الثلاثاء، 29 مارس 2022

الطريق إلى الزعتري. أحمد العربي

 رواية الطريق إلى الزعتري تكتب عن قرية في حوران لتوثق أحداث الثورة السورية

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السورية، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين.

كتب وملفاتالثقافة والفنون

بتاريخ: يناير 15, 2020

 صورة معدلة لغلاف الرواية-مصدر الصورة:الأيام السورية

 0

 المشاركة

الكاتب: محمد فتحي المقداد.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع. الاردن/ط١، نسخة ب د ف ، ٢٠١٨م.

تتحدث الرواية  عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

الكاتب لا يلتزم بخط زمني صاعد متواتر في الحدث الروائي، إلا بمقدار محدود، ليخدم السياق الروائي كما يراه، والرواية مكتوبة بطريقة الخطف خلفا، يعني من لحظة ما قريبة من خاتمة الحدث الروائي، التي أصبحت حاضرة في كثير من الأعمال الروائية.

تبدأ الرواية من المحامي خالد ابن قرية من قرى درعا (حوران)، متواجد في إحدى الدول الأوربية، حيث وصل إليها في رحلة اللجوء السوريا، على أثر أحداث ثورتها. خالد المنتمي للثورة، الذي حمل على عاتقه مهمة توثيق أحداثها، منذ البدء في قريته (موج) وامتدادا إلى درعا مهد الثورة السوريا، يخوض في واقع الثورة من البداية حتى رحلة لجوئه.

يقلب خالد الدفتر الذي رصد به وقائع الثورة السوريا، يبدأ من أطفال درعا الذين تأثروا بما نقلته لهم الفضائيات عن حراك ثوري طال تونس ومصر وليبيا وأدت إلى إسقاط أنظمة قمعية استبدادية، كان من المستحيل أن تسقط قبل حراك الربيع العربي الذي بدأ في أوائل عام ٢٠١١.

مما شجع الناس في سوريا على رفع الصوت أمام النظام الاستبدادي السوري، متجاوزة حاجز الخوف نسبيا، كما حصل في سوق الحريقة حيث تحدى مواطن شرطي، وتلاسن آخر مع وزير الداخلية، وأخبره أنه مواطن وإنسان.

لم يسكت الأمن عن كتابة أطفال درعا على جدران مدارسهم، (جاك الدور يا دكتور، أو الشعب يريد إسقاط النظام)، فتم اعتقال الأطفال والتنكيل بهم، ولم يستجب لأهلهم والوجهاء في درعا حول التجاوز عن فعل الأطفال، بل قُتل الاطفال وطرد الأهل بشكل مهين.

أراد النظام أن يوصل رسالة تحذير وتخويف للشباب السوري وللشعب من ورائهم، أنه لن يسمح لأي طرف أن يتحرك في سوريا، مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، مذكرا الناس بتاريخ قمع واستبداد وظلم وفساد استمر لعقود منذ عصر الأب حافظ الأسد وابنه بشار بعده.

لكن الشباب الدرعاوي والسوري عموما لم يكن ليقبل بأن يستسلم للقمع وردة فعل النظام اتجاه بداية حراك التظاهر السلمي المطالب بالإصلاحات والديمقراطية، بدأت في درعا وامتدت إلى كل سوريا رويدا رويدا.

تركز الرواية على قرية موج وكيف كانت مشاركتها، بادئة بثلاثة أصدقاء أحمد ومحمد وخالد الذين ترعرعوا في القرية منذ مراحل الدراسة الأولى، أحمد انتهى من دراسته وغادر خارج القرية واستمر بالتواصل مع أصدقائه، محمد استقر في البلدة يعمل فيها، وخالد تابع دراسته الجامعية وأصبح محاميا.

عندما بدأ حراك الشباب في التظاهر، كان الأصدقاء على تواصل، وكانوا منتمين نفسيا وواقعيا لهذا الحراك ولمطالبه الحقه، خالد أصبح جزءً من الحراك منذ اللحظة الأولى، بدأ يتواصل مع المتظاهرين، ويقدم لهم العون والإرشاد.

أما محمد فقد كان متابعا للثورة بترقب وحذر، يعرف أن النظام لا يرحم. كان ابنه يدرس في العاصمة دمشق، ويسكن المدينة الجامعية، كان قلقا عليه، تتوغل الرواية في حياة محمد حيث تعيش أمه المعمرة في كنفه، تتذكر أن أبيها كان من الثوار في مواجهة الفرنسيين وأنه استشهد في الحرب ضدهم، وكذلك زوجها والد محمد الذي استشهد بمواجهة الصهاينة في حرب ١٩٧٣م، وهي دائمة التذكر لهم والرحمة عليهم.

رواية تتحدث عن واقع الثورة السوريا من منظور الروائي، تعتمد صيغة الكتابة الإخبارية، هناك راو متوار خلف الشخصيات، يكتب تارة عن الآخرين وما يعيشونه من المتغيرات، ويضع أحيانا بعض الشخصيات في حالة التكلم عن الذات، في خليط بأسلوب الكتابة.

أما محمد الابن فهو في القرية رجل له حضوره الاجتماعي ويلتقي بشكل دائم بصديقه المحامي خالد ويتبادلان الزيارات والتواصل، وعندما بدأ حراك الثورة أصبح تواصلهما مستمرا، وكانا يبحثان كل مستجد، خالد من موقعه كقائد معنوي للشباب المتظاهر في البلدة ومحمد من خلال حضوره الاجتماعي.

بدأت القرية بالتفاعل مع الثورة التي توسعت على رقعة سوريا كلها، وبدأ الشباب بالتجمع في المسجد الكبير في القرية والخروج بالتظاهر، خاصة أيام الجمة، وكان الأمن يجمع قواته ويواجههم، وسرعان ما استعمل النظام السلاح، وأدى لسقوط الشهداء من الشباب، مما زاد جذوة الثورة واندفاع الشباب.

وعندما منع النظام أي حراك في الجامع الكبير انتقل الشباب إلى جوامع أخرى وبدؤوا ينطلقون منها، لكن النظام لم يستسلم فقد صعد في استعمال السلاح بمواجهة المتظاهرين، وزادت أعداد الشهداء، وبدأ الشباب بالتفكير بحماية التظاهرات، لقد كان للنظام الكثير من المخبرين الذين يقدمون للأمن معلومات كاملة عن التحرك، وبعضها موثق بالفيديوهات والصور، وهذا سيفيد النظام بتحديد قوائم المطلوبين لها من الثوار وقادتهم.

عند اشتداد عنف النظام وقتله للمتظاهرين، بدأت حالات تسلح فردي، سرعان ما توسعت، وكان تشييع الشهداء مبررا لمزيد من تأجيج مشاعر المواجهة مع النظام.

لقد منع محمد وخالد الشباب من مهاجمة المخفر أو مركز السلطة في القرية، خوفا من انتقام النظام من الناس، كان ذلك في البداية، لكن الشباب سرعان ما سيطروا على مرافق الدولة كاملة، بعد أن أصبح عنف النظام فوق قدرة أي أحد عن ردع الثوار المندفعين، وأصبحت القرية محررة من النظام لوقت قليل، حتى استقدم النظام قوات الجيش وحرسه الجمهوري، المنتمي للنظام، وهاجم القرية بقوة نارية عالية، مما دفع أهلها للاستفادة من بعض أزلام النظام لإعادة القرية إلى سلطته، وبالفعل حصل ذلك، وكان لذلك أثر بالغ على الثوار، حيث بدأت حملة اعتقالات واسعة، وبدأ الشباب بالتواري والهرب، وبعضهم بدأ بتشكيل مجموعات مسلّحة من الجيش الحر.

بدأ النظام بتقطيع أطراف البلدة عبر الحواجز، التي تمركزت بأغلب مناطق البلدة الهامة، وصنعت متاريس وبدأت بالتضيق على الناس، توقفهم على الحواجز وتطالبهم بالوثائق الشخصية، اعتقل الكثير وقتل بعض الشباب ميدانيا، كذلك الحال حيث نُصبت حواجز على مداخل البلدة وأصبحت الحياة فيها أقرب للجحيم، فهناك إطلاق نار دائم، وصدامات بين مجموعات الثوار والنظام، وقصف عشوائي مستمر على البيوت مما يجعل الإصابات العشوائية كثيرة.

ما عاد الأطفال يتحملون ما حصل من عنف وأصوات قذائف، الخوف سيطر عليهم وظهرت بوادر منعكسات نفسية تؤرقهم وتصبهم بالمرض.

غادر أخ محمد حيّه إلى بيت محمد حيث القصف والضرب أقل، ثم لم يستطع أن يتحمل أكثر، غادر إلى مخيم الزعتري، التي بنته الأردن داخل أراضيها على الحدود الأردنية السوريا في الصحراء، ليأوي إليه الهاربين من الموت المشرع عليهم من النظام السوري في بلداتهم.

أصبحت القرية شبه خاوية، محمد تحمل العيش في البلدة خاصة أن والدته مريضة ولا تحب مغادرة بلدتها بعد هذا العمر، هذه الأم التي تفتخر بوالدها وزوجها الشهداء، سيوافيها أجلها وهي ترى بلدتها تحت نيران نظام مستبد قاتل.

كما أن مصيبة اخرى أصابت محمد، فقد اعتقل ابنه من المدينة الجامعية في دمشق، فقد توسعت هجمة النظام على كل ناشطي الثورة، اعتقل الشاب واستمر في المعتقل والسجن لأشهر ومن ثم أفرج عنه وعاد إلى القرية.

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها.

الأب محمد أحس أن الحياة في القرية أصبحت مستحيلة، فهي منطقة حرب ولا يستطيع أن يؤمن أي من أسباب الحياة، أصبحت كل السلع نادرة وغالية، إضافة لوجود احتمال أن يعتقل هو أو ابنه، صحيح أنه استطاع أن يخلق علاقة مع المسؤول الأمني في البلدة، عبر الأعطيات والرشاوى من زيت وغيره، لكن لا يعرف متى يقبض عليه أو على ابنه، أو يقع ضحية استهداف بقذيفة ما أو من خلال إطلاق نار أصبح كثير الحضور وعشوائي.

خاصة وأن النظام قد أبدع صيغة جديدة للسيطرة على أغلب البلدات من خلال تجنيد أغلب المخبرين وأصحاب السوابق الإجرامية وتحويلهم إلى شبيحة يؤذون الناس وينهبون كل ما يصلون إليه، ويثبتون السلطة للنظام، وهؤلاء الشبيحة لم يتركوا وسيلة من الإجرام بحق الشعب دون أن يقوم بها.

لقد دُمرت بلدات مثل دوما وداريا وحوصرت درعا واستبيحت الكثير من البلدات والمحافظات، مئات الآلاف أصبحوا شهداء ومثلهم مصابين ومعاقين، الملايين مشردين.

محمد قرر أن يهرب بعائلته إلى مخيم الزعتري في الأردن، وهكذا كان. أما خالد المحامي فقد أصبح وجها من وجوه الثورة، ويظهر على الفضائيات متحدثا عن واقعها وأفعال النظام، أصبح مستهدفا من قبله، نجا من محاولات اغتيال عدة، توارى وخرج من البلدة إلى الأردن أخيرا، ومنها إلى مصر ونشط هناك متحدثا ومدافعا عن الثورة وشرعيتها، وعن ظلم النظام وحقوق الشعب السوري، ومن ثم غادر إلى إحدى الدول الأوربية، لاجئا ينتظر هو وملايين السوريين أن يعود إلى سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد ومحاسبته على إجرامه، مطالبا ببناء سوريا الحرة العادلة الديمقراطية.

هنا تنتهي الرواية.

في تحليلها نقول:

تحاول الرواية أن تكون سجلّا عن واقع الثورة السوريا وما حصل مع الشعب وما فعله النظام المجرم. صحيح أنها أخذت نموذجا لبلدة في درعا، لكنها تعني كل سوريا وما حصل فيها، حاولت أن تمر على أغلب ما حصل في الثورة، لذلك لم تُشبع الموضوع من جانبه المعرفي، وهذه ليست نقطة ضعف، لكن يفضل لو أنها أخبرتنا عن جواب أسئلة مركزية ولو بتكثيف وتركيز واختصار. لماذا قامت الثورة السوريا.؟.

وكذلك كان يجب أن تتعمق قليلا في واقع الثورة السوريا، لا يكفي إدانة العمل المسلح للثوار، يجب تنوير أسباب العمل المسلح، وأين أخطأوا؟، ومن استثمر واقعهم؟، ومن هم الأعداء الذين دعموا النظام؟ من المستفيد مما حصل في سوريا؟. ثم لماذا الصمت عن البنية العسكرية والأمنية والطائفية للنظام؟. وكيف تحولت سوريا كلها إلى مزرعة للنظام؟، وماذا عن عصبة الرئيس وعائلته المقربين؟…. الخ.

أخيرا كل ذلك لا يبخس حق الرواية وأنها أطلّت على واقع الثورة ووثقتها، من زاوية ما.

الرواية وغيرها مما كتب من أدب وتوثيق سياسي وفكري عن الثورة السوريا، سيكون ـ يوما ـ الضوء الذي ينير هذه الحقبة السوداء من تاريخ سوريا الخاص، ويظهر العار الذي يجلل العالم المتفرج على هدر دماء السوريين. وتدمير بلادهم، واستباحة حياتهم، وتشريدهم في كل أركان الدنيا.

________________________________________

محمد فتحي المقداد، روائي سوري، له العديد من الأعمال الأدبية، هذا أول عمل نقرؤه له.

دوامة الاوغاد. ريمة الخاني

 دراسة نقدية لرواية

دوامة الأوغاد للأديب السوري: محمد فتحي المقداد.

الكاتب الأديب محمد فتحي المقداد ، كاتب سوري مجدّ، يجدف بقوة للوصول لشط الأدب الحقيقي العميق الغور والرسالة، عرفناه في منتدانا " فرسان الثقافة" متابعا وكاتبا ، وكان لي مغامرة نقدية في كتابه السابق: شاهد على العتمة، ولأنه طلب مني نقدا لروايته الجديدة بإلحاح ولي الشرف، آليت ألا أخذله، رغم أن لي طقوسا واختيارات خاصة في النقد، فأرجو أن أكون موضوعية فيه.

بصدق وتجرد أقول: نقدنا اليوم بات سطحيًّا، متوغلا بالانطباعية ، دون عمق ولا إبداع، ولو عرفنا حال الأدب اليوم، لعرفنا لماذا بات النقد على هذه الحال.

يصنف الدكتور جورج زكي الحاج النقد:نقد إعلامي، نقد شارح، نقد أكاديمي ونقد إبداعي، فالأول يقوم على المديح أو الهجاء ويفتقر غالبا للمرتكزات العلمية، والثاني يكون وسيطا بين المبدع والقارئ.

أما الأكاديمي فلديه نقاط ثابتة ومسلمات وهي مهنته وغالبا يقوم عليه الأساتذة والمختصون.

أما الإبداعي فثقافته غنية، عميقة، هو قارئ شمولي، يعرف ماذا يريد من النقد، قد يكون على طريق الأدب

وقد يكون أديبا، وقد تسبق واحدة الاخرى، لكنها تصل للدرب ذاته، وهذا ما يكرس الإبداع الذي ينشده.


العنوان لافت وقوي : دوامة الأوغاد.

إذن نحن مقبلون على موضوع شر وأمر خطير.

معجميا:

دومَ ودوام: قال الأَصمعي: أخذه دُوَامٌ في رأْسه مثل الدُّوارِ، وهو دُوارُ الرأْس

لسان العرب

يقال: أخذه دُوامٌ بالضم، أي دُوارٌ، وهو دُوار الرأس

سُمِّيت الدُوَّامَةُ من قولهم: دَوَّمْتُ القِدْرَ، إذا سكّنتَ غليانَها بالماء؛ لأنها من سرعة دورانها كأنَّها قد سَكَنَتْ وهدأت.

الصحاح في اللغة

ورد في لسان العرب:

وغدّ:

يقال: فلان من أَوْغادِ القوم ومن وغْدانِ القوم وَوِغْدانِ القوم أَي من أَذِلاَّئِهِمْ وضعُفائِهِمْ.

والوَغْدُ: خادِمُ القومِ، وقيل: الذي يَخْدمُ بطعام بطنه، تقول منه: وغُد الرجلُ، بالضم، والجمع أَوْغادٌ ووُغْدانٌ ووِغْدانٌ.

الوغد في القاموس المحيط:

الوَغْدُ: الأَحْمَقُ الضَّعيفُ، الرَّذْلُ الدَّنيءُ، أو الضَّعيفُ جِسْماً.

وعليه فمانعرفه عن الأوغاد هم أراذل الناس وما يسعون إليه من دوامات الشر والسوء، هذا مانفهمه منه مباشرة.


متن النص:

يطالعنا نص تعبيري وصفي تصويري إبداعي يصف حركة الناس: ما إن بدأ الظلام يتسرب..، تنسحب آخر خيوط النهار..، متوارية هاربة من طغيان العتمة..

نلاحظ توازي المقدمة مع العنوان ليضعك الكاتب في جو الرواية فورا بمشهد واقعي مُعاش.

بينما يلعب الاولاد (الطميمة-لعبة شعبية سورية يغمض الطفل عينية، ويعد بالأرقام، ويختبئ الاولاد ليجدهم.

يظهر لنا الشخصية الأولى: نمس بن قرهود، هل سمعنا بهذا الاسم قبلا؟ نظن ذلك...

واصفا جلسته على سطح البيت مع إبريق الشاي الخ..وحديث الحي عن بطولاته مع الضباع، وحكايته عن مغامراته لهم عصرا.

ماجد الولد الذكي الذي فكر بالخروج باكرا لمعرفة قصته الحقيقية التي يشك بها، فعرف كذبه، وأفخاخه.

حيث بدأ الخبر بالتسرب.

ويشتري النمس بارودة صيد من فليحان مضطرا، واشترى منه أرضا بثمن بخس.

حتى الناطور نواف بات يسخر منه كما النساء.

تستمر متابعة ماجد له بكلمة تتكرر على معظم مساحة الرواية: سجل عندك يا تاريخ..، وكأنّ لسان حال الكاتب يقولها، فما نعرفه عن أي مؤلف، أنه مهما حاول وضع قناع الشخوص، يبقى لسان الحال يتسلل بين الفينة والفينة.

المشهد واقعي تصويري تشعر، وكأنك سمعت به من قبل، خاصة لما كانت الأمهات قديما تخيف أطفالها بقوله:

-نام قبل أن ياتي البعبع..

ما الصلة هنا؟، هل تلك البيئة مازالت حاضرة في الريف؟، وهل النمس تطور، أم هي صورة عامة؟.

نهاية الصفحة 16:

الأيام التي تاتي بالجديد قليلة في الحياة..ربما لحظة ينتظرها الشخص مدى حياته، وربما لا تأت أبدا..

وما أجملها إذا كانت رمية من غير رامٍ وبلا تعب..

وفي بداية الصفحة 17 من النسخة الإلكترونية تمر بنا جملة:

الدوّامة عمليّة بناء جديدة، هدمت نسيجًا اجتماعيًّا متماسكًا في عتمة ليل طويل......


جمل وعبارات فيها مغزى عميق، لايمكن إسقاطها على المشهد لبساطته بشكل عام. حتى ويمكن للمؤلف صياغته بطريقة أقرب للموقف:

لقد كانت تجربة جديدة للأطفال، علمتهم أن الكبار يكذبون أيضا..(مثلا).

ظهور شخصية موظف الأمن رامز الثلاثيني، وضيافة النمس له ، وهمس ولمز أهل الحي، وبحث النمس على كذبة جديدة، وحسدهم له.

ظهور أبو ماجد سعفان تاجر القماش الكبير في الرواية.

في الصفحة 233 يطرح قضية المعلمات، والتعليم في القرية، وظهور شخصية شمسة الجميلة في القرية.

وبدأت شكواها للمفرزة الأمن دفاعا عن نفسها من شاب تعرض لها لفظا، ليحول الشكوى لاسم النمس الجاهل، فيطالعنا مظهرها المستهتر وتنورتها المنحسرة عند جلوسها بانتظار انتهاء التقرير.

كقارئ أقول أنها استفزت من حولها كما ورد في النص، ومنهم من يقول كل حر بسلوكه كنظرية غربية، ولكنني كقارئة أقول وبتجرد، معظم المواقف المفاجئة والسيئة التي تظهر في الروايات، أصلها سلوك غير سوي، فلماذا نذرف الدموع، ونحزن على الابطال؟.

ورد في الصفحة 29، ظهور بطل جديد في الرواية "عريبي"وصفه المؤلف ب القميء:

ورد في مقاييس اللغة:

جدم :

الجيم والدال والميم يدلّ على القماءة والقِصَر. رجل جَدَمةٌ، أي قصير.

والشاة الجَدَمة: الرّدِيّة القَمِيئة.و القَماءةَ تعني الذِلَّةٌ.

ويكمل وصفه بالبلادة والطيبة معا....فماذا يعني اقتران الاسم بالصفة؟، أم هو اسم والسلام ، خاصة أن الاسم غير فصيح أبدا، وربما يخص المنطقة الخاصة بالرواية.

ويسخر منه الأولاد بعد تعثره، وينصحه سليطين بالتجاهل، يهمنا هنا توظيف الشخصيات والحدث، هل يقدم لنا صورة أولاد الحي الفوضويين، وتصرفاتهم غير المسؤولة؟ وعدم زجر المجتمع لهم؟.

أم شحدة الفلسطينية، وبناتها الخمس ورغبتها بإنجاب ولد ذكر،مشكلة مجتمع كامل، يمجد الذكورة الطاغية فيه فكرا وسلوكا.

ليدخل النص في مجتمع موغل في الخرافات والشعوذة؛ بميلاد شحدة أو المشورب، الذي يصبح شيخا، هذه الصورة المكرورة في رواياتنا الواقعية، أليست تنفي نماذج ناصعة من المرجعية البيضاء التي سطرت للوطن خير النماذج مثل بدر الدين الحَسَنِي القدوة العارف بالله، وأبو حامد الغزالي مدرس المدرسة النورية بدمشق، وهناك في مناطق عدة من بلادنا أمثالهم، فقد قدم لنا هؤلاء مريدين، وطلابا قدوة تركوا لنا علما وفيرا.

لماذا لانتكلم عنهم، ونقدم للقارئ النموذج الجيد القريب من هؤلاء، ثم نقارن حيث تطفل بعضهم على هذا المسار الحساس في الأمة؟، لأنه علينا البحث عن توظيف لكل شخصية وموقف، ولكن أن نقحم كل سيء فيه على أنه القاعدة؟، ناهيكم على أن صنعة الرواية تقوم على حشد نماذج متفرقة في مشهد واحد، أو مشاهد متفرقة يجمعها المكان والأحداث!.

وهذا لاينفي مهارة المؤلف في بث روح التشويق في ثنايا السرد الروائي طبعا، ونجاحه في هذا.

ويدخل من جديد شخصية التاجر عكاش، وصديقه فهيم، كنموذج إيجابي في المجتمع الشامي العريق. وكان يمكن للمؤلف التعريج عن أصولهم وليس بملزم، ولكن لإرواء فضول القارئ، ولكن لأنه أدخله على المجتمع المختلف عنه.

هنا نرى عرضا لفقر أم شمسة الأرملة، وتفكير رامز فيها عاطفيا.ص42

ويستعرض المؤلف بسرعة الواقع السياسي بين الحزبيين، والمواطنين، قضية الوحدة بين مصر وسوريا والقضية الفلسطينية ومعاناتهم وإصرارهم على الكفاح، وانعكاس ذلك على المجتمع، حيث يعرض كيف غدا محل عكاش مهوى المتناقشين والمتحاورين.

يصف لنا في الصفحة 599 عن فريز المتملق، وهي شخصية منتشرة في مجتمعنا حقيقة، وصوليون عموما.

خيبة أمل النمس من سليطين، وتوقه لدخول الحزب بعرض من رامز، وأنانيته المفرطة، واستجابة رامز له بتعيين ابنه فرج.. ص62

تبدأ صفحة 67 بوصف لقرية أم الخنافس، كبيئة سورية واضحة المعالم، حميمية العلاقات الاجتماعية.

صفحة 69 واعتراف رامز لشمسة بحبه.

ونطالع في الصفحة 76 بداية موفقة حيث قال: نطاق القرية ضيق لا يتسع للأسرار وكتمانها...

فعلا المجتمع الحميمي تطير أخباره على الأثير...وصف حقيقي واقعي واضح، يكملها بأم ماجد وزوجها سعفان وماتحدثه به عن أخبار القرية.

الأمثال الشعبية المعروضة والأقوال، تشعرنا، بأنه شعب مطلع على السجية.

ظهور شخصية الشاعر أبو غليون في الصفحة 799، ولقائه بشخوص القرية، وتقليد أولاد الحارة له، هل فعلا للشعراء خصوصيتهم، وهناك من لا يفهمهم؟، أم هم بسطاء حد السذاجة؟.

تطالعنا الصفحة 822 بوقوع بطليْ الرواية شمسة ورامز في المحظور، وكان هذا الأمر من ضرورات السرد..الذي كنت أعتذر حقيقة عن نقد أي رواية لأنه يصبح محورا فيها، ونكمل:

يجد النمس له حلّا بعد انتشار الخبر، وظهور خاتم ذهبي على إصبع شمسة، كتغطية وبلا زواج...

ظهور شخصية الشاب النشيط والموظف، الصفحة 87

في الصفحات التالية تجسيد لتكوين الشعب النفسي، وخوفه من المخابرات والتقارير، والظروف العصيبة المبنية على ذلك، من خلال شخصية فهيم ومن حوله.


نلاحظ في تكنيك الرواية البدء في معظم الفصول رغم عدم تقسيم الرواية لفصول في أصها، باسم الشخصيات، ونرى أنها تسهل على القارئ حفظ شخوص السرد وأبطاله.


وما زال السرد يطرح إشارة استفهام: لماذا تكررت عبارة: سجل عندك يا تاريخ بغير موضع حساس كما في الصفحة :99.

ليختم الفصل بنفس العبارة، وملاحقة ماجد لتحركات أم فرج.. فهل تلك كانت الغاية منها؟، نعتقد ذلك.

تدخل إلينا شخصية أم مرعي في الصفحة :1011، وغرق ابنها فهد وبكائها عليه..هل يجهل أهل القرية السباحة؟، لم توضح الرواية ذلك، إلا قليلا في الصفحة 108، وشرح لحياتها العاثرة مع زوجهان كنموذج لاستعباد المرأة، وقلة تفهم طبيعتها.

ولقطة ماكرة لنساء الحي، وبكاءهم على أنفسهم لا على ما حصل لأم مرعي..، وهذا انعكاس صحيح، فالبشر مهما تعاطفوا مع قضايا غيرهم، تبقى المقارنة حاضرة في أذهانهم بين متاعبهم، ومتاعب غيرهم.

الصفحة 111 وظهور شخصية مصطفى المثقف القادم من مطار ببروت، والقبض عليه لتشابه في الأسماء، ليتبين في الصفحة 131 غرض لافت أناني.

في الصفحة 18 يقدم لنا المؤلف مصطفى في مشهد السجن..قائلا: في السجن تتضاءل الأحلام...

نعم كما قال المؤلف تماما:

تتضاءل الأحلام... ويتلاشى الشعور بالوقت والحياة والمحبة..يصبح شيئا مركونا في زاوية الدنيا...ينتظر من يخرجه للنور...

الصفحة 121 يكرر المؤلف ذكر ماجد ومراقبته للأحداث، وكأنه عنى فيه الإشارة للجيل القادم الذي خبر ما حوله، و قادر على إيجاد حل..، باجتماعاته المتكرّرة على حداثة سنه أصدقائه.

ومازال أبو غليون يتكررحضوره في المشاهد فماذا قدم في مسيرة أحداث القرية من مهم؟.

خروج مصطفى في الصفحة 145.

يطالعنا في الصفحة 154 تهجم دموي على النمس لأن ابنه بات معينا لرامز، وكأنه عميل للمجتمع، عين عليه، وبات لوطيا قوادا.

في الصفحة 1588 يمر ذكر إسرائيل ، وكأنه مقارنة بين سلوك أفراد القرية وسلطتها، ومعركتنا الحقيقية.

الصفحة 1599 اجتماع نسائي، ومقارنة أخرى في طرق التفكير والمداولات، وكأن الجناح النسائي، أكثر إنسانية.

الصفحة 1600 ومداولات في محل عكاش، ورفض لسلوك النمس جملة وتفصيلًا، تتلوها عرض حالة مرعي وشقائه.

في الصفحة 1733 تذكر فاطمة تذمرها من النمس وما أحدثه في ضمائر أهل القرية، وهل هي الضمائر فقط؟، جملة ثقافية لا تخرج من فرد بسيط هناك كما رأيت ..الخ.

الصفحة 183 ووقوع أم فرج، وإعادة الإشارة لضعف المرأة في تلك البيئة، وأثرها الطيب الذكر.

يظهر أبو غليون طالبا من الضابط نقل شمسة ورامز حتى لاتهتز هيبة الدولة.

في الصفحة 1899 تطالعنا جملة لفارس: حفلة قصقصة الأجنحة..، عبارة موفقة..، فهي عقيدة عامة في انضباط الدول كما ورد، لايمكن لأحد أن يحلق عاليا..، فهم مربوطون بخيوط متينة..، في الصفحة 198 يقارن ماجد النمس بشايلوك، تاجر البندقية، وكأنه أكثر إيذاءًا من يهودي لأنه يؤذي المجتمع من الداخل، ويذكر بقضية الضبع الواهية.

اختفاء النمس..

صفحة 204 والاهتمام باستخراج الكنز الذي حقق مع مصطفى لأجله.

في الصفحة 2166 أعجبتني عبارة :صراع على النفوذ بين الكبار من الأقطاب، والصغار يذوبون كما الصابون..

أليس هو الواقع؟.

الصفحة 218 وحمل شمسة الحرام.

الصفحة 220 واتهام رامز لشمسة بممارستها مع شباب الحي!.

مقتل رامز.


حقيقة، وبصرف النظر عن تفاصيل الرواية، فهي نسج محكم لواقع صوّرهُ المؤلف باحترافيّة عالية، وكان يمكنه التركيز على نموذج كمصطفى والتوسع فيه لأنه محور الأوغاد عمومًا لو جاز التعبير.

شكرا لك لاختياري لهذا العمل النقدي.

مع التقدير.

دمشق

د. ريمه الخاني

السبت، 26 مارس 2022

قراءة في رواية قاع البلد

 رواية (قاع البلد) للروائي صبحي فحماوي..

 

** تمحورات الرواية..

- تصنف الرواية في أدب اللجوء والشتات الفلسطيني.

- القاع دلالة على العمق من الأعلى للأسفل.. والبلد هي (عمّان) المحاطة من جميع اتجاهاتها بالجبال السبعة.

- الصراع الاجتماعي في رقعة جغرافية صغيرة المساحة(قاع البلد) وما حولها.

- جاءت الرواية على لسان المتحدث البطل الرئيسي (الهربيد). على شكل لقائه عن طريق الصدفة في آحد فنادق عمان الرخيصة في وسط البلد. بشاب طالب يدرس الطب في جامعة الأزهر في مصر.

- إحدى عشرة ليلة التقيا فيها.. سرد فيها الهربيد للشاب سيرة حياته. اعتبارا من ريف يافا وحياة البدو ورعي الأغنام. والانتقال بعد التهجير القسري من ديارهم وتشتتهم.

- الحياة بدقائق تفصيلاتها في قاع البلد وأسواقها المكتظة.. جاء شعار المرحلة هذه واضحا في الرواية (الغاية تبرر الوسيلة). والتشبث بالحياة بشتى الوسائل.. من السرقة إلى البلطجة إلى الدعارة و التشرد.. إلى البيع والشراء..

- إرادة الحياة من خلال صراعات على أتفه الأشياء.. الفقر لم يترك لأحد شيئا ولو تافها إلا جعله عزيزا..

 - حياة قادمين من غرب النهر الى صدر حنون في شرق النهر.. من ضفة غربية الى ضفة شرقية.. كانت ملاذا آمنا استوعبهم جميعا رغم قلة إمكانياته الشحيحة أصلا.. وما زال منذ ذاك الوقت يستوعب اللاجئين من جواره العربي بسبب الصراعات والحروب.. طلبا للأمان.

- الرواية وثيقة اجتماعية يعتد بها عبرت عن مرحلة ما زالت آثارها تنسحب على الحاضر وبعد مرور اكثر من نصف قرن.

- لاجئو الأمس احتضنهم قاع البلد وأصبحوا من أهله ونسيجا تكامل مع السُدوة واللُْحمة.

- من يكتب عن هذه المرحلة لا بد وآن يتوقف على تجربة العمل الفدائي.. واكتسابه للتعاطف الجماهيري العربي عامة.. وانعكاساته السلبية على المجتمع المدني من خلال المظاهر المسلحة التي انتقلت إلى المدن.. وصعوبة ضبط وانضباط المسلحين.. فانتقلت البندقية من المعسكر الى المدينة والقرية.. والاستقطاب الحاد بين التنظيمات الفدائية لكسب الأنصار والاتباع بشتى الوسائل المتاحة وغير المتاحة.

- تعدد ولاءات التنظيمات الفدائية.. أنتج بنادق انعسكت فوهتها إلى اتجاهها الأصلي.. وكانت ممولة ومرهونة لأجندات تاجرت بالقضية الفلسطينية. وهو ما انعكس سلبا على مسيرة القضية الفلسطينية.. حتى وصلت الامور الى مأزق أوسلو.. وغزة أريحا.. وخارطة الطريق.. ومن دفع الثمن باهضا هو الشعب الفلسطيني الأعزل. وعلى رأي الشاعر محمود درويش: "لا أعرف من باع الوطن.. لكني أعرف من دفع الثمن".. 

تحياتي للروائي صبحي..

الاثنين، 14 مارس 2022

مولانا. قصة قصيرة

 مولانا.. 


قصة قصيرة

بقلم/ محمد فتحي المقداد


سيّارتان ملطّختان بالطّين والأوساخ توقّفتا أمام الصّالون، كأنّهما مُستَحاثّتان من سحيق الدّهر خرجتا، نزل من الأولى شخص غريب، مظهره لافتٌ بلباسه الحربيّ الأخضر المُموّه، طوله الفارع ألقى في نفسي مهابة عصيّة على التفسير، ألقى التحيّة وجلس على كرسي الحلاقة. 

ردّي جاء بصوت خفيض خالطه الخوف و الوجل، تلعثم لساني وأن أحاول فهم طلباته، أيقنتُ من أهميّته من المرافقة المرابطة في السيّارة الخلفية، وهم يُشهرون أسلحتهم في كلّ اتّجاه، و أعينهم تدور في محاجرها كرادارات تستكشف كل نقطة وزاوية في محيطنا، المرافق الشخصيّ ترجّل خلفه، ويتابع كلّ حركاتي وسَكَناتي، طلب منّي تسليمه هاتفي النّقال.

تجمّدت  الدماء في عروقي، الخوف طغى على أحاسيسي، فقدتُ السيطرة على أعصابي، التوتّر استفزّ كوامني الخاملة منذ زمان موغل في القِدَم، خانتني نفسي في استجماع كلمتين مترابطتيْن للترحيب به، اتّقاء لشرّه المحتمل إذا ما أخطأت، وللواجب المتحتّم عليّ تجاه زبائني.

بخطوة مفاجئة قام أحد الحُرّاس في الخارج بإنزال الباب السحّاب، انغلتِ الدنيا في عينيّ، أطبقتِ الهموم والأحزان على قلبي، أيقنتُ أنّ أوراق شجرة حياتي سقطت جميعًا، ولم تعُد ذات فعالية فيما يُذكر. 

- المرافق الشخصي: سيّدي الجنرال، أنتظرُ أوامرك فيما أخطأ هذا الحلّاق، أو حاول فعل أيّ شيء.  

انفتحت عينا الجنرال على اتّساعهما، مُبدِيًا دهشته مما سمع من المرافق، وقال: "أنا لا علاقة لي بالموضوع، هذا شأنك معه" .

- "يا إلهي ..!!، من أين وقعت عليّ هذه المصيبة".

وجه الجنرال القبيح، حاجباه العريضان، شارباه متدليان يُخفيان تحتهما مغارة لا يخرج منها إلّا السبّ والشّتم، شعر لحيته الكثّ الأشعث ينسدل على صدره، رائحة الخمر تفوح مختلطة برائحة الدخّان؛ ليخرج مزيجُ الروائح الأقرب لرائحة المجاري الشّهيرة. تقزّزت نفسي. وصلت حدّ الاستفراغ، لكنّها حالة الخوف ألجمته، وأرجعَتْه إلى بطني.

قدماي تصطّكان، يداي ترتجفان، اللعنة..!!، كأنّني برجولتي تخونني، إحساسي ببرودة تسلّلت على ساقيّ. كنتُ قد سمعتُ وقرأتُ عن الجنرالات، وحفظتُ الكثير من جرائمهم، أمّا أن أكونَ في يوم ما وجهًا لوجه أمام أحدهم، هذا ما لم يكن بالحسبان.  

طلقة واحدة من المرافق ابن الحرام، وبضغطة خفيفة من إبهامه سينتهي كلّ شيء، يا تُرى كم ستبقى جُثّتي مُلقاة على الأرض، ستمتصّ كلّ برودة الأرض المتسرّبة من الهيمالايا و الألب وحرمون، وكيف سينعكس اصفرارها على من يكتشف جُثّتي للمرّة الأولى؟ . هل ستتعرّف زوجتي عليّ أو أولادي؟.  قاتلكَ الله أيّها الجنرال الشرّير، ومرافقك الوغد اللّئيم.


 ***

« سيموت الجنرال و في عينيه حرائق لم يشعلها»، نسيت قائلها. ذاكرتي ممسوحة، كأنّه لم يكن في الدنيا فرح أو سرور قَطّ، أعتمت مقلتاي الأسود صار سيّد الموقف، رغم أنّ التيّار الكهربائي يشتغل.

تنحنح الجنرال بصوته الأجشّ الكريه بوقعه الثقيل على مسمعي، وأشار بيده، المرافق من فوره يستخرج «سيجارة» ويشعلها، برفق يضعها بين شفتيّ الجنرال. خُيِّلَ إليّ أنهما شفيرا جمل هائج. 

- الجنرال: "كان علينا أن نحرق الأرض والسّماء من تحت أرجُل هؤلاء الكَفَرة، ولا نتركُ لهم مجالًا للتنفُّس أبدًا، حسب وصيّة مولانا".

-المرافق: "سيّدي..، و لكنّهم مدنيّون مسالمون، لا علاقة لهم بنظام أو ثوّار". 

-الجنرال: "حتّى و إن كان ذلك، سنشعل كلّ الجبهات حسب الاتّفاق مع حلفائنا". 

رنين مُتقَطّع على ثلاث دفعات، المرافق يمسكُ الهاتف النقّال بيده. ما انتهت الرنّةُ الثالثة حتّى ضغط باصبعه لاجراء اتّصال مع جهة ما، وضع الهاتف على أُذُن الجنرال، وقال: "نحن قادمون". 

الكلمة الأخيرة، وما سمعته قبل قليل من حواريهما على الجانب الآخر ، أخرجني من ذهولي، أيقنت أنّني أمام الفتيل الذي أحرق البلاد، ورأس الأفعى، و قوام الفتنة، إحساس مفاجئ في معدتي، شعرتُ برغبةٍ شديدة ملحّة في الذهاب إلى الحمّام بسبب الإسهال، حاولت ضبط نفسي، وأنا أضغط بكلّ ما أوتيتُ من قوّة كي لا تفوح رائحتي أمام الجنرال، ربّما يضغط المرافق على الزناد فورا، ولن أكون شاهدا على العصر.

الجمعة، 11 مارس 2022

اربع دراسات رائد السراحين

 آربع دراسات عن رواية الطريق الى الزعتري

كتبها الأديب الناقد/ رائد السراحين 


- صور الحياة الاجتماعية فيةذ رواية الطريق الى الزعتري 

- الجنديان السوري والأردني دراسة مفارنة في روايةِ الطريق إلى الزعتري. 

- المثل ودلالاته غي رواية الطريق الى الزعتري. 

- دراسة فنية. في رواية الطريق الى الزعتري. 


صورةُ الحياةِ الاجتماعيّةِ

في روايةِ " الطّريقِ إلى الزّعتري"


    تعتبرُ روايةُ " الطّريق إلى الزعتري" وثيقةً اجتماعيّةً لإرهاصاتِ الثّورةِ السّوريّةِ ، وشاهدًا على تخاذلِ  وتآمرِ  جيشٍ  على  ثورةِ شعبٍ  ووطنٍ ذاق ويلاتِ  القتلِ  والتّشريدِ  والتّفقيرِ منذُ سنينِ خلتْ ، فأصبحوا له أعداءً وليس أهلًا وبُناةً.


   ضمّتِ الرّوايةُ بينَ دفتَيها مشاهدَ سياسيّةَ ومُخابراتيّة وأمنيّةً عديدةً، ولستُ هنا بصددِ مناقشتِها ؛ فالحديثُ يطولُ في هذا البابِ،كما أنّه واضحٌ  للعيانِ لايختلفُ فيه اثنان ،وأنّما أردتُ أنْ أنقلَ  صورًا  اجتماعيّةً  من  حياةٍ ريفيةٍ وادعةٍ،لمْ تبقِ لها يدُ الظّلمِ والقهرِ شيئًا من عفويّتِها وبساطتِها.


    تختلفُ البيئةُ القرويّةُ الريفيّةُ  عن المدنيّةِ في نمطِ الحياةِ والعيشِ ، فمعظمُ سكّانِ هذه البيئةِ هم من  طبقةِ  الفلاحين ، الذين يهتمون بالأرضِ  وفلاحتِها وتربيةِ المواشي والحيواناتِ الأليفةِ ، ويتوزعون في  قرًى وبلداتٍ  صغيرة على مقربةٍ من المدنِ الكبيرةِ.


 ومن أنماطِ الحياةِ الرّيفيّةِ كما أوردَها المقدادُ:

- الاهتمامُ بالارضِ وزراعتِها .

  يولي هؤلاء الفلاحون الأرضَ عنايةً فائقةً ، وهي مصدرٌ لرزقِهم وأمانِهم فضّلوها على وظائفِ الدّولةِ ، وزروعها بالبطيخِ والشّمامِ  والقثّاءِ  والبامياءِ وعبّادِ الشّمسِ والزّيتونِ،وامتلأتْ  سهولُها  بجبالٍ من بيادرِ القمحِ  والشّعيرِ على  وقع  أنغامِ  أغنياتٍ  ردّدوها  بألحانٍ  مختلفةٍ  ملء  حناجرِهم ،  وهم يصافحون  السّنابلَ، وكانوا يحرسونها  ليلًا ونهارًا ، و يضعون  الفزّاعاتِ على  أطرافِها  لإيهامِ الطيورِ  والوحوشِ  بأنّها  محروسةٌ ،استغلوا كلَّ شبرٍ منها،فزرعوا حواكيرَ منازلِهم  فأصبحتْ  حدائقَ  غنّاءَ ،  وشمختْ  أشجارُ  "الكينا" في  قراهم  ، فأصبحتْ  مناراتٍ يُهتدى بها.


                

                                            

- الفقرُ .

    عانى الفلاحون  منِ الفقرِ والتّهميشِ الذي  وصلَ  لذروتِه ؛  فالوظائفُ الحكوميّةً  ورواتبُها لا تلبّي حاجيّاتِ  العيشِ  الأساسيّةِ ،  فهي  تتبخّرُ  منذُ الأسبوعِ الأوّلِ  منِ الشّهرِ ؛ لذلكَ  بحثوا عن أسبابِ  حياةٍ  أخرى ،  فقاموا بتربيةِ الحيواناتِ الأليفةِ التي يستفادُ منها كالحَمَامِ والزّغاليلِ التي تُباعُ وقتَ الحاجة ،وما أكثرُها!وبعضُهم عملَ في المهنِ اليدويّةِ كالجبصينِ ومقاولاتِ البناءِ، وورشاتِ إصلاحِ السّيّاراتِ والدّراجاتِ .


التّكافلُ الاجتماعيُّ.


  هؤلاءِ الفلاحونَ اقتسموا الظّروفَ الحياتيّةَ المريرةَ ؛ فالهمُّ  واحدٌ،والفرحُ واحدٌ، والمصيرُ واحدٌ،ومن صور هذا النّمط  الاجتماعيّ في  تلكَ القرى : التّعزيةُ بالفراقِ ، والتّهنئةُ بالّلقاء، والمواساةُ عندَ الشّعورِ بالضّيقِ ، والتآخي المنقطعُ النّظيرٍ، تناصفوا كأسَ الماءِ  ونورَ الكهرباءِ ، لبّوا نداءاتِ بعضِهم دونَ تذمّرٍ ومماطلةٍ ، بلْ بابتسامةٍ نخويّةٍ .


التّقاليدُ والعاداتُ.


   لكلِّ مجتمع ٍ تقاليدُه وعاداتُه ، قرويًّا  كانَ أم مدنيًّا ، ورثوها  من  آبائهم وأجدادِهم ، وسينقلونها إلى أحفادِهم ، ومنها إكرامُ  الضّيوفِ  بتقديمِ القهوةِ (المُرّةُ) ،وهي القهوةُ العربيّةُ الأصيلةُ التي لم تخلُ منها مضافاتُ حورانَ ،والقيامُ  بواجبِ العزاءِ  عندَ  الفقدِ ؛ إذْ  يجتمعُ  المعزّون في  خيمةِ  العزاءِ ويقومون بقراءةِ القرآنِ والتّسابيحِ في أجواءِ مودةٍ  وتراحمٍ ،  ومن  مراسمِ التّعزيةِ أيضًا الدعاءِ ، وتقديمِ الضّيافةِ لهم ،وهي عبارة عن فواكهٍ وهرائسَ لمن يرغبُ منهم تتبعُها القهوةُ ، وهناكَ أيضًا طقوسٌ خاصّةٌ  بأهلِ  الرّيفِ الدّرعاويّ ؛ إذْ يتناولون وجبةً  منِ الفولِ  صباحَ  كلِّ  جمعةٍ ، وهو روتين اعتاد عليه معظمُ فلاحي حورانَ.

   ويملأ الوشمُ وجوهَ العجائزِ ، حيثُ اتّخذنه زينةً لهنَّ أيامَ صباهنّ ،  فذهبَ الصّبا وبقي الوشمَ كما خُلقَ،كما يستخدمْنَ الأسنانَ الصّناعيّةَ (الطّقم)، وهي حاجةٌ صحيّةٌ تُعينهنَّ على أمورِالحياةِ،وتبدو علاقتُهنَّ  مع  (كنّاتهنَّ) مغايرةً للمألوفِ؛إذْ يحظينَ باحترامٍ يصلُ حدَّ التقديسِ ،  حاجاتُهنَّ  مُلبّاةٌ ، أوامرهنَّ مُطاعةٌ ، وهنَّ بدورهنَّ لا يبخلْنَ بعطفِهنَّ وحنانهنَّ وخبراتهنَّ على زوجاتِ فلذّاتِ أكبادهنَّ.


   ومن تلكَ التّقاليدِ والعاداتِ ما يُسمّى (بطاسةِ الرّوعةِ) ؛فيعتقدون أن سكْبَ الماءِ داخلَها ثمَّ  شُربه مع قراءةِ  آيةِ الكرسيّ والمعوّذاتِ ، ينجي من  ومكروهٍ  وبراثنَ قد  تحلُّ ، فهي طاسةٌ  نُحاسيّةٌ  صفراءُ  ذاتَ  شناشيلَ  ناعمةٍ  تُحدثُ خرخشةٍ إذا حُرّكتْ،وكذلكَ الأغاني والمواويلُ التي يردّدونها أثناء حصيدِهم القمحِ  والشّعيرِ، وأيضًا  كانَ منهم  مدخنون كثرٌ ، سجائرُهم  بعددِ  نبضاتِ قلوبِهم ، ينفثونها من أفواهِهم كما ينطقون الكلماتِ،ولعلّ ذلك يعودُ للظّروفِ القاسيةِ التي تحيطُ بهم.


المسكنُ.


   كانَ الفلاحون قديمًا  يسكنون في  بيوتٍ  كبيرةٍ ، منِ  الاسمنتِ  والحديدِ المُبطّنَ تتسعُ  لهم  ولأبنائهم  مع عائلاتِهم ، وكانَ الجدُّ هو الآمرُ الناهي ، وهو من يسيّرُ الحياةَ في هذا البيتِ  وفقَ آرائه وفكرِه ،من غير اعتراضِ، ولكن عندما تطورتِ الحياةُ، واختلفتْ ظروفُها،بدأتِ الأسرُ بالاستقلالِ في بيوتٍ محاطةٍ  بقطعةِ أرضِ  مزروعةٍ بأشجارٍ مُثمرةٍ  وأشجارِ زينةٍ ،كما  أنّهم كانوا لا يتقبّلون  َ فكرةَ  العماراتِ  والبناياتِ  ذاتِ الطّوابقِ ، والشّققِ السّكنيّةِ  ضيّقةِ الحيّزِ، ويشبّهوننها بالسِّجنِ الذي يكبّلُ الحريّةَ ، ولكنّهم مع  مرورِ الأيامِ تقبّلوها على مضضِ ، إذْ أصبحتْ مقصدًا  للشّبابِ ، وخاصّةُ المُقبلين على الزّواجِ وبناءِ أسرٍ جديدة.


وسائلُ النقلِ.


  اعتمد الفلاحون في ريفِ درعا على الدّراجاتِ النّاريّةِ اعتمادًا كبيرًا في قضاءِ أشغالِهم ومصالحِهم ، وربّما  أكثروا من هذه الدّراجاتِ لأنّها  قليلةُ التّكلفةِ وتحتاجُ إلى كمّيةٍ بسيطةٍ من البترولِ،وتفي بأغراضِهم،دون حاجةٍ إلى السّيّاراتِ ، وبعضُهم استخدم السّيّارةَ لأنّها تتناسبُ وأعمالَه .


الثّقافةُ.


   لمْ تقتصرِ الثّقافةُ على المجتمعِ المدنيّ فحسبْ ، بل كانَ الفلاحونَ أيضًا على قدرٍ كبيرٍ منِ الثّقافةِ ،انعكسَ على أقولِهم وحياتِهم،فكانوا على إطلاعٍ ووعي بما  يدورُ  حولّهم، وساروا  في  ركبِ الحضارةِ  ،  فكان  منهم المهندسون والمحامون والمعلمون والأطبّاءُ والشّعراءُ ،وحفظوا أقوالَ القدماءِ من شعِّرٍوحكمٍ وأمثالٍ ، استعملوها في جوانبِ حياتِهم المُختلفةِ .


الوفاء.


   إنَّ الفلاحين أهلُ وفاءٍ وإخلاصٍ ، يوفون بعهودِهم إذا أوعدوا ، وللأمانةِ عندَهم شأنٌ كبيرٌ يحافظون عليها ولو كلّفهم ذلك أرواحَهم ، منِ أمرٍ صغيرِ كخاتمٍ عائليِّ إلى أمرٍ كبيرٍ بحجمِ وطنٍ. 


                                   


الجنديان : السّوريّ والأردنيّ

في روايةِ " الطّريق إلى الزّعترّيّ"

" دراسةٌ مُقارِنة"


  الجنودُ هم حماةُ الدّيارِ ، وهم مَن يذودون عن حياضِه، ويبذلون أرواحَهم فداءً له، سحنتُهم  المغبرّةُ  تحكي قصصَ نضالٍ  وغُربةٍ ، كما أنّهم أصبحوا رفاقَ الشّمسِ من مشرقِها حتّى مغربِها،وقد أنستهم الصّحراءُ بفصولِها الأربعةِ .


  طالعتنا روايةُ "الطّريق إلى الزّعتريّ"  بصورتَين  متناقضتَين  للجنديَين الشّاميَين : السّوريّ والأردنيّ،ورسمتْ لكلِّ منهما صورةً تنمُّ عن حقيقتِهما وفقَ ما رواه الكاتبُ على ألسنةِ أبطال روايِته ،إبّانَ الثّورةِ وبداياتِها في درعا ،ومن ثمّ التّهجيرِ القسريّ إلى الأردنِ وتحديدًا " مُخيّم الرّعتريّ" 


  الصّورةُ الأولى للجندِ السّوريين،وأستثني من ذلكَ الجنودَ الأحرارَ الذين لمْ يشهروا سلاحَهم في وجوه أهلِهم  وجيرانِهم  وأبناءِ  جلدتِهم ، بلْ شدوا على أيدِهم ووقفوا بجانبِهم ، فهؤلاءِ الجندُ مرتشون ، باعوا ضمائرِهم مقابل ثمنٍ بخسِ ، وإنْ  كان  هذا يصبُّ  في  مصلحةِ  المواطنين  العزّلِ، كأبي  رستم المساعدِ في جيشِ النّظامِ  الذي  كانّ  يخبرُ أبا محمدٍ الفهريّ بما ينوي القيامَ به ؛ لياخذَ حذرَه مقابلَ" تنكةِ زيتٍ"،ويستغلُّ الفرصَ لطلبِها،  "عندَما وصلَ دورُه بمصافحةِ أبي فندي أخذه بالأحضانِ،وراح يقبّلُه ،وهمسَ في أذنِه :لقد وصلتني قائمةٌ بالمطلوبينِ ،واسمُك على رأسِها ، دبّر حالك"


   كما كانَ هؤلاء يتلفّظون بألفاظٍ تخدشُ الحياءَ العام ، يقولونها على  مرأىً منَ الملأ، دون  خوفٍ  واحترامٍ ؛ لأنّهم  ربّما اعتادوا على  مثلِ هذا الأمرِ وأصبحَ جرءًا من ثقافتِهم الحياتيّةِ،وطالما استفزّوا الموقوفينَ والمعتقلينَ بها، وهي كلماتٌ تمسُّ العِرضِ والشّرفِ والكرامةِ،لا يقبلُها شريفٌ،يقولُ الكاتب على لسانِ أبي رستم :" هناك ابن شرموطةِ ،اتصل بنا قبل قليل، أخبرنا بأنّ في حارتِكم مظاهرةٌ وهتافاتٌ مناؤئةٌ للدولة".

                                         


   وكانوا أيضًا قتلةٌ وظلمةُ ، لمْ يسلمْ من أذاهم وشرورِهم شيءٌ ، لا مكانَ للشّفقةِ والرّحمةِ  في صدورِهم ، قتلوا الإنسانَ  بدمٍ  باردٍ ، وقتلوا  الكلابَ والحميرَ والحمائمَ، حتّى الجرذُ أصبحَ ضحيّةُ لرصاصِهم ، فهم يرون أنَّ  الكائناتِ الحيّةَ مجرّدَ أرقامٍ لا تقدّمُ ولا تؤخّر،ُيقول:" انخرطَ العساكرُ بنوبةِ ضحكٍ هستيريّةٍ ، آذانُهم غيرُ مصدقةٍ مما سمعوه من السّيدةِ الموظّفةِ،... إلّا أنْ أحدَهم أدخلَ الحربةَ الموصولةَ برأسِ البندقيّةِ ، في فتحةٍ صغيرةٍ تحتَ كرسيّ السّائقِ ، فهربَ الجِرذُ مذعورًا..صوّبَ أحدُهم رصاصةً لتخترقَ الجِرذَ ،وتستقرُّ في دولابِ الباصِ الأماميّ".


    بالإضافةِ أنّهم مُستعبدون إلى حدِّ القداسةِ ،البسطارُ والبندقيّةٌ مِنبرُهم ومحرابُهم،يحلفونَ بشرفِ قائدِهم تعبيرًاعن صدقِهم،بلْ هومعتقدُهم وآلهتُهم، أعماهم الحقدُ الدّفينُ عنْ إبصارِ  حقيقةٍ واضحةٍ كشمسٍ  في رابعةِ  النّهارِ ، يقول المقدادُ في وصفِ هذا :" قسمًا بشرفِ القائد ، لنلعن أباكم وأبا  أبيكم ، ونحرقكم يا كلاب.. يا حقراء" ، ويرفعون شعارَ " الأسد أو نحرق البلد".

  هم سارقون ومعفّشون ،انتهكوا حُرماتِ المنازلِ ، يكسّرون ويحطّمون كلَّ ما يجدوه في طريقِهم أثناءِ اقتحامِهم البيوتِ ، يأخذون كلَّ شيءٍ ، وعودُهم كاذبةٌ ،ينسون كلَّ معروفٍ أُسدي إليهم "مجموعةٌ منِ العساكرِ دخلوا البيت للتّفتيش ، أمُّ حمدانَ تتوكّأ على عكازتِها ، ... اصطدمت بهم،رفعتْ رأسَها، وركّزتْ نظارتَها حتّى تستطيعَ مشاهدتَهم بشكلٍ جيّدِ : على وين يا يمّة الله ينصركم ، ما في حدا هون غير النّسوان ، برضا قلبي وربّي عليكم لا تخوفوهن.."و" تعالوا شوفوا هالخيرات .. كأنّما أعدّوا هذه الطولات من أجلِنا ، وخصيصًا لنا، كلوا، واشربوا هنيًا".


 أمّا الصّورةُ الثّانيةُ فكانتْ تختلفُ عن الأولى كليًّا،إذْ أبدى الجنودُ الأردنيون كاملَ تعاطفِهم مع المهجّرين،على اختلافِ رُتبِهم،فرّحبوابهم أجملَ ترحيبٍ، وأعطوهم  الأمانَ ، هدّأوا من روعِهم وطمأنوهم، وقاموا بواجبِ ضيافتِهم ،كما أنّهم نذروا أنفسَهم لخدمتِهم ،وأخذوا على عاتقِهم حمايتّهم، ونقلوهم  إلى  المُخيّمِ  بعدَ  التحقّقِ من وثائقِهم وتسجيلِ بياناتِهم"رحّبَ الضّابطَ به، أعطاه الأمانَ وقال:أنتَ الآنَ في حوزتِنا في أمانٍ،لا تخشَ شيئًا،إن شاء الله ستكون في غايةِ الرّاحة والسّرور... حضر عسكري شاب صغير ، وطلب إحضار فنجان قهوة للأستاذ..."                           

  هؤلاءِ  الجنودِ  كانوا مؤدبينَ  في تعاملِهم مع اللآجئين ، فلمْ  يقسوا عليهم بكلماتٍ جارحةٍ عندَ مخالفتِهم للأوامرِ، فهم لا يريدون زيادةَ قلوبِهم جراحًا، ففيها ما يكفي ، اهتمّوا بالمرضى وكبارِ السّنِ ، وجهّزوا سيّاراتِ الإسعافِ لنقلِ الجرحى والمُصابينَ،كما قاموا بإعدادِ (الكرفانات)لاستقبال المهاجرين رجالًا  ونساءً ، وسهّلوا مهامَ عودتِهم لاستعادةِ وثائقِهم،" اجتازوا السّاترَ التّرابيّ ... سيّارتا  إسعافٍ  عسكريّةٍ  أردنيّةٍ   ؛ لاستقبالِ جميع  الجرحى والمصابين ، أو تحسّبًا لأي حالةٍ طارئةٍ،...قاموا بفصلِ الرّجالِ في (كرفان)  وحدَهم ، والنّساءِ في (كرفان) آخر". 


   لقدْ عكسَ هؤلاءِ الجندُ صورةً عن فكرِهم واعتقادِهم،تخلّى فيها سوريو النّظام عن منظمومةِ القادةِ الشّاميين القدامى،الذين كانوا يحمون البشرَ قبلَ الحجرِ،بل أصبح هؤلاء أثافي القتل والنهب، بينَما تمسّكَ الأردنيّون بخلالِ هؤلاءِ الأشاوسِ.  


المثل ودلالاته

في روايةِ " الطّريق إلى الزّعتريّ"


  عادةً ما يحشدُ الأدباءُ في نصوصِهم الإبداعيّة كمًّا هائلًا منِ التّراثِ الثّقافيّ، وهذا يدلُّ على سعةِ إطلاعِهم، وتأثّرُهم بنهجِ سابقِيهم منِ الكتّابِ والشّعراءِ، وتختلفُ هذه المعارفُ المحشودةُ من نصٍّ إلى آخرَ ، فبعضُها موروثٌ دينيٌّ وآخرُ أدبيٌّ بالإضافةِ إلى الموروثِ الشّعبيّ.


   وروايةُ  " الطّريق إلى  الزّعتريّ"  لمْ تخرجْ  عن  هذا  النّمطِ  ،  فالمُقلّبُ لصفحاتِها يجدُ هذا الإرثَ جليًّا من أولى ورقاتِها حتّى  آخرِها ، وتنوّع  هذا الإرثُ بينَ الإرثِ الشّعبيّ كالحِكَمِ والأمثالِ والمقولاتِ المشهورةِ واللهجاتِ وبين الأرثَ الأدبيّ كالشّعرِ ومقتطفاتٍ من نصوصِ نثريّةٍ،كما أنَّ الموروثَ الدينيَّ كانَ حاضرًا بينَ طياتِها، ونحنُ هنا بصددِ منافشةِ التّراثِ الشعبيّ.


     أكثرُ المقدادُ من الأمثالِ الشّعبيّةِ في روايتِه التي بُدئتْ بمقولةِ لشاعرِالهندِ الكبيرِ ، وأنهيتْ بمقولةِ لشاعرِ فلسطينَ الأكبرِ، وقد استخدمَ  ما  ينوفُ على أربعينَ  مثلُا ، وهذه  الأمثالُ  شائعةٌ  في بلادِ الشّامِ ، بلْ في الوطنِ العربيّ قاطبةُ، وبعضُها خاصٌّ بالرّيفِ الدّرعاويّ ،توارثوه جيلَا بعدَ جيلٍ .


    ولكلَّ مَثَلٍ دلالةٌ رمى إليها الكاتبُ ،بقصدِ التّوضيحِ ووصفِ الحالِ ، ومن هذه الدّلالاتِ ،الإصرارُ على الشّيءِ حتّى  تحقيقِه  ولو بعدَ  حينٍ، فذكرَ في سبيلِ ذلكَ قولَهم: " وراك وراك ، والزّمن  طويل" و "لايضيع  حق  وراه مُطالب " و" الاكلة اللي تتواعد بيها ، أحسن من اللي بتوكلها"منها أيضًا ، قولُ الحقِّ بدونِ تلميحٍ فيقولون:" قل للأعورِ أعور بعينه" و" انطح وصلّ على النّبي" ، وفي جانبِ عدمِ المُخاطرةِ  والمُغامرةِ  يُقالُ:" ابعد عن الشّر وغنِّ له " و" لا تنم بينَ القبور ولا  تشوف  منامات وحشة"،وممّا يدلُّ على الغفلةِ  والجهلِ " عليهم عليهم ، معاهم  معاهم"و"العصفور يتفلّى والصّياد يتقلّى"و"مطبلين بالدنيا،مزمرين بالآخرة".

-39-

   وفي وصفِ الحالةِ السّيئةِ بأدقِّ تفاصيلِها ، والتي تشي بضيقِ العيشِ  ذكرُ لنا الكاتبُ ثلاثةَ أمثالٍ:"طلع من تحت الدّلِف إلى تحت المزراب" و"الحمّام المقطوعة مياهه" و" المستجير من النّار بالرّمضاءِ " ، وفي بابِ   الصّدفةِ يُقالُ" ربّ صدفةٍ خيرُ من ألفِ ميعادِ " و" ربَّ ضارةٍ نافعةِ" و" ربَّ رميةٍ من غيرِ رامٍ" ،أمّا من ناحيةَ الإكرامِ لأجلِ منفعةٍ أو غضِّ البصرِ  يقولون : "اطعم  الفم  تستحي  العين" و" اللّقم  تردّ  النّقم" ، ويقالُ  عن عدمِ  الفائدةِ والجدوى : " دجاجة حفرتْ على رأسها عفرت" .


  وثمّة مَثَلانِ في تغيُّرِ الحالِ كعدمِ مناسبةِ سنِّ الشّخصِ لفعلِه ،أو عدمِ قدرتِه هما : " بعد  هالكَبرة  جُبة حمرا" و" زمان أوّل حوّل" ، ويُقال  في  صددِ التّعارفِ والمُعاشرةِ:" من عاشر القومَ أربعين يومًا صار منهم" و" في كلِّ عرس له قرص" ، وفي عدمِ احتقارِ الشّيء قالوا " بحصة بتسند جرّة " ،وفي الاطمئنانِ قالوا: " حط إيدك  ورجلك في  ميه باردة " ، كما  وصفوا الكلامَ في غيرِ موضعِه بقولِهم:" جتْ لتكحّلها فعمتها" 


   وفي موضعِ الفخرِ  والاعتمادِ على النّفسِ قالتِ العربُ:" أعلى ما  بخيلِهم يركبوه "و" تدرسُ وتردّدُ وحدها" ، وقالتْ أيضًا في بذلِ الجهدِ والاجتهادِ :" ما في اشي بلاش، غير العمى والطّراش" و" من جدَّ وجد ومن سار على الدّربِ وصل" ، وفي وصفِ سرعةِ الاختفاءِ قالتْ : " فص  ملح  وذاب" ، وفي حالِ التوافقِ قالتْ : " القلوب عند بعضها" ، أمّا في حالة عدم  الخشيةِ من شيء ٍ قالتْ :   " المبلول ما يخشى من رشق الماء " و" إذا وصلت الميه فلتتدحرج" .


   وقيلَ في معرضِ الحديثِ عنِ الشّجاعةِ :" اللي تعرف ديته اقتله " ، وقيلَ أيضًا في التّصرفِ بعدَ صبرٍ طويلٍ وكانَ مُخالفًا  للمُتوقَّعِ : " صمتَ  دهرًا ونطقَ كفرًا" ، كما  قالوا في الإرغامِ على شيءٍ : "مكره  أخاك  لا بطل " و"شو اللي  جابرك  على المرِّ، قال : اللي  أمرّ منو " ولحسنِ  حظِ طرفٍ وتعاسةِ طرفٍ آخرَ  قالوا:" إي بحظي ، وحظ مرت خيّي" و"موت الكلاب فرج للحراميّة".


   أمّا معرفتُهم بحتميّةِ الموتِ وأسبابِه ، والحذرِ منها قالوا :" الحذرلا ينجي منِ القدرِ" وفي مجالِ زيادةِ الأمرِ سوءًا ، وحدوثِ ما لم يكنْ بالحسبانِ أو ما يُكره حصوله ،قالوا:"زادَ بالطّنبورِ نغمًا"ووصفًا لحالةِ الإهمالِ :"شرق الذّراياتِ " ، ولحالةِ المُماطلةِ :" مواعيد عرقوب" .


   إنَّ تخصيبَ النّصِ الأدبيّ  بالموروثِ،سواءَ كان  دينيًّا أو أدبيًّا أو شعبيَّا ، يجعلُه أكثرَ متانة ورصانة ، ويثبّتُ المَشاهدَ والصّورَ في ذهنِ القارئ بأبهى حُللِها ،ويجعله مُتشوقًا لنهايتِه دونَ مللٍ وضجرِ،ويلتهمُ فِقراتِه سطرًا سطرًا،كما يعكسُ سعةَ إطلاع كاتبِه وعمقَ ثقافتِه ، وامتلاكَه  لهذا الكمِ  الهائل  منِ المعارفِ  الإنسانيّةِ  التي  يحشدُها  ويضمّنُها  بينَ  ثنايا  نصّهِ  بكلِّ  رتابةٍ وسلاسةٍ، وبالتّالي يفتحُ أمامَ قارئه آفاقَ التأملِ والفَهمِ دون عسرةٍ.


  الحقيقةٌ ،أنَّ هذه الرّوايةَ فيها منِ أقوالِ الشّعراءِ،وحكمِ العظماءِ،ومأثوراتِ القدماءِ ، ما يروي النّفسَ المُتعطّشةَ للثقافةِ والثراثِ ، فضلًا عن كونِها قاعدةَ بياناتٍ لكبرى مآسي الشّرقِ ، بلْ العالمِ أجمعَ. 


رواية " الطريق إلى الزعتريّ"

دراسة فنيّة


    تصنّف رواية "الطريق إلى الزعتريّ" للروائيّ السوريّ محمد فتحي المقداد ضمن خانة أدب اللجوء ، وهي ذات بُعد إنسانيّ في المقام الأوّل ، فهي تسلّط الضوء على هموم وقضايا لم تلتفت إليها الفضائيّات التي انشغلت بإحصاء عدد الموتى والجرحى، فجاءت الرواية لتكون شاهدًا على مأساة إحدى قرى درعا عاصمة سهل حوران التليد.


  وجاءت هذه الدراسة لتلقي الضوء على الجانب الفنيّ لهذا الرواية في عدّة محاور، نوردها كالآتي:


العنوان:


  جاء العنوان مركّبًا من ثلاث مفردات"الطريق إلى الزعتري" وهي ألفاظ ذات مدلول مكانيّ ، فالطريق هو الحيز الجغرافيّ الذي نسير عليه للانتقال من مكان إلى  آخر، ثمّ يأتي حرف الجر (إلى) والذي يدل على انتهاء الغاية المكانيّة ،ثمّ تأتي لفظة "الزعتري" وهي منطقة في شمال الأردن على مقربة من حدود سوريا ، أقيم عليها أكبر مخيّمات الشرق الأوسط ، فهؤلاء اللاجئون هربوا من قريتهم"موج" إلى مخيّم الزعتريّ الذي مع دخوله تنتهي أحداث الرواية، وتنتهي معها إحدى مراحل اللجوء القسريّ لتبدأ مرحلة أخرى داخل أسوار المخيّم.  


    كما أنّ ألفاظ العنوان بعدد مراحل العذاب الذي ذاقه المهاجرون  ، فالمرحلة الأولى الخوف من القصف والموت  في القرية،والمرحلة الثانية اتخاذ القرار بالهجرة وما فيه من صراع نفسيّ كبير ، والمرحلة الثالثة ،  آليّة الهجرة وقسوتها حتى الوصول إلى المخيّم.


صورة الغلاف:


  تشكّلت صورة الغلاف من صورة للاجئة مع طفلها، وهي تحمل متاعها، بالإضافة إلى سلك شائك وهلال في الأفق في فضاءٍ أزرق ،فاجتماع هذه الصور مع بعضها يوحي للوهلة الأولى إلى مسير بخوف وحذر، وهذا حال من هاجروا ،إذ كان يخشون من القتل والاعتقال ، كما أنّ السير في الليل والذي أوحى به القمر في الأفق ما كان ليحدث إلّا ليتوارى هؤلاء عن عيون القتلة،وقد كتب العنوان على الغلاف بلون أسود؛ ليدلّ على أنّ سوادًا سيلفّ حياتهم في قادم الأيام.


الشخصيّات :  


   تعددت شخصيّات هذه القصة ، بعضها رئيسيَ وبعضها هامشيّ ذكر لعارض ما، فلم يكن في هذا الرواية بطل أوحد تدور حوله القصّة ، بل كانت البطوله هنا جماعيّة؛ ليسقطها الكاتب على واقع الثورة، فهي لم تجتمع تحت قائد واحد ، وكأنّه يقول إنّ الثورة هي ثورة شعب ،هو عمادها وهو قائدها ،اشترك فيها بجميع أطيافه ، رجالٌ ونساءٌ ،شيوخٌ وأطفالٌ، مثقّفون وفلّاحون،وغيرهم من شرائح المجتمع.

  وقد جاءت هذه الرواية هنا على خلاف الروايات الأخرى من حيث البطولة ، فمعظم الروايات العربيّة والعالميّة تركّز في الحدث على بطل واحد، يعبّر الكاتب من خلاله عن مبتغاه.


الرمز :


  غلب الطابع الرمزيّ على الرواية ، فأسماء الشخصيّات هي أسماء مستوحاة وليست أسماء حقيقيَة ،لكنها تشي بالمقصود بطريقة غير مباشرة ، وهذا أسلوب اتّبعه المعاصرون شعراءَ وكتابًا ؛ وذلك خوفًا من الملاحقة والعقوبات.


   كما أنّ الفضاء المكانيّ كان رمزيًّا ، فالقرية "موج" ليس هذا اسمها الحقيقيّ ، وإنّما هو اسم رمزي أضفاه المقداد على مسرح الأحداث ، فلفظة"موج" لها من الدلالات الكثير ، فهي مرتبطة بالبحر ، والموج يعني الاضطراب وعدم الاستقرار للمياه ، وكذلك كانت أحوال البلاد إبّان كتابة الرواية غير مستقرّة ، والسبب كما أسلفنا الخشية من السلطة السياسيّة .


التكرار:


     تكرّر  في هذه الرواية عدد من المعاني والألفاظ والصور ، ومثال ذلك : "مطّ شفتيه" و" ينفث دخانه" و " شكّل الدخان سحبًا فوق رأسه" وكما نعلم أنّ التكرار يفيد التوكيد ، أي تثبيت الصورة في ذهن القارىء، و"مط الشفاه" يدلّ على الامتعاض من شيء ما ، فالظروف التي عايشوها في القرية جعلتهم يمطون شفاههم مرارًا مرغمين.


   وفي " نفث الدخان" دلالة على كثرة التدخين ، فالدخان طاردٌ للهمّ وجالبٌ للراحة في اعتقاد المدخنين، وما تعرّضوا له من مواقف هو من جعلهم يدخنون بشراهة للتخفيف من وطأة الظرف القاسي.


   أمّا السحب المتكوّنة فوق رأس المدخّن ،فتدل على كثرة ما أصابهم من أحزان وهموم، فهي كالسحابة التي ستمرّ باعتقاد الكاتب مع الأيام.


الصراع:


  الصراع هنا صراع عنيف ، فهو صراع النفس مع ذاتها ،وتجلّى هذا الصراع بين عدم الرغبة في ترك القرية واللجوء وبين الموت الأعمى القادم ،فإذا هاجرسيذوق الويلات في المهجر وأقساها عدم العودة ،وإذا بقي سينضمّ إلى قوافل الموتى هو وأطفاله الذين يشغلون خلده، بالإضافة إلى الصراع العسكريّ. 


الراوي:

  الرّاوي في هذه القصّة هو الرّاوي "المُشارِك"،فهومَن سرد أحداث القصّة نيابة عن الكاتب، حيث  كان المحامي هو المؤلّف الضّمني للنّص ، والنائب عن الكاتب في تحريك الحدث من البداية إلى النّهاية،فالرواية كانت عبارة عن مذكرات لذلك المحامي ، كما ناب الأبطال الآخرون في سرد الأحداث عن الكاتب.


اللغة:


   كانت لغة الرواية لغة بسيطة سلسة واضحة لا رطانة فيها ؛لأنها تحكي مشاعر أناسٍ بسطاء ، وهي واضحة لا لبس فيها ،كوضوح حقّهم المسلوب ، ووضوح الظلم الواقع عليهم، وزاد من وضوحها أنَها جاءت في قوالب نصيّة من الثرات العربيّ  ليكون الوصف في منتهى الدقّة.


ثقافة النص:


  في هذا النص من المعارف المحشودة ما يروي عطش التائق للثقافة المتنوّعة، ففيه من الأشعار والحكم والمأثورات والمقولات والأمثال الكثير ، ممّا يلبس النص ثوبًا من الحسن والبهاء ، ويقدّم المعنى بأسهل الطرق ، كما أنّه يعكس ثقافة صاحبه، فهي ثقافة غزيرة متنوّعة ، نستشفّ منها أنّ المقداد موسوعة أدبيّة تمشي على الأرض.


البداية والنهاية :


  البداية كانت مع مقولة لشاعر الهند الكبير" طاغور" والذي قال بأنّ الزمن هو الناقد الحقيقيّ المنصف ، وفي ذلك إشارة إلى أنّ المقداد أراد أن يكون حياديًّا قدر الإمكان، عندما انقسم السوريون بين معارض ومؤيّد، كما أنّه أراد أن يترك الأمر للزمان في كشف حقيقة الجدال.

 أمّا النهاية فكانت بمقولة لشاعر فلسطين الأكبر" محمود درويش" والذي حكم بأنّ لا شيء أجمل من الوطن إلّا الطريق الذي يؤدي إليه، وهذا يوحي بشوق وحنين المقداد الكبيرين  إلى مسقط رأسه سوريا ببصرى شامها.

المثلث المقلوب في دوامة الأوغاد

 انقلاب المخروط في روايات      (محمد فتحي المقداد) 


 بقلم/ الروائي توفيق جاد


لكل إنسان أينما حلّ وارتحل، نظرة أولى تشدّه لما رأى.. وغالباً ما تكون هذه النظرة متعلّقة بطبيعة عمل الانسان.. وأنا حين استلمت رواية صديقي الأديب محمد المقداد الأولى ( دوّامة الأوغاد )، أخذتني دوامته بعيداً لأفكّر في الدوّامة وشكلها الذي يرسم المخروط مقلوباً في الماء.. لم أفكّر بداية بالشخوص المتغيرين وحركتهم كما الأمكنة والأزمنة في الرواية.. لتسوقهم الأحداث إلى غياهب الظلم والاستبداد.

عملي المساحي الهندسي قادني إلى التفكير في المخروط.. الأصل أن يكون هذا الشكل بقاعدة ورأس وزوايا ثلاثة.. فتتساوى أضلاعه وزواياه.. وهنا أيضاً تتغير الأضلاع والزوايا.. عندما يرتفع رأس المخروط، فإن القاعدة تضيق وتقصر.. وعندما يهبط الرأس للأسفل فإن القاعدة تطول وتتوسع.. وفي الحالتين تتغير الزوايا ويكون هناك اختلاف ظاهر.

لست هنا بصدد إعطاء معلومات مساحيّة بقدر ما سأتحدّث عن عمل أدبيّ يستحق التقدير.

قلت بأن رأس المخروط عندما يرتفع للأعلى، فإنّه يسحب معه الأضلاع الجانبية والتي يتم تعويضها من القاعدة.. تصغُرُ القاعدة ويرتفع بعضاً منها للأعلى فيسمو ويرتقي.. وعندما يهبط الرأس فإن المرتفع بالجانبين، يبدأ بالهبوط للأسفل وينضمّ للقاعدة فتتسع وتكبر.. وهذا ما حصل.. فالمخروط الذي انقلب في لُجّة البحر، أصبح دوّامة أخذت معها كلّ من دخلها إلى قعر البحر وأغرقتهم في ظلمته.

ما كان في رواية المقداد، هو هبوط لرأس النظام واسقاط لبعض من كانوا في الأعلى.. استمر الهبوط واتّساع القاعدة.. وصل رأس المخروط إلى مستوى جميع من هم في الأسفل.. لم يُحاول الصعود ثانية.. استمر في الهبوط ونزل دون مستوى الخط المستقيم.. أصبح في الحضيض.. أسقط معه الكثير.. تقلّصت القاعدة وقصُرت.. أصبح الفساد سمة وسياسة تسود الدولة.

إلى هنا.. اعتقدت بأنّ الدوامة انتهت بهؤلاء الأوغاد.. لم ينتظر محمد المقداد طويلاً.. أتحفنا برواية أسماها ( الطريق إلى الزعتري).. هذه الرواية التي كانت امتداداً لدوّامة أولئك الأوغاد.. جرّوا البلد إلى الويلات والهلاك.. قتلوا وذبحوا بلا رحمة ولا شفقة كلّ من حاول أن يطلب كرامة العيش.. شرّدوا وشتّتوا.. اغتصوا وقتلوا.. هدموا ودمروا.. لم يسلم منهم حتى الشجر والحجر

رحلة أبو فندي وهجرته إلى الأردن جسّدت بعضاً من معاناة من فرّوا من براميل وصواريخ القتلة.

رواية ( الطريق إلى الزعتري ) هي نتاج الفساد في الدوّامة وامتداد للتّسلّط والقتل الذي لن ينتهي إلاّ بزوال الظلم وأصحابه.

الشاعر ابراهيم مساعدة. كتب عن الطريق إلى الزعتري

 الشاعر ابراهيم مساعدة

#الطريق_إلى_الزعتري


( الطريق إلى الزعتري ) اسم رواية أهداها كاتبُها إليَّ خلال زيارتهِ ، الكاتبُ والروائي الجميلِ الأستاذ محمد فتحي المقداد

في منطقة الرّبّـة بمحافظة الكرك

الشاعر . ابراهيم مساعدة


الـوردُ يُعـرفُ بالرّياضِ بزهْــزهِ

وجميلُــهُ يُأتـى إليــهِ لعِطْــــرِهِ


بحَفاوةِ التّرحابِ فيضُ غَمامَةٍ

في ظلّــه في رَيِّـهِ في سِحْـرِهِ


" مقدادُ " نَبــعٌ للمحبّـةِ حيثُمـا 

والنبـعُ يُعـرَفُ بالفَــلاةِ بِوفْـرِهِ


نُزُرُ من الزَمَـنِ الجميـلِ تَحُفُّنـا

حيثُ اللّقاءُ ومن العلومِ وَنَثْرِهِ


و" طريقُـهُ للزعتري " هُمومُـهُ

يا ليتَها  سَارتْ  عَليـهِ بأمْــرِهِ


ما كُلُّ ما يُؤتى إليكَ مصيبــةٌ

فَلَرُبَّ  نازلـ،ـةٍ  عليكَ  لِشُكْـرِهِ


فالصّبرُ يا أهلَ المَهاجرَ نفحَـةٌ

تَحضَـوا بها في جنّـةٍ مِنْ بِرّهِ


#حبيب_الروح

٢٠١٩/١/١٥ م

تأملات قرآنية