الاثنين، 19 أبريل 2021

الانا والآخر في رواية ميلانين

 الأنا والآخر في خطاب

رواية (ميلانين) للروائية التونسية "فتحيّة دبش" الحائزة على جائزة كتارا لعام 2020‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬


بقلم الروائي-  محمد فتحي المقداد


المقدمة:

السرديّاتُ عُمومًا تنطلق من واقع ما؛ فهو أساس صالح للبناء الروائيّ، وتأتي موهبة الكاتب للسير قُدُمًا في مزاوجة إبداعيّة بين الواقع والخيال؛ لنسج عالم روائيّ مُقنع بحدثه، وممتع لمتابعة القراءة بتشويق بمجاراة للكاتب.

   والكاتب جزء من الواقع، وسيرته خيط من نسيج اجتماعي، والعمل الروائيّ وعاء يستوعب مثلا تذويت سيرة الكاتب من خلال سرديّة أدبيّة ترتقي إلى عوالم الحداثة، على مدارج اللغة، وتصاعد الحدث، بصنعة أدبيّة ترتفي عن الحكاية بمسافات ماهرة خبيرة، عارفة إلى أين هي ذاهبة، وأمينة على أخذ القارئ معها إلى عوالمها بأمان، وهو ما قامت به الروائيّة "فتحيّة دبش".


العنوان:

 أقوى العناوين ما جاء بكلمة واحد، وهو على الأغلب يكون مُحكَم الدلالة؛ ليقودَ القارئ إلى عتبة النصِّ، ومن ثمّ الوُلوج إلى دهاليزه، وزواياه المُضيئة والمُعتِمة.

   ميلانين: مصطلح عِلميّ، وهو المادّة الصِّبغيَّة المسؤولة عن تلوُّنِ البشرة والشَّعر؛ كلّما حضرت كان اللَّونُ غامقًا كثيفًا، وكلما قلّتْ كان اللّونُ فاتحًا. 

   وحسب موقع ويكيبيديا: (يبدأ إنتاج الميلانين في الجلد بعد التعرّض للأشعَّة فوق البنفسجيّة، مما يُسبِّب اِسْمرار الجلد بشكل واضح. يُعتبَر الميلانين مُمتَصٌّ فعَّالٌ للضوء، والصّبغة قادرة على تبديد أكثر من 99.9٪ من الأشعة فوق البنفسجية الممتصة).

   وفي مزاوجة لكلمة ميلانين، مع اختيار الكاتبة لمقولة عالم النفس "كان بول سارتر": (أنا أستطيعُ أن أختار دائمًا، وحتّى إذا رفضتُ الاختيار، فإن عدم الاختيار؛ هو اختيار في حدّ ذاته). يتبيّن أنّها اختارت السّفر للدِّراسة في فرنسا، واختارت أنْ تروي لنا تجربتها على لسان بطلتها المُوازية "أنيسة عزّوز"، لكنّها لم تختر، بل كانت عاجزة تمامًا باختيار لونها الأسمر المعجون بأديم أفريقيا؛ ولتحكي لنا برمزيّة مؤشّرة للتمييز العنصريِّ، وقضيّة المُلوّنين على مستوى العالم. 

   فهل كانت واعية لسبب اختيارها لهذه العبارة، ونحن نستقرئ فلسفتها المُتوارية خلف ظاهر المعنى، أجزمُ بقولي: "نعم"، في مثل هذه الحالات لا يأتي الاختيار عَبثًا، للاتِّكاء على اسم سارتر في بداية الرواية لخداع القارئ، أو لفرد عضلات الكاتب لإيهام القارئ.


الأنا والآخر:

   الأنا والذّاكرة خاصّة في السّفر، هواجس الضّجر، قلق المسافات والانتظار،  والاستجواب، قلق الخوف من المجهول بتضاديّة الإقدام عليه، متزاوج مع قلق الوصول، فالمحطّات تُسلم نفسها للعابرين بمتوالية ارتباطيّة كلّ محطّة تُفضي إلى أخرى، وبوّابات للخروج تُقابلها أخرى للدخول. 

   (أشعر بالبهجة نفسها، والنّوستالوجيا التي صاحبتني عند أوّل سفرة بعيدًا عن شجر التّين والزّيتون) ص10. لم يطُل بنا الأمر لاكتشاف سبب القلق المشوب بالخوف؛ سببه الحنين المؤرّق للوطن، هي لم تُعبّر بكلمة وطن أو قرية، بل أوّل سفرة بعيدًا، حيث اختصرت الوطن بشجرة، ولماذا الشّجر.. التّين والزّيتون؟، أعتقدُ جازمًا أنّها تحسدُ هاتين الشّجرتيْن لتجذرهما، وتعميرهما سنوات طِوالًا، وها هي تركت جذورها وقدمت إلى باريس، كما أنّ رمزيّتهما كبيرة؛ فيهما الحياة الدّائمة المُستمرّة في أفريقيا، بمقاومة الجفاف والظّروف القاسية، والإصرار على الحياة بعناد، كما أنّ دلالتهما القرآنيّة في ضمائرنا، فيهما إشارة اِتّكائيّة  لتعود بنا لتلاوة هذه السّورة، وكأنّها تقول: مهما ابتعدتُ لن أتخلّى عن مُعتقدي وأصولي وجذوري. كما أنّ رمزيّة شجرة الزيتون المُباركة كرمز للسّلام والسِّلم العالمي المفقود، أحملها بقلبي وعقلي.


   وتقول: (كبيرةٌ جدًّا باريس، وأنا القادمة من قرية بعيدة بين بحر وصّحراء، عندما غادرتُ "مارث" إلى تونس العاصمة، كنتُ أشعرُ بالتّيه لفرط اتّساعها، واكتظاظها، هو الشّعور نفسه الذي تلبّسني، وأنا أحطّ بطموحاتي في معهد الصّحافة  هنا قبل سنوات من اليوم، باريس الشّرسة أكبر بكثير ، والتّيه فيها بلا حدود)ص10. ومن الذي دفع فاتورة السّفر والدّراسة: (باع أبي شُوَيْهاتها وأمّي  حِلِيّها القليل، وعزمتُ على العوْم، إمّا النّجاة، وإمّا الغرق) ص11. الرّيف الفقر، والتضحية بأساسيّات العيش من أجل العلم، ومجازفة لتجربة مجهولة الطّريق، محفوفة بالفشل على كثير من الاحتمالات، والنّجاح بالأخرى.

هنا يتبيّن أنّ الحدث الروائيّ جاء على محمل الذّاكرة، وما جادت به بعد اتّضاح الرّؤية، بالنسبة للقرويّ الريفيّ ونظرته إلى المدينة الصّارخة بكلّ شيء مختلف تمامًا عن القرية الهادئة، الناس يعرفون بعضهم بعضًا، والمُدنُ تُرحّب بكل غريب، تحاول ابتلاعه واحتواءه بكلّ تفاصيله، وإغراقه في أُتُونها، وهو ما تنبّهت له "فتحيّة دبش"، بقولها: "باريس الشّرسة أكبر بكثير ، والتّيه فيها بلا حدود". والغُرباء يجمعهم ليل الفُندق النّزُل، يحاولن التخلّص من أحمال همومهم المُتشابهة حدّ التّطابق.  لكنّ ضرورة المدينة محطّة في حياة البشر جميعًا، يقصدوها لقضاء شؤونهم المختلفة.

الغُرباء يلفت انتباههم كلّ صغيرة وكبيرة، وتُعبّر عن ذلك: ( كنتُ فيها أسير - بباريس- بين أبنائها بلا ظلّ ولا امرأة، وحده الحنين يجُرّني إلى جوْلة بالمغرب الصّغير ببارباس - حيّ باريسيّ -، أملأ حواسّي بالأصوات باللّغة وبالروائح، يُبادرني أحيانًا بعض الباعة، بلغة فرنسيّة بلكنة مغاربيّة، أجيبُه بالعربيّة؛ فيفغر فاه) ص11. شعور الغرباء مُتشابه بالحنين والأشواق لرائحة الأوطان وعلى متنها يغادرون باريس سفرًا بأرواحهم إلى ديارهم. هذه الازدواجيّة، وانقسام المشاعر والحنين الدّائم، في حقيقته قلق الذّات بين الرّفاه في الشّمال، والعودة إلى مواطن الفقر في الجنوب، وهي قضيّة شائكة بكل مستوياتها.  


الآخر العنصري:

   وبتتبّع هذا الموضوع في سياق الرّواية، فلا بدّ من إماطة اللّثام عن الوجه الآخر لبلاد النّور، لا أدري كيف أطلقوا عليها بلاد النّور، وهي الدّولة الاستعماريّة قديمًا أيّام الاستعمار الكولونيالي، وما زالت تُدير كلّ خُيوط اللّعبة في أفريقيا ودول عديدة في العالم، من خلال غطاء الفرانكوفونيّة، وتقوم بنهب ثرواتها، وتثبيت رجالها كزعماء تُشغّلهم لمصالحها من خلال تنصيبهم كرؤساء ووزراء وحكّمًا إداريّين على دولهم.  

-(هناك دائمًا حدث ما أو عبارة ما يذكّرك به الآخرون من خلالها بأنك مُختلف، لا بدّ لك من تبعيّة ما؛ حتّى يستأنسوا إليك، إن استطاعوا) ص12.

-(ألملمُ شظاياي، أستعيد اختلافي، وأختفي من هرج الأسئلة بين الدّفاتر.. هناك فقط تكمن النّجاة) ص12. الغُربة تفرض قيودًا جديدة في نفس أيّ مُغترب لأيّ سبب كان. كثيرٌ من المخاوف.. كثير من التّحفّظات، صراع الهويّة والانتماء، وخلع القيم والمبادئ حتّى يكون مُدمجًا في مجتمع مختلف تمامًا، لا يرضى من المهاجر إلّا بخلع جلده ورميه في مزبلة بلاده، والقدوم إليهم جاهز لقولبته على طريقتهم التي يريدونها.

-(على مشارف الحزام السّريع المُفضي إلى الطّريق السيّارة رقم 86، تظهر المُخيّمات العشوائيّة مُتراصّة، بعضها فرديّ، وبعضها جماعيّ . أسألُ السّائق: إنّ كانت مُخيّمات الغجر؟، ولكنّه يُجيب بنبرة حياديّة: لا، هي تجمّعات للمُتسلّلين الجُدُد) ص12. في هذا المقطع يتبيّن لنا أن الزّمن الروائيّ للحدث هو جديد، ابتدأ بعد موجة الرّبيع العربيّ ، وهو ما عادت لتؤكّده الروائيّة: (بعد الرّبيع العربيّ بدأت إفريقيا تتقيّأ أطفالها بلا مُواربة، ولا خجل، ومن صمت جرائمها في بيع أطفالها قديمًا للقواف العربيّة، ثمّ للبواخر الغربيّة، واليوم على ظهور قوارب الموت تتقيّؤهم دون استثناء) ص12. 

وترسم بمهارتها الأدبية المشهد بحروف تقطر ألمًا إنسانيًّا: (وتحوّلت البضاعة السّوداء إلى بضاعة مُلوّنة، تملأ بطن المُتوسّط الذي لا يشبع) ص12. وهنا تتجلّى فلسفة اختيارها المُوفّق لكلمة ميلانين؛ لتجعلها عُنوانًا للرواية، فبكلمة واحدة غطّت على أسِّ الحدث بشكل معقول، ومُقنع لتوجّهات رساليّة الرواية.    

وفي جملة مثيرة: (فرنسا شقراء، وستظلّ..!!)ص13. كذا قال لي نيكولا – طالب في نفس دفعتي – ونحن نتقاسم وجبة غداء في المطعم الجامعيّ. قلتُ له: (لكنّ الشّوارع تثبتُ أن سمرة صحراويّة تجتاحها ببطء) ص13. وضع ملعقته وشوكته جانبًا واعتدل في جلسته قُبالتي، وقال: (من الصّعب جدًّا أن تُنجِب أنثى بلا حُبٍّ، ولكنّه يحدُث كثيرًا أن تحمل جنينًا بلا حبٍّ أو بعد اغتصاب، وأن يتحوّل الجنين إلى طفل مُشاغب يُخلخل قلق البراءة، يُفجّره بحثًا عن هويّة، أخيرًا ستجعل منه طفلًا شرعيًّا دون أن يكونه، ويحدث أيضّا أن يتحوّل جنين اللّاحب إلى طفل نزق مُنفلت يهدّدها ويقتصّ منها) ص13. 

-(انظُري ماذا فعل المُهاجرون القُدامى بفرنسا..!! عليك رُبّما بالخروج في جولة إل بارباس في يوم الجمعة، يسجدون في الشّوارع يكتبون بالعربيّة على واجهات مغازاتهم، لم يحدث أن خلخلت أقليّة مُهاجرة فرسا مثلما خلخلتها الجاليات العربيّة المُسلمة) ص13+14. 

   -(إنّه زحفٌ ممنهج، مُتمرّد، اندمج الجميع حتّى السّود، أمّا المُسلمون فقد كشفوا عن عجزهم عن التأقلم فيها، ظلوا مُتمسّكين بعاداتهم القبليّة، وبأفكارهم الخُرافيّة، ساقهم إليها الفقر، حتّى إذا شبعوا تنكّروا لبلد آمنهم من جوع) ص14.

   -(نيكولا دُوران، يُردّدُ كثيرًا تاريخ جدّه اذي مات في حرب تحرير فرنسا، ويرى في نفسه وريثه الشّرعيّ في النّضال، يحلمُ بفرنسا البيضاء الكاثوليكيّة، ولا يتردّدُ مُطلقًا في التّصريح) ص14. ثمّ أعاد القوْل: (لا يُمكن إدماجهم أبدًا، وكلّ عرق يجب أن يحافظ على نقائه) وسألته: (ماذا يعني كلّ ذلك، العرق والإدماج؟) لم يرتبك نيكولا من سؤالي، ولكنّه اضطرّ للشرح والتّعليل، وهو يؤكّد أنّه ليس عُنصريًّا، بل قوميًّا ليس إلّا) ص14.

   في الحقيقة أنّ أجمل الكلام هو ما قلّ ودلّ، بضع صفحات وهي الأولى من رواية ميلانين، فقد أفصحت بجلاء عن المشاعر العنصريّة بالطبع ليس الفرنسيّون وحدهم، بل معظم الدّول الأوربيّة، تتجلّى بالوجه القبيح المُغاير للبروباغندا الإعلاميّة التي انكشفت، ولكنّها  مع ذلك لا تزال مطمح كلّ فقير ومُضطهد في وطنه.


الخاتمة:

   للمطالع لرواية "ميلانين"، سيجد نفسه في معمعة الصّراع بين الفقر والغنى، بين الجنوب والشّمال، بين الأسود والأبيض، بين المُضطهد والتهجير القسري، بين الموت والحياة،  بين الموت ولُقمة الخبز، بين الدكتاتوريّة والحرية. 

   الرواية لوحة سورياليّة جمعت المُتناقصات، مليئة بالقلق والخوف، والشعور المُتأجّج بالهواجس المُتعلقة بالحياة داخل الأوطان وخارجها، ونشوء تعالقات جديدة بنتائجها الحتميّة، بين الجذب والشدٍ، على محامل الحبّ المفقود والكراهيّة، في أوطان مُلئت بدماء أبنائها، لما أرادوا أن يكونوا بشرًا، بفعل ارتدادات الثورة المُضادّة من الأنظمة، حفاظًا على مصالح مجاميعها الحاكمة. 

   وليس عبثًا ولا مُفاجئًا أن تفوز رواية "ميلانين" للروائية التونسيّة "فتحيّة دبش"، بجائزة كتارا للرواية العربيّة في موسمها ٢٠٢٠، لولا أنّها تستحقّ ذلك عن جدارة، لأسباب كثيرة منها على      سبيل المثال، اللّغة الرّشيقة المُقتَصَدة، سلامة البناء الدّرامي بكافّة مُستوياته السرديّة، ملامسة قضايا مُعاصرة شائكة، بمحاولة تسليط الضّوء عليها، والإشارة إليها بعين أديبة، استطاعت اقتناص اللّحظة بحرفيّة خبيرة. وألف مُبارك للقُرّاء والكُتّاب العرب ولفتحيّة دبش. 

عمّان – الأردنّ

١٩/ ٤/ ٢٠٢١

الأحد، 18 أبريل 2021

الفكرة في المدينة الفاضلة (17)

 الفكرة في المدينة الفاضلة

(17)

بقلم – محمد فتحي المقداد

أوّل ما يتبادر إلى الذّهن بمجرّد نُطق تعبير "المدينة الفاضلة"؛ يذهب الذّهن مُباشرة إلى أفلاطون، الذي أسّس في كتاباته للمدينة الفاضلة المثاليّة بكلّ ما فيها؛ القائمة بالطّبع على المُجتمع الفاضل المثالي قائم على مبادئ العدل والمُساواة والحريّة، كما تمنّاها أن تكون على أرض الواقع، خالية من الشّرور والخوف والقتل والدّمار، وهو ما اُصْطلح عليه بتعبير "اليوتوبيا". وهذا تبيّن من خلال "كتابه القانون" و"كتابه الجمهوريّة"، وفيهما أفرد تفاصيله النظريّة وتطبيقاتها العمليّة على جميع المُستويات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، للتقنين لمدينت الفاضلة.
في مقابل "اليوتوبيا" هناك على الضّفة المغايرة تمامًا لهذه المعاني كما تبيّن معنا، ظهر مُصطلح "الديستوبيا": المجتمع غير الفاضل الذي تسوده الفوضى والظلم والتظالم، ليس فيه للخير مكان أبدًا. وهو عالمٌ كابوسيٌّ، كريه مكروه غير مرغوب به، ومن خلاله تسعى الدّول وحكوماتها؛ للسّيطرة بكافّة الوسائل المُتاحة وغير المُتاحة على شُعوبها ومواطنيها. وفيه يتجرّد الإنسان من إنسانيّته المُنتهكة في غياب الدّساتير والقوانين النّاظمة لحركة المُجتمع والسّلطة، في تغوّل مُخيف ببث الرّعب والقلق والخوف.
فالفكرة تتمخّض بانسلال الإبداع في كلا الحالتيْن من رحمها، وتتأرجح بين الفكرة في وصف حالة "اليوتوبيا" و"الدّيستوبيا"، وذلك حسب مهارة الكاتب في إدارة فكرته، بتوصيف وتقنين برؤية إبداعيّة، تستوعب مُجريات الحدث على أفضل ما يكون. حيث ظهر أدب "المدينة الفاضلة" وهو الأكثر من الكتابات الروائيّة والفكريّة ذات البّعد الإصلاحيّ, أمّا أدب "المدينة الفاسدة" ؛فأهَمّ الأعمال على الإطلاق، رواية "1948" للروائي الأمريكيّ "جورج أورويل" وكما وُصِفَت بأنّها دُرّة أدب الديستوبيا.
وفيما تولّد عن الديستوبيا، مصطلح "فوبيا" آخر ينتمي لهذه الطّائفة، الخوف من الأماكن العالية والضيّقة والمغلقة، وفي تطبيقات سياسية "إسلام فوبيا" ضمن معطيات سائدة، وتمّ تطبيق الفوبيا على كلّ شيء مُخيف عُمومًا، يشمل جميع مناحي الحياة.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

الجمعة، 16 أبريل 2021

علم الأفكار (1)

 

عالم الأفكار

(1\1 )

 

   أنا أُفكّرُ إذن أنا موجود, ولكن ما أُفكِّرُ به ليس هو على سويِّة واحدة من الأفكار تجاه القضايا المختلفة، وما هو ارتباطي بها, بما لها من تأثير على خصوصيّة حياتي، وما يتعلَّق بها من الطُّرُق الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو السياسيّة أو الدينيّة, وما يُمكنني في تلك المقالة من رصد هذه الجوانب، التي أرتبط بها من خلال تواجدي في هذا الكون، ولا يمكن أن يخرج عن دائرتها أيًّا كان.

   فإذا أطلقنا الأحكام على تلك الأفكار، ممكن أن نقول عن بعضها: إنّها أفكار حيّة, بما لها من قابليّة على التعامل بها، وتطبيقها في يُسْرٍ وسُهُولة, ويقابلها الأفكار الميّتة التي أثبتت أنّها غير ممكنة التطبيق, كما أنَ الأفكار الخالدة تستلهِمُ روح الحياة فتبقى ببقائها, بينما الأفكار الاِسْتهلاكيّة تأتي كوجبة خفيفة لمرحلة مُؤقَّتة؛ تستنفد حاجتها الوقتيّة.

   وإذا كانت الأفكار تعمل لما هو خير المجتمع ورفعته، فتكون أفكاراً خيّرة, على خلاف تلك الشِّريرة التي تغرس الشرَّ، وتحرض عليه.

   وإذا كانت أفكاراً تستشرف رُؤى المستقبل توصف بأنّها تقدميَّة, وإذا قابلتها الأفكار التي تريد أن تعود بنا لجُمود قُرون خَلَت؛ فتُعدُّ رجعيَّة؛ لجمودها، وعدم اتّساقها مع تقدم الحياة, أي مُتَكلِّسَة غير قادرة على العطاء.

   وإذا جاءت الأفكار بالسِّلم الأهليّ والاجتماعيّ؛ فهي أفكار مُسالمة نابذة للعنف, وتقابلها الأفكار العُدوانيّة الهادفة لزرع الخراب والدّمار؛ لتحقيق المصالح الشخصيّة على حساب الآخرين.

   أما الأفكار التي تُقدِّم الجديد، وتنبذُ العنف والشرّ؛ فهي بنّاءة، بينما الحاضّة على الخراب والدمار في مختلف الجوانب لا شكّ أنّها هدّامة.

لكن إذا وصفنا بعض الأفكار بأنّها عمليّة؛ فلأنها سهلة التطبيق بعيدة عن التَكلُّف, ويقابلها العقيمة التي لا تأخذ بها لا حَقًّا، ولا باطلاً.

أما إذا كان المفكّرون؛ يفكرون بالتخطيط للرُقيَّ ببلدنا فنقول: إنّها أفكار وطنيّة ترتكزُ على حُبِّ الوطن، وصاحبها مُستعدّ للتضحية من أجل وطنه بالغالي والرَّخيص, وإذا ما أتت من خارج الحدود؛ فَنَصِفَها بالأفكار المستوردة، ولا تتطابق مع واقعنا بالكثير من جوانبها.

   ومن خطط ودرس في الجانب الاجتماعيّ توصف أفكاره: بأنّها اجتماعية, وإذا خطّطت، ومشت في طريق السِّياسة؛ تعتبر أفكاراً سياسيّة.

   وإذا كانت تُخطط في المجال الاقتصاديّ، وتدرسُ نظرياتِه، وخططه، فهي ذات نهج اقتصاديّ, وإذا وضعت القوانين النَّاظمة لحركة المجتمع؛ فتكون أفكاراً قانونية.

   وإذا جاءنا أحد المفكرين بفكرة قد أخذها أو سرقها من أي مصدر فنطلق عليها أفكاراً مقتبسة في أحسن الأحوال، بينما في حقيقتها هي مسروقة, وإذا كانت خلاف ذلك قد ابتكرها من فكرة فتكون مبتكرة.

   وإذا كانت تتثاءب غير قادرة على العطاء فتكون أفكاراً كسولة على خلاف تلك النشطة, أما إذا كانت الأفكار مُشرقة نديّة خيّرة سهلة, فهي تكون جيدة صالحة للحياة، أو إذا كانت على غير ما وصفنا لا شكّ بِردَاءتها؛ لأنّها سيئة، ولا تُقدم أيّ شيء، وتستهلك الوقت والجهد.

   أما إذا كان هناك مُفكرون لا يؤمنون بالوحدة، وانحصر تفكيرهم في إطار القُطريّة الضيَّقة، التي لا تتطلّع لما يقطن وراء الحُدود، مما تجمعنا بهم أُخوَّة الدِّين واللُّغة والتَّاريخ والمصير، فتكون تلك الأفكار قطرية, بينما إذا كانت تعالج هُموم الأمَّة، وتتطلَّع لما وراء الحدود؛ لتشمل كلَّ مجتمعات الأمَّة؛ فتكون أفكارًا قوميّة.

   بعد فترة القرون الوسطى ظهرت الأفكار الرأسماليّة، التي عملت على قيادة المجتمعات الأوربيّة باتجاه الثورة, وعلى الجانب الآخر كانت الأفكار الاشتراكيّة، التي عَمِلت على تأميم المصانع والشركات لصالح العُمَّال والفلَّاحين, ولكن الأفكار التي عملت على نشر الثقافة في ربوع مجتمعاتها؛ فنطلق عليها لقب ثقافيّة، على خلاف أفكار الجهل.

***

الفكرة المفتاحيّة (16)

 

الفكرة المفتاحيّة

(16)

 

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

   الفكرة المفتاحيّة، التي يُستولَدُ منها جُملًا مفتاحيّة، خاصّة في بعض الكتابات الأدبيّة، ذات القيمة العالية المُثقَلة بحمولتها؛ وتأتي مهارة الكاتب في إدارتها باِقْتدار، لتجلو الغامض، وتفتح آفاق رُؤًى نوعيّة بِطَرْحٍ فذٍّ غير عِملاق، باعثة على التَنَبُّه للتمهُّل في رحابها،  لأخذ فُسحةٍ تأمليّة، فاتحةً شهيّة التّساؤلات، ومُحرّضة على البحث والنّبش فيما ورائِيّاتها؛ لقراءتها بالشّكل الحقيقيّ لها.

    عند ذلك يكون مُنتجها قد بدأ بالتكوّن الجَنِينيّ لُمعَةً في عقلٍ واعٍ، يتمتّع بموهبة مُختلفة عن مُحيطة؛ فيعتنقُها بِشَغفِ جُنونيٍّ، حتّى إذا اِسْتحوَذت على منافذه جميعها؛ ستتوّلدُ الجرأة في دواخله انفجارًا؛ ليكون رُبّانها إلى بَرّ وساحات عقول الآخرين بأمان وسلام؛ فيغدو مُنظّرها, وربّما تُنسَبُ له فيما بعد.

   و"الفكرة المفتاحيّة" على خلاف "الفكرة الخُردة": وهي حسب ما أعتقد تُنتجُ مزيدًا من التراكمات الضّارّة، وغير الضّارة، أو غير النّافعة، الموسومة بنمطيّتها المكرورة، دروبها مُنزلقات إلى مُستنقعات قذرةٌ مُسْتقذَرة، أقرب لحالة المَوات من الحياة، تُجيد أداء عزفها الجماهير المُسْتَأدِبَة بما يُشبهُ الأدب.

   وفي منحًى تقنيّ بحت؛ مُترافق مع أدوات ومُحرّكات البحث الإلكترونيّة؛ فإن الجملة المفتاحيّة: (الكلمات المفتاحيّة: هي الكلمات التي يستخدمها الأكاديميُّون؛ للكشف عن البُنية الداخليّة للورقة البحثية. سواء في الأبحاث الأكاديميّة، أو في مواقع الأنترنت. الكلماتُ المفتاحيّة يجب أن تُعبّر بأفضل شكل عن المقال، أن تختصره، بالإضافة إلى ما هو موجود في العنوان (لا يجب استخدام نفس العبارة في العنوان والكلمات المفتاحية معاً).

   الكلمات المفتاحية الصحيحة قد تزيد من فرصة العثور على المقال أو البحث، ومن فرص وصوله لعدد أكبر ممن ينبغي أن يصل لهم. تكمُن أهميّة الكلمات المفتاحية، وخُلاصة البحث وعنوانه بصورة أساسيّة في جذب هؤلاء الكُتّاب شديدي التَّخَصُّص، وشديدي التأثير في مجالاتهم، والذين يتخصّصون بقراءة ما يحمل الخصائص المناسبة، لكنهم لا يقرؤون، ولا يمكن أن يقرؤوا كلَّ شيء، ويُذكر أن الكلمات المفتاحيّة انحسرت أهميّتها مؤخراً بعد الثورة في مُحرِّكات البحث، التي تشمل ببحثها التلقائيِّ كلّ ما في المواقع من نصوص بالإضافة إلى تحقيق الربط المعنويّ والسِّياقيّ بين العبارات) هذا باختصار شديد عن الموضوع للتوضيح فقط. *عن مصادر ويكيبيديا.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

16\ 4\ 2021

 

الأربعاء، 14 أبريل 2021

الفكرة وعقدة الخواجة (15)

 

 

الفكرة وعقدة الخواجة

(15)

 

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

    بالتوقّف الإجباريّ أمام معايير النّصر والهزيمة في حياة الأمم، نخلص إلى أنّ نتائجهما، ومُخرجاتهما؛ تنسحبُ سلبًا أو إيجابًا على المُنتصرين والمنهزمين على حدّ سواء، كلٌّ حسب موقعه، وقُربه وبُعده عن ساحة ومركز الحَدَث.

   وحسب موقع ويكبيديا، يُعرّف عقدة الخواجة: (عقدة الخواجة: مصطلح ظهر؛ ليعبر عن حالة نفسية عامّة لشعوب المنطقة العربيّة؛ تُفسّر حُبّهم لكلّ ما هو غربيّ، ورفضهم لكل ما عربيّ). إلى حدّ ما مُمكن التوافق مع هذا التعريف في جانب، ويتبيّن قُصوره؛ بحصر الموضوع بحبّ التقليد الأعمى فقط.

   وأغفل المُدوّن للمعلومة دوافع هذا الشّغف، المتمثّلة بالهزيمة الماديّة المعنويّة على كافّة الأصعدة والمُستويات. وحصر حبّ التقليد في العرب حصرًا، وكأنّ العرب من بين شعوب الدنيا، هم وحدهم الذين يُقلّدون، في الحقيقة أنّ هذه النّقطة تنسحبُ على جميع الأمم والشّعوب المهزومة عسكريًّا وروحيًّا.

   وفي الرّجوع إلى عالم الاجتماع العربيّ ابن خلدون؛ فقد رصد قبل ستة  قرون هذه الظّاهرة، مع بداية المئة الثامنة للهجرة: (في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).

   وعُقدة الخواجة مُعادل القاسم المُشترك لمفهوم الرّسوب الحضاريّ، كما قنّن هذا المفهوم المُفكّر الجزائري "مالك بن نبي"، وما زالت كلمة خواجة التي سمعتها في صغري قبل خمسة عقود، من رجال سافروا إلى فلسطين للعمل، وأكثرهم كان في مدينة حيفا، عندما يصفون صاحب العمل اليهوديّ، يقول "الخواجة اليهوديّ" أو "الخواجة" فقط، بينما تردّدت الكلمة على ألسنة الجيل الذي يليهم ممن سافر للعمل في لبنان.

   ارتسمت صورة الخواجة في ذهني، بالرجل الأنيق الهندام، يعتمر البرنيطة على رأسه، ونظّارات سوداء، وغُليونه في فمه أو السيّجار الكوبيّ، ولا يتكلّم العربيّة، وإذا تكلّم بها، نطقها مُكسّرة، وإبدال ضمير المُذكّر بالمؤنّث أو العكس.  

   وأمّا شُعور الفلّاح ابن القرية من أيّ بُقعة ريفيّة سوريّة، لمّا كان يذهب إلى دمشق، يُصاب بصدمة الإبهار حدّ لجم لسانه عن أيّ كلام؛ فكان يُرى وهو في أحسن حالته، كأنّه بلاهة مُستوطنة في داخله منذ ولادته.  

   المنهزمون ليس عسكريًّا، لديهم شعور المهانة بالنّقص تجاه هؤلاء، سواء المُنتصر أو الخواجة  أو ابن العاصمة، ما هو إلّا عُقدة النّقص، والشّعور بالدّونيّة، والتّقليل من نفسه، لدرجة يصعب معه مُجاراتهم بالكلام معهم مُتهيّبًا، خجلًا، فيضطر لتغيير لهجته، وهذه أبسط الأشياء وأوّل تنازلاته.  لمسايرتهم ظنًا منه أنّه ارتقى قليلًا.

   الأمر ينسحب على الأمم قاطبة، بلباس الجينز، وموضات الشّعر الغريبة، وعودة موضات الهيبيز، والأردية الممزقة أطرافها خاصّة السّراويل، والتهافت على مطاعم البيتزا والهامبرجر والدوغ  هوت، والموسيقى الغربيّة التي لا يفهمون شيئًا، وانتشار المثليّين والشواذّ والمُتحوّلين والمُلحدين، وانتشار موضة المُساكَنات المختلطة (تشاركيّة السَّكن) بعيدًا عن الأهل، والتجربة الجنسيّة قبل الزواج. ويطول الحديث ويطول.

   وفي هذا القدر كفاية، أعتقدُ أنّها وضّحت رسالة العنوان "الفكرة و عقدة الخواجة". فهل على المغلوبين أن يخرجوا من جِلْدِهم، لباسهم الدّاخلي؛ ليُرضوا رغبتهم بمُجاراة الخواجة؟.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

 

عمّان – الأردنّ

15\ 4\ 2021

 

الثلاثاء، 13 أبريل 2021

الفكرة المستهلكة (14)

 

الفكرة المُستهلكة..

(14)

 

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

اضطررتُ لشرح فكرة المقال لزوجتي قبل بدء الكتابية، وكيف سأقود فكرتي مُنطلقًا بها إلى مُنتهاها، ومُستقرّ مقاصدها الرساليّة. هزّت رأسها علامة إعجاب بعد دهشتها من سؤالي: "هل تعتقدين أن المرأة هي الفكرةُ المُستهلكة الأعظم في الدنيا؟".

أكّدَت لي تأييد رأيي؛ لأنّي لن أحتمل مُعاداة ثلاث مليارات امرأة في الدّنيا، ولن أستطيع مقاومة عدائهنَّ لي. وسأفقدُ معظم جمهوري من القُرّاء في العالم الافتراضيّ. وهل من مجنونٍ يقومُ بما قمتُ به، لو كان بدون إذن وتصريح؟.

أعتقدُ جازمًا أنّ المرأة هي الفكرة المُستهلكة الأعظم على الإطلاق في تاريخ البشريّة، أقصدُ ما كُتِب عن المرأة. وفي أدبنا العربيّ الذي وصل إلينا؛ فقد كان الغَزَل هو أحد أغراض الشّعر الرّئيسة، التي لم تنفَدْ وسائلها، ووصلنا أشهر قصص العُشّاق العربيّة (قيس ولبنة)، و(مجنون ليلى)، وقصص ألف ليلة وليلة.

ومن يُطالع كتاب (تاج العرس ونُزهة النّفوس) و(أخبار النّساء)، سيجد العجب العُجاب من أوصاف جسد المرأة، ولم يتركوا أيّ عضو، إلّا وله وصف تفصيليّ مُثير غاية الدّهشة. إلى هُنا يبقى الأمر ضمن المقبول.

في حاضرنا شاعت موضة الأدب الإيروتيكيّ، أدب غرفة النّوم، والرّوْب الأحمر والأصفر والأزرق، هذه الظّاهرة هبطت إلى مُستويات، المواخير والمراقص وشواطئ العُراة، هادرة لكرامة المرأة وقُدسيّتها كأمٍّ، وأخت، وعالمة، ومُفكّرة، والانتقال بها من عوالم الفضيلة والاحترام، إلى مُستنقعات آسنة لا تليق بإنسانيّتها.

الانتقال من عالم الفضيلة، إلى جعل المرأة وسيلة تجاريّة رابحة. تجارة الرّقيق الأبيض، والإعلانات التجاريّة، والعلاقات العامّة، واتُّخذت غايات تتخفّي خلف يافطة تحرير المرأة، ومناهضة العنف الذّكوري (الجندريّة)، وانتشار موجات الشّذوذ على نطاقات عالميّة واسعة. وبالتأمّل فيما يحيط بنا بشكلٍ عامٍّ، نخلص إلى: أنّ المرأة فكرة مُستهلكة، وهي الخاسر الأكبر في كلّ ما يحدث، ويتجلّى ذلك في موجات الحروب التي أعادت استرقاق النّساء عالميًّا.

*تساؤل مُهمّ:

هل العالم الرجوليّ مُتآمر على كيان المرأة، وهتك إنسانيّتها؛ لإرضاء غرائزه ونزواته؟.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ

13\ 4\ 2021

الفكرة بين المنع والانتشار (13)

 

 

الفكرة بين المنع والانتشار

(13)

 

بقلم محمد فتحي المقداد

 

كلّ فكرة تبوحُ بمحتواها المليء، ولها قيمتها التي ستُبقيها على قيد الحياة، تعيشُ مع النّاس على اختلاف أماكنهم وأزمانهم؛ فإذا ما لها توافرت شروط النموّ؛ تزدهر في مناخ من الحُريّة، التي تُفسح كُلّ الطُّرق؛ لتسير بخُطًى ثابتة واثقة.

وفي يقيني أن الصّراعات البشريّة تتمحورُ غالبًا على الأفكار؛ فالفكر التسلّطي القهريّ لمن يملكُ للقُوّة وأدواتها من حاكم أو سلطان، يُريد أن يُثبّت نفسه ساعيًا لاستقرار كُرسيّه له ولمن بعده من أبنائه إن استطاع. ولا يتأتّى له ذلك إلّا من خلال التُرغيب والترهيب، واستحمار الآخرين، واستغفالهم، يُقرّب الموثوقين بإخلاصهم، ولا أظنّ إخلاصهم إنمّا السّعي خلف مطامعهم، ليكونوا عصاه الغليظة المأمورة، فتُطيع بلا تردّدٍ.

أمّا الفئة الواعية حاملة الأفكار، قسمُ منها عنيد صلب خلف لائحة فكره، لا ينحني أبدًا، يستميتُ أمام فكرته فِداء لها يُقدّم  روحه لها بلا تردّد، رغم العروض السخيّة بالإغراءات التي لا تعني له شيئًا، بكلّ تأكيد أن فكرته ممنوعة التداول، مُعادية للسّلطان الخائف منها، فيأمر بمحوه من المشهد، بالسّجن والقتل والتّشريد، لأنّ قانونه لا يرضى إلّا بمن يكُن معه، مُعلنًا ولاءه له بصراحة، فيصنع من صاحب الفكرة عدوًّا، وشهيد قداسة الفكرة. (الأمثلة لاتُعدّ ولا تُحصى).

بالمُقابل تطفو الأفكار الرّخوة ذات الطّبيعة الرّغويّة الخادعة بمظهرها البرّاق، ذات طويّة خاوية، لا خير فيها، تتصدّر المشهد متلألئة تحت الأضواء، والطُّبول تُقرع لها، ويرقص أصحابها على وقع الإيقاع النّشاز، بفرح وسرور، فيُشكّلون حالة إبهار للأغلبيّة المُضلّلة، التي سترقص وتُصفّق بانفعال مُثير.  الفكر لا يُقاوم إلّا بفكر أقوى بالإقناع والإفحام، والعصا تُخمِد وهج الفكرة إلى حين، فتبقى حيّة تحت الرّماد. والحريّة هي المناخ الوحيد لانطلاق الفكرة الأصيلة الواعية المؤثّرة،

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء)

عمّان – الأردن

13\ 4\ 2021

تأملات قرآنية