السبت، 30 أكتوبر 2021

كتاب ظلال من ورق. جيهان الكردي

 

لصحيفة آفاق حرة:

 

بطاقة تعريفية بكتاب

"ظلال من ورق" للأديبة السورية "جيهان الكردي"

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

المقدمة:

التوهُّج الذاتي عند "جيهان الكردي" الذي سطرته من خلال كتابها "ظلال من ورق" جاءت خواطره بمنثورها الأدبيّ، بمستويات ذات ذوق أدبي رفيع، على محمل لغويّ متشابك بمعانيه وأفكاره الظّاهرة والخفيّة، لتكون مُحفّزًا ذهنيًّا للبحث عن الغايات والأهداف، ذات البُعد الإنساني الأشمل والأرحب، عندما خرجت من شرنفتها لتُعانق الحياة بفصولها الأربعة، وتلفت الانتباه للجمال والبهاء والنقاء، والإشارة إلى مواطن الحبّ والسعادة فيها. خالفت بخطواتها تلك ممّا هو سائد على السّاحة من كتابات تمحورت حول الفستان الأحمر والأصفر، وما يُعاب عليه من التشرنُق على الذات، وبناء عالم نرجسيّ حول الذات المُتحوّلة إلى حالة مرضيّة.

 

اللغة:

متعة القراءة لا تُضاهيها متعة، وهذه حقيقة لا جدال ولا مِراء فيها، ودواعي جلب هذه المتعة عديدة وكثيرة، من الفكرة إلى الصياغة إلى اللغة العميقة، وطريقة استخدامات بمهارة فائقة، لافتة الأنظار إليها، وهو ما يُنبئ عن نليه بصراحة وجلاء في كتاب "ظلال من ورق"، يأخذ القارئ إلى حالات تأمّل صوفيّة للوقوف على ناصية دروب النصوص في الكتاب.

 

العنوان:

"ظلال من ورق"، والظلُّ آية من آيات الله العُظمى، والظلّ لا يتشكّل إلّ لكتلة ذات حجم وأبعاد وشكلٍ مُعيّن، والظلّ انعكاس الجانب الآخر المُغاير للضوء، والضوء لازمة أساسيّة لتشكيل ظلٍّ ما. إشكاليّة انرياحيّة دافعة للحيرة التساؤليّة، بتحويل المفهوم الفيزيائيّ "للظلّ" من معناه المعنويّ الذي لا يعدو أن يكون لونًا أسودًا، إلى واقع ماديّ ملموس. الأمر الدافع للتفكير باتجاه آخر يُكنّى عنه ب"الهياكل الورقيّة" أو"الكرتونيّة"، ذات هشاشة غير قادرة على الثبات حتّى في وجه نسمة لطيفة، وهو ما بيّنه الفصل الثالث من الكتاب "ورقات الغيم في أيلول"، وقضيَّة التساقط والتعرّي، وفضح المستور والمسكوت عنه. حينها ندرك أن "الظلال" كان من ورق خفيف الوزن، كورقة دفتر، أو ورقة تساقطت من شجرة، لتكون في مهب الريح تُحركها كيف شاءت، وأينما أرادت. وهذه الظلال تكاد أن تكون عديمة الجدوى، لأنها بلا أساسات تُثبّتُ كينونتها. وهذا المنحى خلاف الظلال الوارفة بثباتها خلف الكتلة المُولّلدة لها على الدوام.

 

مواضيع الكتاب:

جاء الكتاب بتقسيماته ذات الفصول الستّة، لكن الفصل السادس وصف بأنه الفصل الأخير. ولكل فصل وصف بين قوسين.

-الفصل الأول: (رسائل إلى لا أحد)، فإذا كانت الرسائل الثلاثون فكأنها إشارة لعمر الأديبة جيهان، فإنها لا شكّ أنّها خاصّة ملئية بالمشاعر والأحاسيس والأحزان، والآمال والطموحات المنثورة هباء على أعتاب وطن جريح، وهي رسائل الربيع، وما هو إلا الربيع العربيّ:

وهذا ما فسرته الرسالة الخامسة بوضوح تام:

"هل فكرت يوما إن كانت أحلامنا متشابهة؟ هل حلمت بسجدة في رحاب الأقصى، وصلاة في الجامع الأموي، وابتسامة سلام في بغداد، وتنهيدة نصر على شواطئ بيروت؟. هل حلمت بأنك تحرر الأهرامات من قيود فرعون؟ وتربت بيديك هل حلمت بعيون صنعاء تصافحك بذاك النور الذي ينبعث من عيني الشمس؟. على أكتاف طرابلس بعد شفاء.

وبعقد تجمع حياته الزمردية من الجزائر والدار البيضاء وتونس، سيكون أثمن هدية تهديني إياها..! هل حلمت بتلويحة قلب عند الكعبة المشرفة وتحية روح في المدينة المنورة؟ وبثوب مطرز من نقوش الخليج الجميلة مع نفحة أندلسية تجعله غلافا لكتاب "كيف توحد العرب ؟ " الذي سوف توقعه أمام تمثال الحرية في واشنطن وأمام انعكاس الأضواء من برج إيفل في باريس؟ وعلى إيقاعات ساعة بغبن في لندن؟ وفي إحدى شوارع روما الجميلة؟ وفي سفينة يلتف حولها شغف النوارس في أسطنبول؟".ص١٤.

وفي الثاني من الفصل الأول: سبعة عشر بوحًا، والبوح الداخلي محاكاة للنفس، والبوح للمحيط الاجتماعي، والبوح لا بد أنه ذو رسائل؛"فقالت جيهان في (ما لم يقلة اللوز في نيسان) كل ما تطمع به وتطمح إليه بقية أشجار الفاكهة وفي كل الشهور. فمن طفلة يغريها اكتشاف ضحكات المطر في رؤيتها الأولى له إلى ناضجة تطلق أسراب الدموع لمراقصته، وبين حواريات وجداريات تأخذنا الكاتبة في دوامة شهية حيث نخلع عنا أقنعتنا في حضرة مرايا نصوصها". غن صفحة الغلاف الأخيرة.

-الفصل الثاني: وهو (اعترافات في ضوء القمر) عشرون اعترافًا، والإشكاليّة أنها اعترافات في ليل وظلام، وربما حاءت في ليالٍ مقمرة. وهذا مثار تساؤلات ذات أبعاد مليئة بالخوف والهواجس، ففي الاعتراف الثالث عشر:" دعني أغامر إذًا.. عساي أعثر على وطن أضعتُه.. وملامح لحارات ومدن تسكن ذاكرة وجعي" ص٧٣.

الاعتراف العشرون وفي ختامه: " وتساقطت الكتب والأوراق، وألوان الدمعة، وأقلام الحنين، تساقط الورد والحبر والفخار، ورحلا ذائبين في خطوط الظلام، على صوت

نحيب القمر وتقطر دموع ضيائه"ص٨٨.

-الفصل الثالث: (ورقات الغيم في أيلول) وهن عشرون ورقة، جاء على شكل رسائل متبادلة بين (هي.. هو)، وذلك بعد الاعترافات السابقة، وبالاقتباس تتبين هوية هذه الأوراق: "غايتي..هل أخبرتك من قبل أنك تشبهين البلاد العربية؛ واضطهادها وجمالها وطغيانها؟. بأحلامها وجنونها / من قال أن الحب يعترف بالكال؟ الحب يعترف بالبشرية، عيوبها وحسناتها، أن تحب محبوبك على علاته" ص٩٧.

"أنا أنا وأنت فلن ترحل! سيرحل الخريف فقط! وسنبقى حكاية كتبت * على جدران القلوب، حكاية لا يعرف أبطالها، ولا حتى أساؤهم، حكاية | تتخطفها الألسنة، وينشغل بها المحبون، دون أن يكون لنا نصيب من خبرها". ص١١٧

-الفصل الرابع: (أسراب الدموع تراقص المطر) عشرون رقصة أثّثت بأفكلرها مساحة هذا الفصل، فتقول جيهان:" عاد الشتاء حاملا مع كل قطرة ألف حياة، معاندًا جفاف رحيلك، مقاوما غبار الخيبات، في الأمس مشيث تحت المطر، تناولت الحب من يد السماء، وابتسمت له!". ص١٢١. وتقول أيضًا: "كل شيء ذهب! اللوز والربيع والقمر وأيلول! وما بقيت سوى الأحزان، تعاندني عن ركوب الأمل والإبحار مجدداً في بحر الحياة". ص١٢٦.

الفصل الخامس: (إلى ظلّي الآخر) وهي كذلك عشر رسائل تتبين بعض محاورها، بتتبع شيء من أفكارها وهو ما في الرسالة الثالثة: "هل تنام الظلال حين ننام؟ هل تأوي إلى أحلامها باكية تزخرف بالدمع وجه وسادتها مثلنا ؟ أم أنها تهرب من أوجاعنا باحثة عن ركن عن مخبأ، أو ربما عن ظل آخر تأوي إليه بشجونها وجنونها وفراغاتها، تمشي على رؤوس أصابعها بينما نحن غارقون في قصصنا وتنزلق خارج أسوار دموعنا، لكنها لا تدرك بأننا لن نمانع الهرب معها إذا ما خيرنا، فإن كنت يا ظلي العزيز لا بد هارب دعنا نهرب سويا فتعثر على ظل يرافقك وأعثر على روح تشبه روحي! لا تدعني دون ظل يغطي تفاصيل الحكاية، لا تترك حروفي عارية دون ظل معنى يهبها جمال التخفي.!". ص١٥٩

-الفصل الأخير: (شجرة الحب)، أربع عشرة ورقة، بالتوقف عند أول واحدة منها للاستدلال بمحتواها الفخم:" أكاد أشفق على القلوب التي لا تبصر معنى الجمال في آيات الله، ولا أقصد ذاك المعنى السطحي الذي لا يحمل سوى الانبهار اللحظي، بل أقصد المعنى الذي يأخذك بكليتك إلى عمقه، وتعلم أن اندهاشك لا يتوقف عند هذه اللحظة بل يمتد عميقا في روحك فتصبح أنت منه على حالة دائمة من التفكر والتسبيح، وكما ورد في الكتاب العزيز: "ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"، فلم يقل يفكرون بل قال يتفكرون، وكان التفكر حالة مستمرة من التحديث حول ما يبصره قلبك ولا أقول عينك، لأنك هنا تراه بقلبك، فأنت ترى الغروب وتتفكر في هذه الصور، ثم في يوم آخر تتكشف لك معان جديدة رغم أنه نفس الغروب، وهكذا كل مرة" ص١٥٩.

الخاتمة:

متعة التطواف بين ثنايا كتاب" ظلال من ورق"، والتنقّل من فكرة إلى فكرة، جعلت مغادرته تبعث الأسى الموجع في قلب القارئ، خاصّة عندما يستشفّ الوجع والألم الممضّ في قلب والكاتبة" جيهان الكردي"، التي رمّزت له بحرفيّة أدبية عالية المستوى، بما نبشت من مكنونات اللغة العميقة، ذات شيفرة مُحكمة تحتاج خبير لفكّ رموزها.

 

عمّان- الأردن

 

٢٩/ ١١/ ٢٠٢١

 

 

كتاب عناقيد عنب. سميرة

 

 

 

لصحيفة آفاق حرة:

 

بطاقة تعريفية

 بكتاب "عناقيد عنب" للأديبة الأردنية "سميرة عرباسي".

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

المقدمة:

صدر حديثاً كتاب "عناقيد عنب" للأديبة الأردنية "سميرة عرباسي"، وهو إصدارها الأول، ولسهولة التعاطي مع المنتج الأدبي بشكل عام، لا بدّ من تسمية اللون الأدبي الذي كتبت فيه سميرة "عناقيد عنب"، وللخروج من دائرة إشكالية الخلاف، فلن أتردّد في الذهاب إلى رحاب الخاطر وهو ما خطر للإنسان في دواخله، من فرح وحزن، وتفاؤل وتشاؤم، واجتهاد وكسل، وصحوة وكبوة، وشجاعة وجُبن، وهكذا إلى آخر قائمة المتقابلات والمتضادات الناتجة التفاعل الإيجابي والسلبي، والتعاطي مع الواقع. والخواطر حالة إنسانية عامة، يتشاركها جميع بني البشر.

 

العنوان ودلالاته:

من خلال تتبع معظم نصوص الكتاب "عناقيد عنب". لوحظ أن الذاكرة هي محور استجلاب النصوص والأفكار، وعلى محمل الذاكرة ارتسمت ملامح ذاتية الكاتبة "سميرة عرباسي"، وإذا انتحينا جانبًا آخر، أجيز لنفسي بالذهاب إلى أنها جزء من سيرة ذاتية، موشّاة بخيوط ذهبية ذات أبعاد أدبية، بلغة متفاوتة التدرج ما بين العالية والمتوسطة البسيطة مُستبيحة مباشرة الطرح.

وكما يقال: " فإن المكتوب يُقرأ من عنوانه"، والعنوان عتبة النصّ الأولى، بما تفتح شهيّة القارئ لالتهام النص، وبما تفتح له من أبعاد دلالية، باعثة على المقارنات والتساؤلات، والذهاب للتأويلات التي ربما تخطئ في كثير من جوانبها، أو تصيب في أقلّها.

و"عناقيد عنب" هذا العنوان الذي يرمي بمفاتيحه، لمتابعة، كلمة عناقيد جمع، وعنب مفردة وجمع في آن واحد. وكم هي الآيات القرآنية التي جاءت على ذكر كلمة "عنب، وأعناب"، يغني ذلك أن العنب فاكهة تعيش في معظم بقاع الكرة الأرضيّة، ويعرفها جميع البشر. ففي رؤيتنا الأولى من خلال للنص الذي تربع كعنوان رئيس للكتاب. من خلال رؤية الكاتبة: "لا شيء يشبهك سوى عنقود عنب، ألم تر بيني وبين الجمال علاقة سوى ذلك العنقود؟!!". ص٦٤. وتقول أيضًا: "ولكن عيناك الخضراوين جعلاني أربطك كثيرا بعنقود العنب، فحين أعود من المغترب صيفا، وأجلس تحت دالية منزل جدي؛ أشعر ببرودة الظل تسري في جسدي، وأشعر بذلك الاحتماء اللذيذ من الحر.. تماما كجلوسي معك، وأنت تظللين قلبي بنظراتك التي اكتست بعشب عينيك الأخضر وعبراتك المنبعثة من خضرة قلبك.. وما زالت تعويذة حبك الخضراء تحميني من كل أذى..بل رأيت" ص٦٤. وفي مكان آخر:" بل إني أشعر بالحنين وبالشوق لذلك العنقود حين أراه في عينيك.. فما أجمل تلك اللهفة التي تكون بالرغم من القرب"ص٦٥.

نلمس من خلال ما تقدم من رؤية الكاتبة، التي جاءت على محمل ذكرياتها، والزمن الجميل، بيت الجد والعائلة ودالية العنب، والسهر والسّمر في أيّام الصيف، حين يحلو مذاق الحكايات بنكهة الماضي، والعودة للبساطة في الحياة بأصالتها، نزوع للهدوء مقابل تسارع حياة المدينة وضجيجها المُقلق والمُتعب والمُرهق للإنسان بشكل عام.

 

دلالات عناوين النصوص:

"رسائل إلى صديق. حقيبة الذاكرة، أبحث عنك، الأدوار المتبادلة، سطوة الحزن، في حضرة الغياب، الحطام، الرسمة المبتورة، البحث عن نرجس، أرواح مبعثرة، أحزان أنيقة، السيدة زينب، المحطة، عازف الخيبات، ديون، شتاء العمر، كواليس الروح، مهرجان الفصول، ظهور الديناصور، غريب في بيتنا، عناقيد عنب، واقع في هيئة كابوس، الوجع الزائر، القلب الباكي، غياب الورد، رفيقان على موعد، كلمات متقاطعة، طیف زائر، قصاصات، المشهد الأخير".

بتأمل بسيط لهذه العناوين ذات الطيوف القادمة من منابع واقع الحياة، ألا نلمس فيها حجم المعاناة، والآلام، والآمال والأحلام، والشوق والحنين، والموت والحياة، والنزوع إلى الأفضل والأحسن. ومن هذه العناوين نستطيع تشكيل نص إبداعي، بعد إعاجة تدويرها في نص أدبي جديد.

 

الخاتمة:

لاشكّ عندي بعد مطالعة كتاب "عناقيد عنب"، تأكد بأن الإنسان ابن بيئته، التي تنعكس بآثارها عليه، مما ينعكس سلبًا أو إيجابًا على سلوكه الاجتماعي، وكذلك فعله الثقافيّ على السّاحة، والأدب الاجتماعي يكتسب مصداقيته من واقعيته الصادقة، فتأتي عين الأديب كما فعلت الأديبة "سميرة عرباسي"، وبذلك لا تكون إلا ابنة وفيّة وبارّة لمجتمعها، وقضاياه الملحّة، وما كانت إلّا مرآة عكست من تجربتها كجزء من حالة عامّة تتكرّر أو تتشابه أو تتقاطع مع حالات الآخرين.

 

عمّان – الأردنّ

٣٠/ ١٠/ ٢٠٢١

 

 

الخميس، 28 أكتوبر 2021

شاهد على العتمة. عبد الرضا صالح

 عبدالرضا صالح محمد 

شاهد على ( شاهد على العتمة )

للقاص محمد فتحي المقداد

 

شاهد على العتمة 

تمتاز القصة القصيرة جدا عن القصة القصيرة كونها لا تلتزم بالمكان والزمان وهما مهمين في القصة القصيرة ، كما وأنها وتبدأ بلغة جميله وزحاف قوي ، وتنتهي بومضة أو صعقة أو مفاجأة لا يتوقعها المتلقي ، وتكون مكثفة ومختصرة ومختزلة ، لتأتي بكلمات قليلة قد لا تتجاوز الأسطر بمعنى كبير .وهي بقالبها الجديد تطالعنا بصورها الجديدة في :

شاهد على العتمة 

للقاص محمد فتحي المقداد 

في 67 صفحة من القطع المتوسط 

بمائة قصة قصيرة جدا  

العتبة التي تستهل بها قابلة للتأويل بما رصتها يد فاعلة حازمة ومتلازمة في صناعة مفاتيح لأقفال مغلقة ، تحوي في خباياها أنواعا من الألم والحزن والحوب والخواء والفراغ والدمار والتردي والانهيار والأنهزام والانكسار والخيانة والضياع ، بخطاب إشعاعي تنويري على لسان شاهد يمتلك كل مقومات الترصد والمعاينة ؛ بما تجود بها المعمورة من قضايا ووقائع وحوادث وتناقضات ومفارقات في وطننا العربي ، أَطَّرَها برؤى وأحلام بحروف صريحة جريئة لا تخاف .

صاغها على شكل رؤيا أو حلم يرويه الكاتب على لسان الشاهد ، وهو دليل قاطع لما يمر به  من واقع متردي تتجلى بها الحروب والماسي في نفسه  ، واقع مر يعرض بأسلوب سهل وهو أسلوب الحكاية ، بلغة عالية وبأدوات رصينة تتصاعد متسارعة ، تحاصرك مباشرة في أتون أحداثها ، أو تأتي على شكل فاجعة بحجم صرخة لا يستطيع إطلاقها إلا من خلال الحروف التي كتمت فاه لتلقي بقيئها من أمعائه القابلة للانفجار . 

كتبت هذه الومضات لتعلن عن حجم الكارثة أو الفجيعة على لسان حال الشاهد الذي يتوارى خلف العتمة ، التي مر بها الشاهد واعتبرها حلما ، يرتجي ان يكون خيرا ، وما أن ينتهي ذلك الحلم يأتي غيرة أقسى منه أو مواز له ، وهكذا تتوالى الأحلام حتى تصبح ملونة بلون الحياة التي نعيشها ، نعم لو تتبعنا هذه الأحلام لوجدنا إنها لم تكن تفضي إلى الألم فحسب إنما هي كوابيس مستأصلة لا نهاية لها ، وحين ندرك إنها في مخاضها الأخير أو بداية نهايتها ، تعود بنا من جديد إلى بداية اكبر وأفضع . كدائرة نخوض في محيطها وما إن ننطلق من نقطة حتى نعود لها .وممكن أن نقول أن الشاهد قد فقد كل أحلامه وبات ينتظر المعجزة .

أحداث الوصف كما يراه واقعا مؤلما في مجتمعنا العربي ، بلغة جادة ومسؤولة ، وبأسلوب ساخر تنتهي بومضة كوميدية تشعرك بشدة الحزن والمأساة في عالم يتوفر فيه كل أسباب السعادة والرفاهة ، مما يجعلنا ان نطلق عليها  بالكوميديا السوداء .

وهي عبارة عن صور محسوسة يلتقطها بعدسته المنظورة ذهنيا والملونة حسيا ؛ لتضع نصب عيني القارئ هالة من الخيبات بريشة سريالية متخصصة في تصوير الأحلام واللقطات البعيدة الأفق ، وخلف الوعي الاجتماعي .. انه مصور لصرخات مخبوءة بين أضلعه لا يستطيع بثها ونشرها إلا من بين مداد قلمه الحاذق .

وتمتاز هذه القصص بوحدة الموضوع ، فليس هناك ما هو شاذ مختلف بلون آخر  وليس من الممكن تميز بعضها على بعض ، ولكي نقف على صور هذه القصص نختار منها ثلاث كشاهد للرؤية والمطالعة وليست أفضلها :

1ـ شاهد على العتمة

شاهد الشياطين تلعق رحيق الأزهار قبل طلوع، الشمس.  والقرود تجلس في المقاهي وتدخن النرجيلة

على ذمة الراوي

2ـ شاهد على العتمة

سمع أن الزرافة لطول رقبتها  لا تنام في اليوم الواحد إلا تسع دقائق و ليست متوالية إنما على ثلاث مراحل في كل مرة ثلاث دقائق .فقال لنفسه: والله إنّ الزرافة تفهم، لأنها تُقدر قيمة الوقت، ويبدو أنها سمعت وتمثلت أغنية أم كلثوم: ( فما أطال النوم عُمُرا، ولا قصّر بالأعمار طول السهر). 

3ـ شاهد على العتمة..

 روى الشاهد: أنه التقى بزرقاء اليمامة العمياء التي قلعوا لها عينيها حينما أخبرتهم أن الأشجار تمشي إليهم, وكونهم لم يستوعبوا قدراتها الخارقة, ظنوا أنها خرفت وكان ذلك عقابها.. لكنهم ندموا عندما قضموا شفاههم وأصابعهم  بعد فوات الأوان.

 وقالت له: اسمع يا ولد.. أسمع قرض الجراد قادم إليكم من الشرق, وكأنه لن يبقي لكم شيئاً لا أخضر ولا يابساً, وكذلك أسمع أصواتاً كأنها هدير الرعد, تسير بسرعة البرق, ستلعن أبا أبيكم, وتحرث قبوركم, و لا تبقي شيئاً قائماً فوق أرضكم حتى شواهد القبور. هيّا انصرف وأخبر قومك, وانظر ما هم فاعلون من حيطة وحذر, مشى راجعاً، وهو يحدث نفسه:" عجوز النحس قاتلها الله, وما أنا إلاّ كبالع الموسى على الحدّين, إن أبلغت قومي لم يصدقوني, وإن طنّشتْ ولم أخبرهم, فنصبح كقوم الزرقاء الذين  لم يصدقوها".

على ذمة الراوي

وبهذا يحق لنا ان نشد على يد الكاتب محمد فتحي المقداد  لهذه الإشراقة الرائع والذي يحيلنا إلى الدعوة إلى قراءتها ودراستها . 

26 / اكتو بر/ 2015

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

ما زال الجواب ينقصني

 

تساؤل لم أجد له جواباً.. للآن (1)

 

بقلم / محمد فتحي المقداد

 

عندما كنت أنا وزملاء الدراسة في الصفّ العاشر العام 1980م، طلب منّا مدرّس التربية القوميّة (الوطنيّة). قراءة وتلخيص كتاب (الجذور التاريخيّة للقوميّة العربيّة تأليف عبدالعزيز الدّوريّ). وكان ذلك بمثابة نشاط نكسب منه علامة مشاركة، وهو ما كنّا نطلق عليه (وظيفة شهريّة). لأن العمل فيها وإنجازها خلال مدّة شهر. أو أسبوعين.

استعرت نسخة من أحدهم استطاع الحصول عليها من شعبة الحزب، عندما وزّعوا الكتاب على الأعضاء العاملين. حيث أن الكتاب طبعته القيادة القطريّة للحزب، وعمّمته على الفروع والشُّعَب في القطر.

فهمت أنّ القوميّة هم من القوم، وجاءت عربيّة لأنها تخص أقوام العرب أجمع أينما كانوا، وفي أيّ زمان عاشوا، تجمعهم وحدة اللغة والدين والتاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة، ووحدة المصير، وهم مطالبون بتحقيق الوحدة العربية التي لا مناص ولا بدّ منها، لتكوين دولة واحدة وقيادة واحدة، فتصبح قوّة سياسية واقتصادية واجتماعيّة فاعلة في الكون، يُحسَبُ لها الحساب. والعربيّ أخا العربيّ يساعده ويسانده مهما كانت الظروف ضد أيّ تهديد خارجيّ أو داخليّ.

توقف بي قطار الدهشة هنا، في محطّة كانت الأخيرة لي، ولم أخرج منها بتفكير يرضي قناعتي التي تشّربتها في صغري، خاصّة عندما قامت الحرب الإيرانيّة العراقيّة في العام 1980م. ووقوف الجمهوريّة العربيّة السوريّة مع جمهوريّة إيران الإسلاميّة.

النقطة المهمّة أن سوريّة عربية، يحكمها الحزب ذا التوجّهات القوميّة، تصطفّ إلى جانب قوميّة فارسيّة. كما أنّ سوريّة ذات النهج العلماني الذي يصف الدين بالرجعيّة، تتآلف مع نظام إيرانيّ بصبغة دينيّة.

الموقف الآخر: اصطفاف سوريّة مع الأمريكان، عندما أرسلت الجنود السوريّين إلى صحراء حفر الباطن في المملكة العربية السعودية. لمحاربة العراق وإخراجه من الكويت.

المثقّفون ذوو التوجّهات القوميّة لم أعلم ولم أقرأ لهم تبريرًا  لمعضلتي التي أربكتني على مدى سنوات، أحدثت فجوة واسعة في تفكيري.

 

عمّان – الأردن

6/ 2 / 2019

================

 

مازال الجواب ينقصني(2)

بقلم/ محمد فتحي المقداد

 

أذكر حينما كنت طالبًا في الصف السّابع 1977، أن كتاب التربية الوطنيّة كان يحتوي من دروس لكل القضايا العربية والقومية، فالقضية الفلسطينية هي القضية العربيّة المركزية، إضافة لقضايا سورية لواء إسكندرون السليب، وهضبة الجولان،  وعلى نفس النسق فضية عربستان الأهواز وأرتيريا لا تقل أهمية عن قضيّتيْ سورية.

** «بعد قيام الثورة الخميني الإيرانيّة العام 1979، وبعد فترة قصيرة قامت وزارة التربية بحذف قضية عربستان من كتاب التربية الوطنية».

** «بعد الخلاف الذي حصل بين سورية وتركيا1998، حشدت تركيا جيوشها على حدودها وهددت بالحرب، بعد فترة وجيزة فوجئنا وعلى شاشة التلفزيون السوريّ، عند عرض خارطة سورية أثناء النشرة الجوية التي تتبع مباشرة نشرات الأخبار، بأن خارطة سورية فيها شيء ناقص، بأن الحدود المعروفة تبدأ من وسط خليج إسكندرون، بينما الخارطة بعد التعديل لاحظت أن نقاط الحدود بجانب اسم اللاذقية مباشرة».

للآن لم أجد له تفسيرًا ، وحيرتي قاتلة  وهي تنهش قلبي..!!

ويل قلبي يا كليب

 ويل قلبي عليك يا كُليب..!!، وأنت المغدور على يد جسّاس، أنفاسُكَ الأخيرة المتأوّهة على لحن جنائزيّ تصطرع برقصتها الأخيرة، كتبتَ وصيتكَ بدمك لأخيك سالم: "سالم لا تصالح".

دمك سال في نفق مظلم.. أشعل حرب الأربعين عامًا، إنها البسوس.

ما بال الأيدي الملطّخة بالدم، وقد صافحها عدوها مُغضياً عينيْه عن الدم الذي يبرق بين الأصابع التي تصافحه.

مُتخيّلًا صورة الرجل الذي لا يستطيع النظر في عينيّ زوجته، لأنها فقدت ثقتها في قدرته على حمايتها.

يدُ العار مرسومة (بأصابعها الخمسِ) فوق جبهة الأمير المستسلم.

جسّاس الغادر مُختبئ بين الأغصان قبل أن يطعن ابن عمه، وكليبٌ يتحامل على ساعديْه مُتلفّتاً، ليرى نظرة التشفّي في عينيّ الغادر.

وما زالت طبول الحرب تقرعها الحوادث الصارخة، في تقريع كلّ من تُسوّل له نفسه القبول بالصلح، الذي هو قرين الاستسلام.

#(مقطع من روايتي- فوق الأرض)#

الجمعة، 22 أكتوبر 2021

شهادة إبداعية لمحمد الصمادي هو الذي يرى

 

شهادة إبداعية مقدمة للأديب "محمد الصمادي"

في حفل إشهار كتابه "هو الذي يرى"

برعاية رابطة الكتاب الأردنيين ـــا ٢٨/١٠/٢٠٢١

 

   "إنّه هو الذي يرى" عنوان إشكاليّ بانزياحاته الدّافعة للتأويل. من الذي يرى؟. ومن هو القائل؟. كون القائل مجهول، وكذلك المُشار إليه أيضًا. أن تكون الكاميرا هي جواز سفر "محمد الصمادي"، وحديث الكاميرا هو تجسيد الصّورة؛ لتكون ذاكرة واعية وثّقت اللّحظة بتوقيتها، وبذلك ستُصبح وثيقةً شاهدةً لا جِدال ولا مراء فيها.

   فيقول: "عندما تصبح الكلمات غير واضحة، سأُركِّزُ على الصور. وعندما تصبح الصور غير كافية سأكتفي بالصمت!".ص54

   بالتوقّف أمام نصّ (ق.ق.ج) لـ(محمد الصّمادي)، لتتأكّد بجلاء موهبته الفنيّة المُنضافة للأدبيّة بتزاوجيّة فريدة: (عندما سأل المراسلُ الحربيُّ في جبهة القتال الجنديّ: كيف تُدافع عن وطنِكَ؟. أطلَقَ عليه الرّصاص). فالمُصوّرُ الحربيُّ مُقاتلٌ بعدسته، لإبراز الانتصارات، ورفعِ المعنويّات للمقاتل المعزول عن حياته المدنيّة دفاعًا عن وطنه وأهله.

   أمّا تقنين صورة المراسل الحربيّ في نص إبداعيّ، تكريس لبهاء ونقاء وأهميّة هذه الصّورة في الأدب.

   المُتتبّع لمسيرة الأديبِ والقاصِّ (محمد الصّمادي)؛ يلحظ بشكلٍ جَلِيٍّ موهبته الأدبيّة من خلال نصوصه القصصيّة؛ ففي مجموعته الأولى (حنين وسبعٌ أخريات)، التي يتجلّى فيها البُعد الوطنيّ والقوميّ العربيّ، وجاءت المجموعة كذلك بعنوانات لافتة للقارئ كـ(الرحلة إلى الموت) و(على سرير الشفاء) و(فرح) و(لا شيء يدوم لي) وهي مليئة بالحزن والشّجن من خلال دلالات الألفاظ على هذه الموضوعة، التي ربّما تكون متلازمة واضحة المعالم في مجموعته القصصيّة.

  ملامح شخصيّته الهادئة والثائرة في آن واحد، تتبدّى هذه الإشكاليّة لمن اِقْترب منه وعرفه عن قُرب، مُستقرئًا خلفيّته البيئيّة من طبيعة جبال عجلون؛ ليعلم مدى صلابته الداخليّة، وللجغرافيا أن تفرض دكتاتوريّتها على محيطها؛ لتخلق تاريخًا على شاكلتها من صُنع ناسها.   

 وبالانتقال إلى الجانب الإبداعيّ الآخر عند "محمد الصّمادي"، جانب الفنّان فلا أدلّ على ذلك، إلّا كالماء المنبثق من بين صخور (عجلون) الصّمّاء؛ ليُشكلّ حالة فريدة في مجال الفنّ (الفوتوغرافي)، وهو يجوب بكاميراته كافّة الأصعدة الثقافيّة توثيقًا، ليصبح مرجعًا على السّاحة الأدبيّة الإربديّة؛ وكلّل هذا الجهد إعلاميًّا من خلال موقعه الأدبيّ (مجلّة ألوان للثقافة والفنون)،لإيصال صوت مجتمعه إلى العالم الخارجيَّ.

"هو الذي يرى" هذا الكتاب الذي احتوى على مجمل من عاينوا قراءة وكتابة لتجربة "محمد الصّمادي"، وبمكافأته وردّ الجميل بالجميل، وذلك بتوثيقهم لمسيرته، وجاءت على شكل مقالات نقديّة، ونصوص برؤى أدبيّة، أو شهادات إبداعيّة، كلّها فصّلت، وأضاءت دروب تجربة "محمد الصمادي" ومسيرته المضمّخة بالعطاء، كما أنّه كوّن أرشيفًا ضخمًا امتدّ على مساحات سنوات عديدة غطّاها بصور أصبحت برسم الذّاكرة، استهلكت حياته ووقته وجهده بلا كلل ولا مللٍ، عن طيب نفس وخاطر ورضا داخليّ.

وبوصفه لكتابه، يقول الأديب الصمادي:

*"غمرني شعور أني في وطن الاستثناءات، حتّى لسألتُ نفسي كثيرًا: أأنا فِعلًا هنا؟ أم أنّي غيري على بُوابات الفرح تلك.. مفاتحهـا كـلُّ حـرف وكلمة وهمسة وصورة وذكرى قدّمْتُموها لي أعزّائي، غرسُتُموها فَسائِلَ أمَلٍ، وكبُرَت الأفكار والأبجديّات والصـُّور مـعـكـم، وزَهـوْتُ أنـا.. حتـّى مـا وسعتني أرض ولا سماء".ص5.

   أسئلة كثيرة لا أجد أية إجابات لأي منها.. عندما يكون هناك نشاط ثقافي أجدني أبحث عن مكان أقتنص فيه صورة تعبر عن حالة الشخص.. أتجول دون إرادة في وجوه الجمهور، وكثيـرا مـا أعتبرني خرجت من المعركة أو الحادثة منتشيا.. فرحا.. حائرا.. ناقما.. وراضيا.". ص7.

وللأديب محمد الصمادي العديد من الإصدارات، وهي:

-الحب للجميع والدعوة عامة. بانوراما/١٩٩٣.

-شذرات وقطوف. نثر/١٩٩٤.

-الأرض الأولى. بانوراما/١٩٩٦.

-يوميات ميت على هامش الحياة. نثر /٢٠١٣.

-حنين وسبع أخريات. قصص/٢٠١٤.

 

 

 

الصراع في راية شاخيتو - ممدوح أبارو

 

 

تجلّيات الصراع

في رواية "شاخيتو- بُوَّابة بوهين الضائعة"

للروائيّ السُّودانيّ "ممدوح أبارو"

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

  تكوُّنات الصّراعات البشريّة لا بدّ لها من جُغرافيا، والجُغرافيا في العمل الروائي فضاءٌ مفتوحٌ على احتمالاتٍ كثيرةٍ؛ تتوالد في ذهن الكاتب ممّا وَعَاهُ وأدْرَكه، ومنها ما يبقى غائبًا يحوم حوله، يلامسه تارةً، ويتباعد عنه أخرى.

   والكون بأجمعه جُغرافيا لها شروطها وقوانينها الصّارمة حدّ الدكتاتورية، المُصطلح الذي كَرّسْتُهُ في أحد أعمالي الروائيّة، في محاولة تثبيته كمفهوم من خلاله نُحدّد حركة التاريخ اللّاحقة على هذه الجغرافيا التي نعيش في نطاقها.

   يقول الروائي "أبارو": "إلى كلّ الباحثين عن الحقيقة، لن تجدوها في بطون الكتب، ثقوا بأنفسكم؛ فهي ذاكرة التاريخ المُتجدّدة". ص7.

   وكلُّ عملٍ روائيّ مُنبثِقٍ عن الواقع، لا يُمكن أن يخرج عن دوائر الصِّراع الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ. ملامح هذه الدوائر تتجلّى بوضوح في رواية "شاخيتو" التي نحن بصدد دراسة تجلّيات الصراع أحد جوانبها الجديرة بالاهتمام، وإلقاء الضوء عليها بما استطعت.

وقفة مع العنوان:

   "شاخيتو" العنوان الرّئيس، والذي يبدو أنه اسم كنداكة ربما تكون ملكة في مروي. وبالانتقال للعنوان الفرعي "بوابة بوهين الضائعة". بتتبّع دلالات الكلمات الثلاث.

أ-"البوابة" مدخل مغلق ينفتخ على فضاء خلفه، ربّما يتّسع أو يضيق ليس هذا المهم.

ب-"بوهين" مكان على اعتبار أنّ البوابة لها، وفي البحث، نعرف أنّها كانت "مستوطنة مصرية قديمة، بقايا موقعها حاليًا بالولاية الشمالية في السودان. بالطبع  غمرتها مياه بُحيْرة ناصر بجزئها السُّودانيّ من أرض النوبةّ. وهي جزء من المملكة المصريّة القديمة (حوالي 2686-2181/ق.م).

  ج-أمّا الكلمة الثالثة للعنوان الفرعيّ "الضائعة"، لعلَّها مفتاحنا التأويليّ للذهاب في البحث عن شيء ضائع، والبحثُ دائمًا عن ذي قيمة، والضائع سنتفاجأ به إذا علمنا أنّه: التاريخ.

   وبهذا ننحو صوْب الجغرافيا والتاريخ. الجانب الذي أخذ حيّزًا واسعًا من رواية "شاخيتو" القصيرة التي تُصنّف على أنّها "نوفتيلا". وبمهارة استطاع الروائي "ممدوح أبارو" مزاوجة الواقع مع إسقاطات تاريخيّة، لاستخلاص العِبَر والعِظَات، وقراءة الحاضر على وَهْج الماضي، ليكون جسر عُبورٍ آمِنٍ نحو المستقبل.

 

فكرة الصراع في الرواية:

 

أ‌-      الصراع  على الورق:

هو صراع أفكار في ذهن الكاتب، ولا تكتمل باللّغة الناعمة البيضاء التي ترفع رايتها مُؤذنةً بدَفَقات الحُبِّ والحنان، بل لغة خَشِنة مُنتقاةٍ بعناية؛ نخلُص من ذلك إلى فكرة صراع اللُّغة، وبتتبّع بعضًا من المفردات تدليلًا على ذلك وهي كثيرة:

"أسد الجنوب/ ذو اليد الطولى/ الأنفاس القائظة/ يضمرون الخيانة/ ملِك الغضب".

 

   ب-صراع الحضارات:

   ونستطيع التعبير عنه بأنّه صراع الإرادات بين الغالب والمغلوب، يتّضح هذا بمقولة "ابن خلدون" في مقدّمته: "المغلوبُ مُولَعٌ أبداً بتقليد الغالب في شِعَاره وزِيِّهِ ونِحْلَتِه وسائر أحواله وعوائده".

   عالم الاجتماع العربيّ "ابن خلدون" نظر إلى العلاقة الارتباطيّة من منظور المغلوب/المهزوم، أو الطرف الأضعف في علاقة القُوَّة، ومن هنا تحدَّث في المجال الثقافيِّ – الاجتماعيِّ عن ظاهرة التقليد.

   ولو نظر "ابن خلدون" إلى الأمر من نظر الغالب/المنتصر الطرف الأقوى في علاقة القوَّة؛ لتحدَّث عما نُسمِّيه اليوم بالهيمنة الاستعماريَّة بكافّة مظاهرها الثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة.  

   وهو ما تجلّى حديثًا بمفهوم صراع الحضارات، كما أسّس له "صاموئيل هنتنغتون" و"فرانسيس فوكوياما" ، وهما من أشهر المُفكِّرين الاستراتيجيِّين في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وفي كتابهما ''صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي''، و ''نهاية التاريخ وخاتم البشر''.

   ينطلقان لإعادة تشكيل العالم وفق نظرية الغالب والمغلوب، وأنّ العنصر الأبيض هو الأجدر بالحياة والرَّفاه، بلا اهتمام بتعاسة البشريّة.  هذه الرؤية الاستعماريّة هي معاناتنا منذ بداية القرن الماضي وانسحبت هذه الحال؛ لوجهها البشع والقبيح والتكشير عن أنيابها.

 

وهذا ما لحظته في الفصل الثاني، فيما بين:

   *"منير الموسى" شاب ثلاثينيّ، وهو نحّات ورسّام موهوب، تخلّى عن موهبته تلك لصالح جمع التحف لأثرياء مدينة زيورخ السويسرية.

   *"ستيفاني" أرملة في منتصف عقدها السادس، غير أنّها تبدو في أواخر العشرينيّات. تكبُر "منير موسى" بحوالي عشرين عاماً، أو تزيد عاماً. ورثت عن زوجها المُتوفّي ثروة طائلة.

   أنجبت منه ابنهما "فريدريك" الذي تركها وهو في عمر السادسة عشر ليهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويلتحق بوكالة الفضاء "ناسا" ومن حينها لم يسمعا عنه شيئاً.

    ورد في الرواية: "كعادتها استلقت "ستيفاني" على فراشها في تكاسُل وهي تجرًّ طرف ثوبها الشفَّاف بيد، وتضرب المُنبه الموضوع على سطح الخزانة "الكومدينو" الملحق بالسرير النحاسي ذي الشراشف البيضاء، مُهيِّئة نفسها بذلك لاستقبال زوجها العزيز «منير موسى» كي يجلب مائدة الإفطار التي يبرع في إعدادها، ويُصرُّ على تقديمها بنفسه لها على فراش النوم، وهو يهمس بحنو: "تفضلي يا ملكتي إفطارك اللذيذ". ص١٨.

   ستيفاني: "برغم ذوقها المُتدنّي في ما يختصُّ بالفنِّ عموماً وبالتشكيل على فقد أضحيا زوجين بين غمضة وصفاها. فهي وجدت فيه واجهة تكمل بها ملفها الاجتماعي بين صديقات النادي، وهو وحد ضالته في بطاقتها الائتمانية التي لا يردها منفذ صرف". ص ٢٠.

   في سيرة هذين الزوجين تظهر فكرة الغالب والمغلوب بجلاء: "فهي قد وجدت فيه واجهة تكمل بها ملفها الاجتماعي بين صديقات النادي، وهو وَجَد ضالَّته في بطاقتها الائتمانيّة التي لا يردها منفذ صرف" ص ٢٠.

 

ج- الصراعات الاجتماعيّة:

   تتعدّد دروب الصراعات الاجتماعية بتعدّد المكان والزمان على الدوام. صراع الأقوياء من الإقطاعيين وملّاكي الأراضي، وينسحب ذلك على العقل البشري الرّافض والمُستكين للواقع، ومحاولة التجديف عكس التيّار والطرف الأضعف ستنكسر مجاديفه ويتهاوى أمام سطوة الهيئة المُسيْطرة بالقوّة.

 

1-     صراع العقل والخرافة:

*"ظهرت أمامهم بوابة ضخمة على هيئة رأس كبش له قرنان حادان دون أنياب، وانبعثت من تلك البوابة طاقة هائلة، أحسوا معها بشيء غريب يجذب أرواحهم خارج أجسادهم، أو يسحبهم من أجسادهم كمن يخلع ملابس ضيقة - بصعوبة. صاروا يحلّقون خارج أجسادهم بأجسام نورانية شفافة كأنها البلور، وزال عنهم الرهق، والهلع، وعمتهم سكينة غريبة، عادوا خفافاً كمن أنزل حملاً كان يثقله. عن جسده المكتظ بصعوبة، صاروا يحلّقون خارج أجسادهم بأجسام نورانية شفافة كأنها البلور، وزال عنهم الرهق، والهلع، وعمتهم سكينة غريبة، عادوا خفافاً كمن أنزل حملاً كان يثقله. صالح "عباس الهباش" وهو يلتف حوله في دهشة: «لا أحس بأطرافي، هل متنا؟ هل هكذا يكون الموت أستاذ صفوت؟". ص17.

*"صوت رخيم من داخل البوابة : "مرحباً بكم في أرض بوهين، آخر معاقل الآلهة الكوشيين"؛ ليردف بصوت أعلى بصورة درامية: «الملكة الأم في انتظاركم، أيها المختارون".

   هذه الأمّ الملكة هي "شاخيتو" المقصودة، والتي اتّخذت الرواية من اسمها عنوانًا لها، الهاجس التاريخيّ هو المؤثّر في جميع أحداث الرواية.

 

2-    تمثيل الصراع المصغر بين السلطة والشّعب في القرية:

  شخصيّة "صابر عبد الحليم" المختار أو العمدة زعيم القرية، وهو أحد كبار ملّاكي الأراضي، ويستمدّ قوّته من سُلطته كمختار مسؤول أمام المركز الإداريّ والسّلطات، وزاد من طغيانه ليكون دكتاتورًا صغيرًا، كوّن حوله مجموعة من المنتفعين، وهم عماد سلطته، ويده الضّاربة في القرية يأتمرون بأوامره.

*"استند العمدة «صابر عبد الحليم» على عكازه بعد أن تنحنح، وحمد الله وأثنى عليه، مخاطباً أهالي القرية: « أهلي الكرام، بعد التحية والسلام، أظنكم سمعتم ما قاله - «عباس الهباش». أي نعم هو رجل عربيد، لكنه ليس كاذباً، فقد عرفناه عفيف اليد واللسان، وعاش بيننا ما يزيد عن العقدين من الزمان، وإني لأراه صادقاً فما ترون؟».

«القول ما تقول يا عمدة» .

هتف أحدهم، ليقابله آخر : «اصمت يا ذيل العمدة.. فأنت وسيدك، من أوصلنا لما نحن فيه» .

لیجیبه آخر: «بل أنتم يا أتباع المدنية والفلسفة من ستحرقون أرضنا بهرطقاتكم، عليكم لعنة الله والناس أجمعين».

ساد هرج ومرج، لم يوقفه سوى صوت قادم من أقصى القرية أن هلموا فقد فاض النهر في غير موسمه. ص27.

*هذا العمدة يستخدم سلطته في سرقة تركة أخيه، وحرمان ورثة أخيه من ميراثهم: "مما حدا بالعمدة إلى تزوير الأوراق وجلب شهود الزور لإثبات أنه قد ابتاع الأرض من أخيه «عبد الحكيم عبد الحليم» ودفع ثمنها قبل سنين من وفاة الأخير". ص31.

 

3- صراع الحسّ الوطني بين الواجب والنّهب:

طرحت الرواية قضية مهمّة جدًا على صعيد أوطاننا المنهوبة، خاصّة نهب الكنوز الأثرية من الباحثين عن الثراء بطرق غير مشروع، من خلال مافيات وتُجّار الآثار التاريخيّة, وهو ما يظهر من شخصية "صابر عبد الحليم" المختار المتخفي تحت ستار سلطته، وهو ما انكشف من خلال حديثه مع السّاحرة أو مُحضّرة الأرواح "حسنى الهمجاوية"  في صراعها وخلافاتها مع العمدة. فقد ورد في (ص44\45) بحوار مباشر بينهما:

 دلف العمدة «صابر عبد الحليم» وصاحبيه إلى داخل الدار، أن أخذوا واجب ضيافتهم من التمر والماء، بدأ العمدة في الحديث: وبعد «أعلم یا «حسنی» ما بيننا من خلاف على مر السنوات الفائتة، لكنني جئت هذه المرة بعرض مختلف. تعلمين أنني صاحب حظوة عند أهل المنطقة كلها، لا السواقي وحدها، وأن لي تجارة مع أناس نافذین هنا وفي مصر، وأنني...».

قاطعته «حسنى الهمجاوية» بخبث:

«أعلم تجارتك في الآثار مع المصريين والخواجات يا عمدة فدعنا نتحدث بورق مكشوف».

فغر الجميع أفواههم دهشة، فموضوع الآثار لا يعلمه غير ثلاثتهم، العمدة «صابر عبد الحليم» وشريكيه؛ «حامد أدروب» والد «أماني»، و«محجوب الكيال» صاحب طواحين الدقيق وأكبر تاجر محاصيل بالمنطقة. وقبل أن يفيقوا من دهشتهم تلك عالجتهم «حسنى الهمجاوية» بصاعقة أخرى:

«لا تستغربوا، فحتى صفقة تمثال الخصوبة الذي تزمعون نقله، بالقرب من معبد «أمنحتب أمنيوفيس»، بعد أن كسرتم عضوه الحيوي جالب الحياة، ومصدر السحر الأعظم للإنجاب، أنا أعرف عنه. فليس ثمة ما يخفى علي في المنطقة، والسبب الرئيس في فشل خطتكم تلك، أنكم كسرتم رمزيّته، فلو أنكم جلبتم له، جيشاً عرمرماً بعد ذلك، لما حركتموه من مكانه».

انتفخت أوداج العمدة «صابر عبد الحليم» من الغضب وهو يصرخ في اهتياج:  «ونحن أيضاً نعلم أسرارك، خصوصاً ما يتعلق بهذا التمثال، نعلم أنك تخدعين النساء العقيمات اللائي لا يحبلن، تأخذيهن ليجلسن على عضو التمثال، موهمة إياهن بأن ذلك يجعلهن حبالى ويجلب لهن الذرية، هذا كفر بواح وهره طقة لا يقبلها ديننا الحنيف . ولو أنني أملك دليلاً واحداً ضدك لما ترددت بزجك في السجن».

 

الخاتمة:

عند مطالعتي لرواية "شاخيتو"، أثناء التحضير له لهذه الإضاءة، مثُل في ذهني وجه الشّبه الكبير مع رواية (الباترا – مار خدر\ للروائي السّوداني جمال الدين علي الحاج). بالطبع مع الاختلاف في أسلوب الكاتبين من حيث الأداء الذي يتميّز كلّ منهم بأسلوبه الخاصّ به.

الروايتان مُتخمتان بالتاريخ، وحضارة "كوش" و"مروي"، كما أن للأساطير والاعتقادات النوبيّة القديمة؛ أخذت حيّزًا واسعًا منهما، السّمات المِشتركة فضاء القرية في ريف السّودان، البحث عن الآثار وسرقتها، وشخصيّة العمدة وسلطته القائمة على اغتصاب الحقوق والأعراض والأموال.

كما أنّ الإسقاطات التاريخيّة على الواقع المُثقَل بالاستبداد والدكتاتوريَّات والظلم، هو خطٌّ مشتركٌ جديرٌ بالاهتمام، والتوقّف عنده.

 

عمّان – الأردنّ

ــــا1\11\2021


تأملات قرآنية