الاثنين، 5 يناير 2026

كتاب\ قراءات في بنسيون الشارع الخلفي5.1.2026

 

قراءات

نقدية

بأقلامهم

قرؤوا

 

 

 

 

 

 

 

 


فكتبوا

    

§      

وأفادوا

رواية|*|

 

             بنسيون الشارع الخلفي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءات نقدية

 

رواية

 

بنسيون الشارع الخلفي

 

 

(جمع وإعداد)

محمد فتحي المقداد

 

2025

التصنيف

الأدب العربي الحديث

النقد العربي

مقالات نقدية بأقلام كُتاب ونقاد عرب

أسهموا في مادة هذا الكتاب

...........

الحقوق الفكرية لأصحاب القراءات الناقدة

....

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة الكتاب

 

الحمد لله وبه نستعين.

كلُّ الشكر والتقدير للأحبة والأصدقاء ممَّن ساهموا بإثراء محتوى روايتي "بنسيون الشارع الخلفي"، والفائزة بجائزة "ناجي نعمان" للكتابات الإبداعية في موسمها لعام 2025. وقد كان لها نصيب من الاستحواذ على أذواق القرَّاء والمُهتَّمين، ولكلٍّ منهم له أسبابه في إبداء رأيه كتابة بعدما قرأ واطَّلع، وقرَّر أنَّها تستحقُّ الكتابة عنها، وعلى الأغلب أن الجوانب التي طرقتها الرواية كثيرة، ولكنها اجتماعيَّة بطبيعتها، في مجتمع الحروب التي تتميز بالخوف والدمار النفسي والمادي على كافة المستويات، فهكذا وضع له مخرجات سيئة منعكسة على أفراد المجتمع بلا استثناء.

وفي رواية "بنسيون الشَّارع الخلفي". لامست تابوهات اجتماعية، بأشكاله اعتبارًا من التفتُّت والتفكُّك الأُسري، وما ينتج عنه من انتشار الأوبئة الأخلاقيَّة كتجارة الرَّقيق الأبيض، والمخدرات، وتسلُّط العسكر وأمراء الحرب السوريَّة الطويلة، وتُجَّار الحروب وصانعيها.

وفي النهاية وبلا شكٍّ فإن الخاسر الأكبر هو الوطن، الذي خسر أبناءه وهي الخسارة الأعظم والأثمن والأعلى قيمة. ما قيمة الوطن بلا شعب عزيز بكرامته في وطن يحميه من غوائل الدَّهر ونوائبه.

إن الآثار السيِّئة على المجتمع السوري فيما بعد الحرب، خلقت حالات من التشظِّي والقلق والخوف والتردد والإعاقات الجسدية والعقلية التي صارت كظاهرة، والأمراض النفسية.

حالة الشَّتات القسري، نتيجة الحرب الطَّويلة خلقت نماذج اجتماعية غير سويَّة، تحمل بدواخلها تشوُّهاتها التي التصقت بها على مدار ما يقارب العقد والنصف من السِّنين العِجاف.

فلا غروَ أن تأتي الكتابة الروائيَّة على شاكلة المجتمع الذي تناولته، ودخلت إلى بواطنه، وحاولت الكشف عن الخفايا والخبايا في سبيل تسليط الضوء على المُعاناة البشرية بأبعادها الإنسانيَّة.

ـــا30\ 6\ 2025

 

                                                                       الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

 

تقرير موقع "زمان الوصل"

الكاتب السوري "محمد فتحي المقداد"

يحصد جائزة "ناجي نعمان" الدولية

بقلم. فارس الرفاعي-زمان الوصل:

 

نال الكاتب والروائي السوري "محمد فتحي المقداد" "جائزة ناجي نعمان الأدبية" للعام الحالي 2025 عن روايته "بنسيون الشارع الخلفي"، وجاء تتويجه بالجائزة بعد منافسة لـ 4321 مشتركاً ومشتركة مثّلوا 92 دولة وبـ 41 لغة.  

وهي جائزة دولية سنوية أُطلقت عام 2002، وتُمنح للأعمال الأدبية الأكثر تحرّرا في المضمون والأسلوب، بهدف إحياء وتطوير القيم الإنسانية، وجاء هذا الفوز المُستحق ليُرسّخ حضور الأدب السوري في المحافل العربية والعالمية.

وعلق المقداد الذي ينحدر من مدينة (بصرى الشام) بريف درعا، ويقيم في مدينة إربد الاردنية لـ"زمان الوصل" أنه تقدم للمشاركة في الجائزة منذ أواخر العام الماضي 2024 بإرسال مشاركته والمعلومات المطلوبة عبر البريد الإلكتروني للجائزة، وأشار إلى أن هذا الفوز يمثل بالنسبة له دافعاً ومحفزاً للمتابعة والإصرار على تقديم ما هو أفضل وأرقى، بما يخدم قضايانا العادلة والقضايا الإنسانية على وجه هذا الكوكب.

وحول روايته "بنسيون الشارع الخلفي" لفت "المقداد" إلى أن فكرة هذه الرواية تتمحور حول التبدلات التي أحدثتها الحرب السوريَّة الطويلة في الحياة الاجتماعية للمجتمع السوري، والتغيير العميق الذي يُعدّ انقلابا على القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وظهر حالات عديدة للمُساكنات بين الشباب والبنات، بدون عقد أو رابط شرعي أو قانوني، بحيث أصبحت ظاهرة اجتماعية توجب تسليط الضوء عليها  

وأضاف مؤلف رواية "الطريق إلى الزعتري" أن دلالة العنوان تنطبق تمامًا على الحدث الروائي، بتفاصيل الشخصيات والأماكن والزمان الحالي لما قبل سنوات. ولماذا لم يكن الشَّارع الرَّئيس أو الأمامي؟. 

واستدرك أن "الشوارع الخلفية مُتوارية عن أعيُن الشُّرطة والأمن، وفيها يسود الظلام المُعزّز للنشاطات المشبوهة، وأوكار الدعارة وترويج المخدرات في نطاقات في مثل هذا الأمكنة الآمنة، وفي الشوارع الخلفية يجري ما يجري بعيدًا عن أعيُن الرَّقابة، ومنها يسهُل الهروب والتواري، إذا ما لزم الأمر لذلك".

وحول زمكانيَّة الرواية أوضح "المقداد": بأن مكان الرواية هو مخيم اليرموك في حارة من حاراته. وحصرًا إحدى العمارات الفارغة من أصحابها الحقيقيِّين. واستغل الشبِّيحة العاملين مع النظام هذا المكان في مخيم اليرموك، بعد تهجير أهله قسرًا، وطردهم من بيوتهم، ليكون مسرحًا لنشاطات الشَّبيحة بسرقات محتويات البيوت، وبيع ما تبقَّى فيها مما يُباع ويُشترى.

ولم يقتصر موضوع الرواية على المساكنة المسكوت عنها بل تم تسليط الضوء على العديد من القضايا الناشئة نتيجة الحرب، اعتبارا من القتل والاعتقال والتهجير، وتعفيش البيوت والممتلكات، ومجزرة الميغ في العام 2012، وتخريب مقبرة الشهداء، وتدمير الأبنية التي تخدم الفلسطينيين في المخيم، الأونروا، وقصف المساجد.

 وتم تسليط الضوء أيضاً على مجموعة قليلة من سكان المخيم الذين لا قوة لهم ولا حيلة، بقيت هذه الفئة مختفية بين الركام، يكابدون أصعب أنواع الجوع فأكلوا الحشائش والنباتات من على جوانب الدمار.

وحظيت رواية "بنسيون الشارع الخلفي" مؤخراً بدراسة لدرجة الدكتوراه من الباحثة "أثير عبد الله الفالح" في جامعة الملك سعود في الرياض بالمملكة العربية السعوديَّة.

 

 

 

 

 

قراءة انطباعيّة

في رواية "بنسيون الشارع الخلفي".

 

بقلم. رائد عساف. الأردن

 

 

حين تتحوّل الرواية إلى بيتٍ من نبض، ووجع، ونبوءة...

من بين عتمة الشوارع الخلفيّة حيث تختبئ الحكايات المهمّشة خلف جدران الزمن، تتسلّل رواية "بنسيون الشارع الخلفي" كضوءٍ خافت في آخر النفق، لتصير أكثر من نصّ أدبي، بل وثيقة حسيّة، حيّة، نابضة، تكتنز في تضاعيفها أرواح الشخصيات التي تنتمي إلى الهامش، لا إلى العناوين الرئيسة. بين دفّتي هذا العمل الأدبي المتفرّد، ينتصب البنسيون كمكانٍ رمزيّ، أشبه بصندوق خشبيّ قديم، لا يفتح بيده، بل بحسّه، ومن يفتحه يجد فيه وطناً مصغّراً، حزيناً، موجوعاً، لكنه حيّ... يصدر أنيناً يشبه أنين الشعوب المنسيّة في الخلف، تلك التي تقف خارج مرمى الضوء، لكنها تخلق المعنى الأعمق للحياة.

 

أعمق من السرد... أوسع من المكان...

الكاتب محمد فتحي المقداد لا يقدّم في "بنسيون الشارع الخلفي" رواية بمفهومها النمطي، بل ينحت مجازاً مكثفاً لتجربة إنسانيّة ممتدة، يضع القارئ أمام مشهد مركّب من التهجير، الحنين، الفقد، والأمل المرتبك. يشكّل البنسيون بؤرة روحيّة، سردية، تاريخية، ومكانية، فيها تتقاطع مصائر اللاجئين، العابرين، المهمشين، والمقهورين، الذين فقدوا بوصلة الوطن، لكنّهم لم يفقدوا البوصلة الداخليّة التي ما زالت تشير، رغم الانكسار، إلى جهات الضوء.

الشخصيات ليست نماذج سردية، بل كائنات حقيقية تنبض في الهامش. "نبهان"، تلك الطفلة التي تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى رمزٍ جامع، إلى مرآة تعكس الطفولة المسحوقة تحت أقدام الحروب، والأنوثة المقتولة  تحت أنقاض القذائف، والوطن المختبئ في عيني فتاة لا تعرف تماماً لماذا غادرها كل شيء... ولماذا لا تعود الأشياء أبدًا كما كانت.

 

لغة تتنفس، وصور تحفر في الروح

يتميّز النصّ بلغة آسرة، مركّبة، مترعة بالإيقاع الداخلي الذي يجعل القارئ يعيش كلّ جملة كما لو كانت نبضاً . لا يكتب المقداد جملاً، بل يسكب أحاسيس في قوالب لغوية جديدة، مُطعّمة بصور فريدة، وتشبيهات لم تُستهلك، ومجازات طازجة. إنه لا يكتفي بأن يُصوّر الألم، بل يجعل القارئ يتذوّقه، يُلامسه، يتذمّره، ثم يبتلعه مرغماً، فيجد فيه طعم الحياة الذي لا يُنسى.

 

يقول عن الحنين:

"الحنين في البنسيون ليس كذكرى عابرة، بل كطفل يتدلّى من شرفة الغياب، يُلقي حجراً على نافذة القلب كلّ مساء، فيوقظه من سباته على صوت مَن رحلوا..."

أو حين يصف الغربة:

"الغربة هنا ليست مكاناً بعيداً ، بل شعورٌ ضيّق يسكن تحت جلدك، كلما حاولت نسيانه، نبض فيك كمسمار صدئ في الخريطة."

إنها لغة تكتب بالوجع، وتشبه في تدفّقها نهراً داخليّاً لا نرى من سطحه إلا بضع كلمات، بينما الأعماق تعجّ بعوالم كاملة من الرموز والدلالات والقصص.

 

البنسيون: مسرحُ الوجدان والمأساة الإنسانية

كل غرفة في هذا البنسيون تُخبّئ سرديّة مختلفة، وكل نزيلٍ فيه يمثّل فصلاً من فصول المنفى، من التاريخ المعذّب لشعوبٍ أُجبرت على أن تُهاجر داخل ذواتها قبل أن تُهاجر من جغرافيتها. نرى في هذه الرواية كيف يمكن للمكان الصغير أن يتحوّل إلى وطن بديل، إلى حكاية كبيرة، إلى قارة من الندوب، وإلى نُقطة في الذاكرة لا يمكن محوها.

ولا يغيب البعد السياسي عن النص، بل يتسلّل من بين الكلمات كأنفاس ساخنة بين البرد، يصرخ دون ضجيج، ويؤنّب الواقع دون خطابية. الكاتب لا يتكلّم عن القضايا الكبرى، لكنه يجعلنا نراها مجسّدة في أنثى، في دمعة عجوز، في لوحة على الجدار، أو في رغيف مكسور. هناك فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، هناك القضية، الحصار، النكبة، الشتات، كلها متجسّدة دون أن تُعلن عن نفسها، بل تحضر كما يحضر الوجع في جسد مجروح لا يحتاج إلى تفسير.

 

نبهان: أنثى الحكاية، ومجاز الوطن

تتقدّم "نبهان" لتكون قوس الرواية، قلبها، وصرختها الخفيّة. إنّها ليست فقط طفلة، بل نصّ رمزيّ بامتياز، تمتزج فيه ملامح الطفولة والأنوثة، المدينة والخيمة، الأمل والانكسار. تكبر نبهان بين السطور كما تكبر الشجرة في أرضٍ مليئة بالحجارة، تصمد، رغم الجفاف، وتورق، رغم السخام.

الكاتب يعاملها كشخصيّة حقيقية تنمو على مرأى من القارئ، يرافقها في نشأتها، انهياراتها، هواجسها، وحتى في تلك اللحظات التي يُخيّل إليه أنّها تحاوره وتقول له ما لم يستطع قوله:

"أنا الذاكرة، حين يشيخ الجميع، وأنا الرصاصة التي لم تُطلق، أنا الصوت في الحنجرة المختنقة، والوطن حين يغادر الجميع..."

ملاحظة الروائي محمد فتحي المقداد: (حدث خلط من كاتب المقال، بظنِّه أنَّ نبهان اسم مؤنَّث لبنت، إنَّما هو في الحقيقة لأحد أبطال الرِّواية).

 

البنسيون ليس آخر الطريق، بل بدايته

"بنسيون الشارع الخلفي" ليس عملاً يقرأ ثم يُنسى، بل هو عمل يُبقي فيك أثراً، تماماً كما تبقى الرائحة في ثيابٍ كانت معلّقة في بيتٍ سكنته الحرب. هو شهادة شعورية على عصرٍ من الألم، وشرفٌ أدبيّ على بوّابة الكتابة الصادقة، العميقة، التي لا تسعى للتجميل بقدر ما تسعى للتأمل، ولا تهدف إلى إثارة الشفقة بل إلى بعث الحياة من رماد الحطام.

هذه الرواية ليست مجرّد سطور، بل وطنٌ بملامح أنثى، بلهفة لاجئ، بصرخة قهر، وبحلمٍ لم يكتمل. رواية تأخذك من يدك إلى داخل الأزقة، ثم تتركك أمام ذاتك، بعيداً عن كلّ زيف، مشبعاً بأسئلةٍ لا إجابات لها... لكنها أسئلة تُذكّرك بأنك ما زلت حيّاً، وأن الحكاية... لم تنتهِ بعد.

كتبتُ هذه القراءة، لا بوصفها تحليلاً أدبيّاً فحسب، بل مشاركة وجدانية عميقة، وشهادة حبّ لهذا العمل الذي حفر عميقاً في وجداني، وأيقظ في قلبي يقيناً: أن الأدب، حين يُكتب بالدمع، يُخلّد في الذاكرة إلى الأبد.

 

 

 

 

 

 


 

التشظّي والقلق الوجودي

 

في رواية (بنسيون الشارع الخلفي)

دراسة نقدية في رمزية المكان والشخصيات

بقلم: منذر فالح الغزالي. سوريا

 

المقدّمة:

تأتي رواية بنسيون الشارع الخلفي بوصفها شهادةً سردية حارّة على زمن الانهيار والتمزق، حيث لا مكان ثابتاً، ولا هوية آمنة، ولا يقيناً يُعوّل عليه. يعتمد الكاتب على فضاءٍ مكانيٍّ محدد ومغلق - البنسيون - لاحتضان شخصيات مأزومة تعيش تمزقات وطنية ووجودية، في ظل انهيار القيم الاجتماعية، وتحلل المعايير الأخلاقية، كمجازٍ رمزيٍّ لوطنٍ خاضعٍ لحربٍ دامية، تتورّط فيها السلطة بقسوةٍ ضد شعبها، ويدفع المدنيون الثمن الأكبر في تشظيهم النفسي وانقسامهم الوجودي.

بذلك، لا تقدم الرواية سرداً تقليدياً قائماً على حدثٍ واضحٍ، أو حبكةٍ دراميةٍ متصاعدة، بل تشتغل على الانهيار البطيء للقيم، عبر أصواتٍ متعددةٍ تُمثّل أطيافاً متصارعةً من الشعب نفسه. في هذا السياق، تصبح الشخصيات ليست فقط كائناتٍ فردية، بل استعاراتٍ اجتماعية وطبقات رمزية من جسد الوطن المجروح.

 

1. الرؤية الوجودية في الرواية

تتمركز الرؤية الفلسفية للرواية حول سؤال الوجود في عالم يفقد كل شروط الأمان. ليس فقط وجود الذات في مواجهة نفسها، بل في مواجهة وطنٍ ينكفئ على شعبه، ويحوّل مؤسساته إلى أدوات قمع وعنف. هنا، تتحول الحياة إلى فعل انتظار طويل للمجهول.

"كلّ شيء يتآكل ببطء. نحن نعيش في قبو الزمن، ولا نعلم إن كان الصباح آتياً أم لا."

الزمن في الرواية متآكل، واللغة محمّلة بالشروخ النفسية والخراب الداخلي.

لا أعرف متى دخلت البنسيون، ولا متى سأخرج كلّ شيءٍ يشبه كلّ شيء، حتى أنا لا أعرفني.

هذه العبارة تجسّد تماماً مركزية القلق الوجودي في النص، حيث الذات لا تثق في الحواس، ولا تجد يقيناً في أيّ بعدٍ من أبعاد الواقع، وهو ما يتماشى مع الرؤية الوجودية عند كامو وكيركغارد: الإنسان كائنٌ في مأزقٍ دائم.

هذه الرؤية الوجوديّة تتغذّى على غياب الأفق السياسي والأخلاقي، وانعدام المرجعيّات، والشكّ في جدوى اللغة والمعنى. وهي تُحاكي تيار "العبث المعنوي" الذي نجده لدى ألبير كامو في "الغريب" وصامويل بيكيت في "في انتظار غودو"، حيث الفعل البشري يتحوّل إلى طقس من العجز والتكرار.

 

2. البنسيون: الوطن في مرايا التهجير الداخلي والحرب الأهلية

البنسيون كمكان رمزي:

يمثل البنسيون أكثر من مجرّد مكان إقامة؛ إنه الوطن المصغّر، المقطّع، والمسيّج بالخوف. تتحول غرفه إلى مقاطعات نفسية، تعكس حال الانفصال بين مكوّناته، وكأنّ قاطنيه يمثّلون شعباً مشتتاً داخل وطنٍ فقد وظيفته كحاضنةٍ للانتماء والنجاة.

"لا أحد يعرف أحدًا، وكلّ الغرف مغلقةٌ، حتى لو كانت مفتوحة."

في ظل انهيار الدولة وتحوّلها إلى جهازٍ قمعيٍّ يشنّ حرباً أهليةً على مواطنيه، يتحوّل البنسيون إلى مأوىً للهاربين، المنفيين، المهمّشين.

لا تسأل أحداً من أين جاء. كلّ من في البنسيون جاء من جهةٍ خائفة."

هذا المكان، بما فيه من غرف متشابهة، وجدران مكتومة، ووجوه شاحبة، يُجسّد الوطن المقهور الذي لا يوفّر سوى الظلّ لمن فقدوا الضوء. إنه حاضنة جراح جماعية، لكنه أيضاً انعكاسٌ لنظامٍ مأزومٍ في الخارج.

 

البنسيون كمجتمع بديل مأزوم:

البنسيون يختصر المجتمع الخارج من رحم الصراع. حيث يُجبر الناجون من الحرب على التعايش، دون مصالحة. يعيشون جنباً إلى جنب، لكنهم مقسمون عاطفيّاً وذهنيّاً وانتمائيّاً. بعضهم يعادي بعضًا صامتًا، وبعضهم لا يتكلم.

بهذا المعنى، يتحول البنسيون إلى بنيةٍ ما بعد وطنية، أو وطنٍ بديل مُحمّلٍ بالخذلان، والرقابة الذاتية، والتباس العلاقات، والتشكيك في الآخر.

في غياب الدولة، ينشأ داخل البنسيون مجتمعٌ هامشيٌّ يعيد تشكيل نفسه وفق منطق البقاء، لا العدل، تتفكّك فيه الروابط، وتفشل فيه العلاقات، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ ساكنٍ" لا يصنع مصيره، بل ينتظر نهايته.

 

3. الحبكة: لا حدث إلا التشظي

بنية (اللا) حبكة:

تتجنّب الرواية البناء الدرامي الكلاسيكي، وتختار سرداً تفكّكيّاً، يقوم على تيّار الوعي، وتقطيعٍ زمنيٍّ مقصود. لا نجد حبكةً تصاعدية، بل تتكرّر المشاهد، وتتداخل الأزمنة، لتصوير حالة الدوار النفسي والجمود الوجودي.

"لا شيء يحدث. فقط الأيام تتكرر بلون رمادي، وكأن الزمان لا معنى له".

اللَّا حدث في الرواية هو حدثٌ بحدّ ذاته، لأنه يعكس غياب الأفق، وانسداد المعنى، وانهيار القيمة في عالم الشخصيات.

تختار الرواية، عن عمدٍ، أن تكون بلا حبكةٍ دراميةٍ تقليدية. لا توجد بدايةٌ بالمعنى الكلاسيكي، ولا عقدةٌ، ولا ذروةٌ، ولا خاتمةٌ حاسمة. كلّ شيءٍ متّصلٌ ومقطوعٌ في الوقت ذاته.

"الأيام تتكرّر مثل وجوه النزلاء، ولا أحد يتغير، إلا في داخله المكسور."

 

تيار الوعي والسرد المتقطع:

يُبنى السرد على أساس تيّار الوعي والداخل النفسي، حيث تسرد الشخصيات أفكارها، انطباعاتها، هواجسها، دون ترتيبٍ منطقيٍّ. هذا الخيار الفنّي يُحاكي الفوضى الداخلية التي يعيشها الإنسان وسط العنف السياسي والاجتماعي.

 

4. تحليل الشخصيات الرئيسة:

تركّز الرواية على ثلاث شخصياتٍ محوريةٍ: نبهان، ميرا، وسدرا، تتحرك جميعها في مساحةٍ تحاكي التيه والانكسار والبحث عن ذاتٍ مفقودة.

سدرا: الأنثى الجريحة/الواعية

تُعدّ "سدرا" من أبرز شخصيات الرواية، إذ تجمع بين الألم والوعي، بين الجسد الأنثوي المقموع، والعقل الرافض للامتثال، وهي تمثّل الأنثى في مجتمعٍ ينكرها ثم يعاقبها. هي صوت الأنثى في مجتمعٍ فقد توازنه القيمي.

سدرا كانت تنام بقميصٍ أبيض باهت، كما لو أنها ترفض أن تكون مرئية.

سدرا ليست شخصيةً خاضعة، بل واعية، تراقب بصمت، وتلخّص ما لا يستطيع الآخرون التعبير عنه. تمثّل الفئة المظلومة والمهمّشة التي لم تشترك في الحرب، لكنّها دفعت الثمن الأثقل.

"سدرا كانت الوحيدة التي لا تكره أحداً، لكنها لم تعد تحب أحداً أيضاً."

كأنها "الوطن/الأم" الذي أهمله الجميع، لكنّه ما زال يحمل القدرة على النظر بعين العدل، رغم الصمت.

 

ميرا: الانفجار الداخلي للمقموع

ميرا شخصية مشوشة وغاضبة، تمثل الشقّ المتمرّد والعنيف في بنية المجتمع. هي المنفيّة النفسية التي لا تصالح، ولا تتعايش، لكنها أيضاً لا تجد الخلاص.

"ميرا تنفجر كلما ساد الصمت. كأنها ترفض السكون لأنه يشبه القبر."

تمثّل ميرا شريحةً من المجتمع، لم تعد تؤمن بأيّ إصلاحٍ أو عدالة، وتحاول أن تهدم كلّ شيءٍ لأنها فقدت الإيمان بكلّ شيء.

وكأنها انعكاس لـ "نبهان" و"سدرا" في أكثر حالاتهما اضطراباً. هي أقرب إلى (الظلّ النفسي) غير المتكيّف، وغير المُتصالح، والعنيف إذا لزم الأمر.

ميرا لم تكن تتكلم كثيراً، لكنها عندما تنفجر، تقول كلّ شيءٍ دفعةً واحدة، كأنها تفرغ الحرب من صدرها.".

ميرا تُجسّد العنف المضادّ للخذلان، والوعي الحادّ بما يدور خلف الأقنعة.

 

نبهان: الوعي القَلِق

نبهان ليس مجرّد بطلٍ تقليديٍّ للرواية، بل هو مرآةٌ شديدة الحساسية للهشاشة النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب والانهيار الوطني. إنه الشخصية التي تدور حولها الأحداث، لا لأنّه فاعلٌ قويٌّ، بل لأنه كائن مُراقِب ومُثقل بالأسئلة. يفتقر نبهان إلى الحسم، ويتحرّك داخل الرواية بثقلٍ شعوريٍّ كثيف، كأنّما يمثّل "الذات السورية المسحوقة"، التي فشلت في الفعل السياسيّ أو الأخلاقيّ، فانسحبت إلى منطقةٍ بين الحياة والموت.

"نبهان لم يعد يحلم بشيء، لكنه ما زال يخاف من أن يصحو فجأة على كل ما فقده."

هذا التوتر بين الخوف والرغبة في الاختفاء هو ما يصنع طاقة الشخصية. فهو حاضرٌ، لكنّه دائم الميل إلى التلاشي.

هو يمثّل صوت المحايد المأزوم، الذي لا يقف مع طرف، لكنه يدفع الثمن؛ يعيش على الهامش، خائفاً من كل شيء، غريبًا في وطن لا يشبهه. هو رمز للجيل الخاسر في وطن مأزوم، يُجسد جيلاً ورث شعارات كبرى عن الوطن والحرية، ليجد نفسه بين مطرقة الاستبداد وسندان الحرب الأهلية.

في الرواية، نبهان ليس ضحيّةً فقط، بل ممثلٌ للضمير المكسور، الذي فشل في المواجهة، فانسحب إلى صمتٍ داخليٍّ يُعاني من خرَسٍ وجوديٍّ؛ لكنّه يظلّ الأكثر وعياً بما حوله. من هنا، فدوره ليس البطولة، بل التأمّل: هو شاهدٌ على انقراض المعنى والقيمة.

من أبرز الملامح الرمزية في شخصية نبهان، أنه يتاجر بالكتب المخطوطة، لا بالكتب المطبوعة أو الحديثة. وهذا التفصيل البسيط ظاهريّاً يحوي طبقاتٍ من الدلالة:

- رمزيةٌ أولى تكمن في أنّ نبهان لا يقرأ تلك الكتب. هو مجرّد وسيطٍ، وهذا يعكس انقطاع المثقّف عن فاعليته التاريخية. فالمعرفة تحوّلت إلى سلعة، والكاتب/القارئ إلى تاجر خائف.

"لم يكن نبهان يعرف إن كان زبائنه يقرؤون تلك المخطوطات، لكنه كان يعرف أنها لن تغيّر شيئاً."

- في ظل الحرب، لا أحد يطلب الكتب. وبالتالي، فإن بيع المخطوطات هو محاولة يائسة للإبقاء على أطلال الحضارة بينما تُقصف المدن.

يمثّل "نبهان" النموذج الكلاسيكيّ للمهزوم؛ لكنّه ليس جباناً، بل مرهقاً من كثرة الخسارات. هو ضحية وطنٍ دمويٍّ ومنفىً باهت. لا يبحث عن خلاصٍ، بل عن مساحة صمتٍ، عن ركنٍ لا يُؤذى فيه.

"نبهان لم يعد يتذكر حتى صوت أبيه، لكنه لا ينسى كيف كانوا يركضون من الرصاص في زقاق الطفولة".

يمثّل نبهان حالة اغتراب مركّبة: عن الوطن، عن الجسد، وعن التاريخ الشخصي. حيث الإنسان غريبٌ عن ذاته، عن الآخر، وعن المكان. فالبطل نبهان يمثّل صوت الفرد المهزوم، الخارج من وطنٍ يقتل أبناءه، إلى منفىً باردٍ لا يحتضن أحداً.

خاتمة: رواية بنسيون الشارع الخلفي ليست حكاية أفراد، بل مجازٌ أدبيّ لوطنٍ ممزّقٍ في حالة حرب صامتة وصريحة. الشخصيات تمثّل أطيافًا من الشعب الصامت، الغاضب، المنفي، والمقموع. أما البنسيون، فهو المرآة المعتمة التي تعكس تفتّت الوطن، وعجزه عن احتواء نفسه.

تشكّل رواية بنسيون الشارع الخلفي مشروعاً سردياً وجودياً، يطرح أسئلةً عن الوطن، المنفى، الذات، الموت، والنجاة.

هي ليست حكاية حدثٍ، بل سردٌ لانكسارٍ جماعيٌّ في وجه قمعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ وأخلاقي. الشخصيات ليست أدواتٍ للحبكة، بل أصواتاً سرديةً تعرّي الخسارات الفردية والجماعية.

البنسيون هنا ليس مكاناً، بل وطناً بديلاً مفخخاً، تمجيداً للصمت، وتأبيناً للحرّيّة. إنها روايةٌ عن الخسارات الكبيرة، التي لم تعد تُبكى، بل تُروى على مهل، في غرف مكتومة، خلف نوافذ لا تُفتح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اقتحام جريء لعالم التابوهات

في رواية "بنسيون الشارع الخلفي"

بقلم الروائي. محمد الدعفيس. سوريا

 

لا يتهيب الروائي محمد فتحي المقداد ملامسة حدود التابوهات في الكتابة الروائية، ولا يخشى اقتحام عوالمها، حيث يطلق صرخة مدوية في روايته "بنسيون الشارع الخلفي" تعلن أن الفساد والقمع والقصف والدمار الذي تزرعه الأنظمة لا بد أن ينعكس دمارا في النفوس، وخرابا في الأخلاق، وتعميما للخيانات والانتهاكات والتجاوزات.

ابتداء من العنوان الذي بدت فيه مفردة "بنسيون" غريبة بعض الشيء عن بيئة دمشق وما يحيط بها من قرى وتجمعات صغيرة تتلامس معها وتتشابك حيث تجري أحداث الرواية، يصر المقداد على أن يضعنا في جو غرائبي كأنما يريد القول إنه "حين ينخر سوس الخراب في مكان فإن كل ما يلامسه يتحول إلى خراب". لذا فإنه يختار البنسيون، وهو المسكن الذي يقطن فيه صاحبه ويؤجر بعض غرفه لآخرين، مسرحا لروايته مع كل ما يسمح به مثل هذا المكان من التقاط لأشخاص من مشارب عدة، لكنه في روايته يوقعهم في مستنقع الآثام ربما لأنهم يرون في ذاك وسيلتهم الأسهل لمواجهة تبعات الحياة وصعوباتها في ظل حرب طاحنة وتدمير ممنهج يمارسه النظام ليهدم المكان والتاريخ وحياة الناس وارتباطهم بذكرياتهم، وعنهم يكتب: "توافق غير معلن بين طائفة البنسيون، مختلفون بطبائعهم بمنابتهم وأصولهم وانتماءاتهم الدينية والعرقية والطائفية، فكان البنسيون بوتقة صهر هذا التنافر، ليكوّن منهم منتجا جديدا".

يرسم المقداد صورة لبطل روايته "نبهان" الذي أخرجه والده مبكرا من مبكرا، فلا هو تعلّم، ولا هو يعرف حتى كيف يدير "بنسيون"، فيكتب: "نبهان بطبيعة تواجده حديثا في المنطقة، يعتبر عابرا كما المارون... لم يدرك هذه الجزئية المهمة. العابرون لا يلبثون إلا قليلا".

ويكمل "نبهان مشغول فكره دوما، فهو لا يتأمل أي شيء إلا إذا أراد معاينة مكان ليرى ما يستطيع أخذه، وتشليح ما يمكنه تشليحه".

ويواصل: "ذاكرة نبهان متخمة بأحلام الثراء والمال والأعمال".

هذه الصورة لشخص انتهازي، لم تسلم منه ـ على الرغم من جهله ـ حتى الكتب القديمة المنسية في مكتبات هجرها أصحابها وفروا للنجاة بأرواحهم، ولم يلحقها تشبيح ركز على الأثاث والقطع الكهربائية، يجعل من المفهوم والمتسق مع تطور الرواية أن ينتهي إلى الغرق في رحلة هروبه من "أبو حيدر" الذي كان يتحين فرصة انتهائه من جمع تلك الكتب ليحصل عليها ويبيعها دون عناء.

و"أبو حيدر" لا رجل الذي يدير الدفاع الوطني في المنطقة ـ التشكيل الذي أوكل إليه النظام نصب الحواجز وتقطيع أوصال العاصمة، هو كما كتب المقداد في الرواية: "المعلم الكبير. بيده مقاليد الأمور كلها هنا، فهو يمسك بالمنطقة الجنوبية بأكملها من العاصمة".

وبذكاء يرسم المقداد كذلك صورة لمدينة تحت الحرب، بما يبرر كل ما مر عليه في الرواية من انحطاط، فيكتب: "في الحرب تباع الكرامات والذمم، ويُداس الشرف، وتُكسر سيوف العزة، وتضيع الأنساب، ويصعد التّحوت، وتُشوه الحقائق، وتُسوق الأكاذيب والأضاليل على أنها حقائق، ويكثر العرابون، وتصبح الشياطين ملائكة".

"بنسيون الشارع الخلفي" رواية صادمة، كاشفة، مكتوبة بلغة بسيطة، يجرب فيها المقداد أشكالا عدة من السرد، مستخدما الكتابة بضمير الغائب حينا، وضمير المتكلم أخرى، خالطا بين الاستذكار والمناجاة الذاتية والاستباق، ومازجا بين الأزمنة مثل لاعب سيرك يتفنن في قذف كراته والتقاطها.

 

 

 

 

 

 

 

 

هل الحروب تُدهور الأخلاق أم تكشف الخلل؟

قراءة في رواية "بنسيون الشارع الخلفي"

بقلم. ريما آل كلزلي. سوريا

 

تُطرح الحروب دائماً كأحد أكثر الظواهر تأثيراً على المجتمعات والأفراد، فهي تمثل اختباراً قاسياً للأخلاق والقيم الإنسانية. لكن يبقى السؤال: هل الحروب تُفسد الأخلاق وتجعلها تتدهور، أم أنها مجرد مرآة تكشف عن الخلل الأخلاقي الكامن في النفوس والمجتمعات؟ رواية "بنسيون الشارع الخلفي" للروائي السوري محمد فتحي المقداد، تُقدم تصوراً عميقاً ومعقداً للإجابة عن هذا السؤال، من خلال تتبع التحولات الأخلاقية للشخصيات في ظل ظروف الحرب القاسية. وتضعنا أمام نموذجين من وجهات النظر والشخصيات التي مثلتهما.

أولا- وجهة النظر الأولى: الحروب تُدهور الأخلاق.

تُظهر الرواية كيف أن الحروب تخلق بيئة قاسية تدفع الأفراد إلى التخلي عن قيمهم الأخلاقية في سبيل البقاء وتعيد تشكيلها. على الأخص في ظل انعدام الأمان والجوع والخوف، تصبح الأنانية والخيانة والعنف وسائل مُبررة للبقاء. هذه الظروف تدفع الشخصيات إلى قرارات أخلاقية تتعارض مع المبادئ المُعتنقة في أوقات السلام. 

وفقاً للفيلسوف توماس هوبز، فإن الإنسان عندما يكون في حالة غياب القانون والنظام يتحول إلى "ذئب لأخيه الإنسان". تنعكس هذه الفكرة في الرواية من خلال الصراعات التي تنشأ بين نزلاء البنسيون، حيث يتحول المكان الذي كان يُفترض أن يكون آمناً إلى ساحة للفوضى والصراعات.

على سبيل المثال،( نبهان: شخصية انتهازية بطبعها، كشفت الحرب عن الجانب الانتهازي في شخصيته، وزادت من جشعه ورغبته في السيطرة. إذ يستغل الفوضى لتحقيق مكاسب شخصية، سواء بالمال، أو النفوذ، أو الموارد.

حيث يسعى إلى تحقيق مكاسب شخصية بأي ثمن.  كان هدفه الحقيقي يتمثل في استغلال الآخرين والتضحية بهم، فكان مستعدًا للتخلي عن القيم الأخلاقية وحتى عن المقربين إذا كان ذلك يخدم مصلحته أو يعزز مكانته. 

كما أظهرت الحرب افتقاره لأي تعاطف مع المتضررين، فهو يركز فقط على مصالحه الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب معاناة الآخرين.  قد تؤدي الحرب إلى دفع نبهان لمواجهة لحظات ضعف أو مواجهة عواقب أفعاله، لكنه غالبًا ما يستغل هذه اللحظات ليعيد بناء نفوذه بطرق غير أخلاقية.

أما (سيرا فقد أكدت هذا الرأي بكونها شخصية غير أخلاقية تدفعها رغبتها في التغيير إلى تجاوز القواعد الأخلاقية، مما يجعلها تفرض رؤيتها بالقوة أو تتجاهل تأثير أفعالها على الآخرين. إذا شعرت بأن الحرب عرقلت طموحاتها أو ألحقت بها ضررًا شخصيًا، قد تتحول إلى شخصية انتقامية لا تهتم إلا بمصالحها).

وهذه الشخصيات لا تعكس فقط الانهيار الأخلاقي، بل تُظهر كيف أن الحرب تُجبر الأفراد على مواجهة تغييرات جذرية في منظومتهم القيمية. 

الشخصيات التي كانت تتسم بالطيبة والتعاون تتحول تحت وطأة الظروف إلى شخصيات أنانية، تعكس كيف أن الحرب قادرة على تحطيم الروابط الإنسانية التي كانت تشكل نواة الأخلاق. حتى مشاهد العنف والقسوة التي تُمارسها الشخصيات تجاه بعضها البعض، ليس بدافع الكراهية الشخصية، بل كرد فعل على الظروف الصعبة. فيعكس كيف أن الحرب لا تُظهر فقط الأخطاء، بل تصنع تغيرات جذرية في طريقة تعامل الأفراد مع بعضهم.

ثانياً- وجهة النظر الثانية: الحروب تكشف الخلل الأخلاقي، إذ يمكن اعتبار الحروب كاشفة وليست صانعة للأخلاق. فهي تضع الإنسان في مواقف حاسمة تُبرز ما كان خفياً في داخله. من يملك قيماً أخلاقية راسخة يتمسك بها حتى في أصعب الظروف، بينما من يفتقر إلى المبادئ يظهر على حقيقته. بمعنى آخر، الحروب ليست سبباً للانهيار الأخلاقي، لكنها اختبار يكشف مدى رسوخ القيم لدى الأفراد. 

وفقاً لنيتشه، الحروب والأزمات تكشف هشاشة القيم التي تبدو قوية في أوقات السلم. في كتابه "ما وراء الخير والشر"، يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية ليست ثابتة، بل هي انعكاس لموازين القوى في المجتمع. الحرب، إذن، تكشف عن تناقضات خفية في النفوس البشرية. 

الرواية تُبرز هذا الجانب بشكل واضح، حيث نجد أن بعض الشخصيات، مثل نورما (بدت في البداية شخصية أخلاقية ملتزمة حافظت على قيمها وأظهرت شجاعة وتضحية رغم الظروف القاسية. لكن مع ازدياد الضغوط والمخاوف وجدت نورما نفسها منهكة عاطفيًا، تفقد التوازن وتصبح أقل قدرة على تحمل الأعباء. وعبرت عن هشاشة القيم التي كانت تحملها، إلى أن تمكنت من  الهروب واستطاعت أن تنعزل عن الآخرين خوفًا على نفسها أو نتيجة للإحباط. في النهاية تراجعت نورما لتكون شخصية داعمة، تُظهر التعاطف مع المتضررين وتحاول مساندتهم نفسيًا وماديًا)، تُظهر شخصية نورما في الرواية أن القيم السطحية تنهار بسهولة تحت الضغط، بينما القيم الأخلاقية المتجذرة تصمد أمام الأزمات. 

بين وجهتي النظر: الحروب تفعل الأمرين معاً ما يجعل هذه الرواية "بنسيون الشارع الخلفي" عملاً مُميزاً هو قدرتها على تقديم رؤية معقدة ومتعددة الأبعاد. فهي تُظهر أن الحروب تقوم بالأمرين معاً: 

1. تدهور الأخلاق: بسبب الضغوط النفسية والجسدية التي تُجبر الأفراد على التخلي عن قيمهم للبقاء. 

2. كشف الخلل الأخلاقي: حيث تعمل كاختبار يُظهر حقيقة القيم والمبادئ التي يحملها الأفراد والمجتمعات. 

المجتمع المصغر في البنسيون، الذي بدا متماسكاً في البداية، يكشف عن تصدعات أخلاقية كانت موجودة بالفعل. الرواية تُبرز كيف أن القيم الأخلاقية الهشة تتحطم تحت وطأة المعاناة، بينما القيم الراسخة تُصبح أكثر وضوحاً. وقد وزع الروائي شخصياته كرموز لرؤى متناقضة لتعبر عن وجهتي النظر المختلفتين.

تكشف رواية "بنسيون الشارع الخلفي" عن حقيقة معقدة، وهي أن الحروب ليست سبباً لتدهور الأخلاق بقدر ما هي مرآة تُظهر ما كان يكمن تحت السطح. لكنها في الوقت نفسه تُعيد تشكيل سلوكيات الأفراد ومنظومتهم القيمية وفقاً للضغوط التي يواجهونها. المجتمعات ذات البنية الأخلاقية الضعيفة تكون أكثر عرضة للانهيار أثناء الحروب، بينما المجتمعات ذات القيم المتماسكة تميل إلى الصمود رغم الانتهاكات التي قد تحدث. 

يبقى السؤال الأهم الذي تُطرحه الرواية: هل نحن ضحايا للظروف، أم أن الأخلاق هي ما يُميزنا حتى في أشد الأوقات قسوة؟ الإجابة قد تكون مزيجاً من الاثنين معاً، حيث إن الحروب تُظهر خير الإنسان وشره في آن واحد، ما يجعلها اختباراً حقيقياً للإنسانية.

 

 

الرمزيّة في رواية "بنسيون في الشّارع الخلفيّ"

 

- بين التّحليل السّرديّ والتّأويل الفلسفيّ –

بقلم. أ.د. سعاد بسناسي- جامعة وهران1، الجزائر

 

قبلَ البدءِ أقولُ:

(الحياةُ رقصةُ ظلٍّ ونورِ، فيها ما يُقال وما لا يُقال، ما يُرى وما يُحسّ؛ هي مرآةٌ تُحدّق فينا بوجوهٍ لا تُحصى، وفي صمتها همسُ المعنى لمن يُنصت بقلبٍ لا بعين). سعاد بسناسي.

نسيرُ في دروبها كأنَّنا ننسجُ من لحظاتها خيوطًا من سؤالٍ ودهشة، نرتشفُ من عذاباتها شرابًا يكشف السّترَ عن وجهِ الحكمةِ، ونبتسمُ حين نكتشفُ أنَّ الجُرحَ ما كان إلاَّ نداءً للاستيقاظ.

كلّ ما حولنا يبوح،

 وإن تظاهر بالصّمت،

الرّيحُ حوارٌ، والغيمُ قصيدةٌ من حنينٍ غابر، والحَجَرُ حكمةٌ مطويّةٌ في كتاب الزّمن.

فما الحياة إلاّ مجلى لمعاني تتقلّب بين التجلّي والحجاب، بين البوح والإشارة... ومن تذوّقها بلُبّه لا بعقله، أدرك أنّ كلّ شيء فيها يُشير إلى شيء أبعد، وأنّ المسكوت عنه أبلغ من المُعلن إن أُصغي له من مقام الصّفاء).

اسمحوا لي وإن أطلتُ قبل البدء، فليس ذلك إلاّ لأنّ قبل البدء بدءٌ ظاهرٌ ومضمرٌ وبينهما مسكوتٌ عنه خفيٌّ خلفيٌّ كما في بنسيون في الشّارع الخلفيّ....

1-     الفروق الدّقيقة في المعجم العربيّ بين (الفندق، والنّزل، والبنسيون) تتطلّبُ أن نتوقّف عندها، حيث تتداخل الدّلالات بين الأصل اللّغويّ والاستخدام المعاصر، وتكمن الفوارق في الآتي:

 أ- الفندق: الأصل اللّغويّ: كلمة "فندق" معرّبة من اليونانيّة  "πανδοχεῖον" (pandocheion)، عبر اللّغات الأوروبيّة، وتعني مكانًا يستقبلُ الجميع.

- الدّلالة المعاصرة:

  - مكانُ إقامةٍ مؤقّت للسّياح والمسافرين.

  - يتّسمُ عادةً بالفخامةِ أو التّنظيم التّجاريّ.

  - يقدّمُ خدماتٍ متعدّدةٍ: غرف، مطاعم، استقبال، أحيانًا مرافق ترفيهيّة.

- الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ غالبًا بالطّبقة الوسطى فما فوق، ويُستخدم في السّياقات الرّسميّة والسّياحيّة.

 

 ب- النُزُل: الأصل اللّغويّ: من الجذر "نزل"، أي أقام أو حلّ بمكان. ورد في القرآن الكريم: "نُزُلًا من غفورٍ رحيم".

- الدّلالة المعاصرة:

  - مكانُ إقامةٍ بسيطٍ، غالبًا ما يكون أرخص من الفندق.

  - يُستخدمُ أحيانًا للإشارة إلى بيوت الشّباب أو أماكن إقامة جماعيّة.

  - قد لا يقدّم خدمات فاخرة، بل يركّز على الوظيفة الأساسيّة: المبيت.

- الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبطُ بالبساطة، ويُستخدمُ في السّياقات الأدبيّة أو الرّسمية التي تميل إلى الفصحى.

 ت- البنسيون: الأصل اللّغويّ: كلمة فرنسيّة pension، دخلت العربيّة عبر الموجات الاستعماريّة  أو التّبادل الثّقافيّ.

- الدّلالة المعاصرة:

  - مكان إقامة صغير، غالبًا تديره عائلة أو أفراد.

  - يقدّم غرفًا للإيجار، أحيانًا مع وجبات منزليّة.

  - يُستخدم في المدن الصّغيرة أو الأحياء القديمة، وله طابع حميميّ.

- الطّبقات الاجتماعيّة: يرتبط بالطّبقة المتوسّطة أو المحدودة، ويُستخدم في اللّهجات أو السّياقات غير الرّسميّة.

رواية "بنسيون الشّارع الخلفيّ" للرّوائيّ السّوريّ محمّد فتحي المقداد هي عملٌ أدبيٌّ جريءٌ ومؤلمٌ، يكشفُ المسكوت عنه في المجتمع السّوريّ خلال سنوات الحرب، تسلّطُ الرّواية الضَّوء على التَّحوُّلات الاجتماعيّة والأخلاقيّة التي فرضتها الحرب السّوريّة، من خلال تصوير واقع مخيّم اليرموك بعد تهجير سكّانه، حيث تحوّل إلى مسرح لانتهاكات متعدّدة:

- المساكنة غير الشّرعيّة بين الشّباب والفتيات دون رابط قانونيّ أو دينيّ

- التّعفيش وسرقة البيوت من قبل الشّبّيحة (كلمة "التّعفيش" في سياق النّزاعات المسلّحة تعني نهب وسرقة محتويات المنازل والممتلكات الخاصّة في المناطق التي تشهد صراعًا أو أصبحت خالية بسبب النّزوح. ويُشير مصطلح "التّعفيش" تحديدًا إلى سرقة الأثاث المنزليّ...)

- تفكّك القيم الأخلاقيّة والدّينيّة

- القتل، القصف، الاعتقال، الجوع، وأكل الحشائش للبقاء على قيد الحياة.

رواية "البنسيون الخلفيّ" هي عملٌ أدبيٌّ يعكسُ الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ في سوريا من خلال عدسة سرديّة تجمع بين الواقعيّة والرّمزيّة.  يحملُ العنوان دلالة رمزيّة؛ ـ"البنسيون" مكان إقامة مؤقّت، و"الخلفيّ" يوحي بالعزلة أو التّهميش، ممّا يعكس حال الشّخصيّات أو المجتمع الذي تصوّره الرّواية.

- المكان: تدور أحداث الرّواية في بنسيون يقع في أحد الأحياء الدّمشقيّة، ويضمّ مجموعة من الشّخصيّات المتنوّعة، كلّ منها يحمل قصّة ومأساة.

- الزّمن: يمتدّ السّرد عبر مراحل مختلفة من التّاريخ السّوريّ، مع التّركيز على التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة التي أثّرت على حياة النّاس.

 

 الشّخصيّات الرّئيسة في الرّواية:

الرّواية لا تركّز على شخصيّة واحدة بل ترسم لوحة جماعيّة من:

- الشّبّيحة الذين استغلّوا البيوت المهجورة

- الشّباب والفتيات الذين لجأوا إلى المساكنة في ظلّ غياب الأمان

- السّكّان المتروكون خلف الرّكام الذين يكابدون الجوع والذّل

- الرّاوي أو المراقب الذي ينقل الأحداث بواقعيّة نقديّة

- نزلاء البنسيون: كلّ منهم يمثّل شريحة من المجتمع السّوريّ—من المثقّف المنكسر، إلى اللاّجئ، إلى المرأة المهمّشة، إلى رجل الأمن.

- صاحب البنسيون: شخصيّة رمزيّة تمثّل السّلطة أو النّظام، يفرض قوانينه الخاصّة على النّزلاء.

- أبو عادل: أحد سكّان المخيّم القدامى،  يمثّل الجيل الذي تمسّك بالقيم رغم الخراب، شاهد على التّحوّلات الأخلاقيّة، يثير الحنين والمرارة.

- رنا: فتاة شابّة تسكن في البنسيون، تجسّدُ الضحيّة التي تحوّلت إلى أداة للبقاء، تعكس هشاشة القيم أمام الجوع والخوف.

- سامر: شابّ هارب من الخدمة العسكريّة، يعيشُ مساكنة مع رنا، يرمز إلى التّمرّد على السّلطة والبحث عن مأوى، لكنّه يتورّط في الفساد.

- أبو نزار: شبّيح استولى على بيت مهجور، يمثّل السّلطة القمعيّة غير الرّسميّة، يفرض سطوته على السّكّان، يرمز لانهيار القانون.

- أمّ علاء: أرملة تعيش في البنسيون، تحاول الحفاظ على كرامتها وسط الفوضى، تمثّل صوت الضّمير النّسائيّ المقاوم.

- علاء: ابنها، مراهق ضائع، ضحيّة الحرب، يتورّط في السّرقة والتّعفيش، يرمز إلى جيل فقد البوصلة.

- الرّاوي: مراقب للأحداث، شبه خفيّ، ينقلُ الواقع بمرارة وحياد، يمثّل صوت الكاتب، ويطرح الأسئلة الأخلاقيّة الكبرى.

 

- تأثير الشّخصيّات في البناء الرّوائيّ:

- رنا وسامر: علاقتهما غير الشّرعيّة هي محور نقد اجتماعيّ، تكشف كيف تتحوّل العلاقات إلى أدوات للبقاء.

- أبو نزار: وجوده يخلق التّوتّر، ويجسّد السّلطة الفاسدة التي تفرض نفسها في غياب الدّولة.

- أمّ علاء: تمثّل المقاومة الصّامتة، وتحاول الحفاظ على القيم وسط الانهيار.

- الرّاوي: لا يتدخّل، لكنّه يسلّط الضّوء على التّناقضات، ويطرح الأسئلة دون إجابات جاهزة.

 

شخصيّة رنا في "البنسيون الخلفيّ" تستحقّ تأمّلًا عميقًا، لماذا؟ فهي ليست مجرّد فتاة تسكن في الظلّ، بل تمثّل الأنثى السّوريّة المعذّبة بين الحرب والجسد، بين الحاجة والكرامة، بين المسكوت عنه والمُفصح عنه قسرًا.

 

تحليل سيميائيّ-وجوديّ لشخصيّة رنا:

- البنية الظّاهرة:

رنا فتاة شابّة، جميلة، تسكن في البنسيون مع سامر، في علاقة مساكنة غير شرعيّة. تبدو في البداية كضحيّة، ثمّ تتحوّل تدريجيًّا إلى شخصيّة أكثر تعقيدًا، تتقن التّفاوض مع الواقع، وتعيد تعريف أنوثتها في ظلّ الحرب.

- المسكوت عنه في شخصيّة رنا:

1- الجسد كأرض محتلّة:

- جسد رنا ليس ملكًا لها، بل أصبح عملةً للتّفاوض: مع سامر، مع الشّبّيحة، مع الجوع.

- المسكوت عنه هنا هو الاغتصاب الرّمزيّ الذي تمارسه الحرب على الجسد الأنثويّ، دون أن يُسمّى اغتصابًا.

 

2- الأنوثة الممزّقة بين الرّغبة والنّجاة:

- رنا لا تعيش الحبّ، بل تعيش النّجاة عبر العلاقة.

- المسكوت عنه هو غياب الحقّ في الحبّ، في زمن صار فيه الجسد وسيلة للبقاء، لا للتّعبير.

 

3- العار الصّامت:

- رغم أنّها لا تُدان صراحة، إلاّ أنّ الرّواية تترك هالة من العار غير المنطوق حولها.

- هذا العار ليس من فعلها، بل من نظرة المجتمع، ومن صمت النّساء الأخريات.

 

4- الهويّة المهدورة:

- رنا لا نعرف أصلها، ولا خلفيّتها، ولا حلمها.

- المسكوت عنه هو محو الهويّة الأنثويّة في زمن الحرب، حيث تتحوّل المرأة إلى "وظيفة" لا إلى "ذات".

 

- البعد النّفسيّ والوجوديّ:

- رنا تعيش الانفصال بين الذّات والجسد، فهي لا تملك أن تختار، بل تُختار لها.

- تعاني من الاغتراب الدّاخليّ، حيث لا تنتمي للمكان، ولا للعلاقة، ولا حتّى لنفسها.

- تمثّل الأنثى التي لم تُمنح فرصة أن تكون إنسانة كاملة، بل مجرّد "نجاة مؤقّتة".

- تفسير رمزيّة رنا في الرّواية:

- المرآة المكسورة: أنوثة مشروخة، لا تعكس ذاتًا واضحة.

-الظّل: تعيش في الخلف، لا في الضّوء، كما عنوان الرّواية .

- النّافذة المغلقة: لا تطلّ على مستقبل، بل على جدار الخوف.

 

سؤال فلسفيّ يطرحه وجود رنا:

1- هل يمكن للمرأة أن تحافظَ على كرامتها في زمن يُجبرها على بيع جسدها للبقاء؟  

2-     وهل العار في الفعل، أم في الظّروف التي فرضت الفعل؟

هذه الأسئلة حقيقةً تفتحُ بابًا بالغَ العمق، لأنَّ رواية "البنسيون الخلفيّ" ليست فقط عن شخصيّات تعيش الحرب، بل عن كائنات تمشي في الظّل، تحملُ أوجاعًا لا تُقال، وتعيش في مساحات المسكوت عنه أكثر ممّا تعيش في الواقع المعلن. وإذا أردنا تحليل المسكوت عنه في الشّخصيّات الأخرى، وربطه بأحداث الرّواية نجدُ الآتي:

 

المسكوت عنه في شخصيّات الرّواية:

2-     سامر: الذّكر الممزّق بين الرّجولة والنّجاة،

الظّاهر: شابّ هارب من الخدمة العسكريّة، يعيشُ مساكنةً مع رنا، يبدو متمرّدًا.

المسكوت عنه:

- فقدان الرّجولة كقيمة أخلاقيّة: سامر لا يحمي، لا يبني، بل يختبئ خلف جسد رنا.

- الخوف من السّلطة: هروبه ليس بطولة، بل هروب من مواجهة الذّات.

- الذّنب الصّامت: يعلم أنّ علاقته برنا ليست حبًّا، لكنّه لا يملك بديلًا.

 

ارتباطه بالأحداث:

- مساكنته مع رنا تعكس تفكّك الأسرة والشّرعيّة.

- هروبه من الجيش يربطه بالانهيار الوطنيّ، حيث لم يعد الوطن يستحقّ الدّفاع.

 

3-     أبو نزار: الشّبّيح الذي يسكن بيتًا ليس له.

الظّاهر: رجل قويّ، يفرض سلطته على البنسيون، يسرق، يهدد، يبتز.

المسكوت عنه:

- الخوف من السّقوط: رغم سطوته، يخاف من فقدان السّيطرة.

- الفراغ الدّاخليّ: لا يملك قضيّة، ولا حلم، فقط سلطة مؤقّتة.

- العار غير المعترف به: يعلم أنّه لصّ، لكنّه يلبس قناع "المنقذ".

 

ارتباطه بالأحداث:

- استيلاؤه على البيوت المهجورة يجسّد التّعفيش كمنظومة أخلاقيّة مقلوبة.

- تهديده لرنا وسامر يكشف التّحوّل من حماية المجتمع إلى افتراسه.

 

4-     أمُّ علاء: الأرملة التي تحاول النّجاة بالكرامة.

الظّاهر: امرأة مسنّة، تحاول الحفاظ على ابنها، ترفض المساكنة، تراقب بصمت.

 

المسكوت عنه:

- الحنين إلى زمن القيم: تتذكّر زوجها، بيتها، صلاتها.

- الخوف من الانهيار الأخلاقيّ لابنها: ترى علاء يتغيّر، لكنّها لا تملك منعه.

- العار الصّامت من الجيران: تخجل من الحديث عن ما يحدث في البنسيون.

 

ارتباطها بالأحداث:

- تمثّل الضّمير الأخلاقيّ المهزوم، الذي يرى ولا يقدر أن يغيّر.

- وجودها يخلق توازنًا بين الانهيار والمقاومة الصّامتة.

 

5-     علاء : المراهق الذي فقد البوصلة

 

الظّاهر: ابن أمّ علاء، يتورّط في السّرقة، يتأثّر بالشّبّيحة، يضيع.

 

المسكوت عنه:

- غياب الأب كمرجعيّة: لا نموذج يحتذي به.

- الفراغ القيميّ: لا يعرف ما هو الصّح، ولا يملك من يرشده.

- التّمرّد الصّامت: يسرق لا لأنّه يريد، بل لأنّه لا يرى بديلًا.

 

ارتباطه بالأحداث:

- يمثّل جيل الحرب، الذي لم يعرف سوى القصف والجوع.

- تورّطه في السّرقة يعكس تحوُّل الأطفال إلى أدوات في منظومة الفساد.

5. الرّاوي: الصّوت الذي يرى ولا يتدخّل.

الظّاهر: ينقل الأحداث بواقعيّة، لا يتدخّل، لا يحكم.

المسكوت عنه:

- الألم الدّاخليّ: يرى كلّ شيء، لكنّه عاجز عن الفعل.

- الذّنب المعرفيّ: يعرف الحقيقة، لكنّه لا يملك سلطة التّغيير.

- الحنين إلى وطن مفقود: كلّ وصف يحمل نبرة فقد.

 

ارتباطه بالأحداث:

- يمثّل ضمير الكاتب، الذي يكتب ليشهد، لا ليحاكم.

- وجوده يخلق مسافة بين القارئ والحدث، تسمح بالتّأمّل دون انفعال مباشر.

خلاصة رمزيّة: كلُّ شخصيّة في "البنسيون الخلفيّ" تعيشُ في مساحةً من العار، الخوف، الذّنب، أو الحنين، لكنّها لا تملكُ لغة للتّعبير.  ولعلَّ المسكوت عنه ليس فقط في الأفعال، بل في الغياب الكامل للمنظومة التي كانت تمنح المعنى: الأسرة، الدّين، الوطن، القانون.

 

 رمزيّة العنوان: "البنسيون الخلفيّ" يشير إلى:

- الأماكن المتوارية عن أعين الأمن والرّقابة،

- الشّوارع الخلفيّة التي تحتضن النّشاطات المشبوهة،

- الجانب المظلم من المجتمع الذي لا يُرى ولا يُقال.

 

 

الثّيمات الرّئيسيّة في الرّواية:

- الاغتراب والهويّة: يعيشُ النّزلاء في حالة من التّيه، يبحثون عن معنى لحياتهم وسط واقع مضطرب.

- السّلطة والقمع: يظهر تأثير النّظام السّياسيّ على الأفراد، سواء من خلال الرّقابة أم الخوف أو التّهميش.

- الذّاكرة والحنين: يسترجع الرّاوي وأبطال الرّواية ذكرياتهم، في محاولة لفهم الحاضر من خلال الماضي.

- المرأة والحريّة: تتناول الرّواية وضع المرأة في المجتمع، بين القهر والرّغبة في التّحرّر.

 الأسلوب الأدبيّ في الرّواية:

- لغة الرّواية: تجمع بين البساطة والعمق، وتستخدم الرّمزيّة بشكل ذكيّ دون أن تفقد الواقعيّة. مع لمسات لهجيّة واضحة قد تربك لغة الرّواية في بعض المقاطع.

- السّرد: غير خطّي، يعتمد على التّنقّل بين الأزمنة والأحداث، ممّا يعكس تشظّي الوعي لدى الشّخصيّات.

- الحوار: يعكس التّوتّر الدّاخليّ والخارجيّ، ويكشف عن طبقات الشّخصيّة دون مباشرة.

 

رمزيّة "البنسيون الخلفيّ":

- يمثّل البنسيون فضاءً مغلقًا يعكس المجتمع السّوريّ في لحظة انهيار أو إعادة تشكيل.

- الخلفيّة تشير إلى ما هو مخفيّ أو مهمّش، سواء في السّياسة أم في النّفس الإنسانيّة.

- النّزلاء هم "المنفيّون داخليًّا"، يعيشون في وطنهم لكنّهم غرباء فيه.

- فهم البنية الرّمزيّة واللّغويّة في رواية البنسيون الخلفيّ،بين التّحليل السّرديّ والتّأويل الفلسفيّ، تفتح أفقًا غنيًّا في موضوع: (المسكوت عنه والمضمر) تناولته في كتاب: المضمر في الملفوظ السّرديّ طبع بالأردن 2024 ط1، سعاد بسناسي، وبعض البحوث ذات الصّلة بالموضوع.

- المسكوت عنه: هو ما يُقصى من الملفوظ، لكنّه يحضر عبر التّلميح، الإيحاء، أو التّوتّرات النّصيّة. في الرّواية، قد يتجلّى في القضايا السّياسيّة أو الاجتماعيّة التي لا تُقال صراحة، بل تُلمّح عبر الشّخصيّات أو الأحداث.

- المضمرات: هي البُنى العميقة التي تسكن خلف الملفوظ، وتشكّل دلالته التّأويليّة. وترتبط المضمرات بالنّيّة، السّياق، والبعد الثّقافيّ، وتُستخرج عبر القراءة التّأويليّة.  ومن خلال تطبيق المنهج التّأويليّ السّرديّ وفقًا لما تمّ تحليله من نماذج في الرّواية، يمكن تحديد ثلاثة مستويات لقراءة المضمرات:

1/ اللّغويّ-الملفوظيّ: تحليل البنية اللّغويّة للخطاب السّرديّ، استخدام لغة التّهكّم أو التّورية في وصف الشّخصيّات الهامشيّة.

2/ السّيميائيّ-الرّمزيّ: قراءة الرّموز والعلامات في النّص "البنسيون الخلفيّ" كمكان رمزيّ للهامش، للمنفى الدّاخليّ.

3/ الأنطولوجيّ-الوجوديّ: تأويل التّجربة الإنسانيّة في النّص صراع الشّخصيّات مع العزلة، الاغتراب، والهويّة .

 

المسكوت عنه في الرّواية:

- الجنسانيّة المقموعة: تظهر في المساكنات والعلاقات غير الشّرعيّة، لكنّها لا تُناقش أخلاقيًّا بل تُعرض كواقع مفروض.

- السّلطة الغائبة/الحاضرة: النّظام لا يظهر مباشرة، لكنّه حاضر في الخوف، الرّقابة، والخراب.

- المرأة كجسد/رمز: تُستخدم الأنثى كوسيلة للبقاء، دون أن يُمنح لها صوت واضح أو سرد ذاتيّ.

- الهويّة الممزقّة: الشّخصيّات لا تملك جذورًا واضحة، تعيش في حالة من التّيه والاغتراب.

 

- العلاقة بين المسكوت عنه والمضمرات وفقًا لمنهج مضمرات الملفوظ، فإنّ الرّواية تبني معناها من خلال:

 

-الملفوظ: ما يُقال صراحة، وصف البنسيون، العلاقات، الأحداث اليوميّة.

-المضمر: ما يُفهم ضمنًا، الخوف، العار، الذّنب، الانهيار الأخلاقيّ.

- المسكوت عنه: ما يُقصى أو يُلمّح إليه، القمع السّياسيّ، فقدان الوطن، انهيار القيم.

)الرّواية لا تُصرّح، بل تُلمّح. لا تُدين، بل تُعرض. وهذا ما يجعل القارئ شريكًا في التّأويل، يبحث عن المعنى في الفراغات، في الصّمت، وفي التّناقضات).

- الرّاوي كضمان تأويليّ: يمنح القارئ مفاتيح لفهم الشّخصيّات دون أن يفرض تفسيرًا.

- الزّمن السّرديّ المتشظّي: يعكس تفكّك الوعي، ويُتيح للمسكوت عنه أن يظهر عبر الاسترجاع والتّقطيع.

- الرّموز السّرديّة: مثل "الشّارع الخلفيّ"، "الغرفة"، "النّافذة"، كلّها تحمل دلالات مضمرات الهويّة، العزلة، والانكسار.

 خلاصة تأويليّة: (رواية البنسيون الخلفيّ هي نصٌّ يُمارس التّعتيم والتّلميح، ويُراهن على قدرة القارئ في استخراج المضمرات من الملفوظ، وفهم المسكوت عنه من خلال ما لا يُقال.  إنّها رواية عن النّجاة في زمن الانهيار، وعن الإنسان الذي يعيش في الظّل، ويبحث عن ذاته في مرايا مكسورة.

 

الخاتمة: ختامًا نقول: الانهيار ليس دائمًا نفيًا للمعنى، بل قد يكون شرطًا لإعادة بنائه. رواية البنسيون الخلفيّ لمحمّد فتحي المقداد، رغم هيمنة سرديّة الانهيار فيها، لا تُغلق الباب أمام التّأويلات الإيجابيّة، بل تترك شقوقًا في الجدار تسمح بمرور الضّوء.

 في الظّاهر:

- الشّخصيّات تعيش في عزلة، مساكنة، خوف، واغتراب.

- البنسيون فضاء مغلق، خلفيّ، يرمز إلى التّهميش والانكسار.

- المسكوت عنه مشحون بالعار، القمع، والخراب الأخلاقيّ.

لكن نقول:

 التَّأويلات الإيجابيّة الممكنة:

1. الانهيار كشرط للوعي: حين تنهار القيم الزّائفة، يبدأ الإنسان في مساءلة ذاته.  

رنا مثلًا، رغم علاقتها المأزومة، تبدأ في إدراك هشاشتها، وتفكر في الخروج من الدّائرة.

2. البنسيون كفضاء للنجاة المؤقّتة: رغم سوداويته، البنسيون يمنح الشّخصيّات مأوى، فرصة للتّفكير، مساحة للبوح.  

حتّى العلاقات غير الشّرعيّة تُقرأ أحيانًا كبحث عن دفء إنسانيّ مفقود.

3. الراوي كصوت تأمّليّ لا يدين: الرّاوي لا يُصدر أحكامًا، بل يترك المجال للتّأويل، ممّا يمنح القارئ فرصة لرؤية ما وراء الانهيار.  

هذا الحياد السّرديّ هو بذرة أمل في استعادة المعنى.

4. المرأة ككائن مقاوم رغم القهر: أمّ علاء، رغم فقرها، تحاول الحفاظ على كرامتها.  

رنا، رغم استخدامها، لا تستسلم بالكامل، بل تُظهر لحظات وعي ورفض.

5. اللّغة السّرديّة كفعل مقاومة: الرّواية نفسها، بوصفها شهادة، هي فعل مقاومة للطّمس والنّسيان.  مع ضرورة مراجعة اللّغة بشكل دقيق لترتقي بموضوعها وانشغالها الفنيّ والمعرفيّ.

الكتابة عن المسكوت عنه هي محاولة لاستعادة الصّوت، والكرامة، والذّاكرة.

ختامًا: إنّ رواية "بنسيون في الشّارع الخلفيّ" ليس فقط سرديّة انهيار، بل أيضًا سرديّة ما بعد الانهيار. إنّه نصٌّ يُظهر كيف يمكن للإنسان أن يعيش في الظّل، لكنّه لا يفقد كليًّا قدرته على الحلم، أو على التّأمّل، أو على قول "لا" بصوت خافت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تفكيك المقدس وتدنيسه

 

في رواية بنسيون الشَارع الخلفي. للكاتب محمد فتحي المقداد

 

بقلم. أ.د. أناهيد الرِّكابي. الجامعة المستنصريَّة. بغداد

 

 

توطئة مفهوم المقدس:

ﻳﺼﻌﺐ اﻹﻣﺴﺎك ﺑﺘﻌﺮﻳﻒ ﻣﺤﺪد ﻟﻠﻤﻘﺪس، ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺸﺎﺑﻚ اﻟﻤﻔﻬﻮم ﻣﻊ ﻣﺠﺎﻻت ﻓﻠﺴﻔﻴﺔ، دﻳﻨﻴﺔ، أﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺔ وﻧﻔﺴﻴﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﻤﻨﺤﻪ ﻃﺎﺑﻌًﺎ ﻣﺮﻛّﺒَﺎ وﻣُﺘﻐﻴّﺮًا، ﺑﺤﺴﺐ اﻟﺴِّﻴﺎﻗﺎت اﻟﺜﻘﺎﻓﻴَّﺔ واﻟﺪّﻳﻨَّﺔ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ. ﻓﻠﻔﻈﺔ "اﻟﻤﻘﺪس" ﺗﺘﻌﺪد دﻻﻻﺗﻬﺎ، إذ ﻗﺪ ﺗﻌﻨﻲ اﻟﻄﻬﺎرة واﻟﻨﻘﺎء، أو ﺗﺸﻴﺮ إﻟﻰ ﻣﺎ ﻫﻮ دﻧﻴﻮي ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻟﺜﻘﺎﻓﺎت، ﻛﻤﺎ أﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﻜﺘﺴﺐ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ إﻻ ﺑﻤﻘﺎﺑﻠﺘﻬﺎ بـ"اﻟﻤﺪﻧﺲ"، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻤﻨﺤﻬﺎ وﻇﻴﻔﺔ ﺑﻨﻴﻮﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺮﻣﺰي واﻟﺪﻳﻨﻲ.

وﻳﻤﻜﻦ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺗﺼﻮر ﻋﺎم ﻟﻠﻤﻘﺪس ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﻔﻬﻮﻣﻪ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﺟﻢ اﻟﻠﻐﺔ، ﻓﻔﻲ "ﻟﺴﺎن اﻟﻌﺮب"، ﻓﺈن ﻣﺎدة )ﻗﺪس( ﺗﺤﻴﻞ إﻟﻰ ﻣﻌﺎﻧﻲ اﻟﺘﻄﻬﻴﺮ واﻟﺘﺒﺮﻳﻚ، ﻛﻤﺎ ﻓﻲ "اﻟﻘﺪوس" وﻫﻮ ﻣﻦ ﺻﻔﺎت ﷲ، وﻳﻌﻨﻲ"اﻟﻄﺎﻫﺮ اﻟﻤﻨﺰه ﻋﻦ اﻟﻌﻴﻮب واﻟﻨﻘﺎﺋﺺ>"

1.وﻳﻀﻴﻒ ﺷﻠﺤﺪ أن "اﻟﻘﺪاﺳﺔ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ارﺗﺒﺎﻃﺎ وﺛﻴﻘﺎ ﺑﺎﻟﻄﻘﻮس واﻟﺸﻌﺎﺋﺮ".

2. إذ ﻻ ﻳﺘﺤﻘﻖ اﻟﻤﻘﺪس إﻻ ﻣﻦ خلال ﻃﻘﺲ ﻳﻨﻈﻢ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻤﻘﺪس وﻳﻀﺒﻂ ﺣﺪود اﻻﻗﺘﺮاب ﻣﻨﻪ.

ﺑﻬﺬا اﻟﻤﻌﻨﻰ، ﻳﻐﺪو اﻟﻤﻘﺪس ﺗﻤﺜﻴﻼ  ﻟﻠﺨﻴﺮ اﻟﻤﻄﻠﻖ، ﻟﻜﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ذاﺗﻪ ﺧﻄﺮ، ﻷﻧﻪ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻃﻘﻮﺳﺎ دﻗﻴﻘﺔ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ، وﺗﺤﺪد ﻛﻴﻔﻴﺔ اﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻌﻪ.

ﺗﻌﺪ رواﻳﺔ ﺑﻨﺴﻴﻮن اﻟﺸﺎرع اﻟﺨﻠﻔﻲ ﻓﻀﺎء ﺳﺮدﻳﺎ، وﺗﻐﻄﻲ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺤﻈﻮرة اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎ وﺛﻘﺎﻓﻴﺎ، إذ ﻳﻨﻔﺘﺢ اﻟﻨﺺ ﻋﻠﻰ آﻟﻴﺎت ﺗﻔﻜﻴﻚ اﻟﻤﻘﺪﺳﺎت ﺑﺸﻜﻞ ﻳﺘﺪاﺧﻞ ﻓﻴﻪ اﻟﺪﻳﻨﻲ واﻟﺴﻴﺎﺳﻲ. وﻣﻦ ﺧﻼل ﺷﺨﺼﻴﺎت ﻣﺘﺼﺪﻋﺔ، وﻋﻮاﻟﻢ ﻫﺎﻣﺸﻴﺔ، وﻋﻮاﻟﻢ ﻓﺎﺳﺪة، ﺗﻌﻴﺪ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺮﻣﺰﻳﺔ ﻟﻠﻤﻘﺪس، ﺳﻮاء ﺗﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺻﻮرة رﺟﻞ دﻳﻦ، أو ﻓﻲ اﻟﺨﻄﺎﺑﺎت اﻟﻤﻮروﺛﺔ، أو ﻓﻲ اﻟﻘﻴﻢ اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺎرس أدوارﻫﺎ اﻟﻘﺴﺮﻳﺔ ﺗﺤﺖ ﻏﻄﺎء اﻟﻄﻬﺮاﻧﻴﺔ واﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ.

إن اﻟﺮواﻳﺔ ﺗﻤﺎرس ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ "اﻟﺘﺤﻠﻴﻞ اﻟﺠﺮيء" ﻟﻠﻤﺮﺟﻌﻴﺎت اﻟﺠﻤﻌﻴﺔ، وﺗﺨﺘﺮق اﻷﺳﻮار اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻊ ﻓﻲ اﻟﻤﺮﻓﺄ ﺑﺎﻟﻤﺤﻈﻮر، ﻟﺘﻔﺘﻴﺶ آﻟﻴﺎت اﻟﺘﻮاﻃﺆ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻄﺎب اﻟﻤﻘﺪس وﻣﺮاﻛﺰ اﻟﻘﻮة ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ . ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق، ﺗﻮﻇﻒ اﻟﺮواﻳﺔ ﺳﺮدا ﻣﺸﺤﻮﻧﺎ ﺑﺎﻟﺘﻬﻜﻢ، واﻟﻼﻳﻘﻴﻦ، واﻻﻧﺰﻳﺢ اﻟﺮﻣﺰي ﻟﺘﻘﻮﻳﺾ اﻟﺒﻨﻰ اﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﺔ وﺗﻌﺮﻳﺔ ﻣﺎ ﺗﺴﺘﺒﻄﻨﻪ ﻣﻦ ﺗﻨﺎﻗﻀﺎت. ﻓﺎﻟﻤﻘﺪس ﻻ ﻳﻈﻬﺮ ﻫﻨﺎ ﻛﻌﻨﺼﺮ ﻣﻨﺰه، ﺑﻞ ﻛﺨﻄﺎب ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻔﻜﻴﻚ واﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ . ﻣﻦ ﻫﻨﺎ، ﻓﻘﺪ اﺗﺨﺬ ﻫﺬا اﻟﻤﻘﺪس ﺗﻤﺜﻼت ﻣﻦ ﺧﻼل :

 

1.   تفكيك المقدس الديني والوطني:

ﻣﻦ أﺑﺮز ﻣﺎ ﻳﻤﺜﻞ اﻟﻤﻘﺪﺳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺴﻌﻰ ﺑﻨﺴﻴﻮن إﻟﻰ ﺗﻔﻜﻴﻜﻬﺎ ﻫﻲ ﺻﻮرة اﻟﺪﻳﻦ، ذﻟﻚ اﻟﻜﻴﺎن اﻟﺬي ﻳﻔﺘﺮض ﻓﻴﻪ اﻟﻨﻘﺎء اﻟﺮوﺣﻲ واﻟﺘﻤﺜﻴﻞ اﻷﺧﻼﻗﻲ ﻟﻠﻔﻀﻴﻠﺔ، ﻟﻜﻦ اﻟﺮواﻳﺔ ﺗﻌﺮﻳﻪ ﻣﻦ ﻫﺬه اﻟﻬﺎﻟﺔ ﻋﺒﺮ ﺗﺼﻮﻳﺮه ﻛﻜﺎﺋﻦ ﻣﺰدوج، ﻳﺘﻠﺒﺲ اﻟﻄﻬﺮ وﻫﻮ ﻏﺎرق ﻓﻲ وﺣﻞ اﻟﻮاﻗﻊ. ﻻ ﺗﺤﺎﻛﻢ اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﺪﻳﻦ ﺑﺤﺪ ذاﺗﻪ، ﺑﻞ ﺗﺴﻠﻂ اﻟﻀﻮء ﻋﻠﻰ ﺗﺮاﺑﻂ ﻋﻤﻴﻖ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻄﺎب واﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ، ﺑﻴﻦ ﻣﺎ ﻳﻘﺎل ﺑﺎﺳﻢ اﻟﻤﻘﺪس وﻣﺎ ﻳﺮﺗﻜﺐ ﺑﺎﺳﻤﻪ ﻣﻦ ﺗﺠﺎوزات واﻧﺘﻬﺎﻛﺎت. ﻓﺎﻟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺮواﻳﺔ ﻟﻴﺲ إﻻ واﺟﻬﺔ ﻣﻬﺘﺮﺋﺔ ﺗﺨﻔﻲ ﺧﻠﻔﻬﺎ رﻏﺒﺎت ﻣﻜﺒﻮﺗﺔ، وﻗﺪ ﺗﻜﻮن ﺳﻠﻄﺔ، وازدواﺟﻴﺔ ﻗﻴﻤﻴﺔ ﺗﻨﺨﺮ ﺟﺴﺪﻳﺎ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎ، ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻓﻲ إﺣﺪى ﻧﺼﻮﺻﻪ "ﻳﺎ "ﻧﺒﻬﺎن." أدرﻛﺖ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﷲ ذات ﻟﻴﻠﺔ ﺑﺎردة، اﻟﺒﺸﺮ ﻧﺎﺋﻤﻮن، ﻋﻨﺪﻣﺎ اﻧﻄﻠﻘﺖ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ أﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺂذن ﺑﺄن واﺣﺪ ﺗﺨﺒﻄﺖ أﺻﻮات اﻟﻤﺆذﻧﻴﻦ ﺑﻤﺰﻳﺞ ﻋﺠﻴﺐ ﻓﻲ ﺟﻨﺐ ﻣﺪﻳﻨﺔ دﻣﺸﻖ ﻋﻠﻰ اﺗﺴﺎﻋﻬﺎ ﻣﻊ ﺿﻮاﺣﻴﻬﺎ اﻟﺒﻌﻴﺪة واﻟﻘﺮﻳﺒﺔ، ﺣﺘﻰ ﺧﺸﻊ اﻟﻜﻮن ﻛﻠﻪ ﻟﻠﻪ، وإﻳﺬان ﺑﺎﺳﺘﻔﺎﻗﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ، ﻟﻴﺆدوا ﺣﻘﻪ ﻣﻊ ﺑﺪاﻳﺔ ﻓﺠﺮ ﻛﻞ ﻳﻮم(3)"

ﻛﺎن اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻣﺎﻫﺮا ﻓﻲ اﺧﺘﻴﺎره ﻟﺸﺨﺼﻴﺘﻲ )ﻋﻠﻮان(، واﻟﻤﺤﺎور ﻟﻪ )اﻟﺸﺨﺺ اﻟﻔﻀﻮﻟﻲ(اﻟﺬي ﺷﺒﻬﻪ ﺑﺸﺨﺼﻴﺔ أﺷﻌﺐ أﻳﺎم اﻟﻌﺒﺎﺳﻴﻴﻦ، وﻳﺴﺘﻬﻞ اﻟﻨﺺ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﺪﻋﻮة اﻟﺘﻲ دﻋﺎﻫﺎ ﻋﻠﻮان ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺒﺮ اﻟﺮﺧﺎﻣﻲ ﻟﻪ وﻫﻮ ﻳﺘﺤﺪث ﻟﻪ ﻋﻦ ﺑﺸﺎﻋﺔ اﻟﻤﻮﻗﻒ للنِّظام، اﻟﺬي ﻗﺪ ﻗﺎده أﺣﻴﺎﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﺘﺸﻜﻴﻚ ﺑﺎﻟﻤﺂذن ﻣﺨﺎﻃﺒﺎ، وﻣﺘﻮﺟﻬﺎ ﺑﻘﻮﻟﻪ: أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺗﺸﻜﻴﻜﺎ وﻻ ﻛﻔﺮًا، وﻻ ﻣﻌﺎداة بأﻧﻨﻲ ﻟﻢ أﺣﺐ رؤﻳﺔ اﻟﻤئذﻧﺔ، وﻻ ﺳﻤﺎع اﻵذان، وﻻﺳﻴﻤﺎ ﻣئذﻧﺔ ﺟﺎﻣﻊ اﻟﺒﺸﻴﺮ اﻟﻘﺮﻳﺐ ﻣﻦ ﺣﻲ اﻟﻔﺪاﺋﻴﺔ، اﻟﺬي ﻳﺒﺸﺮ ﺑﻤﻮت ﻣﺆﻛﺪ، أن اﻟﺘﻮاﺟﺪ أﻣﺎم اﻟﻘﻨﺎص اﻟﻠﺌﻴﻢ ﻛﺎن ﻳﺮدﻳﻬﻢ ﻗﺘﻠﻰ ,ﻟﻘﺪ ﻣﺎت اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻻﻧﻬﻢ ﻓﻀﻠﻮا اﻟﻤﻮت ﻋﻠﻰ اﻟﺨﺮوج ﻣﻦ وﻃﻨﻬﻢ ,ﻟﻜﻦ ﻳﺒﻘﻰ اﻟﻠﺠﻮء اﻟﻰ ﷲ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺗﻨﻄﻠﻖ ﻛﻠﻤﺔ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﺂذن ﻻﺳﺘﻘﺎﻣﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻟﻴﺆدوا ﺣﻖ ﷲ ﻛﻞ ﻓﺠﺮ.  ﻟﻜﻦ ﻋﻠﻮان ﻣﺎﻳﺰال ﻳﺮﺗﺠﻒ


ﺟﺴﺪه ﻋﻨﻔﺎ. ووﻗﻌﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺬات الإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، وﻫﺬا الاﺧﺘﻴﺎر ﻟﻢ ﻳﺄت اﻋﺘﺒﺎﻃﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﻫﻮ أﻣﺮ ﻣُﺤﺒّﻚ ﻣﻦ اﻟﻜﺎﺗﺐ، اﻟﺬي ﺗﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ أزﻣﺎت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟسُّوريِّ.

واﻧﺘﺨﺐ أﻛﺜﺮﻫﺎ وﺟﻌًﺎ )ﻋﻠﻮان (، ﻟﺘﻜﻮن ﻣﺤﻮرا ﻳﻨﻄﻠﻖ ﻣﻨﻪ إﻟﻰ ﺑﻨﺎء ﺷﺨﺼﻴﺔ السوري اﻟﻤﺘﺄزم، وﻧﻔﺴﻪ وﻣﺸﺘﺘﺎﺗﻬﺎ وﻋﻮارﺿﻪ اﻟﻤﺸﺘﺘﺔ. ﻳﺴﺘﺜﻤﺮ اﻟﺴﺮد ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق أدوات اﻟﺘﻬﻜﻢ واﻟﺮﻣﺰ، واﻻﻧﻜﺸﺎف، إذ ﻳﻜﺸﻒ ﻫﺬا اﻟﻤﺸﻬﺪ اﻟﺴﺮدي ﻋﻦ ﺗﻮﻇﻴﻒ اﻟﻤﻘﺪس، ﻛﺄداة ﻟﻠﻬﻴﻤﻨﺔ ﻻ ﻟﻠﻬﺪاﻳﺔ.

ﻓﺘﺘﺤﻮل اﻟﻘﺪاﺳﺔ ﻫﻨﺎ إﻟﻰ ﺳﻠﻌﺔ رﻣﺰﻳﺔ، إﻟﻰ ﺧﻄﺎب ﻳُﺴﻮّق اﺟﺮاﻣﻴﺎ ﻟﻐﺎﻳﺎت ﻏﻴﺮ أﺧﻼﻗﻴﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﺸﻜﻞ ﺻﺪﻣﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ اﻟﻤﺼﺪاﻗﻴﺔ اﻟﺼﻮرة اﻟﻤﺘﻮارﺛﺔ، وﻳﻌﻴﺪ ﺗﺸﻜﻴﻠﻬﺎ داﺧﻞ ﺑﻨﻴﺔ رواﺋﻴﺔ ﺗﺴﺎﺋﻞ اﻟﻮاﻗﻊ، ﺑﺪﻟﺎ ﻣﻦ أن ﺗﻄﻮﺑﻪ.

ﻓﺘﺘﺠﻠﻰ ﻓﻴﻪ أﺑﻌﺎد اﻟﻌﻨﻒ اﻟﺮﻣﺰي وﺗﻔﻜﻴﻚ اﻟﻤﻘﺪس، وﻳﻘﻮل ﻓﻲ ﻧﺺ آﺧﺮ "اﻟﻮﻃﻦ، وإن ﺗﻘﺰم ﺑﺤﺠﻢ ﻣﻜﺎن ﻳﺘﻤﺪد ﻓﻴﻪ اﻹ ﻧﺴﺎن ﻟﻠﻨﻮم ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺷﺔ إﺳﻔﻨﺞ ﻋﺘﻴﻘﺔ، أو ﺳﺮﻳﺮ ﻣﺘﻬﺎﻟﻚ ﻣﻦ ﺑﻘﺎﻳﺎ أﺳﺮة اﻟﻤﻌﺴﻜﺮات اﻟﻤﻨﻬﻮﺑﺔ ذات اﻟﻠﻮن اﻷﺧﻀﺮ اﻟﻌﺘﻴﻖ، أو ﻋﻠﻰ ﻗﻄﻌﺔ ﻛﺮﺗﻮن ﻣﻬﻤﻠﺔ، ﻫﻮ ﻓﻲ ﺧﻴﺮ اﻟﺘﺸﺮﻳﺪ.

اﻵن أﻧﺎ ﻓﻲ ﺧﻴﺮ أﻧﻲ وﺟﺪت دفء اﻟﻤﻜﺎن ﺑﻤﻦ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻨﺰﻻء. ﺑﻨﻔﺴﻲ ﻟﻮ أﺳﺘﻄﻴﻊ اﻟﻨﻮم ﺑﻌﻤﻖ ﻣﻞء ﺟﻔﻨﻲ؛ ﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﻣﺎ ﻓﺎﺗﻨﻲ ﻓﻲ اﻷﻳﺎم اﻟﻤﺎﺿﻴﺔ، وﻻ أﺗﺬﻛﺮ ﻛﻴﻒ ﻣﺮت ﻋﻠﻲ. ﻣﻦ ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﺒﺪاﻳﺎت إﻟﻰ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻨﻬﺎﻳﺎت.. اﻻﺣﺘﺮاق أﺷﻌﻞ ﺟﺪاﺋﻞ اﻟﻌﻤﺮ وﺳﺤﺎﺋﺐ اﻟﻮﻗﺖ، واﺳﺘﻬﻠﻚ اﻷﻋﺼﺎب واﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، واﻟﺒﺪاﻳﺔ اﺧﺘﻴﺎر، واﻻﺧﺘﻴﺎر ﺣﻖ إﻧﺴﺎﻧﻲ. ﻟﻦ أﻛﺬب ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ: "ﻻ ﺧﻴﺎر ﻟﻲ ﺑﺎﺗﺨﺎذ أي ﻗﺮار، وﻫﻞ ﻣﻦ ﻗﺮار ﺑﻼ ﻧﺘﺎﺋﺞ وﻻ ﺗﺒﻌﺎت؟(4)"

ﻓﻲ ﺗﺮاﻛﻢ وﺻﻔﻲ ﻣﻜﺎﻧﻲ ﻳﺼﻒ اﻟﻘﺎص اﻟﺤﻴﺎة ﻓﻲ وﻃﻦ مظلوم، وأﺻﻮات اﻟﻘﺼﻒ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻤﻜﺎن؛ ﻓﻴﻐﺪو اﻟﻮﻃﻦ ﻣﻜﺎن إﻳﻮاء، ﺑﻼ ﺛﺒﺎت وﻻ أﻃﻤﺌﻨﺎن، ﻓﻜﻠﻪ ﻗﺼﻒ واﺷﺘﺒﺎﻛﺎت،ﻣﺴﺘﻌﺮﺿﺎ ﻣﻘﻮﻟﺔ ﺟﺎن ﺟﺎك روﺳﻮ ﻋﻦ اﻟﻮﻃﻦ وﻣﺎ ﺗﺤﻤﻞ ﻣﻦ ﻛﺮاﻣﺔ وﻋﺰ، ﻣﺴﺘﻔﻬﻤﺎ ﻣﺘﻌﺠﺒﺎ ﻛﻴﻒ ﻳﻜﻮن ﻫﺬا اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺤﻘﻴﺮ وﻃﻨﺎ، ألأنَّه ﻳﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻘﺎء ﻓﻲ اﻟﻮﻃﻦ، ﺣﺘﻰ وإن ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﻌﻄﻴﺎت ﻻﺗﺸﺠﻊ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻘﺎء فاﻟﻮﻃﻦ ﻻﻳﺒﺎع.

إن اﻟﺘﺸﻜﻴﻞ اﻟﺴﻴﺮي ﻳﺠﺴﺪ ﺣﺎل اﻟسوريين، ﻓﻲ ﺳﻴﺮﺗﻬﻢ اﻟﺘﺄرﻳﺨﻴﺔ مع النِّظام الدِّكتاتوري، وﻫﺠﺮة اﻟﺒﻌﺾ وﺑﻘﺎء اﻟﺒﻌﺾ اﻵﺧﺮ، ﻓﻲ ﺗﻨﺎوب ﺷﻌﻮري ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺘﻘﺮ ﻣﺎﺑﻴﻦ اﻟﺒﻘﺎء واﻟﻬﺠﺮة.

وﻳﻘﻮل أﻳﻀﺎ "أﻗﺴﻢ باﷲ أﻧﺎ ﺷﺎﻫﺪﺗﻪ ﻛﻤﺎ ﺷﺎﻫﺪت اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺨﺮاب

اﻟﻔﻈﻴﻊ، اﻟﺬي ﺣﺼﻞ ﻟﻤﻘﺒﺮة اﻟﺸﻬﺪاء، ﻟﻘﺪ أﻳﻘﻨﺖ اﻟﺸﺮﻃﺔ اﻟﺮوﺳﻴﺔ ﺣﻀﺮت، وﻣﻌﻬﺎ ﻓﺮﻳﻖ )ﻛﻮﻣﺎﻧﺪوس) اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ ﻣﻊ ﺧﺒﺮﻫﻢ؛ ﻻﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﺮوس ﺑﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪه اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﻮن، اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻄﻤﺌﻨﻮا ﻷي ﻣﺨﻠﻮق ﻓﻲ اﻟﺪنيا ﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﻔﺘﻪ(5)"ﻳﺘﺨﺬ اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻣﻦ اﻟﻮﺻﻒ اﻟﺘﻔﺼﻴﻠﻲ ﻟﻠﺸﺨﺺ اﻟﻤﻴﺖ )ﻋﻠﻮان (وﻃﻴﻔﻪ اﻟﺬي ﻟﻢ ﻳﻔﺎرق ذاﻛﺮة اﻟﺮاوي ﻣﺪﺧﻼ إﺳﺘﺮﺟﺎﻋﻴﺎ ﻟﻮﺻﻒ اﻷ ﺣﺪاث اﻷرﻫﺎﺑﻴﺔ وﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ دﻣﺎر ﺟﻤﺎﻋﻲ وﻳﻨﺴﺠﻢ اﻟﻮﺻﻒ اﻟﺘﻔﺼﻴﻠﻲ ﻣﻊ ﺑﺸﺎﻋﺔ اﻷﺣﺪاث وأﻟﻤﻬﺎ ,ﻓﻬﻮ ﻣﺘﻌﺐ ﻟﻢ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﻋﻦ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﺣﺘﻰ، وﻟﻮ ﺑﺮﻫﺔ ,أﻧﻔﺎﺳﻪ ﻻﻫﺜﺔ ﻣﺘﻌﺒﺔ ,وﻛﻞ ﺗﻠﻚ اﻷوﺻﺎف اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ,وﺻﻒ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻮان وﻫﻮ ﻣﻴﺖ، ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺎ ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻣﻊ ﺷﺨﺼﻴﺘﻪ اﻟﻘﻠﻘﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺪ اﻟﺤﻴﺎة، واﻟﻤﺘﻨﺎﻏﻤﺔ ﻣﻊ اﻟﻘﻠﻖ اﻟﻨﻔﺴﻲ ﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺄﻛﻤﻠﻪ ﻳﻌﺎﻧﻲ ﺗﻠﻚ اﻷرﻫﺎﺻﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻟﻀﻐﻂ اﻷرﻫﺎﺑﻲ اﻟﻌﻨﻴﻒ، وﻳﺴﺮد اﻟﺮاوي ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺸﻬﺪﻳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺼﻒ اﻟﺨﺮاب اﻟﻌﻨﻴﻒ ﻟﻤﻘﺒﺮة اﻟﺸﻬﺪاء اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻦ وﻛﻴﻒ ﻧﺼﺐ اﻟﺮوس ﺷﻮادر ﻟﺘﻐﻄﻴﺔ ﻋﻤﻠﻬﻢ اﻟﺘﺨﺮﻳﺒﻲ اﻟﺸﻨﻴﻊ، اﻟﺬي ﻃﺎل رﻓﺎت اﻟﺸﻬﺪاء اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ، ﻟﻘﺪ ﺧﺮﻗﻮا ﺣﺮﻣﺔ اﻟﻘﺒﻮر واﻟﻤﻮﺗﻰ، وﻛﺸﻔﻮا ﻋﻦ ﺣﻘﺪﻫﻢ اﻟﺪﻓﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮب، ﺣﺘﻰ وﻫﻢ أﻣﻮات وﺟﺜﺚ، ﻳﺴﺘﻐﺮب ﻋﻠﻮان ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻔﺎﻫﺔ الإرﻫﺎﺑﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺟﻌﻠﺘﻪ ﻣﻨﻌﺰﻻ، وروى ﺣﺪﻳﺜﺎ ﻳﺜﻴﺮ الاﺳﺘﻐﺮاب وﻫﻮ ان اﻟﻘﻮات اﻟﺮوﺳﻴﺔ ﻧﻘﻠﺖ رﻓﺎت أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﺸﺮة أﺷﺨﺎص ﻣﻦ ﻣﻘﺒﺮة ﻣﺨﻴﻢ اﻟﻴﺮﻣﻮك إﻟﻰ ﻣﺨﺒﺮ ﻃﺒﻲ ﺷﺮﻋﻲ ﻓﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻟﻠﺘﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﻫﻮﻳﺘﻬﺎ، وﺑﻌﺪ أن ﺗﺄﻛﺪت أﻧﻬﺎ ﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ دﻓﻨﺘﻬﺎ ﺿﻤﻦ ﻣﻘﺒﺮة اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ، وأﺳﻤﺘﻬﻢ ﺑﺎلإرﻫﺎﺑﻴﻴﻦ ﺿﻤﻦ ﻗﺒﻮر ﻣﺠﻬﻮﻟﺔ،وﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﻘﺎل ﻳﺬﻛﺮ ﻋﻠﻮان ﻣﺎ ﻗﻴﻤﺔ الأﺧﻼق إذا ﻟﻢ ﺗﻄﺒﻖ، وﺑﻘﻴﺖ ﺣﺒﺮا ﻋﻠﻰ ورق،وإذا ﺗﺠﺮد اﻻﻧﺴﺎن ﻣﻦ الأﺧﻼق ﺗﺤﻮل وﺣﺸﺎ ﻛﺎﺳﺮا، ﺗﺤﺮﻛﻪ ﻏﺮﻳﺰة اﻟﻘﺘﻞ واﻟﺘﺪﻣﻴﺮ،ﻣﺘﺴﺎﺋﻼ ﻣﺘﻌﺠﺒﺎ ﺑﺄن اﻟﻴﻬﻮد ﻫﻞ خبؤوا اﻟﺠﺜﺚ، ﻟﻴﻤﺜﻠﻮا ﺑﻬﺎ أو ﻳﺮﻣﻮﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺰاﺑﻞ،أم أﻧﻬﻢ دﻓﻨﻮﻫﺎ... وﺑﺬلك ﻓﻬﺬه اﻟﻤﻘﺎﻟﺔ ﺗﺠﺴﺪ ﺗﻮﺛﻴﻖ ﺗﺄرﻳﺨﻲ ﻟﺴﻴﺮة اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺗﺠﺴﺪ ﺣﻘﺪ اﻟﻴﻬﻮد الإ ﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ ﺗﺠﺴﺪ ﺗﺄرﻳﺨﺎ ﻟﻠﻈﻠﻢ واﻟﺒﺸﺎﻋﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻄﺎل اﻷﺣﻴﺎ ء ﻓﻘﻂ ,ﺑﻞ ﻃﺎﻟﺖ ﺣﺘﻰ اﻷﻣﻮات، وﻗﺪ ﺟﺴﺪت ﺗﻠﻚ اﻟﻄﺎﻗﺔ اﻟﺘﺨﻴﻴﻠﻴﺔ اﻷﺑﺪاﻋﻴﺔ ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ اﻟﺮﻓﺾ اﻟﺸﻌﻮري اﻟﺪاﺧﻠﻲ اﻟﻜﺎﻣﻦ ﻓﻲ دواﺧﻞ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ وﺣﺘﻰ اﻟﺸﻬﺪا ﻣﻨﻬﻢ ﻓﻲ اﺳﺘﻨﻄﺎق ﺗﺨﻴﻴﻠﻲ ﻣﺒﺪع ﻟﻠﺸﻬﻴﺪ ﻋﻠﻮان... وﻳﺠﺴﺪ اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﻤﻘﺎﻟﺔ أﺣﺪاث ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻣﻌﻴﺸﺔ ﻓﻲ واﻗﻊ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻳﻘﺴﻮ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ، وﻟﻴﺲ ذﻧﺐ ﻟﻬﻢ ﺻﻮر اﻟﻜﺎﺗﺐ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﻋﻠﻮان وﺻﺮاﻋﺎﺗﻬﺎ اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ، ﻟﻴﺠﺴﺪ ﺧﻠﺠﺎﺗﻪ، وﺻﺮاﻋﺎﺗﻬﺎ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻤﺘﺄزم، وﻣﻮاﻗﻒ اﻟﺤﻴﺎة وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻤﺮﻳﺮة. ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻀﻐﻂ اﻟﺤﻴﺎﺗﻲ اﻟﻤﺎﺛﻞ ﻓﻲ اﻟﻘﻬﺮ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ اﻟﻈﺎﻟﻢ. ﻳﻘﺪم اﻟﻨﺺ ﺻﻮرة ﻗﺎﺗﻤﺔ ﻋﻦ اﻧﺘﻬﺎك ﺣﺮﻣﺔ اﻟﻘﺒﻮر ﻓﻲ ﻣﻘﺒﺮة اﻟﺸﻬﺪاء، وﻫﻮ ﻓﻌﻞ ﻳﺘﺠﺎوز ﻛﻮﻧﻪ ﻣﺠﺮد


اﻋﺘﺪاء ﻣﺎدي، ﻟﻴﺼﻴﺮ ﺧﺮﻗﺎ ﺻﺎرﺧﺎ ﻟﻘﻴﻢ راﺳﺨﺔ ﻓﻲ اﻟﻀﻤﻴﺮ اﻟﺠﻤﻌﻲ. ﻳﺘﺠﺴﺪ "اﻟﻤﻘﺪس" ﻫﻨﺎ ﻓﻲ رﻣﺰﻳﺔ اﻟﺸﻬﺎدة، وﺣﺮﻣﺔ اﻟﺮﻓﺎة، وﻗﺪﺳﻴﺔ اﻟﻤﻮت اﻟﺬي ﻳﺤﻤﻞ دﻻﻻت اﻟﻜﺮاﻣﺔ واﻟﻮﻃﻦ واﻻﻧﺘﻤﺎء. ﻏﻴﺮ أن ﻫﺬا اﻟﻤﻘﺪس ﻳﻔﻜﻚ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﻤﺎرﺳﺎت اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻐﺎزﻳﺔ، ﺣﻴﺚ ﻧﻘﺮأ: "ﻧﺒﺸﻮا ﻗﺒﺮ اﻟﻤﻮﺗﻰ... ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ رﻓﺎة اﻟﺸﻬﺪاء اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ... دﻓﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻘﺒﺮة اﻹرﻫﺎﺑﻴﻴﻦ." ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺘﻔﻜﻴﻚ، ﺗﻤﺤﻰ اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﻨﻀﺎﻟﻴﺔ، وﻳﻌﺎد ﺗﻌﺮﻳﻒ اﻟﺸﻬﺎدة ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮر اﻟﻤﺤﺘﻞ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﻓﻌﻼ  إرﻫﺎﺑﻴﺎ، ﻓﻲ اﻧﻘﻼب ﺧﻄﻴﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ. وﻳﺴﺘﻜﻤﻞ اﻟﻨﺺ دﻻﻟﺘﻪ اﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل إﻇﻬﺎر اﻟﺘﻮاﻃﺆ اﻟﺪوﻟﻲ ﺑﻴﻦ "اﻟﺸﺮﻃﺔ اﻟﺮوﺳﻴﺔ" و"ﻓﺮﻳﻖ اﻟﻜﻮﻣﺎﻧﺪوس اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ"، ﺑﻤﺎ ﻳﻌﻤﻖ ﻣﺸﻬﺪ اﻻﻏﺘﺼﺎب اﻟﺮﻣﺰي ﻟﺤﺮﻣﺔ اﻟﻤﻘﺒﺮة، وﻳﻤﺜﻞ إﻟﻐﺎء ﻟﻠﺴﻴﺎدة اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء. أﻣﺎ اﻟﻘﺼﻒ اﻟﻼ ﺣﻖ ﻟﻠﻤﻮﻗﻊ ﺑﺎﻟﻄﻴﺮان، ﻓﻴﻌﺪ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻟﻄﻤﺲ اﻟﺠﺮﻳﻤﺔ وإﻟﻐﺎء اﻟﺸﺎﻫﺪ، ﻟﻴﺴﺘﻜﻤﻞ ﻓﻌﻞ اﻟﺘﻔﻜﻴﻚ ﺑﺈﻧﻜﺎر اﻟﺬاﻛﺮة وﻣﺤﺎوﻟﺔ دﻓﻦ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ذاﺗﻬﺎ. ﻫﻨﺎ ﻻ ﻳﻘﺪم "ﻋﻠﻮان" ﻛﺸﺨﺼﻴﺔ ﺳﺮدﻳﺔ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ كـ"ﺷﺎﻫﺪ ﻣﻀﺎد"، وﺻﻮت ﻟﻠﻀﻤﻴﺮ اﻟﺠﻤﻌﻲ اﻟﺬي ﻳﺮﻓﺾ ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﺮﻣﻮز واﻟﻘﻴﻢ، ﺣﻴﻦ ﻳﺼﺮخ: "وﻣﺎ ﻗﻴﻤﺔ اﻷﺧﻼق إذا ﻟﻢ ﺗﻄﺒﻖ...؟"؛ ﻟﻴﻄﺮح ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﺴﺎؤﻻﺗﻪ اﻟﻮﺟﻮدﻳﺔ ﻣﻌﻀﻠﺔ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ ﻋ ﺎﻟﻢ اﻧﻌﺪﻣﺖ ﻓﻴﻪ ﻗﺪاﺳﺔ اﻹﻧﺴﺎن، وﺗﺤﻮﻟﺖ اﻟﺮﻓﺎة إﻟﻰ أوراق ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﻳﺪ ﻗﻮى ﻣﺘﺼﺎرﻋﺔ. ﺑﻬﺬا اﻟﻤﻌﻨﻰ، ﻳﻐﺪو ﺗﻔﻜﻴﻚ اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ اﻟﻨﺺ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺗﻔﻜﻴﻜﺎ ﻟﺮﻣﺰﻳﺔ اﻟﻘﺒﺮ، ﺑﻞ ﺗﻔﻜﻴﻜﺎ ﻟﻺﻧﺴﺎن ذاﺗﻪ ﺣﻴﻦ ﻳﺠﺮد ﻣﻦ ﻛﺮاﻣﺘﻪ وﻗﻴﻤﺘﻪ ﺑﻌﺪ ﻣﻮته  فداء.

 

2.   تفكيك العائلي والاجتماعي:

وﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﺸﻬﺪ ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺎﺗﺐ ):وﻻ ﷲ ﻣﻦ ﺑﻴﻮﺗﻪ اﻟﻤﻬﺠﻮرة، اﻟﺮﻳﺢ ﻋﺼﻔﺖ ﺑﻬﺎ، وزﻣﻬﺮت ذات اﻟﺰﻣﻦ ﻣﻀﻰ. ﻻ أﺣﺪ ﻋﻠﻰ وﺟﻪ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻟﻤﺎذا اﻷ ﺻﻮات ﻣﻔﺘﻘﺪة ﻫﻨﺎ ﻣﻨﺬ زﻣﺎن؟؛ ﻓﻼ أﺻﻮات ﻟﻠﻜﻼب واﻟﻘﻄﻂ، ﻛﺄن ﷲ ﻟﻢ ﻳﺨﻠﻘﻬﺎ أﺑﺪا ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻜﺎن اﻟﻤﻬﺮب ﻣﻦ اﻟﺤﻴﺎة ﺗﻔﻜﺮ ﻓﻲ "أن ﺗﻜﻮن" ﺑﻬﺬه اﻷ ﺷﻴﺎء اﻟﺒﺴﻴﻄﺔ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﺘﻤﻨﻰ ﻓﻲ أﻳﺎم زﻣﺎن اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻟﺤﻈﺎت ﻫﺎدﺋﺔ ، ﻟﻴﻨﺎم وﻳﺒﺪأ ﻓﻲ وﺿﻊ واﺑﻞ ﻣﻦ اﻟﺪﻣﻮع، ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻨﻔﺴﻬﺎ-: "ﻛﻴﻒ ﻧﺴﻴﺖ ﻛﻞ ﻫﺬا !!.. ، ﻛﺄن زﻫﺎﻳﻤﺮ ﺿﺮﺑﺖ دﻣﺎﻏﻲ، وﻣﺴﺤﺖ ذاﻛﺮﺗﻲ اﻟﺨﺮاب ﺣﻞ ﻣﻜﺎن اﻟﺤﻴﺎة، واﻟﻤﻮت ﻃﺎرد ﻟﻠﺘﻔﺎﻋﻼت ﻳﺒﺪو أﻧﻬﺎ ﺿﺮورﻳﺔ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻻﺳﺘﻤﺮار، ﺷﻌﻮري ﺑﺎﻟﻔﺮاغ ﺑﺸﻜﻞ ﻫﺎﺋﻞ، ﻟﻠﻤﺮة اﻷوﻟﻰ ﻳﺪاﻫﻤﻨﻲ ﻫﺬا اﻹﺣﺴﺎس اﻟﻤﻔﺎﺟﺊ، ﻣﺸﺎﻏﻠﻲ اﻟﻜﺜﻴﺮة أﻧﺴﺘﻨﻲ ﻓﻘﺪت ﻧﻔﺴﻲ، وﻧﻈﺎﻓﺘﻬﺎ اﻟﻤﻌﻬﻮدة ﻣﻦ ﻗﺒﻞ)" 6)ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ ﻧﻮﺳﺘﺎﻟﺠﻴﺎ ﻧﺮى ﻟﺤﻈﺔ اﻧﻬﻴﺎر ﻗﺪاﺳﺔ اﻟﺬاﻛﺮة، إذ أن اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻣﻠﺠﺄ، ﺑﻞ ﻏﺪت ﻓﺮاﻏﺎ. اﻟﻨﺺ ﻳﻘﻮض ﻓﻜﺮة أن اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻳﺤﻤﻞ ﺣﻨﻴﻨﺎ داﺋﻤﺎ، وﻳﻌﺮض ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﻼاﻧﺘﻤﺎء ﺣﺘﻰ ﻟﻠﺬات اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، إذ ﺗﺘﺠﻠﻰ اﻟﺮؤﻳﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻟﻠﻨﻔﺲ اﻷﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﻤﺤﺒﻄﺔ اﻟﻴﺎﺋﺴﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻐﻴﻴﺮ اﻟﻤﺴﺘﺴﻠﻤﺔ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺮﻳﺮ ,اﻟﺘﻲ ﻣﺮت ﺑﻠﺤﻈﺔ ﻓﺎرﻗﺔ ﻣﺘﺄزﻣﺔ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ,ﺟﻌﻠﺖ ﻋﺠﻠﺔ اﻟﺤﻴﺎة ﺗﺘﻮﻗﻒ,ﻟﺘﻜﻮن ﺗﻠﻚ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﻤﺘﺄزﻣﺔ اﻟﻘﺸﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺴﻤﺖ ﻇﻬﺮ اﻟﺒﻌﻴﺮ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﺎل ,ﻓﻬﻨﺎك ﻓﻲ ﺣﻴﺎة ﻛﻞ أﻧﺴﺎن ﻟﺤﻈﺔ ﺗﺘﻮﻗﻒ ﻓﻴﻬﺎ اﻷﺷﻴﺎء ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻪ ...,ﻓﻴﻐﺪو اﻟﻬﺪوء ﻓﻴﺼﺒﺢ اﻟﻤﺤﻴﻂ واﻟﺒﻨﺴﻴﻮن ﻣﺘﻤﺎﺛﻠﻴﻦ ﺑﻘﺪر اﻟﻔﺮاغ اﻟﻤﺎﺛﻞ ﻓﻲ

ﻫﺬه اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ,ﻓﻬﻮ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ داﺧﻠﻲ ﻣﻨﻔﺼﻞ ﻋﻦ ﺿﺠﻴﺞ اﻟﻤﺤﺮﻛﺎت واﺻﻮات اﻟﻨﺎس ﻓﻼ اﺻﻮات ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻪ ,ﻣﻨﻔﺼﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻋﻦ أﺳﺮﺗﻪ وﻛﺄﻧﻪ ﻗﺪ أﺻﻴﺐ ﺑﺎﻟﺰﻫﺎﻳﻤﺮ، إلا أن ﻫﺬا اﻟﺒﻄﻞ اﻟﺘﺎﺋﻪ اﻟﻤﺤﺒﻂ ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎﻳﺤﻦ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻤﺤﻔﺰات اﻟﺤﻴﺎﺗﻴﺔ اﻟﺒﺴﻴﻄﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ ﻟﻠﺤﻴﺎة ﻃﻌﻤﺎ ﻳﺴﻮغ ﻟﻪ اﻟﻌﻴﺶ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻴﻘﺘﺮح ان ﻳﺬﻫﺐ ﻟﺸﺮاء اﻟﻔﻮل ﻳﻮم اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻧﻪ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻣﻌﺘﺎدا ﻋﻠﻴﻪ ,ﻟﺘﺴﺘﻤﺮ اﻟﺤﻴﺎة ﻣﺴﺘﻌﻴﺪا ﺑﻌﺾ أرﻣﺎق اﻟﺸﻐﻒ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻓﻴﻬﺎ .ﻟﻘﺪ ﻛﺎن ذﻟﻚ اﻷﺳﺘﻌﺮاض اﻟﻮﺟﺪاﻧﻲ ﺗﺸﻜﻴﻼ ﺳﻴﺮﻳﺎ ﻟﺤﺎﻟﺔ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺑﺄﻛﻤﻠﻪ ﻳﻌﻴﺶ ﻇﺮﻓﺎ ﻗﺎﺳﻴﺎ ﻓﻴﻔﺘﻘﺪ ﺷﻐﻔﻪ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة، ﺣﻴﺚ ﻳﻐﺪو اﻟﻤﻘﺪس ﻣﺪﻧﺴﺎ ﺑﺘﻔﻜﻴﻚ اﻟﻤﻘﺪس اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ واﻟﻌﺎﺋﻠﻲ .

ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺮواﻳﺔ اﻧﺘﻬﺎك ﻟﻠﻤﻘﺪﺳﺎت وﺗﺤﻮﻳﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﻣﺪﻧﺴﺎت  ﻓﺎﻟﺮواﻳﺔ ﺗﺴﺘﺨﺪم ﻓﻀﺎء اﻟﺒﻨﺴﻴﻮن ﻛﺄداة ﺳﺮدﻳﺔ رﻣﺰﻳﺔ ﻟﺘﻔﻜﻴﻚ اﻟﻤﻘﺪﺳﺎت اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ:

-1ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﻤﻘﺪس اﻟﺼﻮﺗﻲ: اﻟﻐﻴﺎب اﻟﻜﻠﻲ ﻟﻸﺻﻮات، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ أﺻﻮات اﻟﺼﻼة واﻟﺤﻴﺎة.

-2ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﻤﻘﺪس اﻟﺰﻣﻨﻲ: ﺗﻔﻜﻴﻚ ﻳﻮم اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻣﻦ ﻃﻘﺲ دﻳﻨﻲ إﻟﻰ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻣﺎدﻳﺔ

-3ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﻤﻘﺪس اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ: ﻏﻴﺎب ﻧﺪاءات اﻷﻣﻬﺎت وﺿﺠﻴﺞ اﻟﻤﺪارس، ودﻳﻨﺎﻣﻴﺔ اﻟﺠﻴﺮة.

-4ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﻤﻘﺪس اﻟﻨﻔﺴﻲ: ﻓﻘﺪان اﻟﺬات اﻟﻤﻌﻨﺎﻫﺎ وﺣﺪوث اﻧﻬﻴﺎر داﺧﻠﻲ ﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ واﻟﺬاﻛﺮة.

-5ﺗﺪﻧﻴﺲ اﻟﻤﻘﺪس اﻷﺧﻼﻗﻲ واﻧﻬﻴﺎره ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﻔﺸﻲ ﻇﻮاﻫﺮ ﻣﺴﺘﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ


اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺴﻮري ﻣﺜﻞ اﻟﻘﺘﻞ، اﻟﻤﺨﺪرات، اﻟﺸﺬوذ، وﻏﻴﺮ ذﻟﻚ اﻟﻜﺜﻴﺮ

ﺧﻼﺻﺔ: اﻟﻨﺺ ﻳﻌﻴﺪ ﺗﺄوﻳﻞ اﻟﺤﻴﺎة ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮر وﺟﻮدي ﺑﺎﻫﺖ، وﻳﺤﻄﻢ أوﻫﺎم اﻟﺬاﻛﺮة، اﻟﻄﻘﺲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وﺣﺘﻰ اﻟﺬات. إﻧﻪ ﺗﻔﻜﻴﻚ ﻋﻤﻴﻖ ﻟﻠﻤﻘﺪﺳﺎت ﺑﺎﻋﺘﺒﺎرﻫﺎ ﻣﺴﻠﻤﺎت ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﻤﺴﺎءﻟﺔ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اﻟﻬﻮاﻣﺶ والإﺣﺎﻻت :

-1اﺑﻦ ﻣﻨﻈﻮر، ١٩٥٦، ﻟﺴﺎن اﻟﻌﺮب، دار ﺑﻴﺮوت ﻟﻠﻨﺸﺮ واﻟﺘﻮزﻳﻊ، ﺑﻴﺮوت، ﻟﺒﻨﺎن، ط.١ﻣﺎدة ﻗﺪس

-2 ﺷﻠﺤﺪ، ﻳﻮﺳﻒ، 1997، اﻟﻤﻘﺪس ﻋﻨﺪ اﻟﻌﺮب ﻗﺒﻞ اﻹﺳﻼم وﺑﻌﺪه، دار اﻟﻄﻠﻴﻌﺔ، ﺑﻴﺮوت، ﻟﺒﻨﺎن ط1، ص39

-3ﻣﺤﻤﺪ ﻓﺘﺤﻲ اﻟﻤﻘﺪاد، 2024 , ﺑﻨﺴﻴﻮن اﻟﺸﺎرع اﻟﺨﻠﻔﻲ، ﻣﻨﺸﻮرات اﻷ

ﻛﺎدﻳﻤﻴﺔ اﻟﺤﺮة ﻟﻠﺪراﺳﺎت، أﻟﻤﺎﻧﻴﺎ، ط1، ص332

-4 اﻟﻤﺼﺪر ﻧﻔﺴﻪ، ص92

-5 اﻟﻤﺼﺪر ﻧﻔﺴﻪ، ص 75-72

-6 اﻟﻤﺼﺪر ﻧﻔﺴﻪ،ص336-338

 

 

 

 

سردية الحرب والمكان ..الانهيار القيمي

 

واعتياد الصدمة. دراسة ذرائعية في رواية

بنسيون الشارع الخلفي))

للروائي السوري محمد فتحي المقداد

 

بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

 

تُعدّ رواية (بنسيون الشارع الخلفي) لمحمد فتحي المقداد رواية حرب سورية بامتياز، لا تكتفي بتسجيل وقائع الحرب، بل تتوغّل في آثارها البنيوية على الإنسان والقيم والمكان خلال أربعة عشر عامًا من حكم استبدادي دمّر البنية الاجتماعية والأخلاقية للبلاد.

لا تُقدَّم الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل كقوّة تفكيك شاملة: تفكك الإنسان، المدينة، المعرفة، والعلاقات. تتخذ الرواية من البنسيون فضاءً مركزيًا، لا كمكان عرضي، بل كـ شخصية مكانية رمزية تمثّل وطنًا منكفئًا على جراحه، معزولًا عن محيطه، وقد انهار نزلاؤه إلى ما دون العتبة الأخلاقية، تحت ضغط الخوف، الجوع، القمع، والتهجير.

      البؤرة الفكرية:

الحرب السورية ليست دمارًا ماديًا فقط، بل انهيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا شاملًا، يُسقط الإنسان من موقع الضحية إلى حافة التواطؤ أو التشيّؤ.

الحرب، في الرواية، تُنتج:

-     تآكلًا تدريجيًا للقيم. 

" في الحرب تتآلف المتناقضات وتتقارب؛ فتموت القيم، وتنتشي شهوة تحويش الأموال." (ص29(

-     اعتياد العنف.

-     تسليع الإنسان والمعرفة.

-     تحوّل النجاة إلى مبرّر أخلاقي لأي فعل.

شاهد نصي:

" في العادة هناك موقف نُجبَر عليها، وبالتعامل معها، ولا مناص من الخوض فيها" (ص 89)

" في ظل ظروف قاهرة مفروضة علينا. الكل يكذب على الكل، اعتدنا الكذب، ولا مشكلة لدينا..!!"(ص 90)

هذا القول ل فايا، إحدى شخصيات الرواية، هربت من بيت أسرتها، مع شاب عقدت معه زواج متعة، وسكنا معًا في غرفة في البنسيون.

" خسرنا الكثير، ولم يبق شيء لنخسره، لم نملك إلا أنفسنا وقدرتنا على الحركة، نعيش التحدي الأكبر مع أنفسنا على مواصلة الحياة، وعدم الاستسلام،... " (ص 90)

الدلالة الذرائعية: الفعل لم يعد يُقاس أخلاقيًا، بل وظيفيًا: هل يضمن البقاء أم لا؟

      الخلفية الأخلاقية: الخلفية الأخلاقية في الرواية تشخيصية لا وعظية؛ النص لا يُدين مباشرة، وإنما يعرّي.

ملامحها:

-     انهيار مفهوم الخير والشر.

-     تطبيع الخوف.

-     تبرير الكذب، السرقة، التهريب، الصمت، الرذيلة، تعاطي المخدرات، والمتاجرة بالمعرفة.

-     غياب الدولة الأخلاقية لصالح دولة الحواجز.

 

شاهد:

"خمسة بيوت .... المكتبات فيها، لم تمتد لها يد التعفيش،... ففي وقت الحرب من الذي سيشتري كتابًا؟ مثلًا لو تُباع الكتب مع أصحابها..!! لما تردّدوا ببيعها من أجل ربطة خبز..." ( ص 185)

الدلالة: انحدار المعرفة من قيمة عليا إلى سلعة مسروقة، في انسجام كامل مع منطق الحرب.

 

 

دلالة العنوان: "بنسيون الشارع الخلفي"

البنسيون: ليس مكانًا محايدًا، بل: فضاء هشّ- إقامة مؤقتة- حياة بلا استقرار- يمثّل وطنًا لم يعد بيتًا. "شبيه بمركز إيواء مؤقّت حسب  الظروف السائدة والمتغيّرة باستمرار بلا ثبات، ولا ضمانة من أحد مطمئنة، .... حتى أن الفندق، مهما كان مجهّزًا بكل وسائل الراحة، مصمّم على أساس العبور، دائمًا يذكّرك بالمغادرة، حتى وأنت تحلّ فيه"  (ص52- 53)

3.       الشارع الخلفي يحيل إلى: الهامش- اللامرئي - ما يُخفى عن الواجهة- سوريا التي دُفعت خارج التاريخ، وخارج العدالة.

 

شاهد:

" لم تستغرب نورما قلة السالكين للطريق الخلفي المحاذي للشارع الرئيس في أحد ضواحي العاصمة الجنوبية، وعلى الأغلب، كما أفصحت عن المكان فيما بعد بزمان طويل: إنه في منطقة مخيّم اليرموك، وبالتحديد خلف شارع لوبية . المكان الذي كانت تقصده كل فترة لشراء الملابس..."( ص 16)

 

      المستوى البصري :

أولًا: البنية البصرية العامة: يقوم المستوى البصري في الرواية على جماليات الخراب لا جماليات الوصف. الصورة لا تُنتج للزينة، بل لتكثيف الإحساس بالانهيار. الكاتب يتعمّد:

-     تفكيك الصورة الكاملة للمدينة

-     الاكتفاء بلقطات جزئية (حيّ، حاجز، غرفة، درج، شارع)

-     خلق إحساس بالكاميرا المرتجفة لا باللوحة الثابتة، وهذا يجعل القارئ شاهدًا لا متفرجًا.

ثانيًا: البنسيون كشخصية بصرية. البنسيون ليس مجرد مكان للسكن، بل جسد بصري متهالك: غرف ضيقة- جدران متشققة- ممرات معتمة- أبواب تُفتح وتُغلق بحذر.

شاهد:

" الأبواب المغلقة تختفي وراءها حكايات مبهمة عصي على الفهم، أبواب الغرف لا تُفتح إلا لضرورة الخروج لقضاء حاجة ما أو إلى الحمام" ( ص 66)

" العمارة الضخمة ذات الطوابق الثلاثة .... من بداية مدخل الشارع الخلفي لشارع لوبية الرئيس كوجه مومياء عتيقة لا أحد يحب النظر النظر إليه...."  (ص 24)

الدلالة الذرائعية: البنسيون يتحوّل من عنصر معماري إلى ذاكرة موت.

" الجدران المقشرة من طول معاناتها من الاشتباكات المتبادلة يوميًا بين المتحاربين ...." ( ص 24)

الدلالة الذرائعية: المكان يكتسب وعيًا، ويشارك الشخصيات أوجاعها.

ثالثًا: الشارع الخلفي بوصفه رؤية بصرية

الشارع الخلفي ليس فقط موقعًا جغرافيًا، بل زاوية رؤية: لا واجهات، لا ساحات احتفالية، لا رمزية وطنية مرفوعة.

شاهد:

" تضيع ملامح المكان إذا قلّ ارتياده، وتضيع المعلومات القديمة؛ فتظهر المفاجآت... كان المحل والمحلات التي بجانبه مُغلقات، وبعضها مهشَم الواجهات وأغلاق أبوابها الحديدية منزوعة" الرؤية البصرية هنا مهمَّشة مثل الشخصيات. الكاميرا السردية ترفض المركز، وتختار الهامش.

رابعًا: الحواجز الأمنية كعنصر بصري قمعي الحواجز في الرواية ليست حدثًا عابرًا، بل مشهد بصري متكرّر: أسلحة، نظرات تفتيش، انتظار، صمت ثقيل.

شاهد:

" ... سلوك العساكر مختلف هذا اليوم، حالة استرخاء غير طبيعية، بعضهم تحلل من التزامه بلباسه العسكري، حتى أن بوط الرياضة استُبدل مكان البوط العسكري... وبعضهم بدلاتهم العسكرة ذات الألوان المموهة بألوان حمراء وخضراء وبنية، لتشكيل لوحة كئيبة تبعث الرعب في نفوس من يعبرون الحاجز... العساكر ضجرون من توترهم الدائم، بين أوامر قادتهم والمسؤولين عنهم، وبين القيام بواجباتهم العسكرية بالحراسة والتفتيش على مدار الساعة" (ص 71- 72(

دلالة بصرية: الجسد يُقرأ بصريًا (ملابس، ملامح، طريقة الوقوف).الإنسان يتحوّل إلى علامة قابلة للتجريم.

خامسًا: المدينة المدمّرة الصورة المجتزأة. الكاتب لا يقدّم صورة بانورامية للدمار، بل: بيت منهوب، مطعم فارغ، حيّ خالٍ، واجهات مكسورة.

شاهد:

" ... كل العمارات المطلة على الساحة مت جوانبها الأربعة مهجورة، لا أحد يجلس مساء يشرب قهوته،... أو يدخن الشيشة، وصحن الموالح أمامه على الطربيزة، والمدام تجلس قبالته تتأمل شاربيه" (ص 73).

 التدمير يُرى عبر غياب البشر لا عبر كثرة الركام فقط. الفراغ عنصر بصري أساسي.

سادسًا: الكتب كعنصر بصري معرفي منهار واحدة من أقوى الصور البصرية في الرواية: الكتب وقد نزلت من الرفوف، معروضة للبيع، بلا سياق، بلا سؤال أخلاقي.

شاهد:

" الموضوع مثير بكافة تفاصيله الجديدة كليًّا لنبهان، الانبهار بموضوع الكتب ؛ فعظُمت قيمتها المعنوية بنفسه، غير مؤمن بفائدتها إلا إذا بيعت بمزادات، ودخلت أثمانها إلى جيبته" (ص 190).

الدلالة: سقوط الهرم المعرفي بصريًا. المعرفة تُرى مبعثرة كما المدن.

سابعًا: الضوء والظل. البنية الضوئية في الرواية قاتمة: إضاءة خافتة- عتمة الممرات- ظلال الأشخاص.

شاهد:

" سيرا تتأمل خيالات نورما المرتسمة على الجدار الذي خلفها، لآن الشمعة المضاءة على طاولة الطربيزة تتوسط جلستهما وجهًا لوجه، رأتها شبحًا أسود يستحوذ على أكثر مساحة الجدار" ( ص 63(  الضوء ليس عنصرًا جماليًا بل قيمة مفقودة.  العتمة هي الوضع الطبيعي للحرب.

ثامنًا- البنسيون كفضاء مُركَّب من أثاثٍ مسروق وغير منسجم

لا يتشكّل البنسيون في الرواية من بنية معمارية متماسكة أو أثاث منسجم، بل من قطع متنافرة المصدر والهوية:

أسِرّة لا تشبه بعضها، كراسٍ من بيوت مختلفة، طاولات لا تنتمي إلى المكان، خزائن مكسورة، وأدوات بلا سياق. هذا الأثاث ليس تفصيلًا ديكوريًا، بل علامة بصرية أخلاقية.

شاهد دال (مضموني): الأثاث في البنسيون لا يبدو مختارًا، بل مجمَّعًاكل قطعة جاءت من مكان آخر، ومن حياةٍ لم تكن هنا. حتى وإن لم يصرّح النص بكلمة "مسروق" مباشرة في كل موضع، فإن تراكم الإشارات إلى المصدر المجهول، التفكك، والتنافر، يشي بذلك بوضوح بصري.

"المكان هنا أخذ على عاتقه عدم التناسق، شهادة امتياز بالتشويه البصري المتنافر، كما يُقال: (من كل قطرة أغنية)، شيوع التنافر ليكون شأنًا عامًّا هذه الأيام، ولا شيء في مساره الصحيح المعتاد قطعًا" (ص 50(

الدلالة البصرية للأثاث المسروق:

1. الأثاث بوصفه بقايا حياة. كل قطعة أثاث: اقتُلعت من بيت، فُصلت عن أصحابها، أُعيد توظيفها في سياق بقاء، كما السوريين أنفسهم. الأثاث هنا: لا يؤدي وظيفة الراحة، بل وظيفة النجاة المؤقتة.

2. عدم الانسجام البصري = تفكك الهوية الوطنية

غياب الانسجام بين: الألوان، الأحجام، الأساليب يعكس: غياب المشروع الجامع، تشظّي المجتمع، انهيار الذائقة والقيم معًا. البنسيون وطنٌ بلا هوية جمالية، كما هو وطن بلا هوية سياسية أو أخلاقية.

3. الأثاث المسروق والحدّ الأخلاقي المكسور بصريًا، لا يعود السؤال: هل هذا الأثاث جميل؟ بل: من أين جاء؟   وهذا سؤال أخلاقي لا جمالي.

دلالة ذرائعية: الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل تُسقط الحرج الأخلاقي عن الاستفادة من خراب الآخرين.

4. الأثاث كدليل صامت على النهب:

كما البيوت المنهوبة في الرواية، الأثاث في البنسيون: لا يتكلم، لكنه يشهد ويُدين بصمته.

 هو أثر مادي للجريمة داخل فضاء يفترض أنه مأوى.

5.البنسيون كـ "وطن من الغنائم"

يتحوّل البنسيون، بصريَّا، إلى: وطن مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين، بلا شرعية أخلاقية، بلا انسجام داخلي. وهنا تتقاطع الدلالة مع فكرة: الدولة التي تأسست على النهب، لا يمكن أن تكون بيتًا.

تاسعًا- وظيفة المستوى البصري ذرائعيًا: وفق المنهج الذرائعي، المستوى البصري هنا:

-     لا يصف، بل يُقنع

-     لا يجمّل، بل يفضح

-     لا يحيّد القارئ، بل يزجّه داخل المشهد

 الصورة تؤدي وظيفة حجاجية أخلاقية: هكذا تبدو الحرب حين تُرى من الداخل، لا من الشاشات.

خلاصة المستوى البصري

المستوى البصري في بنسيون الشارع الخلفي:

يصنع وعيًا لا صورة، ويحوّل المكان إلى شاهد إدانة، ويجعل الحرب تُرى بوصفها خرابًا يوميًا عاديًا.

 

      المستوى اللغوي والجمالي

(لغة الخراب اعتياد الكارثة تآكل الدهشة(

أولًا: السمات العامة للغة

لغة الرواية:

-     غير خطابية

-     غير انفعالية

-     خالية من البلاغة الزخرفية

-     تميل إلى الاقتصاد اللغوي والتقريرية الباردة

 وهذا خيار جمالي مقصود، لأن الحرب الطويلة تقتل الفصاحة الانفعالية، وتستبدلها بلغة مُنهَكة تشبه وعي الشخصيات.

ثانيًا: مفردات الخراب (المعجم الحربي اليومي): يتشكّل معجم الرواية من كلمات لم تعد استثنائية، بل أصبحت مكوّنًا يوميًا في الجملة السردية.

أمثلة معجمية متكرّرة: حاجز- تفتيش- عبور- خوف- صمت- دمار- نهب- تهجير- جثث- بيوت فارغة- ممرّات- عتمة.

شاهد:

"... أنزلوه مكبّلًا، يداه خلف ظهره، ووضعوا الطماشة الجلدية السوداء على عينيه، اختفى النور صار كالأعمى، اقتاده العسكري بخشونة وقساوة،... بوغتنا جميعًا بزخات رصاص. هجوم مفاجئ لمسلّحين، أرادوا اقتحام الحاجز، للسيطرة عليه..." (ص 42)

الخراب لا يُعلن نفسه بالصراخ، بل بالإجراء: عبور، انتظار، تفتيش.

ثالثًا: اعتياد الخراب (اللغة بعد الصدمة).الأخطر جماليًا هو غياب الدهشة. اللغة لا تقول: "حدث أمر فظيع". بل: "حدث وانتهى"

شاهد:

" تراءى لي وجه زوجي المدمى المعفّر بالتراب، أثناء سقوطه يتلوى من أثر إصابته، ولا أحد يمسح له جبينه... ولم يبكه أحدٌ..." ( ص 119)

هنا تتحوّل الكارثة من حدث إلى معلومة. وهذا هو جوهر رواية الحرب الطويلة: تطبيع الفاجعة لغويًا.

رابعًا: تآكل المفردات القيمية

الكلمات الكبرى (وطن، كرامة، عدالة، معرفة) تغيب أو تُفرّغ من محتواها.

بدلًا منها:

بقاء- فرصة- طريق- تهريب- بيع- نجاة- خراب حياة- موت فراغ استمرار

" الخراب حلّ مكان الحياة، والموت طاردٌ لتفاعلات يبدو أنها ضرورية من أجل الاستمرار، شعوري بالفراغ هائل..." (ص 68).

 اللغة تعكس انهيار الهرم القيمي:

لم يعد السؤال ماذا نفعل؟

بل كيف ننجو؟

خامسًا: الجملة السردية (البناء الجمالي).

خصائص الجملة:

قصيرة أو متوسطة، قليلة الاستعارات، تعتمد التراكم لا الإيقاع.

مثال دال: "لا نداءات لله في بيوته المهجورة المخرّبة، الريح عصفت بها، وزمهرت ذات زمن مضى"(ص67(

هي جملة بسيطة تركيبيًا، لكنها عميقة جماليًا ودلاليًا. تقوم على اقتصاد لغوي واضح، يخلو من الزخرفة البلاغية، ويعتمد على التراكم الإيحائي لا على الإطناب. لا تستدعي الصورة هنا مفردات صادمة أو تشبيهات مباشرة، بل تبني أثرها عبر الغياب: غياب النداء، غياب الساكن، وغياب الزمن الحي.

الجملة تُحمِّل المكان بعدًا روحيًا مقلوبًا؛ فـ"بيوت الله" التي يُفترض أن تكون فضاءً للسكينة والابتهال، تتحوّل إلى شاهد صامت على الخراب، حيث لم يبقَ من القداسة سوى الريح، ولم يبقَ من الزمن سوى زمهرير الذاكرة. وبهذا تنتقل الجملة من توصيف مادي إلى مجاز وجودي، تُعبّر فيه عن انقطاع العلاقة بين الإنسان والمقدّس بفعل الحرب، دون خطاب مباشر أو إدانة صريحة.

جماليًا، تنتمي هذه الجملة إلى ما يمكن تسميته جماليات الفراغ؛ إذ إن قوتها لا تنبع مما تقوله، بل مما تتركه معلقًا: سؤال الإيمان، سؤال الغياب، وسؤال الجدوى. وهي بذلك تمثّل نموذجًا للجملة السردية في الرواية، التي تفضّل الهدوء البارد على الانفعال، والتأمّل الصامت على الصرخة، بما ينسجم مع سردية اعتياد الخراب التي تحكم النص بأكمله.

سادسًا: الجماليات السالبة (Aesthetics of Ruin الجمال في الرواية ليس جمالًا إيجابيًا، بل: جمال الصدق، جمال التعرية، جمال اللازينة، الكاتب يستخدم التشبيه البلاغي بقلَّة: "كلام البدايات ناعم كفخ مغطى بحشائش يابسة لخداع الفرائس"( ص 46)

ويتجنّب الصورة الشعرية اللامعة، ويعتمد: المشهد الخام، اللغة الوظيفية، التكرار الهادئ، وهذا يتسق مع منهج ذرائعي: اللغة تؤدّي وظيفة كشف، لا وظيفة إبهار.

سابعًا: التكرار بوصفه تقنية جمالية

تتكرّر مفردات مثل:

نفس الحاجز، نفس الطريق، نفس الخوف، نفس المكان.

 التكرار هنا ليس ضعفًا أسلوبيًا، بل تمثيل لغوي لدوّامة الحرب.

ثامنًا: العلاقة بين اللغة والبنية النفسية

اللغة تُحاكي:

التبلّد- الإنهاك- فقدان الأمل

الجملة نفسها متعبة.

 الإيقاع بطيء.

 المفردات مستهلكة ومنهكة، كما الشخصيات.

خلاصة المستوى اللغوي والجمالي

لغة بنسيون الشارع الخلفي:

-     لغة حرب طويلة لا لحظة انفجار

-     لغة اعتياد لا صدمة

-     لغة خراب صار طبيعيًا

وبذلك تتحوّل الرواية إلى: وثيقة لغوية عن كيف تتغيّر اللغة حين تُهزَم القيم. أما المستوى الديناميكي (حركية الشخصيات تحت ضغط الحرب وانهيار القيم)

أولًا: ملامح المستوى الديناميكي في الرواية

الحركية في الرواية: ليست بطولية، ولا تصاعدية، بل انحدارية وتكتيكية. الشخصيات لا تسعى إلى: تحقيق حلم، أو تغيير الواقع بل إلى تفادي الخطر، تأجيل السقوط، النجاة المؤقتة. هذا ما يجعل الرواية رواية حرب طويلة الأمد، لا رواية لحظة انفجار.

ثانيًا: تفكيك أبعاد الشخصيات:

1.     نبهان: (شخصية الوسيط التكيّف الرمادي)

ديناميكيًا:

نبهان شخصية حركتها الأساسية هي المراوغة:

يعرف متى يتكلم، متى يصمت، متى ينسحب، هو ليس جلادًا، ولا ضحية خالصة، بل: نتاج مباشر للحرب الطويلة.

سلوكيًا:

-     يقبل بالوضع القائم

-     يكيّف نفسه مع الانهيار

-     لا يصطدم مباشرة بالشر

نبهان يمثّل الطبقة التي نجت لأنها لم تقاوم ولم تواجه.

دلالة ذرائعية: نبهان = الإنسان الذي تآكلت قيمه بالتدريج، لا بالسقوط المفاجئ.

2. نورما: (شخصية الوعي الجريح الصدمة المستمرة)

ديناميكيًا:

نورما لا تتحرّك كثيرًا في المكان، لكن: تتحرّك بعنف داخل ذاتها، تعيش صراعًا دائمًا بين ما كانت عليه وما صارت إليه.

نفسيًا: لم تعتد الحرب، لكنها عاجزة عن مغادرتها، تعيش في منطقة الصدمة المفتوحة. حركتها الأساسية: التفكير، التذكّر، الانكسار.

دلالتها: نورما تمثّل الوعي الذي لم يتبلّد، فدفع الثمن ألمًا مضاعفًا.

3. سيرا (شخصية البراغماتية النجاة بأي ثمن)

ديناميكيًا:

سيرا تتحرّك بسرعة: تعرف الطرق، تعرف الأشخاص، تعرف كيف تعبر.

أخلاقيًا:

لا تطرح أسئلة كبرى

لا تبحث عن معنى

تبحث عن مخرج

سيرا تمثّل: الإنسان الذي أعاد تعريف الأخلاق وفق منطق البقاء بطريقة شاذة.

دلالة: ليست شخصية شريرة، بل مُعاد تشكيلها بفعل الحرب.

4.  فايا (شخصية الانكسار الصامت(

ديناميكيًا:

فايا: قليلة الحركة، قليلة الكلام، لكنها محمّلة بثقل التجربة. حضورها السلبي هو حضور دال.

سلوكيًّا: تمتص العنف، لا تواجه، تنسحب إلى الداخل.

دلالتها: فايا تمثّل ضحايا الحرب غير المرئيين: من لم يُقتلوا لكنهم خسروا أنفسهم.

4.    لارا (شخصية التمزّق الهويّاتي):

ديناميكيًا: لارا تعيش انقسامًا حادًا: بين الماضي والحاضر، بين ما تريد وما تستطيع.

سلوكيًا: مترددة، قلقة، غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم، لارا تمثّل: الجيل الذي سرقته الحرب من نفسه.

 

6.  محمود (شخصية الانكسار الذكوري فقدان الدور).

ديناميكيًا: محمود يتحرّك داخل دائرة مغلقة، عاجز عن الفعل الحقيقي، فقد دوره الاجتماعي.

نفسيًا: يشعر بالهزيمة، بالعجز، بالفراغ. هو ضحية حرب كسرت صورة الرجل/المعيل/الحامي.

7. الفتى أيمن (شخصية المستقبل المصادَر).

ديناميكيًا: أيمن يتحرّك دون بوصلة، يتعلّم من الفوضى، يتشرّب مناخ العنف كطبيعي.

دلالته:

أيمن ليس طفلًا بريئًا، ولا مجرمًا، بل نتاجًا خامًا للحرب

 هو المستقبل الذي لم يُصَغ بعد، لكنه مهدّد بالتشوّه.

8. أبو حيدر (شخصية السلطة الصغرى الاستبداد اليومي)

ديناميكيًا:

أبو حيدر: يتحرّك من موقع القوة، يستثمر الخوف، يمارس سلطة جزئية. هو صورة السلطة حين تتفتّت إلى وكلاء صغار، ودلالته: أبو حيدر لا يحتاج أيديولوجيا: يكفيه أن الخوف يعمل لصالحه.

ثالثًا: العلاقات الديناميكية بين الشخصيات

العلاقة: نبهان × أبو حيدر         طبيعتها: تكيّف مع السلطة

العلاقة: نورما × سيرا             طبيعتها: صراع القيم × البقاء

العلاقة: فايا × لارا               طبيعتها: صمت × تردّد

العلاقة:محمود × الحرب           طبيعتها: فقدان الدور

العلاقة: أيمن × الجميع             طبيعتها: مستقبل مهدّد

 

خلاصة المستوى الديناميكي

الشخصيات في الرواية: لا تتطوّر، بل تتغيّر اضطرارًا، تتحرّك داخل قفص الحرب

والرواية، ديناميكيًا، تقول: الحرب لا تصنع أبطالًا دائمًا، بل تصنع ناجين، ومكسورين، ومتواطئين، وأطفالًا بلا ملامح واضحة.

 

      المستوى النفسي :(من الصدمة إلى التبلّد ثم إعادة التشكّل المشوَّه) كيف تُنتج الحرب أنماطًا نفسية؟ كيف يتحوّل الخوف إلى بنية داخلية؟ كيف يتشوّه الوعي دون انهيارٍ فجائي؟

أولاً: البنية النفسية العامة للرواية

الرواية لا تنتمي إلى: أدب الصدمة المفاجئة، ولا إلى أدب البطولة أو المقاومة.

بل إلى: أدب الصدمة المزمنة (Chronic Trauma)

وهي أخطر أشكال الأذى النفسي، لأن:

الألم لا ينفجر، بل يتسرّب ببطء، ويتحوّل إلى طبيعة ثانية.

الشخصيات لا تصرخ، بل تتآكل بصمت.

ثانيًا: الصدمة الأولى (Trauma)

الصدمة في الرواية: ليست حدثًا واحدًا، بل سلسلة مستمرة من: خوف- فقد- تهديد- مراقبة

شاهد دال: "كل ما هنا مخيف بطبيعته"  (ص 72).

الدلالة:

الصدمة لم تعد استجابة نفسية، بل بنية عقلية دائمة.

ثالثًا: التبلّد النفسي (Emotional Numbing)

أخطر ما ترصده الرواية هو:

-     اعتياد الموت والعنف

-     اختفاء الدهشة

-     غياب الحزن الحاد

-     تحوّل الكارثة إلى معلومة

هذا ليس قسوة، بل آلية دفاع نفسي.

رابعًا: القلق الوجودي وفقدان المعنى

الشخصيات تعيش:

-     دون أفق

-     دون تخطيط

-     دون تصور للمستقبل

شاهد:

" شعوري بالفراغ هائل، للمرة الأولى يداهمني هذا الإحساس المفاجئ، مشاغلي الكثيرة أنستني تفقّد نفسي، ونظافتها المعهودة من قبل" ( ص68).

هذا ما يسمّى: الفراغ الوجودي الناتج عن الحرب الطويلة.

خامسًا: الخوف بوصفه منظم السلوك

الخوف في الرواية:

لا يُذكر دائمًا، لكنه يحكم كل فعل. وهو حالة نفسية كامنة، مظاهره:

-     اختيار الصمت

-     تبرير الانسحاب

-     قبول الإهانة

-     التعايش مع القمع

شاهد:

"الهدوء الواسع بمساحات الفراغ في محيط (البنسيون) لا يقلّ أهمية عن هدوء الصحراء المخيف، ولا عن الهدوء المتجمّد منذ بدء الخليقة في القارتين القطبيتين." (ص 67).

تُجسِّد هذه الجملة الخوف بوصفه حالة نفسية كامنة لا تحتاج إلى تسمية مباشرة، إذ يُستبدل التعبير عن الخوف بتمثيل إحساسه الداخلي عبر صور الفراغ والجمود.

 نفسيًا، لا يدلّ هذا الهدوء على الطمأنينة، بل على توقّف الاستجابة الانفعالية، وهي إحدى العلامات الأساسية لما يُعرف بصدمة الحرب الممتدّة، حيث يصل الفرد إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على الخوف الصاخب، فيتحوّل الخوف إلى سكون داخلي كثيف.

الفراغ هنا ليس فراغ المكان فحسب، بل فراغ الشعور؛ حالة من الانسحاب العاطفي (Emotional Withdrawal) تُصيب الشخصيات بعد طول تعرّض للتهديد، فتُفضّل النفس آلية الدفاع الأكثر أمانًا: التجمّد. وتشبيه الهدوء بالصحراء والقطبين يعكس حالة التخشّب النفسي، حيث يتوقّف الزمن الداخلي، وتتعطّل الرغبة، ويغدو البقاء هو الهدف الوحيد.

ومن هذا المنظور النفسي، يمكن فهم السلوكيات المتكرّرة في الرواية بوصفها نتائج مباشرة لهذه الحالة:

اختيار الصمت: ليس فضيلة ولا حكمة، بل استجابة نفسية لحماية الذات من الانكشاف.

تبرير الانسحاب: آلية دفاع عقلانية تخفّف الإحساس بالعجز.

قبول الإهانة: نتيجة تآكل الإحساس بالقيمة الذاتية تحت ضغط الخوف المستمر.

التعايش مع القمع: ليس رضوخًا واعيًا، بل تكيّف نفسي قهري مع واقع لا يُتصوَّر تغييره. تكشف الجملة، نفسيًا، عن انتقال الشخصيات من حالة الخوف الحاد إلى الخوف المُمأسس داخليًا؛ ذلك الخوف الذي لم يعد يُشعَر به بوصفه ألمًا، بل يُعاش بوصفه نمطًا مستقرًا للحياة. وهنا تتحقّق إحدى أخطر نتائج الحرب النفسية: أن يتوقّف الإنسان عن مقاومة الخوف لأنه لم يعد يراه استثناءً، بل جزءًا طبيعيًا من الوجود.

 

سادسًا: تشوّه العلاقات الإنسانية

الحرب لم تُنتج فقط، أفرادًا متألمين بل: علاقات مشوّهة

مظاهره:

-     انعدام الثقة

-     تآكل التضامن

-     الخوف من الآخر.

شاهد:

"الخوف نعم الخوف وحده، نحن في مجتمع شرقي شديد الخصوصية بتدخلاته الاجتماعية، ولا يمكن نشوء علاقة منفردة بذاتها إلا بجرجرة خيوط الماضي معها."(ص 84)

تكشف هذه الجملة عن الأثر النفسي العميق للحرب في تشويه العلاقات الإنسانية، حيث لا يعود الخوف شعورًا فرديًا عابرًا، بل يتحوّل إلى عامل منظِّم للعلاقة مع الآخر.

نفسيًا، يعطّل الخوف إمكانية بناء علاقة حاضرة مستقلة، إذ تُستدعى الذاكرة الجريحة والشكوك المتراكمة إلى كل تواصل جديد، فتُفقد العلاقة عفويتها وتُحمَّل بثقل الماضي.

وتظهر مظاهر هذا التشوّه في ثلاثة مستويات متلازمة: انعدام الثقة بوصفه نتيجة مباشرة لتجربة الخذلان والخطر، وتآكل التضامن بسبب تغليب آليات النجاة الفردية على الفعل الجماعي، والخوف من الآخر الذي لم يعد شريكًا محتملًا، بل احتمال تهديد. وبهذا، تُنتج الحرب عالمًا اجتماعيًا هشًّا، لا يكتفي بإعادة تشكيل الألم النفسي، بل يعيد صياغة العلاقات نفسها على أساس الريبة والتحفّظ، حتى داخل المجتمع الواحد.

سابعًا: الأطفال والمراهقون (أيمن نموذجًا).أيمن لا يعيش صدمة ثم يتجاوزها، بل: ينشأ داخل الصدمة، يتعلّم الشذوذ الجنسي والعنف بوصفه طبيعيًا.

دلالته النفسية: أيمن يمثّل جيلاً لم يعرف ما قبل الحرب،  نفسيته ليست مكسورة فقط،  بل مُعاد تشكيلها على الخوف والفوضى.

ثامنًا: الشخصيات النسائية والضغط النفسي المركّب

نورما فايا لارا سيرا يعشن:

-     صدمة الحرب

-     هشاشة اجتماعية

-     خوف مضاعف

القلق هنا: جسدي، ذهني، دائم

تاسعًا: آليات التكيّف النفسي

الشخصيات تستخدم: الإنكار- التبرير- التطبيع- التهكّم أحيانًا.  ليست حلولًا، بل مسكّنات نفسية.

عاشرًا: البنسيون كحاوية نفسية جماعية

البنسيون: يحتضن الصدمات، يجمع المنكسرين، يضاعف القلق.

هو: لاوعي جمعي للحرب السورية.

الجدران، الممرات، الأثاث المسروق: تخزّن الخوف، وتعيد إنتاجه

خلاصة المستوى النفسي

الرواية تقدّم:

لا أبطالاً مصابين، بل بشرًا يعيشون بعد الصدمة

وتقول بوضوح: الحرب لا تنتهي عند وقف القصف، بل تبدأ داخل النفوس

 

المستوى النفسي التناص

(تناص الصدمة، التبلّد، وتشظّي الوعي في رواية الحرب)

سنُدرج التناص داخل المستوى النفسي بوصفه تناصًّا وظيفيًا (ذرائعيًا) لا إحاليًّا زخرفيًا؛ أي تناصًّا ينبع من تشابه البنى النفسية تحت الحرب، لا من الاستدعاء الواعي للنصوص.

أولًا: مفهوم التناص النفسي في هذه الرواية:

التناص في بنسيون الشارع الخلفي ليس: تناص اقتباس، ولا تناص إحالة مباشرة، بل هو:

تناص بنيوي نفسي

تشترك فيه روايات الحرب التي كُتبت من داخل التجربة لا من خارجها.

أي أنّ النص يتقاطع مع نصوص أخرى في أعراض الصدمة، آليات الدفاع، وأنماط الوعي المنهك.

ثانياً: التناص مع روايات الحرب السورية

(الصدمة المزمنة لا الحدث المفرد)

1. التناص مع (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) خالد خليفة

نقطة التناص النفسي:

-     الصدمة الطويلة

-     العجز عن الفعل

-     التواطؤ الصامت

في رواية المقداد، كما عند خليفة: الخوف ليس انفجارًا نفسيًا، بل حالة اعتياد

 تناص في تحويل الخوف إلى بنية ذهنية دائمة.

2. التناص مع (رائحة القرفة) سمر يزبك

نقطة التناص النفسي:

-     الوعي النسوي الجريح

-     الجسد بوصفه مخزنًا للخوف

-     القلق المستمر

نورما / فايا / لارا:

لا يعشن صدمة واحدة، بل ضغطًا نفسيًا مركّبًا

تناص في الوعي المرهق الذي لا يجد ملاذًا داخليًا.

3. التناص مع (الخائفون) ديمة ونوس

نقطة التناص:

-     القلق بوصفه هوية

-     العلاقات المشوّهة

-     انعدام الأمان الداخلي

تناص في تحوّل العلاقات الإنسانية إلى فضاء تهديد نفسي.

ثالثًا: التناص مع أدب الحرب العالمي

(الاعتياد بوصفه ذروة الصدمة)

1. التناص مع The Things They Carried تيم أوبراين

نقطة التناص:

-     الاعتياد على الموت

-     تحوّل الفقد إلى تفصيل يومي

-     تناص في انتقال الموت من حدث إلى معلومة.

2. التناص مع All Quiet on the Western Front إريش ماريا ريمارك

نقطة التناص:

-     جيل مدمَّر نفسيًا

-     فقدان المعنى

-     الزمن الثقيل

تناص في الإحساس بالزمن كعبء نفسي لا كمسار حياة.

رابعًا: التناص التقمّصي (Empathic Intertextuality)

الرواية لا تُحيل إلى نصوص بعينها، لكنها تدفع القارئ إلى استدعاء ذاكرته القرائية وتخلق حالة:

"قرأت هذا الألم من قبل لكن هنا هو أقرب"

 هذا ما يُسمّى: التناص التقمّصي حيث يتماهى القارئ نفسيًا لا ثقافيًا.

خامسًا: التناص السلوكي

(تشابه أنماط التكيّف)- السلوك- دلالته النفسية- الصمت- آلية بقاء- التبرير- حماية الذات- التبلّد- درع نفسي الانسحاب- تجنّب الانهيار.

هذه السلوكيات تتكرر في: الرواية ونصوص حرب أخرى، مما يؤكّد أنّ: الحرب تُنتج نفس الإنسان مهما اختلفت الجغرافيا.

سادسًا: الفرق الجوهري في تناص المقداد

ما يميّز بنسيون الشارع الخلفي عن كثير من نصوص الحرب:

-     لا بطولات نفسية

-     لا شفاء

-     لا خلاص

بل: بشر يعيشون داخل الصدمة، لا بعدها

وهذا يجعل التناص:

-     غير رومانسي

-     غير تعويضي

-     شديد القسوة والصدق

 

خلاصة التناص داخل المستوى النفسي

التناص هنا: ليس استدعاء أسماء،بل تشابه جروح، وتشابك وعي، وتكرار مصير نفسي واحد

وتقول الرواية، ضمنيًا:

الحرب السورية ليست استثناءً نفسيًا، لكنها إحدى أكثر تجليات الصدمة الإنسانية قسوةً واستمرارًا

      المستوى الإيحائي في رواية بنسيون الشارع الخلفي

(من الدلالة المباشرة إلى المعنى العميق للحرب السوري(

ننتقل الآن إلى المستوى الإيحائي بوصفه المستوى الذي تتكثّف فيه كل المستويات السابقة (البصري، اللغوي، الديناميكي، النفسي)، ليُنتج المعنى العميق غير المصرّح به في الرواية.

وسأعالجه ذرائعيًّا: أي بوصف الإيحاء ناتجًا عن وظيفة الرموز داخل التجربة لا عن الزخرفة أو الغموض المقصود.

أولًا: طبيعة الإيحاء في الرواية

الإيحاء في هذا النص: ليس شعريًا تجريديًا، ولا رمزيًا ميتافيزيقيًا، بل إيحاء واقعيًّاأخلاقيًّا.

أي أن كل عنصر واقعي يتحوّل بتراكمه ووظيفته إلى علامة دلالية عميقة.

ثانيًا: البنسيون الإيحاء المركزي

الإيحاء: البنسيون = الوطن السوري خلال الحرب ليس الوطن بوصفه جغرافيا، بل بوصفه فضاءً مكسورًا، منزوع السيادة، مُعاد تركيبه من بقايا الآخرين.

عناصر الإيحاء:

-     عزلة عن الجوار

-     أثاث مسروق

-     نزلاء متشظّون

-     غياب الانسجام

 الإيحاء العميق: الوطن لم يعد بيتًا، بل مأوى مؤقتًا لمن نجا

ثالثًا: الشارع الخلفي إيحاء الإقصاء التاريخي

الإيحاء:  الشارع الخلفي لا يعني الهامش فقط، بل:

-     الإخفاء المتعمّد

-     العيش خارج الضوء

-     شطب الوجود من الواجهة

سوريا التي دُفعت:

-     خارج التاريخ

-     خارج العدالة

-     خارج السردية العالمية المعلَنة

الإيحاء العميق هنا: حياة تُعاش في الظل كي لا تُرى الجريمة

رابعًا: الحواجز الأمنية إيحاء السلطة الشاملة

الإيحاء: الحاجز ليس نقطة تفتيش فقط، بل: عقل الدولة، عينها، منطقها

الحاجز يراقب: الجسد، اللغة، الصمت، النوايا

 الإيحاء العميق: السلطة لا تحتاج إلى حضور دائم، يكفي أن تُزرع داخل الوعي

خامسًا: الأثاث المسروق إيحاء الجريمة المؤسِّسة

الإيحاء: الأثاث ليس تفصيلًا ماديًا، بل:

-     أثر جريمة

-     شاهد صامت

-     دليل على انهيار الحرج الأخلاقي

الإيحاء العميق: الوطن الذي تأسّس على النهب، لا يمكن أن ينتج شعور الانتماء.

سادساً: الكتب المسروقة إيحاء سقوط المعرفة

الإيحاء: الكتب نزلت من القمة المعرفية إلى سلعة، إلى بضاعة إلكترونية

 الإيحاء العميق : الحرب لا تدمّر المثقف فقط، بل تُهين المعرفة ذاتها

الكتاب هنا: بلا قارئ، بلا سياق، بلا قداسة

سابعًا: البيوت المنهوبة إيحاء انتهاك الحُرمة

الإيحاء: البيت في الوعي الجمعي: أمان، خصوصية، ذاكرة

تحوّله إلى: غنيمة، مخزن، فراغ

 الإيحاء العميق: الحرب كسرت آخر خطوط الحُرمة.

ثامنًا: التهجير والتهريب إيحاء اقتلاع الجذور.

الإيحاء: الهجرة ليست اختيارًا، بل: اقتلاع قسري، انقطاع زمني، تشظّي هوية. والتهريب: ليس جريمة فردية، بل اقتصاد حرب.

 الإيحاء العميق: حين تسقط الدولة، يولد السوق الأسود بوصفه بديلًا أخلاقيًّا مشوّهًا.

تاسعًا: الشخصيات إيحاء ما بعد الإنسان، والشخصيات لا تمثّل ذواتًا فردية فقط، بل أنماطًا وجودية.

الشخصية وإيحاؤها:

نبهان= الإنسان الرمادي

نورما=الوعي الجريح

سيرا=البقاء بلا أسئلة

فايا=الضحية الصامتة

لارا=التمزّق

محمود=سقوط الدور

أيمن= مستقبل مشوّه

أبو حيدر=السلطة المتناسلة

الإيحاء الجامع:الحرب لا تقتل الإنسان دائمًا، بل تعيد إنتاجه بشكل مشوَّه.

عاشرًا: الإيحاء الختامي (النهاية المفتوحة).

النهاية المفتوحة توحي بـ:

-     غياب العدالة

-     استمرار الصدمة

-     لا خلاص قريب

 الإيحاء الأخير: الحرب لم تنتهِ، لأنها ما زالت تسكن النفوس.

 

خلاصة المستوى الإيحائي:

لا يهرب من الواقع، بل يغوص فيه حتى أقصى قسوته، ويحوّل الرواية من حكاية حرب إلى تشريح عميق لانهيار الإنسان والوطن معًا.

      المستوى الديناميكي التداولي: (حركية الفعل، تدفّق السلطة، والشقّ المعرفي في زمن الحرب).

 

أولًا: تأطير المستوى:

لا يقتصر المستوى الديناميكي في رواية بنسيون الشارع الخلفي على حركة الشخصيات داخل الفضاء السردي، بل يتّسع ليشمل حركة المعنى، والسلطة، والمعرفة داخل سياق الحرب السورية. ومن هنا يُقرأ هذا المستوى بوصفه ديناميكيًّا تداوليًا، حيث تُقاس الأفعال لا بآليتها التنفيذية، بل بأثرها الدلالي والأخلاقي في الوعي الفردي والجمعي.

ثانيًا: حركية الأفعال بوصفها رسائل تداولية في هذا المستوى، يتحوّل الفعل إلى خطاب، وتتحوّل الحركة إلى رسالة:

-     عبور الحواجز ليس انتقالًا مكانيًا فقط، بل خطاب خوف.

-     الصمت ليس غياب كلام، وإنما استراتيجية بقاء.

-     التكيّف ليس حيادًا، بل موقفًا أخلاقيًّا ضمنيًّا.

وهكذا تتأسّس ديناميكية الرواية على تبادل غير منطوق للمعاني.

ثالثًا: الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي:

1. نقل رفات الجنود الإسرائيليين وتدمير مقبرة مخيم اليرموك

تشير الرواية إلى عملية مشتركة قامت بها عناصر كوماندوس إسرائيلية وروسية لاستخراج رفات جنود إسرائيليين من مقبرة في مخيم اليرموك، أعقبها تدمير المقبرة بالكامل بقصفها بالبراميل المتفجرة .

شاهد:

"فريق ( كوماندوس إسرائيلي) دخلوا مقبرة الشهداء بلحظة خاطفة بسيارات مصفّحة برفقة الشرطة الروسية، وفي سرعة نبشوا قبرين في طرف المقبرة القبلي، كنت سمعتُ من أخي المرحوم، أن في المقبرة جثتين لجنديين اسرائيليين من فترة سابقة"(ص229).

"الأمور مترابطة بتوقيت دقيق، جاء قصف المقبرة بالبراميل بعد حادثة (الكوماندوس) بيومين حسب ما أذكر على وجه التحديد" (ص229)

القراءة التداولية:

هذا الفعل لا يُقرأ بوصفه عملية عسكرية فقط، بل بوصفه: خطاب قوة، وفعلًا تداوليًّا يحمل رسالة مفادها: (بعض الموتى يستحقون الاستعادة، وبعض الذاكرات قابلة للمحو.(

شاهد:

" ما هذا الحرص الشديد من إسرائيل على فرد من أفرادها، باعتبارهم أن عملهم مقدسًا، ونصرَا مبينًا، بالمقابل عندنا الأعداد الهائلة التي ماتت وتموت كل يوم، والأمر عادي وأقل من عادي" ( ص 163)

إن تدمير المقبرة بعد نقل الرفات يُحيل إلى محو الذاكرة المحلية مقابل صيانة الذاكرة المدعومة بالقوة.

2. رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا وجمع المخطوط:

في مقابل ديناميكية القوة، تطرح الرواية ديناميكية معرفية هشّة، تتمثّل في رحلة الشيخ عبد الرحمن أفندي إلى تركيا لجمع أجزاء مخطوط نادر كُلّف بتحقيقه، بعد أن تفرّق بفعل الحرب والتهريب.

شاهد:

" الفترة الماضية قضيتها في سفر دائم ما بين القاهرة وباريس واسطنبول بحثًا وراء أجزاء مخطوط مهمة وضرورية... "(ص 166).

القراءة التداولية:

تتحوّل الرحلة إلى فعل مقاومة معرفية، وخطاب أخلاقي صامت، فالمخطوط هنا يتحرّك كما يتحرّك اللاجئ، ويتشظّى كما تشظّت الذاكرة الجماعية.

رابعًا: المفارقة التداولية الكبرى

تضع الرواية القارئ أمام مفارقة صارخة:

ديناميكية السلطة × ديناميكية المعرفة

استعادة الرفات بقوة عسكرية × جمع المخطوط بجهد فردي

حماية ذاكرة مدعومة بالقوة × إهمال الذاكرة المحلية

تدمير المقبرة × محاولة ترميم المعنى

هذه المفارقة تُنتج خطابًا تداوليًا عميقًا حول أولويات الحرب وما تحميه وما تتركه للضياع.

خامسًا: القيمة الذرائعية لهذا المستوى، إدراج الشقّ المعرفي داخل المستوى الديناميكي التداولي يوسّع مفهوم الحركة ليشمل حركة التاريخ والذاكرة. ويُظهر أنّ الرواية: لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تُحاكم منطق القوة الذي يعيد ترتيب العالم.

خلاصة المستوى: يتحوّل المستوى الديناميكي التداولي في بنسيون الشارع الخلفي إلى مستوى:

-     حركية الأجساد

-     وحركية السلطة

-     وحركية المعرفة المهدَّدة

ويؤكّد أنّ: الحرب لا تتحكّم فقط بمن يعيش ومن يموت، بل بمن يُتذكَّر، وبما يُحفَظ، وبما يُمحى.

 

      التجربة الإبداعية :

(الكتابة من داخل الحرب لا عن الحرب(

أولًا: موقع الكاتب من التجربة:

التجربة الإبداعية في هذه الرواية لا تنطلق من موقع الراوي العارف، ولا من مسافة زمنية مريحة، ولا من خطاب إدانة جاهز، وإنما من موقع الشاهد المنهك الذي عاش الحرب زمنًا طويلًا، حتى فقد القدرة على الصدمة.

الكاتب لا يكتب الحرب كحدث تاريخي، بل كحياة يومية، كاعتياد، كتحلّل بطيء للقيم. وهذا يفسّر: هدوء اللغة، غياب الانفجار الدرامي، سيطرة النبرة الباردة.

ثانيًا: الكتابة بوصفها فعل مقاومة صامتة

رغم أن الرواية لا ترفع شعار المقاومة، فإن فعل الكتابة نفسه مقاومة معرفية وأخلاقية؛ لأن الكاتب يصرّ على التوثيق، يرفض التجميل، لا يمنح القارئ عزاءً كاذبًا.

 التجربة الإبداعية هنا تقوم على فضح الخراب كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.

ثالثًا: اختيار المكان بوصفه قرارًا إبداعيًّا

اختيار البنسيون ليس اعتباطيًّا:

-     ليس بيتًا

-     ليس شارعًا عامًّا

-     ليس سجنًا مباشرًا

بل مساحة بينيّة (In-between Space) وهي المساحة التي عاش فيها السوريون:

-     لاجئون في وطنهم

-     آمنون ظاهريًّا

-     مهدّدون دائمًا

 هذا الاختيار يكشف وعيًا سرديًا عميقًا مفاده: المكان ليس خلفية، بل أداة تفكير.

رابعًا: بناء الشخصيات بوصفها آثارًا لا أبطالًا

التجربة الإبداعية ترفض:

-     البطولة

-     التطهير

-     الخلاص

الشخصيات: لا تُصاغ لتُحب، ولا لتُدان، وإنما لتُفهم. هم آثار بشرية للحرب، لا نماذج أخلاقية، وهذا خيار جمالي وأخلاقي جريء.

خامسًا: الاقتصاد السردي واللغة المنهكة

الكاتب يتعمّد:

-     الجُمل القصيرة

-     التوصيف المباشر

-     غياب البلاغة العالية

لأن اللغة نفسها أُُنهكت بالحرب. التجربة الإبداعية تحاكي: وعي الشخصيات، تعبها، تبلّدها. فالأسلوب هنا امتداد نفسي للمضمون.

سادسًا: رفض التفسير والوعظ

من أبرز سمات التجربة:

-     غياب الأحكام المباشرة

-     عدم توجيه القارئ

-     ترك المعنى يتكوّن بالتراكم

الكاتب لا يقول: هذا صواب وهذا خطأ، بل يضع القارئ أمام السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟ وهذا جوهر الكتابة الذرائعية.

سابعًا: الكتابة بوصفها أرشفة أخلاقية الرواية تؤدي وظيفة ليست إعلامية، ولا توثيقية باردة، وإنما أرشفة وجدانية وأخلاقية للحرب، توثّق:

-     سقوط القيم

-     تشوّه العلاقات

-     انهيار المعرفة

-     تحوّل الخوف إلى نظام حياة.

ثامنًا: الزمن الإبداعي للرواية

الرواية مكتوبة بعد زمن طويل من الحرب، لا في لحظتها الأولى، وهذا يجعلها:

-     رواية ما بعد الصدمة الأولى

-     رواية التعب الطويل

وهذا يفسّر:

-     بطء الإيقاع

-     التكرار

-     الإحساس بالدوّامة

تاسعًا: موقع الرواية ضمن أدب الحرب السوري:

إبداعيًّا، تنتمي الرواية إلى:

-     أدب الحرب غير البطولي

-     أدب الاعتياد

-     أدب الانكسار الصامت

وهي بذلك:

تكمّل سردية الحرب السورية من زاوية الحياة اليومية لا الجبهة.

خلاصة التجربة الإبداعية:

التجربة الإبداعية في بنسيون الشارع الخلفي تقوم على:

-     كتابة من داخل الجرح

-     لغة بلا زينة

-     شخصيات بلا خلاص

-     مكان بوصفه وطنًا مكسورًا

-     وأخلاق تُختبر لا تُعلَّق عليها.

وتؤكّد أن أعنف ما فعلته الحرب لم يكن القتل فقط، بل تغيير الإنسان من الداخل

 

      خاتمة الدراسة

تقدّم رواية "بنسيون الشارع الخلفي" لمحمد فتحي المقداد نموذجًا سرديًّا مكثّفًا لرواية الحرب السورية الممتدّة، لا بوصفها حدثًا عسكريًا أو صراعًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها انهيارًا بنيويًا شاملًا طال الإنسان، المكان، والقيم.

وقد أظهرت القراءة الذرائعية أنّ الرواية لا تُراكم الأحداث بقدر ما تُراكم الآثار، ولا تبني حبكة تقليدية بقدر ما تُشيّد وعياً نقدياً قلقاً تجاه ما خلّفته الحرب في النفوس والسلوكيات.

أبرزت الدراسة أنّ البنسيون لم يكن فضاءً محايدًا، بل تحوّل إلى شخصية مكانية رمزية تختزن صورة الوطن المنكفئ على أوجاعه، وطن أعيد تركيبه من بقايا منهوبة، وأُثِّث بأثاث مسروق غير منسجم، في إحالة عميقة إلى وطن فقد شرعيته الأخلاقية قبل أن يفقد سيادته المادية. كما كشف المستوى البصري عن جماليات الخراب والفراغ، حيث لم تعد الصورة أداة توصيف جمالي، بل وسيلة إدانة صامتة للدمار الممنهج.

أما المستوى اللغوي والجمالي، فقد بيّن أنّ اللغة في الرواية لغة مُنهكة، متقشّفة، خالية من البلاغة الانفعالية، وهو اختيار فني ينسجم مع طبيعة الحرب الطويلة التي تُنتج اعتيادًا على الكارثة وتآكلًا في الدهشة. اللغة هنا لا تصرخ، وإنما تُبلّغ، وتؤدي وظيفة كشف لا وظيفة إبهار.

وفي المستوى الديناميكي، تبيّن أنّ الشخصيات لا تتطوّر بالمعنى الكلاسيكي، بل تتغيّر اضطرارًا تحت ضغط الخوف والتهديد، فتتوزّع بين التكيّف الرمادي، والانكسار الصامت، والبراغماتية القاسية، والوعي الجريح. وقد أكّد المستوى النفسي أنّ الرواية تنتمي إلى أدب الصدمة المزمنة، حيث يتحوّل الخوف إلى بنية ذهنية، والموت إلى خبر، والعنف إلى جزء من الحياة اليومية، دون وعدٍ بالشفاء أو التعافي.

كما أظهر المستوى الإيحائي أنّ الرواية اشتغلت على شبكة كثيفة من الرموز الواقعية ذات الحمولة الأخلاقية العميقة: الحواجز الأمنية بوصفها تمثيلًا للسلطة الشاملة، الكتب المسروقة علامة على سقوط المعرفة، البيوت المنهوبة إيحاء بانتهاك الحُرَم، والتهجير والتهريب بوصفهما اقتصاد حرب لا خيار فردي. ولم يكن هذا الإيحاء هروبًا من الواقع، وإنما كان غوصًا فيه حتى أقصى درجات القسوة. وفي ضوء التجربة الإبداعية، يتضح أنّ المقداد كتب هذه الرواية من موقع الشاهد لا المؤرّخ، ومن داخل التعب لا من مسافة آمنة، فجاء نصّه خاليًا من البطولات الزائفة، رافضًا الوعظ والخلاص السريع، ومقدّمًا كتابة تقوم على الأرشفة الأخلاقية للخراب أكثر من تقديم الحلول.

تخلص الدراسة إلى أنّ "بنسيون الشارع الخلفي" ليست رواية عن الحرب فقط، بل عن ما تفعله الحرب بالإنسان حين تطول؛ حين تُغيّر نظرته إلى نفسه، وإلى الآخر، وإلى المعنى ذاته. وهي بذلك تشكّل إضافة نوعية إلى أدب الحرب السوري، وتؤكّد أنّ أخطر نتائج الحرب ليست الدمار المرئي، بل التشوّه الصامت الذي يستقرّ في النفوس، ويستمرّ حتى بعد انقطاع أصوات القصف.

وبهذا لا تكتفي الرواية بتسجيل آثار الحرب، بل تؤدي وظيفة ذرائعية كاشفة، تفكك آليات اعتياد الخراب، وتُعيد طرح السؤال الأخلاقي حول اللحظة التي يتوقّف فيها الألم عن كونه صدمة ليغدو نظامًا للحياة.

مرسين- تركيا 4 يناير 2026

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

أولًا: المراجع النظرية والمنهجية (الذرائعية والسرد)

1.      الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2017). الذرائعية في التطبيق: آلية نقدية عربية. القاهرة: دار شعلة الإبداع.

2.      الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية في التطبيق (طبعة مزيدة منقحة). طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

3.      الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

4.      الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.

5.      الغـالبي، عبد الرزاق عودة، & يحيي، عبير خالد. (2021). الذرائعية والعقل. بغداد: منشورات اتحاد الكتّاب العراقيين.

6.      جيرار جنيت. (1997). خطاب الحكاية (ترجمة محمد معتصم). الدار البيضاء: دار توبقال.

7.      ميخائيل باختين. (1987). جماليات الخطاب الروائي (ترجمة محمد برادة). بيروت: دار الفكر.

ثانيًا: مرجع الرواية (النص المدروس)

8.      المقداد، محمد فتحي. (2024). بنسيون الشارع الخلفي. ألمانيا: الأكاديمية الحرة للدراسات العلمية.

ثالثًا: مراجع في رواية الحرب وأدب الصدمة

9.      خالد خليفة. (2013). لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة. بيروت: دار الآداب.

10.   سمر يزبك. (2008).رائحة القرفة. بيروت: دار الآداب.

11.   ديمة ونوس. (2017). الخائفون. بيروت: دار الآداب.

12.   روزا ياسين حسن. (2011). بروفا. بيروت: دار الريس.

رابعًا: المراجع النفسية (الصدمة، اعتياد الخوف، تشوّه العلاقات)

13.   جوديث هيرمان. (1992( Trauma and Recovery. New York: Basic Books.

14.   كاثي كاروث. (1996( Unclaimed Experience: Trauma, Narrative, and History. Baltimore: Johns Hopkins University Press.

15.   دوري لاوب. (1995( Truth and Testimony: The Process and the Struggle. American Imago, 48(1), 7591.

خامسًا: المكان، الذاكرة، والانهيار القيمي

16.   غاستون باشلار. (1984). جماليات المكان (ترجمة غالب هلسا). بيروت: المؤسسة الجامعية.

17.   بول ريكور. (2004). الذاكرة، التاريخ، النسيان (ترجمة جورج زيناتي). بيروت: دار الكتاب الجديد.

18.   زيغمونت باومان. (2000). الحداثة السائلة. Cambridge: Polity Press.

سادسًا: مراجع مساندة في تفكك القيم والمجتمع تحت الحرب

19.   حنّة آرندت. (1963). في العنف. New York: Harcourt Brace.

20.   بيير بورديو. (1998). الهيمنة الذكورية (للاستئناس بمفهوم العنف الرمزي).

 

البنسيون كمختبر للوجود والتوتر النفسي

في الشارع الخلفي

للروائي محمد فتحي المقداد

 

بقلم. نضال الخليل. سوريا

 

 

في  بنسـيون الشارع الخلفي لا يكون المكان مجرد خلفية للحدث ولا الزمان مجرد سلسلة من اللحظات المتعاقبة - المكان والزمن يتشابكان ليصبحا كيانًا حيًا يختبر الإنسان ويعيد تشكيله في كل لحظة.

البنسيون في ضيقه الظاهر يتسع داخليًا يصبح فضاءً للاختبار النفسي والفلسفي، مساحة تتكدس فيها الذاكرة وتتراكم فيها الانكسارات وتتشابك فيها الرغبات مع القيود المفروضة من الجدران والأبواب والممرات الملتوية.

كل زاوية فيه تحمل سؤالًا عن الحرية، كل باب مغلق أو مفتوح جزئيًا يطرح سؤالًا عن الحدود، كل ضوء خافت أو ظل طويل يذكّر الإنسان بأنه محاصر، محاصر في ذاته وفي المكان وفي الزمن، محاصر في مصيره.

المقداد بصفته راصدًا ومحللًا نفسيًا لا يكتفي بوصف الأحداث بل يغوص في أعماق الشخصيات يلتقط التوترات المخفية ويبحث عن الصراعات التي تتشكل في الصمت، في الانتظار، في حركة بسيطة تمر على وجه أو يد.

كل ساكن في البنسيون يمثل حالة إنسانية، تجربة فريدة تتقاطع مع تجربة الآخرين. الجديد يصطدم بالمعتاد والمعتاد يحاول التمسك بما تبقى من هدوء أو سيطرة على نفسه بينما المكان يفرض عليهم قوانينه، قوانين خفية، ضاغطة تصنع اختبارًا دائمًا للقدرة على الصمود والتحمل

 

اللغة في الرواية لغة الالتواء، لغة المشاهدة الدقيقة لما قد يبدو عاديًا لكنها في جوهرها لغة تفكيك للكائن البشري، للهوية، للعزلة، للقلق المستمر من الانكسار.

الباب المغلق ليس مجرد باب بل هو الحدود التي يضعها الإنسان لنفسه وللآخرين، الغرفة الضيقة ليست مجرد مساحة صغيرة بل هي اختبار للتوتر النفسي، اختبار لصراع الفرد مع ذاته ومع الرغبات المقموعة الممرات الملتوية ليست مجرد صعوبة في الحركة بل انعكاس للتقلبات الداخلية، للطرق التي يتخذها الإنسان بين الانعزال والارتباط، بين الحنين إلى الماضي والخوف من المستقبل، بين الرغبة في الحرية والالتزام بواقع المكان والمجتمع. المكان هنا يضغط، يختبر، يكشف هشاشة الإنسان ويبرز حدود قدرته على المقاومة والتحمل.

البنسيون يصبح مرآة للعالم الكبير مختزلًا لكل التناقضات الإنسانية والاجتماعية والسياسية.تتقاطع المصائر فيه كما تتقاطع في المدينة ولكن المكثف يضاعف التجربة يجعلها أكثر وضوحًا، أكثر حدة وأكثر مأساوية.

الشخصيات التي تعيش هنا لا تختبر المكان فقط بل تُعاد صياغتها باستمرار تتفاعل معه ومع بعضها بطريقة تجعل كل لحظة اختبارًا جديدًا - اختبار للصبر، للفهم، للتحمل، للهروب وللرغبة في مواجهة الذات.

الحياة العادية في الرواية تتحول إلى تجربة استثنائية لأن المقداد لا يتوقف عند السطح بل يغوص في الأعماق، في صراع النفس المستمر، في التوتر بين الرغبات الفردية والقيود المفروضة بين الماضي والحاضر، بين الحرية والانكسار. كل حدث صغير يصبح علامة فلسفية، كل حركة أو صمت يعكس صراعًا داخليًا وكل تجربة شخصية تُضاف إلى النسق الأكبر لتكشف عن هشاشة الإنسان في مواجهة المكان والزمن والمجتمع.

الزمن في الرواية ليس خطيًا بل يتلوى كما تتلوى الشخصيات والممرات الماضي لا يمر بل يظل حاضنًا للحاضر يفرض على الشخصيات ذكريات لا تهدأ وجروحًا لا تلتئم ورغبات تتشابك مع خوف من المستقبل.

المكان يصبح مسرحًا للفلسفة الحية، للبشرية المكثفة حيث تصبح التفاصيل الصغيرة علامات للتأمل:

الباب الذي يُفتح أو يُغلق، النافذة التي تسمح بدخول الضوء أو تمنع الرؤية، الصوت البعيد الذي يذكر الشخصيات بأنهم جزء من كيان أكبر يضغط عليهم دائمًا

الشخصيات هنا ليست مجرد أشخاص هي حالات إنسانية: الانعزال والوحدة، البحث عن معنى والحاجة للهروب، الرغبة في الاتصال والخوف من الانكسار، الحنين والخوف، الصراع بين الذات والآخر، بين الرغبة في الحرية والواقع المهيمن.

كل شخصية تتفاعل مع المكان بطريقة تكشف عن عمق التجربة الإنسانية، عن هشاشة الوجود، عن مأساة الحياة اليومية التي قد تبدو عادية من الخارج لكنها مليئة بالأسئلة المصيرية عندما تُعاش من الداخل.

البنسيون بهذا المعنى يتحول إلى نص فلسفي حيّ يلتوي فيه الواقع مع الرمزية يصبح مكانًا للاختبار الدائم، للمعاناة، للتأمل، للتساؤل المستمر:

كيف نعيش ونحن معرضون للانكسار؟

كيف نتعامل مع الذاكرة التي لا تهدأ، مع المكان الذي يضغط علينا ومع الآخرين الذين يختبروننا أيضًا؟

كيف نصمد أمام تقاطع المصائر، أمام ضيق المساحات، أمام الصمت المستمر الذي يفرضه المكان والزمن؟

الرواية تقدم تجربة وجودية متكاملة حيث يصبح البنسيون مسرحًا للحياة المكثفة، مكثفة كما لو كانت كل زاوية فيه تحمل العالم كله وكل باب يمثل حدود النفس البشرية وكل ممر ملتوي يعكس طرق التفكير والخيارات والتقلبات الداخلية للشخصيات.

المقداد من خلال اللغة الدقيقة، من خلال الملاحظة المستمرة يكشف كيف أن كل تفصيل مهما بدا صغيرًا يحمل دلالات فلسفية عن الحرية، عن الهوية، عن الانكسار، عن القدرة على الصمود وعن هشاشة الإنسان في مواجهة الواقع

اللغة، الالتواء، الرؤية الدقيقة، التركيز على التفاصيل الصغيرة كلها أدوات تجعل من الرواية دراسة نفسية وفلسفية عن الإنسان، عن وجوده، عن هشاشته، عن صراعه المستمر لإيجاد معنى وسط قسوة الحياة   كل زاوية، كل ساكن، كل حدث صغير يصبح جزءًا من تجربة أكبر، تجربة الإنسان في مواجهة ذاته والمجتمع والمكان والزمن، تجربة الحياة المكثفة، تجربة الصمود والهروب في آن واحد

وهكذا تتحول الرواية إلى نص فلسفي متشابك، نص يلتوي فيه الواقع مع الرمزية يختبر الإنسان في كل لحظة ويكشف عن مأساة الإنسان وهشاشة وجوده، عن غياب البساطة في حياة تبدو مجرد مساحة انتظار وتأمل، تقاطع للمصائر ومكان لتجربة الإنسان مع ذاته ومع الآخر في مواجهة قاسية للحياة نفسها حيث يظل السؤال قائمًا بلا توقف:

كيف نعيش ونحن نعرف أننا معرضون للانكسار، أننا جزء من لعبة المكان والزمن والمصائر؟.

في النهاية «بنسـيون الشارع الخلفي ليس مجرد رواية بل دراسة فلسفية للنفس البشرية، مساحة مكثفة للتجربة الإنسانية، نص يضغط على القارئ كما يضغط المكان على ساكنيه، نص يحاكي التوتر بين الرغبة والواقع، بين الحرية والانكسار، بين الذات والمجتمع، نص يتلوى كما تتلوى الممرات ويتداخل كما تتداخل الشخصيات ليترك في النهاية القارئ أمام سؤال جوهري لا ينتهي:

كيف نعيش ونحن نعرف أن الحياة في ضيقها ومكثفها اختبار مستمر للوجود ومسرح دائم للمصائر المتشابكة.

 

 

 

 

 


 

 

بنسيون الشارع الخلفي

 

الرواية الفائزة بجائزة ناجي نعمان عام 2025م

بقلم. محمد الحفري. سوريا

 

 

عندما تقرأ رواية "بنسيون الشارع الخلفي" لمؤلفها الكاتب محمد فتحي المقداد، تشعر أنك تشاهد تلك النفوس البشرية التي تكسرت بين الحرب والخوف، وكل نفس منها تحمل وجعاً أكبر من حجمها، والبنسيون هنا ليس مجرد مكان محدد وضيق كما في معناه العادي والرواية لا تحكي فقط عن حال الذين عاشوا في داخله، بل عن وطن نازف بعد أن تمزقت روحة إلى أشلاء تناثرت، وتبعثرت في أرجاء هذه المعمورة، لتصل في نهاية الأمر إلى مقولات لها وقعها الخاص منها أن الحرب لا تدمر البيوت وحسب، بل تخرب القلوب وتترك فيها فجوات وجراحات لا تندمل طوال العمر، وتتجلى أهمها من خلال حديث "نورما" التي تأخذ دور البطولة في هذا العمل، وخاصة وهي تشير إلى التعليم والأطفال والمستقبل، وكأنها تقول: رغم كل شيء هناك بذرة للحياة، لا بد أن تنبت من جديد.

يبني الكاتب المقداد وبذكاء يثير الانتباه مكان نصه بين الخراب والعمران، وبين الموت والحياة، ويبدو أن سنوات الغربة الطويلة التي عاشها في الأردن لم تنسه سوريا، وشوارعها وناسها وتفصيلات حياتهم، ولذلك وضع "بنسيونه" بالقرب من دوار"البطيخة" الشهير والواقع في الجهة الجنوبية من مدينة دمشق ومن ذلك الدوار يبدأ شارع الثلاثين الذي يتفرع إلى عدة محاور ويصل إلى " الحجر الأسود" شمالاً ومن جهته الشرقية مدخل مخيمي"اليرموك، وفلسطين" بينما تقع "الزاهرة" من الجهة الشمالية ومنطقة "البوابة" من الجهة الغربية ونحن إذ نشير إلى ذلك، فقصديتنا منها التنويه إلى الموقع الحساس الذي اتخذت منه الرواية مكاناً خصباً لها، و"لا يمكن تصور الرواية بلا مكان حتى لو كان خيالياً، وأعتقد أن كثيراً من الروائيين يفضلون الأمكنة الواقعية رغم خيالية الأحداث" كما يرى الباحث محمد سليمان، وفي اختيار الكاتب لذلك المكان الخيالي بين الأمكنة الواقعية يتجلى حسن التصرف والتوجه صوب مغامرة التجريب التي أنتجت نصاً سردياً سبر لجة الأحداث السورية وغاص في مكنوناتها العميقة.

لقد كان "أبو حيدر" الضابط المسؤول عن حاجز "دوار البطيخة"  يشرف على عمل "البنسيون" الذي يمتلكه " نبهان" وهو من تجار الحرب وقد ساهم في تعفيش البيوت، وتجريدها من كل شيء، ثم انشغل بالبحث عن المخطوطات الثمينة، فهي الأكثر رواجاً وربحاً وكان يشتغل على قاعدة يقول مفادها: " حلال على الشاطر، ستذهب لي ولغيري، وأنا أولى بها" وكان مقتنعاً أن الحرب فرصة عابرة ربما لا تتكرر، وكثيراً ما اشتغل مع عماله "بتشليح" الناس أو سلبهم ممتلكاتهم، وخاصة بعد أن خلت البيوت من أصحابها ولم يتبق فيها سوى القليل من كبار السن، وهو يتعامل مع من يلتقي بهم كمحقق مدرب ويمتلك الخبرة، كما تصفه الرواية ونحن إذ نركز على هذه الشخصية، فهي "محور الرواية والوحدة العضوية تتحقق من خلالها، والأحداث تدور حول تلك الشخصية، وتتصاعد مع نمو الشخصية، والشخصيات هي خادمة الفكرة" كما يرى الناقد المغربي الدكتور عبد الله حمدنا الله، وذلك يعود برأينا إلى كونها صاحبة المكان من جهة، والكثير من شخصيات العمل تتبع لها من جهة أخرى، ومنها " سيرا، فايا، علوان، محمود، نورما، أبو دعاس"

بين تلك الشخصيات المهمة التي يجب التطرق إليها هي "نورما" والتي يمكن وضعها بالمركز الثاني، أو الثالث بعد ضابط الحاجز والتي فقدت زوجها على أحد الحواجز وهو بالتأكيد قد قتل أثناء الاشتباك الذي جرى هناك، وهي تجبر على الإقامة في ذلك المكان نتيجة الظروف وقلة المال، وقد استقبلتها "سيرا" وعاملتها بمحبة وترحاب، لكن تلك المحبة لم تكن "لله بالله" كما يقول العامة، بل من أجل تلبية شذوذها، وتستطيع بعد أكثر من عشرين يوماً الهروب من مكان الفساد والتوجه نحو الشمال السوري، ونحن حين نقول الفساد ذلك لأن المكان قائم عليه، وهذا يعني أنه يهيمن ويسطو على الكثير من مناحي الحياة التي كانت سائدة أيام الحرب

وإذا جاز لنا استخدام المصطلح الرياضي، فنحن نعتقد أن الروائي قد سدد ضربة جزاء محكمة من خلال شخصية "علوان" ولا نبالغ لو قلنا إن وجودها فوق صفحات هذا العمل قد أحدث فارقاً مميزاً في النص، وشكل إضافة مهمة، فهو فاقد للذاكرة من ناحية، وهو قريب إلى القلب، ويشعر من يتلقى كلماته أنه يعرف كل شيء على الرغم من فقدانه للذاكرة، ومن خلاله أوجد الكاتب صوتاً جديداً للسرد وتلك مسألة يشار إليها في تناوب الأصوات، لكن الأهم من ذلك كله أن "علوان" يترك من خلفه رسالتين يخبرنا في واحدة منهما عن العصابات التي دخلت المخيم المنكوب مطالبة الناس بالتوبة، وتقوم بقطع الرؤوس أمام الجميع وفي الرسالتين تفصيلات كثيرة وعلى غاية كبيرة في فن القول وهما يستحقان أن نفرد لهما دراسة خاصة مع شخصية كاتبهما.

في نهاية هذه العجالة لا يسعنا سوى القول أننا أمام عمل يأخذ بتلابيب القارئ منذ طرقته الأولى، أي قبل سقوط الظلم عن الناس بأيام، وحتى نهايته التي تبث الأمل في القلوب، وقد أستطاع الكاتب محمد فتحي المقداد برأينا أن يجعلنا نقف أمام نصه بما فيه من كنوز ثمينة كي نتأمل أنفسنا ونبحث عنها، ونفكر طويلاً فيما جرى وكيف حصلت المأساة السورية، وهذا ليس بالأمر العادي أو السهل كما يعتقد بعضنا، لأنها من مهام الكتابة الناضجة التي يتقارب فيها الإبداع مع القمم العالية.       

        

          

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سيرة المنجز الأدبي للأديب محمد فتحي المقداد

 

محمد فتحي بن قاسم المقداد \روائي سوري –من مواليد: بصرى الشام\ درعا\ سوريا\ عام 1964\ متزوج. العمل حرفي بمهنة حلاق رجالي.

البريدالإلكتروني (rafy2bos42@yahoo.com)            

..*..

*عضو اتحاد الكتاب السوريين الأحرار. عضو اتحاد الكتاب الأردنيين. عضو رابطة الكتاب السوريين بباريس. عضو البيت الثقافي العربي في الأردن. مدير تحرير موقع آفاق حرة الإلكتروني. 

*فقد أنجز العديد من الأعمال الأدبية، حملت عناوين لكتابات في الرواية والقصة القصيرة والقصيرة جدًا والخواطر والمقالة. نشر منها ستة أعمال ورقية، ونشر جزء منها إلكترونيًا، وما تبقى ما زال مخطوطًا طي الأدراج.

..*..

*المؤلفات:

1-كتاب (شاهد على العتمة) طبع 2015 في بغداد.

2-رواية (دوامة الأوغاد) طبعت 2016 في الأردن.

3-كتاب (مقالات ملفقة ج1) طبع 2017في الأردن.

4-رواية (الطريق إلى الزعتري) طبعت 2018 في الأردن.

5-رواية (فوق الأرض) طبعت في 2019 في الأردن.

6-مجموعة أقاصيص(بتوقيت بصرى) طبعت في 2020 في الأردن.

7- كتاب خواطر (أقوال غير مأثورة).

8- كتاب خواطر (بلا مقدمات)

9- كتاب خواطر (على قارعة خاطر)

10- كتاب مقالات نقد أدبي (إضاءات أدبية).

11- كتاب تراث (رقص السنابل)

12- مجموعة قصصية (قربان الكورونا) خاصة في أدب العزلة زمن الكورونا.

13- حوارات متنوعة بعنوان (على كرسي الاعتراف).

14- قراءات أدبية سورية\ ج1

15- قراءات في الأدب العربي الأفريقي

16- قراءات أدبية سورية ولبنانية\ ج2

17-المحرر الثقافي .ج1. (بطاقات تعريفية بكتب صدرت حديثًا)

18- تقديمات لكُتُب.

19- قراءات في الرواية الأردنية.

20- قراءات في الأدب الأردني الحديث.

21- حديث المنجز .

22- قراءات  في الشعر الأردني الحديث.

23-قراءات روائية في الأدب العالمي.

24- (بين بوابتين) رواية تسجيلية.

25- (تراجانا) رواية فنتازيا تاريخية متزاوجة مع الواقع بإسقاطاتها.

26- (دع الأزهار تتفتح) رواية بين الماضي والحاضر.

27- (زوايا دائرية) مجموعة قصة قصيرة.

28- (رؤوس مدببة) مجموعة قصة قصيرة.

29- (سراب الشاخصات) مجموعة قصة قصيرة جدا \ق.ق.ج.

30- (قيل وقال) مجموعة قصة قصيرة جدا \ ق.ق.ج.

31- (مياسم) خواطر أدب نثري.

32- (جدّي المقداد) سيرة الصحابي الجليل المقداد بن عمرو.

33- (الوجيز في الأمثال الحورانية) تراث حوراني.

34- (الكلمات المنقرضة من اللهجة الحورانية).

35- (مقالات ملفقة ج2).

26- (دقيقة واحدة) مجموعة قصة قصيرة.

37- رواية خيمة في قصر بعبدا.

38- رواية خلف الباب

39- قراءات في الأدب العربي الحديث.

40- كتاب قراءة في رواية يابانية ((1Q84 للروائي هاروكي موراكامي

41- كتاب خواطر (كيف، وكاف وياء وفاء).

42- موسوعة (دليل آفاق حرة للأدباء والكتاب العرب) خمسة أجزاء، بالتعاون محمد الأديب محمد حسين الصوالحة.

43- كتاب:  حوارات في المنفى (حوارات أدبية).

44- رواية: (بنسيون الشارع الخلفي)

45- كتاب (حوارات سورية في المنفى)

46- كتاب (صريف الأقلام) ما بين الفكرة والكتابة

47- كتاب (تغاريد) خوطر تويتريَّة

48- كتاب المحرر الثقافي ج2  (بطاقات تعريفية بكتب صدرت حديثًا)

49- كتاب حول تجربة محمد زعل السَّلوم.

50- كتاب فضاءات محمد إقبال حرب الأدبيَّة.

51- الدرُّ المكين في كتاب المساكين. للرافعي.

52-رواية "سكلمة".

53- حكي في لوحات (خواطر)

54- رواية "صندوق بريد"

55- كتاب "بين الكاتب والكتاب". سيرة أدبية

الجوائز:

- جائزة محمد إقبال حرب للإبداع لعام 2021عن مجموعة أعماله الروائية (دوامة الأوغاد. الطريق إلى الزعتري. فوق الأرض).

-جائزة ناجي نعمان للإبداع الأدبي لعام 2025 عن رواية (بنسيون الشارع الخلفي).

 

*دراسات كتبت عن أعماله:

-بحث (الواقعية في الأدب العربي. أنموذجًا  رواية دوامة الأوغاد- للروائي محمد فتحي المقداد) تقدم به الباحث طالب عبد المهدي الفراية في جامعة مؤتة، خلال دراسته الماجستير.

_بحث تقدم به (مالك سالم الصرايرة) لنيل درجة الدكتوراه في جامعة مؤتة ٢٠١٩، تحت عنوان (إنعكاس الأزمة السورية في بداية الألفية الثالثة على الأدب السوري) وأخذ أربعة نماذج روائية سورية، كانت روايتي الطريق إلى الزعتري إحداها.

 

 

- "أدب اللجوء" بحث كتبه الكاتب والباحث محمد زعل السّلوم، لصالح مركز حرمون للدراسات، ودخلت كتابات الروائي محمد فتحي المقداد (كتاب شاهد على العتمة, ورواية الطريق إلى الزعتري) ضمن بحث أدب اللجوء هذا المصطلح الذي قُنن نتيجة ظروف  الحرب في سوريا والمنطقة.

 

-  بحث لنيل رسالة الدكتوراه بعنوان(أثر الحرب في تشكيل صورة المرأة في الرواية السورية دراسة في نماذج مختارة) تقدمت به الطالبة: "سلسبيل الزبون" في جامعة العلوم الإسلاميّة في الأردن، وكانت رواية (الطريق إلى الزعتري- للروائي محمد فتحي المقداد) إحدى النماذج المختارة. تحت إشراف الأستاذ الدكتور: "موفق مقدادي". ومناقشة الأستاذ الدكتور: "عماد الضمور".

 

-بحث مُحكم في مجلة الرسالة للبحوث الإنسانية، جامعة محمد الصديق بن يحيى جيجل الجزائر، كتبته الباحثة "سعاد طبوش" بعنوان "كورونا منعرج جديد للأديب حول العالم. هاجس الخوف والضياع في قربان الكورونا. لمحمد فتحي المقداد ".

 

*بحث (الدوال غير اللغوية في مسودات روايات عربية. دراسة من منظور النقد التكويني). تقدمت به. د. أثير عبدالله بن مساعد الفالح. نشر هذا البحث في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية. جامعة الأزهر. 2024

 

*بحث في جامعة مؤتة تقدم به الباحث" طالب عبد المهدي الفرَّاية" لنيل رسالة الدكتوراه، بعنوان "الجملة المشهدية بين الشعر والرواية. بين الشاعر عبدالرحيم جداية. والروائي محمد فتحي المقداد". قام فيها بدراسة مجموعة الأعمال الروائية (دوامة الأوغاد. والطريق إلى الزعتري. وفوق الأرض).

 

*بحث في جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية. تقدمت به الطالبة "أثير عبدالله بن مساعد الفالح" لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب. بعنوان (مسودات روايات عربية معاصرة من منظور النقد التكويني) وفي هذه الدراسة كانت رواية (بنسيون الشارع الخلفي. للروائي محمد فتحي المقداد) من ضمن ست روايات قامت بدراستها.

* كتب العديد من الدراسات النقدية عن مجموعة أعماله الأدبية المطبوعة، قدّمها أدباء ونقّاد عرب . كما صدرت له العديد من النصوص في كتب مشتركة عربيًّا، ونال العديد من شهادات التقدير، والتكريمات خلال مشاركاته من الهيآات الثقافية الواقعية والافتراضية. ونشر الكثير من أعماله في المجلات والجرائد الورقية والإلكترونية.

*له العديد من المقابلات  الحوارية التلفزيونية، على قناة الأورينت، قناة العربي وسوريا، وقناة الرافدين، وقناة الحوار، وقناة الغد وغيرها.

*وقريبًا- تحت الطبع رواية (خيمة في قصر بعبدا) دخول في محاولة إشاعة مفهوم السّلم الاجتماعي بين الشعبين السوري واللبناني على ضوء ما حصل في ظروف الحرب واللجوء، بعيدًا عن مخرجات السياسة القذرة.

-تحت الطبع رواية (خلف الباب) الخاصَّة بحياة اللَّاجئين في المخيَّم.

* عمل على جمع وإعداد (دليل آفاق حرة) للأدباء والكتاب العرب، بأجزائه الخمسة التي وثقت لألف اسم أديب وكاتب عربي، وهذا العمل يعدُّ موسوعة عربيَّة. بالتعاون مع الأستاذ محمد حسين الصوالحة من الأردن، مؤسس ومدير موقع وصحيفة آفاق حرة.

***

ملاحظة: هناك العديد من المشاريع الكتابية التي يجري الاشتغال عليها. سترى النور قريبًا.

 

 

الفهرس

مقدمة الكتاب    5

تقرير موقع "زمان الوصل"  7

قراءة انطباعيّة  12

التشظّي والقلق الوجودي   19

اقتحام جريء لعالم التابوهات    34

هل الحروب تُدهور الأخلاق أم تكشف الخلل؟  38

الرمزيّة في رواية "بنسيون في الشّارع الخلفيّ"  45

تفكيك المقدس وتدنيسه  71

سردية الحرب والمكان ..الانهيار القيمي  87

البنسيون كمختبر للوجود والتوتر النفسي  146

بنسيون الشارع الخلفي   154

سيرة المنجز الأدبي للأديب محمد فتحي المقداد  161

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انتهى بعون الله وتوفيقه

 

كتاب قراءات نقدية بأقلامهم

في رواية

"بنسيون الشارع الخلفي"

للروائي محمد فتحي المقداد

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تأملات قرآنية