الخطاب التنويري
الجمعة، 23 أكتوبر 2020
الخطاب التنويري (مقالات ملفقة 28\2)
على البوسفور
على
البوسفور.. (خاطرة)
بقلم-
الروائي محمد فتحي المقداد
صديق
يقف على ضفة البوسفور، أثناء زيارة استجماميّة إلى تركيا، أثارتني صورته؛ لأكتب رسالتي
له:
«وأنت
بين قارتين.. بين عالميْن.. بين فقر وغنى.. بين بلاد القِلّة والوفرة .. بين بلاد الضعفاء
والأقوياء.. ولك أن تتخيّل من موقعك هذا.. الهُوّة السّحيقة الفاصلة بينا وبينهم..
رغم مسافة البوسفور الضيّقة.. التي تعتبر مشوارًا صغيرًا.
صديقي
اسْتمتع بوقتك .. مُستلهمًا من وَهْج المكان الكثير من التاريخ وعِبَره.
الحروب
والعابرين بانتصاراتهم والرّاجعين بانكساراتهم، والرابحين بتجاراتهم، والقراصنة بغنائمهم..
أنتَ في بُؤرة ارتكازيّة للصّراع المتوهّج قديمًا، المُتجدّد حديثًا بلا انتهاء.. الشّمس
على مرآى من عينيّ تغيب.. وأظنّ أنّها ستتوقف عند البوسفور بإشراق دائم، في هذا
المكان لن تغيب أبدًا.
أينما
تقف يا صديقي: هو حدّ الدنيا لي كمشرقيّ، ولو كنتُ في الغرب لكان لي مشرق الشّمس
في كلّ يوم، فإذا ما كنتَ عابرًا له على متن قارب، أو عبر الجسر أو النفق، تأكّد
بأنّك بين الشرق والغرب، وقصر المساقة بينهما هي نقيض الهوّة الحضاريّة، التي لن يُجسّرها
أو نفق.
ساحة
تقسيم الإسطنبوليّة خير دليل على كلامي. استطانبول تتنازعها شرقيّتها العثمانيّة
مجد حضارتها، وأوربيّتها في جزئها الغربيّ المُقزّمة خلال قرن مضى بكافّة الملامح
والأشكال.
تحياتي
الخميس، 22 أكتوبر 2020
اضاءة على رواية كان. زياد صلاح
قرأت لكم
إضاءة
على رواية (كــان) للروائي والنّاقد (زياد صلاح)
بقلم \ محمد فتحي المقداد
يتوقّف القارئ مثلي مدهوشًا أثناء مطالعته لرواية (كــان). هذا النّوع من الكتابة المُتقنة، بتركيزها الفائق على أفكارها، وأجمل وصف وجدتُه لها: "إنّها كمحطّة القطار في عمّان، ما زالت تحتفظ بمقتنياتها". روايةٌ مؤثّثة بأدواتها الفكريّة، والسرديّة القائمة على حوار الشخصيّات، وعلى نمط من حوارات الأشياء والجمادات، في محاولة من الروائي (زياد صلاح) لإعطاء بُعدٍ رابع لها، لإضفاء سمة الأنسنة عليها بأسلوب بديع، يلفت الانتباه إليه.
عنوان الرواية هو عتبتها، وكونُه فعلًا ماضٍيًا، تأكّد أنه انصبّ على الماضي، وله علاقة وثيقة بالذكريات، اعتمادًا على تدفّقها بذاتها عبر الذّاكرة، وهي متماسكة بقوّة، كما الشّال الأسود الذي سمّاه الرّوائي (قيد الحريّة)، حينما كانت أمّه تربطه به موصولًا بمعصمها خوفًا على ابنها، ومن ثمّ أرسله أحدهم إلى الشّاطئ؛ ليكون حبل نجاة أخير.
ذاكرة أبطال الرواية استعادت وهج المكان في مدينة عمّان، فجاء الوصف شاملًا لأماكن عديد في وسط البلد، واستنهضت ذاكرة المكان، ومسحت غُبار الزمن عنها.
رواية (كــان) مُثقّفة لما قدّمته للقارئ وجبة دسمة، في مختلف شؤون الحياة، من خلال الاشتغال على المونولوج الداخلي لشخوص الرواية. وتفصيل الظروف المصاحبة لكل فعل، وردّة الفعل من الطرف الآخر، أو ردّة الفعل الداخليّة للشخص نفسه، بما يُشبه الانفجار الذاتي تجاه موقف مثير، (الإحساس بالزمن، ليس هو الزمن، فتلك خدعة ذاتية لا تنطلي إلّا على الذين يعبدون أنفسهم تحت الشمس). (لم أنسَ أن أُعرّف بنفسي.. ولكنني كنتُ أبحث عن باب كبير ومستدير مثلي، كي أدخل منه إلى هنا). (في حلق الباب تمامًا.. تواجهنا لأوّل مرّة، فاصطدمنا ببعضنا بقوّة، ولكن.. دون أن يمسّ أحدنا الآخر). (كان يظنّ بأنّه يُصافح شخصًا ثالثَا.. أمّا أنا، فلقد كنتُ أشعر أنني أصافح نفسي).
وكذلك أيضًا تعتبر في بعض جوانبها رواية مفاهيميّة، من خلال تركيزها الواضح على مفاهيم دقيقة في الفلسفة وعلم النّفس، والحياة وما وراءها، في تحريض مباشر ، وإثارة الأسئلة الكثيرة، على طريقة المُتوالية الهندسيّة، فكلّما ظننت الوصول لمحطة من الممكن التوقّف فيها لالتقاط الأنفاس؛ فإنك تفاجأ بانفتاح نافذة جديدة تؤدّي إلى أسئلة جديدة. وهكذا دواليْك.
(تنقص الأعمار - تمامًا - بقدر ما تزيد). (أحبّ النوافذ.. وأكره الأبواب، فالنوافذ لا يطرقها أحد).(كم كنتُ أمنّي نفسي بالقفز عن ذلك الحائط، فلقد كان، وفي الوقت الذي يُظهرني للآخرين.. يحجبني عنّي). (الشّرفة التي تصلني بالعالم، وتفصلني عنه في آن واحد). (ياللعجب..!!، كيف يمكن لأحدنا السفر من حجرته إلى الحجرة المجاورة بالطائرة؟). (من قال بأنّ اللحظة لاتفصل بين قرنيْن من الزّمن؟). (ما أصعب أن يكون وجه الشّبه بين شيئين بلا ملامح).
الرواية مليئة بومضات أدبيّة قصصيّة، فيها روح الـقصّة القصيرة جدًّا (ق.ق.ج)، بنصوص متكاملة، وفيها الحدث والخاتمة المدهشة بمفارقاتها اللّافتة لنظر القارئ، والأمثلة كثيرة، أنقل بعضًا منها على سبيل الاستشهاد فيما ذهبتُ إليه:
(عندما كنتُ طفلًا، كنتُ أحيانًا أغمضُ عينيّ؛ لكي لا يراني أحد). (أدركها النّدم الذي لم تكن يومًا تحبّ الالتفات إليه، فاستدارت إلى الخلف، وشعرت كأنّها استيقظت للتوّ من النوم، وهي واقفة على الرّصيف). (تصافحنا، وكأننا نعتذر سلفًا عن لقاء مُنتظر..، ثم افترقنا على أمل أن نلتقي مرّة أخرى..، ولو في حلق باب آخر). (رأس تلك الطفلة البريئة ثمنًا لصراع مرير بين باطل يرتدي ثوب الحق، وحقٌّ يرتدي ثوب الباطل). (اتّجه إلى باب المنزل.. أمسك بمقبضه الصدئ.. وشدّه إلى الأسفل بقوّة.. وعلى عجلٍ.. فانفتح الباب..وهمَّ بالخروج. لكنّه لم يجد الخارج).ٍ (سأوجّه ناظريّ إلى بنادق الصّيد، وأنتزعها بهما دون تردّد، وسوف أكونُ جريئًا، وأنا أصوّبها نحو البعيد، ثم أطلقُ الرّصاص على غيابك الذي طال..؛ لكي تعود).
تتميّز الرواية بموضوع هام، ألا وهو أنسنة الأشياء الجامدة والمعنوية، وبثّ روح الحياة فيها، من خلال حوارات صامته فيما بين شيئين متجاورين، (أتخيّل التاريخ شيخًا طاعنًا في السنّ، يقطن في أوّل الزّمان وحيدًا، بلا زوجة.. ولا أولاد.. ولا أحفاد، يغفو على شهيق الأرض، ويصحو على زفيرها). (كلّ مدينة أردنيّة، هي نقطة مضيئة في آخر السّطر). (كلّ عربة من عربات القطار.. تحمل تأويلًا ثقيلًا.. لحلم من أحلامنا المستحيلة). (إنّ الخيال.. غالبًا ما يحتاج إلى أن يستدرّ عطف الصّدفة، حتّى تتيح له بأن يتطابق مع الواقع). (تابع مسيرك نحو " سبيل حوريات" الذي يمسك بقبضته الحجريّة القويّة "سقف السّيل"، كي لا يسقط حاضرنا على ماضينا؛ فيتحطّم القادم، ويستحيل إلى ركام) سقف السّيْل وحوريات الماء، مكانان في مدينة عمّان. (أظلّ أنا مثل هوائيّ قديم، ليس له من شأن، سوى التقاط أخبار الآخرين، وإعادة بثّها إليهم من جديد، وفي كلّ اتّجاه). (لا يوجد من هو مخطئ على الدّوام، فحتّى السّاعة المتوقّفة تكون على حقّ مرّتيْن في اليوم). (ثمّ انصرفوا جميعًا.. فتبعته سحابة من الدخان إلى خارج المقهى، وبينما كانت هبّاتٌ من الهوى المنعش؛ تتظافر لتبدّد تلك السّحابة من فوق رؤوسهم..؛ أجمعوا هذه المرّة على ألّا يتحدّثوا عن نهاية المطاف..، بل معها).
هناك ظاهرة فريدة في الرواية، وهي تتضمّن الكثير من المصطلحات المستخدمة في الحياة، وإعادة تدويرها بطريقة مبتكرة، دالّة على عمق ثقافة الروائي زياد صلاح، فعلى سبيل المثال لا الحصر.
- ضرع الأرض الثالث (الحليب الأسود): أي النّفط.
- السّرنمة: السّير أثناء النوم.
- النّمرسة: النّوم أثناء السّير.
- قاع المدينة: للدلالة على وسط مدينة البلد.
- إنكار الذّات: من التفاني في خدمة الآخرين، وعدم حبّ الظهور للعلن للتباهي بجميل ما فعل.
- السياسة المثلثة الأضلاع: دلالة على سياسة "هنري كيسنجر" على احتواء الصّين مثلا.
- قيد الحرية: انظر حريّة مع قيد لها، كيف يتطابق ذلك.
- الأبابة: كلمة عربيّة أصيلة فصيحة، وهي دالّة على داء يصيب الغريب، وهو شدّة الحنين إلى وطنه، وهي المرادف بتطابق معناها للمصطلح المستخدم عالميّا (نوستالجيا) الذي يقصد به: ألم الحنين إلى الماضي والأهل والديار وفراقهم.
يُحسب للروائي (زياد صلاح) احترامه الشّديد للقيم الدينية، وفهمه الحقيقي البنّاء لما ذهب إليه في بعض القضايا التي ناقشتها روايتة (كــان)، مع تعدّد الأصوات داخلها، مما أثرى المشهد السردي المتوزع فيما بين المفهوم والمقالة والـ (ق.ق.ج) والمصطلح، لتقرأ خلطة عجيبة جاءت بالجديد في عالم الرواية المثقّفة، والتي أعتقد أنها أقرب إلى رواية النّخبة، بارتفاع مستواها الذي يحتاج إلى تمهّل وتأنٍّ أثناء قراءتها؛ لاستيعاب ما تذهب إليه في تجلية الأفكار.
وفي الحقيقة أنني تورّطتُ في متعة قراءتها، ودقيق تفاصيلها، وقد غُصتُ في الأعماق، حتّى كان من الصّعب عليّ الخروج من وهج دائرتها الزمكانيّة، التي اتّسعت أفقيًّا وعرضيّا، لتشمل العالم أجمع، لذلك دعوتُ نفسي للتصالح معها، وابتسمتُ للروائي زياد صلاح بهدوء، وأنا أغادر مكتبه في عمّان، بعد جولة نقاشيّة مُطوّلة، حول بعض مدارات أفكار الرواية.
عمّان – الأردن
13\ 8 \ 2018
السبت، 17 أكتوبر 2020
الجمل المفتاحيّة في رواية (مقصلة الحالم) للروائي جلال برجس
الجمل
المفتاحيّة
في
رواية (مقصلة الحالم) للروائي جلال برجس
بقلم
الروائي محمد فتحي المقداد
توقّفت
في الصّفحات الأولى استغراقًا لم أستطيع تجاوزها إلى ما بعد؛ للسحر الذي أخذني
تأمّلًا إليه الروائي (جلال برجس) في روايته الأولى (مقصلة الحالم)، مجموعة من الجمل
والعبارات الدلاليّة على عمق رؤية الكاتب، بفلسفة تجربة حياتيّة، وهي لا تتأتّى
إلّا لمن اكتملت لديه أداوته في إعادة تشكيل خبرته في قالب إبهاريّ جديد، جدير بي
أن أشاركم مُتعتي، علّ فيها فائدة لمن يقرأ.
هذه الجمل المفتاحيّة، تُسلّم القارئ مفاتيح
عديدة؛ لفتح أبواب مغلقة، أراد الكاتب من
خلالها، فتح الأعين عن جماليّات الكون المُحيط من حولنا، وربّما استوحي موقفًا
بسيطًا، لصنع شيء عظيم. وسأتوقّف في مقالتي هذه عند طائفة منها، على سبيل المقال
لا الحصر.
*سريالية
الرؤية:
فقد خلق الله الكون، وجعل الطبيعة كأنّها يدُ
رسّام، تبثّ الجمال، والبهاء ببساطته السّاحرة. ونلمس ذلك بقول الكاتب: (الطبيعة يد رسام أولى تمارس هوايتها بلا خوف
أو تردد/ص11).
ومشهد آخر مستعار من فصل الشّتاء، والإيحاء
بالبرد الشديد سِمةُ الفصل عمومًا، ووسائل التدفئة، ومنها المواقد والمدافئ
الصاعدة لأعلى البيوت وسُقُفها، ترتفع كأنّها أيادٍ ضارعة إلى الله، تشبيه تصويري
يأخذ القارئ في رحلة تخييليّة داخل صفحات الرواية، رحلة الحياة بدورتها ما بين
الفصول: (أدخنة المدافئ كأنها أياد تضرع إلى الله/ص12).
حركة الكون لن تتوقّف أبدًا، مهمّة الكاتب (جلال
برجس) لفت الانتباه لآية عظمى هي الرّياح، أمّا صوتها هو المقصود بتعبيره،
وزمهريرها حينما تهيج في مواسم خلال العام؛ فمن ريح الخريف السّموم، إلى الرّياح
الماطرة الحاملة للخير على متنها، واستمرارها، يشبّهها بالنّادبات اللّاتي لا يهدأ
حُزنهنّ على عزيز على قلوبهن، وأنهنّ اسمترأن النّواح رغم النهي عنه: (الرياح
تحوم حوله كنادبات اسمترأن النواح/ص12)..
مشهد
آخر مُستعار من الطبيعة المُحيطة بنا، الذئب المعروف ببحثه الدّائم عن فرائسه،
وتشبيه عُوائه بنواحٍ آخر، ومشهد الموت والنائحات السّابق، ورسم مشهديّة الطفولة
ودفء الحكايات، خاصّة حكايات قبل النّوم لإغراق ذهن الطّفل في متاهاتها على ووقع
اهتزاز السّرير، ويد الأمّ الحانية تُطبطبُ على صدر ابنها، لخلق حالة من الهدوء
والاطمئنان، ليخلد إلى النّوم العميق: (نواح ذئب كحكايات الأمهات قبيل النوم/ص13).
والذّئب رغم أنّه حيوان شرس، لكنّ الأدب العربيّ مليء بالأشعار منذ عهد امرئ القيس
مرورًا بالفرزدق، إلى شعراء النبطيّ، وإلى قصص مُتداولة كثيرة لا تُعدّ ولا تًحصى،
وما انتشار حكاية ليلى والذئب، وانتقالها إلى أدبنا العربيّ، إلّا للتمازج
الثقافيّ مع آداب الأمم الأخرى.
فنيّة الكاتب الفارهة تُصوّر لنا منظر
السّراب، رغم أنّه لم يذكره بالاسم، ولكنّه بمهارة استخدام المشاهد الخفيّة، من
خلال دلالة كلمات (المسافات، تركض، تلتحم بالأفق)، صوّر لنا حركة السّراب بفنيّة
عالية، أخذني بعيدًا في حُلُم تعالى
وتباعد حدّ الصّحراء، في يوم قائظ، وأعادني إلى الآية الكريمة (وَالَّذِينَ
كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ
إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (، وهنا تحدّ بأن بطل حكايته استغرق في منظر لم يكد يصل فيه إلى
نتيجة، وهراءٍ بِهُراء: (اغرورق البصر ببدن المسافات، وهي تركض للبعيد ثم تلتحم
بالأفق/ص13).
الصفاء
والهدوء في الصحراء رغم أنّ السّجن في الرواية كان صحراويًّا، وما فيه من ذكريات
الألم والحرمان وحجز الحريّة، مع ذلك هناك جماليّة ربّما تمتّع بها السّجين
السّابق، خاصّة إذا كان مُتصالح مع نفسه، والاستمتاع ببساطة العيش هناك رغم
الضّنك، محاولة من الكاتب (جلال برجس) للفت الانتباه لجماليّات الطبيعة،
مقابل الضجيج واضطراب الحياة والعواطف في المدن مزدحمة، بقوله: (الصحراء تمنحك
المساحة الهادئة في صباحاتها ولياليها الصيفية، تمنحك غضبًا دونما مُقدّمات/ص13). ازدواجيّة
طبيعة الصّحراء، الهدوء والصّفاء والأفق الواسع المريح للنظر، مقابل الغضب المفاجئ
من مخاطر غير منظورة ومفاجئة، ربّا تستدعي الحذر؛ فالحياة والموت يتواجهان في
الصّحراء على حدٍّ سواء على مدار السّاعة.
*انسجام
الرؤية السرديّة:
المُعتَقَل المكان وذكرياته تُلحّ على السّجين
سابقًا، لا تدعه وهي تستحوذ على تفكيره على مدار أيّامه الأولى بعد خروجه، رتابة
الحياة هناك، وتوقّف الزمان، والرّطوبة والحرّ، والظلام والجدران الصلبة الوسخة، وتسلّط
السّجان، والعقاب والحساب والإذلال على مدار السّاعة، بعكس الحياة خارج السّجن
بثلاثمئة وستّين درجة تمامًا، وكأنّها ذئب
جائع في ليلة شتائيّة باردة لا ينقطع عن العواء: (ذئب المعتقل يجيء متقاطعًا في
مقطوعة صارت خلفية لمشاهد تطلّ من عتمة الذاكرة/ص13).
وفي سؤال للخفير الحارس على المعتقَل السّابق،
أخبره: بأن السّجن تحوّل إلى مخفر، وتتبدّى في دلالة العبارة على طبيعة الصّحراء
التي تخلو من المتخاصمين، ليس دائمًا لا خصوم فيها؛ فالتاريخ يحكي غير ذلك من سيرة
القبائل العربيّة وغيرها من المجتمعات
الصّحراويّة، وهذا ما تجلّى، وما نراه حديثًا من الصحراء الغربيّة المُتنازع عليها
بين المغرب والجزائر، ورحى القتال الدّائر على مدار سنوات طويلة، أزهقت الأرواح،
وأهلكت الحرث والنّسل، بينما خصوصيّة وجود مخفر للشرطة في الصّحراء يحتمل ما ذهبت
إليه هذه العبارة: (تحوّل هذا المُعتقل إلى مخفر في هذه الصحراء التي تخلو حتّى
من المتخاصمين/ص13).
عاد الزّائر للمكان، وهو المُعتقَلُ السّابق
يقود سيّارته، وعينه لم تتحوّل عن المرآة، يبتعد ويبتعد وتتلاشى صورة المُعتقَل في
جنون عاصفة الصّحراء القاحلة: (من مرآة السيّارة كان المعتقل يتلاشى في جنون
العاصفة/ص15). يتقدّم بسيّارته، والرّمال تصفع جسم سيّارته من كلّ جوانبها؛
فتتولّد الوحشة لديه لأنّه ما زال يعيش فيه ذلك المكان الموحش: (الرّمال تصفع
كلّ شيء؛ فتخلق شعورًا مليئًا بالوحشة/ص15).
كثيرًا
ما يُعشعش الألم في حنايا النّفس لا يظهر إلّا مع الذكريات الأليمة، ومهما تباعد
الزّمان عنها، لا يمكن أن تخبو نارها المتجدّدة كلّما عَنّ لصاحبها خاطر؛ ليتجدّد
كأنّه حصل للتوّ، ويزداد أُوارها إيقادّا كلّما حاول التفكّر فيما حدث له، وهو
الإنسان البريء الذي لم يدر لماذا دخل السّنوات في سجن لا ذنب له أبدًا: (أغتسل
لأتخلص من ذلك الألم الخاطف، الذي كان يزداد صحوًا بي كلّما توغّلت فيما حدث/ص16).
كلّ وجه يحمل مفاتيحه الموحية للنّاظر إليه،
ولما جلس قُبالة جدّته، راحت تتفرّسه باحثة عن شيء خفِيَ عنها في مُحاولة استخلاص
إجابة من خلال استنطاق ملامحه: (كانت تسهو بي، وكأنّها تُفتّش في وجهي عن إجابة
ما/ص16). بينما هو يتلمّظُ على قطعة حلوى، وما أروعه من فمٍ يتتبّع إيقاع
السّكّر بحلاوته المُحبّبة إلى النّفوس: (تتلاشى قطعة الشّوكلاته في فم يتتّبع
إيقاع السّكّر/ص18).
الدفء والبرودة قطبان متنافران كالسالب
والموجب لا يمكن أن يلتقيان، إذا حلّ أحدهما رحل الآخر؛ فطبيعة الكهوف الرطوبة
والبرودة، فإذا طرأ الدّف على كهف، كأنّما هو احتفاء بحالة نادرة الحدوث فيها: (حتّى
الدفء يمكن للكهوف الباردة أيضًا أن تحفل به/19).
وفي
النّهاية تتأكّد رؤية الكاتب العميقة في قضية إنسانيّة كبيرة، فلا
حياة بلا حبّ، والحبّ بمعانيه الأشمل والأعمّ بعيدًا عن المشاعر والأحاسيس الخاصّة
بكلّ إنسان منّا؛ فالخيبة في قضيّة عاطفيّة خاصة ، كأنّما هي خيبة وطن. فالحبيبة
بهذا المعنى وطن وسَكَنٌ لحبيبها تضمّه في قلبها، كما يضمّه الوطن ويضمّ الوطن في
قلبه: (لا تختلف الخيبة في الحبّ عن الخيبة في الوطن؛ فكلاهما وطن وطن/ص19).
بالتوقّف امام هذه الطّائفة من العبارات،
تتجلّى موهبة الكاتب جلال برجس العميقة برؤاه الفلسفيّة المُتمادية ما بين السرياليّة والواقع، بمُزاوجة لا تترك
القارئ مثلي نهبًا للتأويلات والظّنون، العشرون صفحة الأولى جاءت من الخاتمة على
محمل الذّاكرة لذلك البطل الذي كان سجينًا سابقًا.
عمّان
– الأردن
ــــــــــــا
17\ 10\ 2020
السبت، 10 أكتوبر 2020
سلطان النوم (قصة قصيرة)
سلطان النّوم
الخميس، 8 أكتوبر 2020
قراءة على رواية يحيى البحاري
قراءة على رواية
( هبة النيل) الأديب يحيى البحاري.
----------------------
الرواية من منشورات دار العنقاء (عمّان – الأردن)
تقع في 73 صفحة من القطع المتوسطة
---------------------
البيئة السودانية تحتفظ بنكهتها المضمّخة بعبير النيل، المتدفق حياة وحباً، فكان الحب هبة النيل، فالحب نتيجة للعلاقات الإنسانية المتشابكة فيما بين فئات المجتمع، بأفراحها وأحزانها، بآمالها وطموحاتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، بإيمانها وكفرها، بتواصلها و إنزوائها.
هاهم ناس الرواية الذين انتقلوا من واقعهم البعيد جغرافياً عنّا، انتقلوا إلى صفحات الرواية، بمهارة قلم البحاري الحاذق، بتصوير أدق حالات المشاعر الإنسانية.
حبه للنيل تشارك مع البنت أمل، يأتي هو لتأمل قوة النيل ، و صفاء زرقة مياهه، كلما تأتي، ذهبت الجفوة، وجاءت الإلفة، ليكون اللقاء الأول ويرتقي للتعارف، وتمييز الهوايات المتشابهة إلى حد التطابق.
تكلل التعارف، ليصبح تقارباُ مكللاً بالحب المتبادل، ثم الوعد بالزواج الذي تمّ، والبنت أمل تنطوي على جرح عميق، تغلفه بسرية تامة، يؤرقها بألم ممضٍ أقلقها وهي تعلم بأنها ليست ابنة الناقص، ولا تعلم من هم أهلها حقيقة.
رواية "هبة النيل" نقلتني إلى أجواء رواية " ضو البيت " فتبدو روح الطيب صالح وكأنها تسري مع مياه النيل لتستقي منها هبة النيل الروح السودانية البسيطة بمعيشتها، وأخلاقها الرفيعة بتواضع جمّ, مع فارق الإيماءات الجنسية الفجّة في " ضو البيت " بينما " هبة النيل " ملتزمة بقالب الحشمة بعيدة عن تلك الإيماءات، بينما حدث صراع فكري ما بين الشيوعي، واعتباره مأفوناً فكرياً، يبتعد عنه الناس متقززين من سلوكياته الحياتية.
وقد سلّط الكاتب الضوء على الاعتقادات الخرافية لدى الكثير من الناس، وذلك من خلال أشخاص الرواية، ما بين مصدّق ومُكذّب للمشعوذة، التي تبتز من يقع في دوّامتها، وكثيراُ ما ينجو أحد من شرورها المستطيرة، واجتنابها خوفاً من أذاها، صراع عجيب ينتشر في تقريباً مع معظم المجتمعات الإنسانية، وخاصة في مناطق الفقر.
ويبقى أن الكاتب لامس الكثير من القضايا ملامسة خجولة، مروراً عابراً، وتجاهل الكثير من تفاصيل الزمان و المكان، وطريقة التعاطي الحذرة مع الحلول الذي أذهب الكثير من متعة القراءة لديّ، حيث افتقدت نقاطاً عبر ثنايا النص بحيث أنه لم يكتمل في ذهني، مما أشعرني بالفراغ الذي لو لم يكن لكان البهاء والتألق.
وترجع أمل بطريقة بسيطة لتتعرف على أهلها، بطريقة بسيطة جداً، ويلتئم الشمل وترفرف السعادة على الأسرة من جديد. فالحب هبة النيل..
محمد فتحي المقداد
عمّان \ الأردن
الأربعاء، 7 أكتوبر 2020
الممحاة (3)
الممحاة (3)
بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد
حَسْبُ الشاعر (إبراهيم ناجي) من رائعته (الأطلال)، هذه الأبيات الثلاثة، ومن يعِش سراب الذكريات المُحبّبة إلى النفس، ومع استدراج الآلام وتجديدها، عندها توصف بالذكريات الأليمة، وللمتأمّل قراءة متأنيّة:
(أَيُّهَا الشَّاعِرُ تَغْفو//تَذْكُرُ العَهْدَ وَتَصْحو
وَإِذا مَا إَلتَامَ جُرْحٌ//جَدَّ بِالتِذْكَارِ جُرْحُ
فَتَعَلَّمْ كَيْفَ تَنْسى// وَتَعَلَّمْ كَيْفَ تَمْحو)
وفي البيت الأخير ضالتي لرفد فكرة الممحاة، ولفت الانتباه لفكرة التعلّم، والصبر على مشّاقه، وغرابة طلب الشاعر بتعلّم النسيان والمحو، ومآل النسيان الأخير هو المحو على الأقل من ساحة الشعور الأمامية، وإرساله لاحقًا إلى مستودعات الذّاكرة. رغم أنّ الذكريات جزء أساسيّ من تاريخ أيّ إنسان على وجه البسيطة بلا استثناء.
والنسيان والمحو صفتان متلازمتان للبشر الأسوياء جميعًا، وبالانتقال من رحاب الممحاة الماديّ إلى المعنويّ؛ تتجلّى عظمة العفو والتسامح، لمن يستطيعه من الأنقياء الأصفياء ذوي الهمم العالية، هؤلاء هم ملح الأرض، وإشراقة الحياة، والخُلُق السّامي. وهذا المستوى نقيض الحاقدين والشّامتين، من المتخيّل تباعُد شُقّة السُّموّ الإنسانيّ بين النقيضيْن.
...
-
رواية خيمة في قصر بعبدا ...
-
( من أيّ ضياء يستقي ثقافته ) الروائي محمد فتحي المقداد بقلم – محمد الحراكي الثقافة هي الوجه اللامادي للحضارة، وكلّ ما يُصو...
-
رسّام كاريكاتير قصة قصيرة بقلم-(محمد فتحي المقداد)* أثناء فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية، درجت موضة دفاتر تحمل على غلافها صورة الرئيس، ض...