، بتجريب جميع التّخمينات والتأويلات، ربّما تكون سليمة من جهة، وبعيدة من جهة أخرى، ولكنّنا  بصدد مجموعة قصصية اتّخذت من الجملة الاسمية "رجل آخر" عنوانًا لها، فلن نستطيع البحث إلّا في النصوص والعناوين الداخليّة لكلّ نص، لأنّ مجال البحث سيكون بين الكلمات والأفكار والرسائل التي أراد إيصالها القاص "أحمد أبو حليوة".


 نظرة على الكتاب:


   سيجد القارئ نفسه وجهًا لوجْهٍ أمام عشرين عنوان نصٍّ قصصيّ، ذات مضامين واقعية ببعدها الاجتماعيّ، جاءت مليئة بالهموم الثّقيلة والأحزان والأفراح، بالآمال والأحلام، ولم يغب البُعد للوطني والنّضالي للقضيّة الفلسطينيّة، قضيّة العرب المركزية، فالبحث عن رجل في كومات الحياة ليس سهلًا، وعلى الأخصّ إذا كان هذا هو النُسخة عن الكاتب المسكون بقضايا أمته ومجتمعه، حدّ الغرق في مستنقع القاع الاجتماعيّ، بمشاكله وهمومه المُتناسلة على الدوام ولا تنتهي أو تتوقّف. 


   جميع النصوص ذات أبعاد إنسانية بآفاقها الرّحبة، وبتسليط الضوء على قصة "سباريس" وهي كلمة تعني أعقاب السجائر بعد رميها عند انتهاء المُدخّن من سيجارته، فإنّنا أمام نصّ مُبكٍ برؤية الأولاد المُتسرّبين من المدارس، والانحرافات والشذوذ، نتيجة الفقر والتفكّك الأسري، وضياع الأجيال وانحدراها في مهاوي السرقة والمخدرات والانتهاكات والتحرّش في ظل غياب الأسرة ودورها التربوي. 


   والعنوان الأخير في قائمة فهرس المجموعة بعنوان "الأم" وهو عبارة عن سبعة نصوص للقصّة القصيرة جدًا (ق. ق. ج) مليئة بالحزن والشّجن، لتمحورها حول الأم ومرضها، وموتها، وافتقادها وفقدها.


الجمل المفتاحية:


•  "استشهد في زمن مجهول ومكان مجهول، وعلقت صوره على جدران المخيم التي تعجّ بالصور، وقيل إنّ الفلسطينيين عندما يحررون أرضهم -كلّ أرضهم- سيقيمون نصباً تذكارياً في القدس لهذا الرجل، يطلقون عليه نصب الجندي المجهول" ص13.


•  "رأيت جزءًا كبيرًا من المدينة المترعة بالأضواء، جزءًا يغريك، يحرك فيك فطرة الشهوة لمشاهدة امرأة نصف عارية، تؤكد لك أنّ الإغراء أكثر لذة من العري" ص21.


•  "كيف يفرح الفقراء" ص22. 


•  "حسب الجميع أنّني صغير لا أعرف حجم ما فقدته، فجدتي كانت أمي وأبي بعد رحيل والدي مع رجال المقاومة من أجل استرداد الوطن، وزواج والدتي من رجل آخر غير مكترث بأمر الوطن" ص69.


•  "سيدي الجنرال.. عندما تملك الكاريزما، أنت لست بحاجة إلى كلّ هذه الخطابات، سيصدقون كلّ ما تقوله، لأنّك تقول ما يريدون أن يسمعوه، وإن كنت تقول ما لا تصدقه" ص25.


•  "تتلوى الدروب على الدروب صعودًا ونزولًا، يمنة ويسرة، كأنثى شرقية تجيد فنّ الرقص، أو أفعى تنساب باسترخاء على رمل بحر، على حصى نهر، جففته إرادة الرب عام قحط" ص35.


•  "الوطن سطح ساخن مع الفقر والقمع" ص41. 


•  "هو الواقع الذي دفع صعاليك الجاهلية لغزو مخيلته، وجعل الغجر الرحّل ينصبون خيامهم على فسحة ضيّقة من عقله، لم يطأها تفكيره من قبل، ثم يرحل معهم إلى مدينة أخرى، لا تعرفه، ولا ذاكرة له فيها، يفتح معها صفحة جديدة لرجل آخر، يتصفّح الجريدة، فتستوقفه ملامحه، وقد كُتب أسفلها: خرج ولم يعد" ص45. 


•  "يقشر حبات الصبر بصبر وبسكين صغير وبكفين عاريتين إلّا من المرارة والحاجة، يزيل ذاك الجزء الضار المليء شوكًا بأصابعه البريئة المحكومة بالأشواك" ص 49.


•  "ما فائدة العلم إن كنتَ معدمًا؟! ما قيمة الوظيفة إذا بقيت فقيرًا؟! الثروة في هذه الأيام هي المال، مصدر الراحة والمتعة" ص 58.


• "علمت منه أيضًا أنّه يكره المدارس لأنّها تشبه السجون، إذ لها أسوار عالية، وأبواب حديدية كبيرة وحراس من المعلمين والطلاب. قال لي: أنا أعشق الحرية، والعيش في هذه الحياة بلا قيود، الحرية شيء جميل يا صديقي، ولكنّه مُخيف أيضًا" ص58.


•  "إنه أمر موحش ألّا تجد من ينتظر عودتك في هذا العالم !" ص 58.


• "لا أحبّ ذكر الماضي وتذكره، المستقبل وحده الذي أعيش من أجله، وأريد أن أتحدّث عنه وأحياه" ص58.


•  "لا أطيق الطيّبين لأنّهم يثيرون الشّفقة، فالكُره والشّفقة لا يلتقيان" ص59.


•  "في هذا الزمن باتت الأنانية مفروضة على الجميع، إنّها سمة العصر أيّها الأحمق" ص60.


•  "احتضنتُه فأعطى مساحتي الضيّقة أفقًا ومدى، وملأ جدراني الأربعة حياة تضجّ بأولئك الذين يعشقون القماش، ولا يعرفون إلّا ارتداء الملابس المُفصّلة" ص65.


•  "هكذا هم الكبار كثيرًا ما يقترفون جرائم بحقّنا –نحن الصّغار- دون سلاح ودون دماء ودون أدنى تأنيب ضمير" ص70.


•  "في البورتريه علينا أن نُنطق الصّمت" ص 76.


• انظري نحو أفق المدينة، وحاولي بنظراتك أن تحتضني أرجاءها كافّة، أن تُلخّصي الماضي والحاضر في هذه النّظرة" ص76.


•  "الضحكات الصفراء... هكذا تقول أمّي عن ذاك النوع من الضحك الماكر الخبيث المشوب بخضرة عفن الخبز" ص85.


•  "كانت مُخيّلتي تنتقل مع ساعي البريد بين هذا العنوان وذاك" ص 95. • "بقيتُ واقفًا مكاني إلى جانب ظلّي المدهوش مثلي من كلّ ما جرى حوله وحولي" ص95.


•  "سمحتْ له ذات خريف أن يُرسل أصابعه سرب حمام يُحلّق بين غيوم شعرها النّاعم كعشب والمُنساب كنهر" ص 100.


•  "تساقطت دموعها نحوي، شعرتُ أنّ أعشاب الأرض البريّة كلّها تجمهرت على مساحة قبري" ص101.


الخاتمة:


ختامًا من يقرأ المجموعة القصصية "رجل آخر"، يودّ متابعة المزيد من النّصوص، وذلك للتحصّل على فائدة ومتعة القراءة، خاصّة بالتركيز على اللّغة السليمة التي صيغت بها القصص، بلهجة تضجّ بالصدق، بعيدًا عن التصنّع والبهرجة والتزويق، وبأسلوب سردي بسيط، أي بمعنى السّهل الممتنع، الذي استطاع المؤلف من خلاله إيصال رسالته بسهولة، رغم أنّه ليس من السهل أن تستوي جميع النّصوص بنفسٍ قصصيّ مُتقن، كما هي في المجموعة القصصية "رجل آخر" للقاص أحمد أبو حليوة. 


عمّان. الأردن


20/ 2/ 2023


*******

أحمد أبو حليوة 

قراءة نقدية عميقة في أتون مجموعتي القصصية "رجل آخر"

   شكرًا لصديقي الرائع الروائي والناقد السوري محمد فتحي المقداد، وهو يشرع الباب بكلّ عمق وألق على مجموعتي القصصية "رجل آخر" التي صدرت قبل ثمانية أعوام، حاملة الكثير مني، وأنا الذي على الدوام مسكون بي وبقضيتي الفلسطينية وبمن حولي، أقلّب الحياة إبداعيًّا قليلًا بحكم انشغالاتي الكثيرة، ولكنّني أحيا الحياة حياة بكلّ ما أوتيت من أنفاس زكية مختلطة بغبار الدروب، التي أخيطها سيرًا على الأقدام كلّ يوم، وأنا العاشق للمشي، حدّ اعتباره أحد ركائز قوتي، وأنا السعيد بهذا العمر الذي لي، رغم هائل التعب الذي مررتُ وأمرّ به، ولكنّها القبل التي تأتيني من حين لآخر من هذا الإنسان أو ذاك، ربما بذات القدر من الصفعات والطعنات التي أتلقاها من صديق خائن لعهد الصداقة بين فترة وأخرى، ومع ذلك أمضي وسأمضي ما دمتُ حيٍّا نحو هذا الكم الهائل من الأهداف السامية، التي أمارسها غير مبتغٍ منها شهرة، بقدر ما أريد الموت بسلام، وبابتسامة أتركها على وجهي ساعة الاحتضار، كي أقول لكم: إنّ الحياة جميلة ببعض من فيها من البشر الهائلي الروعة والإحساس بك أو بأبطالك، الذين لم يكونوا مجرد حبر على ورق، بقدر ما كانوا بالنسبة لك هالة من مشاعر فيّاضة، وإحساس كبير بألمك، الذي اختزلته إبداعيًا كي تقدمه حلوى طازجة على شكل قصة، يتناولها الآخرون قراءة لك، فتبقى روحك في بعضهم قاصًا أو بطلًا أو عبارة لا تغادرك ولا تغادرهم.


   شكرًا حبيبي محمد على هذا الجهد الكبير والوقت الثمين الذي منحتَه لي كي تقرأني بكلّ هذه القداسة.


#أحمدأبوحليوة


https://www.addustour.com/categories/3-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9?type=archive


******


 ﺍﺣﻤﺪ ﺍﺑﻮ حليوه: يااااااه يا صديقي القاص والروائي الكاتب العزيز محمد فتحي المقداد... أنا لستُ كلّ هذا... بل أنتَ أكثر من هذا، وأنتَ تدهشني بي وتحدّثني عنّي، فأتعرف من خلالك عليّ.


أنا مدين لك بما أنا فيه الآن من فرح، وما أنا عليه من حالة السعادة التي غزت قلبي، كما تغزو فؤاد طفل، عرف للتو أنّ العيد غدًا.


مهما كبر مقامنا كأدباء، نبقى صغارًا في حضرة السرور والحنين، وهذه الرغبة الداخلية العميقة، بأن نُقلَّب ككتاب مفتوح وعتيق وعريق من جديد، من حين لآخر، كنقش فرعوني علاه الغبار الذي أزيل للتوّ من قبل مستكشف، يدرك قيمة الأشياء، فيعيد لها بهاءها الآفل، فتعاود سيرتها الأولى في الألق والتألق، كما لو أنّها القبلة الأولى لحبيب عذري على جبين محبوبته الغافية كحورية على سرير قلبه وحجرة حلمه.

تقديم لكتاب وقالت البحيرة

 تقديم لكتاب (وقالت البحيرة. تأليف الأستاذ خليل النابلسي)

عند البُحيرة يبطُل الكلام، وتحارُ الدّهشة كيف ستتفتّق في ذهن الإنسان المتبتّل خشوعًا في حمِاها. الماء و الخُضرة والوجه الحسن، هناك على ضفاف بُحيْرة المزيريب، ما زالت تصدح خيول خالد وأبي عُبيدة طارقة أبواب دمشق منذرة بعهد جديد. 

ليس من غريب الصّدَف أن يكون لي شرف تنسيق وإخراج، ومراجعة هذا السِّفر الأدبيّ الرّاقي، لأستاذنا خليل النّابلسي الابن البارّ  للبحيرة، وهو يروي لنا ما جادت به ذاكرته عنها، ولم يأل جُهدًا في بثّ همومه وشكواه من صميم قلبه المُتعب المُعنّى لبعاده عن تراب المزيريب الوطن المُصغّر، وهو مشتاق لجرعة من ماء البحيرة ليبلل بها قلبه وروحه.

جاءت مقالاته بصبغة أدبيّة يحوفها الصّدق العاطفيّ، وهو يحكي قصّة اللجوء، المكلّل بهموم الأمّة، بصبغة تربويّة إصلاحيّة وتعليميّة، ديدنُها الصّدق والإخلاص. وهو الذي قضى دهرًا من عُمُره مُعلّمًا وهاديًا للأجيال.  ــا 20 \ 2 \ 2019

الرّوائي – محمد فتحي المقداد

نداء القمر

 نداء للقمر ..


بقلم (محمد فتحي المقداد)

2016

قمر غاب زماناً طويلاً..

نسي أن يمرّ بقريتنا .. 

يبدو أنه فقد بوصلته .. 

ضياهُ افتقدناه.. 

نحن .. من نشتاقه

نترقبه كل شهر, مذ كنّا صغاراً. 

هذه السنة طال انتظارنا, وأعتمت ليالينا.

وأشباحٌ لاحقتنا في مناماتنا .. 

أغرقت وسائدنا دموعاً.


... *** ...


يا أقمار الشرق.. أخبرن قمر الشام.

أن يعود من جديد.

لينير ليل عَثَرِ التائهين.

ضياه حياةٌ في قلوب الحيارى.

نوّرَ دروب الحق و الهدى المبين.

علَّ سالف الأيام يأتلق في عيون السالكين

ينظم عقوداً من لآلئ النور 

يَشِعُّ في غرف الثكالي, و الأيامى, والمساكين. 


... *** ...


أطفِئ سراجك إذا أشْرَقَ القمرْ.

كَوَجْهِ حبيبتي يُداعبُ النّسيمَ في السّحَرْ.

يُرتّل لحنأ يُراقِص السّنابِلَ حَيَاءً في غفوةِ البَشَرْ.

و يَسْكًبُ السّلامَ أنهاراً تُطهّرُ الأَدْرانَ و القَذَرْ.


بصرى الشام

تأملات قرآنية