الاثنين، 14 مارس 2022

مولانا. قصة قصيرة

 مولانا.. 


قصة قصيرة

بقلم/ محمد فتحي المقداد


سيّارتان ملطّختان بالطّين والأوساخ توقّفتا أمام الصّالون، كأنّهما مُستَحاثّتان من سحيق الدّهر خرجتا، نزل من الأولى شخص غريب، مظهره لافتٌ بلباسه الحربيّ الأخضر المُموّه، طوله الفارع ألقى في نفسي مهابة عصيّة على التفسير، ألقى التحيّة وجلس على كرسي الحلاقة. 

ردّي جاء بصوت خفيض خالطه الخوف و الوجل، تلعثم لساني وأن أحاول فهم طلباته، أيقنتُ من أهميّته من المرافقة المرابطة في السيّارة الخلفية، وهم يُشهرون أسلحتهم في كلّ اتّجاه، و أعينهم تدور في محاجرها كرادارات تستكشف كل نقطة وزاوية في محيطنا، المرافق الشخصيّ ترجّل خلفه، ويتابع كلّ حركاتي وسَكَناتي، طلب منّي تسليمه هاتفي النّقال.

تجمّدت  الدماء في عروقي، الخوف طغى على أحاسيسي، فقدتُ السيطرة على أعصابي، التوتّر استفزّ كوامني الخاملة منذ زمان موغل في القِدَم، خانتني نفسي في استجماع كلمتين مترابطتيْن للترحيب به، اتّقاء لشرّه المحتمل إذا ما أخطأت، وللواجب المتحتّم عليّ تجاه زبائني.

بخطوة مفاجئة قام أحد الحُرّاس في الخارج بإنزال الباب السحّاب، انغلتِ الدنيا في عينيّ، أطبقتِ الهموم والأحزان على قلبي، أيقنتُ أنّ أوراق شجرة حياتي سقطت جميعًا، ولم تعُد ذات فعالية فيما يُذكر. 

- المرافق الشخصي: سيّدي الجنرال، أنتظرُ أوامرك فيما أخطأ هذا الحلّاق، أو حاول فعل أيّ شيء.  

انفتحت عينا الجنرال على اتّساعهما، مُبدِيًا دهشته مما سمع من المرافق، وقال: "أنا لا علاقة لي بالموضوع، هذا شأنك معه" .

- "يا إلهي ..!!، من أين وقعت عليّ هذه المصيبة".

وجه الجنرال القبيح، حاجباه العريضان، شارباه متدليان يُخفيان تحتهما مغارة لا يخرج منها إلّا السبّ والشّتم، شعر لحيته الكثّ الأشعث ينسدل على صدره، رائحة الخمر تفوح مختلطة برائحة الدخّان؛ ليخرج مزيجُ الروائح الأقرب لرائحة المجاري الشّهيرة. تقزّزت نفسي. وصلت حدّ الاستفراغ، لكنّها حالة الخوف ألجمته، وأرجعَتْه إلى بطني.

قدماي تصطّكان، يداي ترتجفان، اللعنة..!!، كأنّني برجولتي تخونني، إحساسي ببرودة تسلّلت على ساقيّ. كنتُ قد سمعتُ وقرأتُ عن الجنرالات، وحفظتُ الكثير من جرائمهم، أمّا أن أكونَ في يوم ما وجهًا لوجه أمام أحدهم، هذا ما لم يكن بالحسبان.  

طلقة واحدة من المرافق ابن الحرام، وبضغطة خفيفة من إبهامه سينتهي كلّ شيء، يا تُرى كم ستبقى جُثّتي مُلقاة على الأرض، ستمتصّ كلّ برودة الأرض المتسرّبة من الهيمالايا و الألب وحرمون، وكيف سينعكس اصفرارها على من يكتشف جُثّتي للمرّة الأولى؟ . هل ستتعرّف زوجتي عليّ أو أولادي؟.  قاتلكَ الله أيّها الجنرال الشرّير، ومرافقك الوغد اللّئيم.


 ***

« سيموت الجنرال و في عينيه حرائق لم يشعلها»، نسيت قائلها. ذاكرتي ممسوحة، كأنّه لم يكن في الدنيا فرح أو سرور قَطّ، أعتمت مقلتاي الأسود صار سيّد الموقف، رغم أنّ التيّار الكهربائي يشتغل.

تنحنح الجنرال بصوته الأجشّ الكريه بوقعه الثقيل على مسمعي، وأشار بيده، المرافق من فوره يستخرج «سيجارة» ويشعلها، برفق يضعها بين شفتيّ الجنرال. خُيِّلَ إليّ أنهما شفيرا جمل هائج. 

- الجنرال: "كان علينا أن نحرق الأرض والسّماء من تحت أرجُل هؤلاء الكَفَرة، ولا نتركُ لهم مجالًا للتنفُّس أبدًا، حسب وصيّة مولانا".

-المرافق: "سيّدي..، و لكنّهم مدنيّون مسالمون، لا علاقة لهم بنظام أو ثوّار". 

-الجنرال: "حتّى و إن كان ذلك، سنشعل كلّ الجبهات حسب الاتّفاق مع حلفائنا". 

رنين مُتقَطّع على ثلاث دفعات، المرافق يمسكُ الهاتف النقّال بيده. ما انتهت الرنّةُ الثالثة حتّى ضغط باصبعه لاجراء اتّصال مع جهة ما، وضع الهاتف على أُذُن الجنرال، وقال: "نحن قادمون". 

الكلمة الأخيرة، وما سمعته قبل قليل من حواريهما على الجانب الآخر ، أخرجني من ذهولي، أيقنت أنّني أمام الفتيل الذي أحرق البلاد، ورأس الأفعى، و قوام الفتنة، إحساس مفاجئ في معدتي، شعرتُ برغبةٍ شديدة ملحّة في الذهاب إلى الحمّام بسبب الإسهال، حاولت ضبط نفسي، وأنا أضغط بكلّ ما أوتيتُ من قوّة كي لا تفوح رائحتي أمام الجنرال، ربّما يضغط المرافق على الزناد فورا، ولن أكون شاهدا على العصر.

الجمعة، 11 مارس 2022

اربع دراسات رائد السراحين

 آربع دراسات عن رواية الطريق الى الزعتري

كتبها الأديب الناقد/ رائد السراحين 


- صور الحياة الاجتماعية فيةذ رواية الطريق الى الزعتري 

- الجنديان السوري والأردني دراسة مفارنة في روايةِ الطريق إلى الزعتري. 

- المثل ودلالاته غي رواية الطريق الى الزعتري. 

- دراسة فنية. في رواية الطريق الى الزعتري. 


صورةُ الحياةِ الاجتماعيّةِ

في روايةِ " الطّريقِ إلى الزّعتري"


    تعتبرُ روايةُ " الطّريق إلى الزعتري" وثيقةً اجتماعيّةً لإرهاصاتِ الثّورةِ السّوريّةِ ، وشاهدًا على تخاذلِ  وتآمرِ  جيشٍ  على  ثورةِ شعبٍ  ووطنٍ ذاق ويلاتِ  القتلِ  والتّشريدِ  والتّفقيرِ منذُ سنينِ خلتْ ، فأصبحوا له أعداءً وليس أهلًا وبُناةً.


   ضمّتِ الرّوايةُ بينَ دفتَيها مشاهدَ سياسيّةَ ومُخابراتيّة وأمنيّةً عديدةً، ولستُ هنا بصددِ مناقشتِها ؛ فالحديثُ يطولُ في هذا البابِ،كما أنّه واضحٌ  للعيانِ لايختلفُ فيه اثنان ،وأنّما أردتُ أنْ أنقلَ  صورًا  اجتماعيّةً  من  حياةٍ ريفيةٍ وادعةٍ،لمْ تبقِ لها يدُ الظّلمِ والقهرِ شيئًا من عفويّتِها وبساطتِها.


    تختلفُ البيئةُ القرويّةُ الريفيّةُ  عن المدنيّةِ في نمطِ الحياةِ والعيشِ ، فمعظمُ سكّانِ هذه البيئةِ هم من  طبقةِ  الفلاحين ، الذين يهتمون بالأرضِ  وفلاحتِها وتربيةِ المواشي والحيواناتِ الأليفةِ ، ويتوزعون في  قرًى وبلداتٍ  صغيرة على مقربةٍ من المدنِ الكبيرةِ.


 ومن أنماطِ الحياةِ الرّيفيّةِ كما أوردَها المقدادُ:

- الاهتمامُ بالارضِ وزراعتِها .

  يولي هؤلاء الفلاحون الأرضَ عنايةً فائقةً ، وهي مصدرٌ لرزقِهم وأمانِهم فضّلوها على وظائفِ الدّولةِ ، وزروعها بالبطيخِ والشّمامِ  والقثّاءِ  والبامياءِ وعبّادِ الشّمسِ والزّيتونِ،وامتلأتْ  سهولُها  بجبالٍ من بيادرِ القمحِ  والشّعيرِ على  وقع  أنغامِ  أغنياتٍ  ردّدوها  بألحانٍ  مختلفةٍ  ملء  حناجرِهم ،  وهم يصافحون  السّنابلَ، وكانوا يحرسونها  ليلًا ونهارًا ، و يضعون  الفزّاعاتِ على  أطرافِها  لإيهامِ الطيورِ  والوحوشِ  بأنّها  محروسةٌ ،استغلوا كلَّ شبرٍ منها،فزرعوا حواكيرَ منازلِهم  فأصبحتْ  حدائقَ  غنّاءَ ،  وشمختْ  أشجارُ  "الكينا" في  قراهم  ، فأصبحتْ  مناراتٍ يُهتدى بها.


                

                                            

- الفقرُ .

    عانى الفلاحون  منِ الفقرِ والتّهميشِ الذي  وصلَ  لذروتِه ؛  فالوظائفُ الحكوميّةً  ورواتبُها لا تلبّي حاجيّاتِ  العيشِ  الأساسيّةِ ،  فهي  تتبخّرُ  منذُ الأسبوعِ الأوّلِ  منِ الشّهرِ ؛ لذلكَ  بحثوا عن أسبابِ  حياةٍ  أخرى ،  فقاموا بتربيةِ الحيواناتِ الأليفةِ التي يستفادُ منها كالحَمَامِ والزّغاليلِ التي تُباعُ وقتَ الحاجة ،وما أكثرُها!وبعضُهم عملَ في المهنِ اليدويّةِ كالجبصينِ ومقاولاتِ البناءِ، وورشاتِ إصلاحِ السّيّاراتِ والدّراجاتِ .


التّكافلُ الاجتماعيُّ.


  هؤلاءِ الفلاحونَ اقتسموا الظّروفَ الحياتيّةَ المريرةَ ؛ فالهمُّ  واحدٌ،والفرحُ واحدٌ، والمصيرُ واحدٌ،ومن صور هذا النّمط  الاجتماعيّ في  تلكَ القرى : التّعزيةُ بالفراقِ ، والتّهنئةُ بالّلقاء، والمواساةُ عندَ الشّعورِ بالضّيقِ ، والتآخي المنقطعُ النّظيرٍ، تناصفوا كأسَ الماءِ  ونورَ الكهرباءِ ، لبّوا نداءاتِ بعضِهم دونَ تذمّرٍ ومماطلةٍ ، بلْ بابتسامةٍ نخويّةٍ .


التّقاليدُ والعاداتُ.


   لكلِّ مجتمع ٍ تقاليدُه وعاداتُه ، قرويًّا  كانَ أم مدنيًّا ، ورثوها  من  آبائهم وأجدادِهم ، وسينقلونها إلى أحفادِهم ، ومنها إكرامُ  الضّيوفِ  بتقديمِ القهوةِ (المُرّةُ) ،وهي القهوةُ العربيّةُ الأصيلةُ التي لم تخلُ منها مضافاتُ حورانَ ،والقيامُ  بواجبِ العزاءِ  عندَ  الفقدِ ؛ إذْ  يجتمعُ  المعزّون في  خيمةِ  العزاءِ ويقومون بقراءةِ القرآنِ والتّسابيحِ في أجواءِ مودةٍ  وتراحمٍ ،  ومن  مراسمِ التّعزيةِ أيضًا الدعاءِ ، وتقديمِ الضّيافةِ لهم ،وهي عبارة عن فواكهٍ وهرائسَ لمن يرغبُ منهم تتبعُها القهوةُ ، وهناكَ أيضًا طقوسٌ خاصّةٌ  بأهلِ  الرّيفِ الدّرعاويّ ؛ إذْ يتناولون وجبةً  منِ الفولِ  صباحَ  كلِّ  جمعةٍ ، وهو روتين اعتاد عليه معظمُ فلاحي حورانَ.

   ويملأ الوشمُ وجوهَ العجائزِ ، حيثُ اتّخذنه زينةً لهنَّ أيامَ صباهنّ ،  فذهبَ الصّبا وبقي الوشمَ كما خُلقَ،كما يستخدمْنَ الأسنانَ الصّناعيّةَ (الطّقم)، وهي حاجةٌ صحيّةٌ تُعينهنَّ على أمورِالحياةِ،وتبدو علاقتُهنَّ  مع  (كنّاتهنَّ) مغايرةً للمألوفِ؛إذْ يحظينَ باحترامٍ يصلُ حدَّ التقديسِ ،  حاجاتُهنَّ  مُلبّاةٌ ، أوامرهنَّ مُطاعةٌ ، وهنَّ بدورهنَّ لا يبخلْنَ بعطفِهنَّ وحنانهنَّ وخبراتهنَّ على زوجاتِ فلذّاتِ أكبادهنَّ.


   ومن تلكَ التّقاليدِ والعاداتِ ما يُسمّى (بطاسةِ الرّوعةِ) ؛فيعتقدون أن سكْبَ الماءِ داخلَها ثمَّ  شُربه مع قراءةِ  آيةِ الكرسيّ والمعوّذاتِ ، ينجي من  ومكروهٍ  وبراثنَ قد  تحلُّ ، فهي طاسةٌ  نُحاسيّةٌ  صفراءُ  ذاتَ  شناشيلَ  ناعمةٍ  تُحدثُ خرخشةٍ إذا حُرّكتْ،وكذلكَ الأغاني والمواويلُ التي يردّدونها أثناء حصيدِهم القمحِ  والشّعيرِ، وأيضًا  كانَ منهم  مدخنون كثرٌ ، سجائرُهم  بعددِ  نبضاتِ قلوبِهم ، ينفثونها من أفواهِهم كما ينطقون الكلماتِ،ولعلّ ذلك يعودُ للظّروفِ القاسيةِ التي تحيطُ بهم.


المسكنُ.


   كانَ الفلاحون قديمًا  يسكنون في  بيوتٍ  كبيرةٍ ، منِ  الاسمنتِ  والحديدِ المُبطّنَ تتسعُ  لهم  ولأبنائهم  مع عائلاتِهم ، وكانَ الجدُّ هو الآمرُ الناهي ، وهو من يسيّرُ الحياةَ في هذا البيتِ  وفقَ آرائه وفكرِه ،من غير اعتراضِ، ولكن عندما تطورتِ الحياةُ، واختلفتْ ظروفُها،بدأتِ الأسرُ بالاستقلالِ في بيوتٍ محاطةٍ  بقطعةِ أرضِ  مزروعةٍ بأشجارٍ مُثمرةٍ  وأشجارِ زينةٍ ،كما  أنّهم كانوا لا يتقبّلون  َ فكرةَ  العماراتِ  والبناياتِ  ذاتِ الطّوابقِ ، والشّققِ السّكنيّةِ  ضيّقةِ الحيّزِ، ويشبّهوننها بالسِّجنِ الذي يكبّلُ الحريّةَ ، ولكنّهم مع  مرورِ الأيامِ تقبّلوها على مضضِ ، إذْ أصبحتْ مقصدًا  للشّبابِ ، وخاصّةُ المُقبلين على الزّواجِ وبناءِ أسرٍ جديدة.


وسائلُ النقلِ.


  اعتمد الفلاحون في ريفِ درعا على الدّراجاتِ النّاريّةِ اعتمادًا كبيرًا في قضاءِ أشغالِهم ومصالحِهم ، وربّما  أكثروا من هذه الدّراجاتِ لأنّها  قليلةُ التّكلفةِ وتحتاجُ إلى كمّيةٍ بسيطةٍ من البترولِ،وتفي بأغراضِهم،دون حاجةٍ إلى السّيّاراتِ ، وبعضُهم استخدم السّيّارةَ لأنّها تتناسبُ وأعمالَه .


الثّقافةُ.


   لمْ تقتصرِ الثّقافةُ على المجتمعِ المدنيّ فحسبْ ، بل كانَ الفلاحونَ أيضًا على قدرٍ كبيرٍ منِ الثّقافةِ ،انعكسَ على أقولِهم وحياتِهم،فكانوا على إطلاعٍ ووعي بما  يدورُ  حولّهم، وساروا  في  ركبِ الحضارةِ  ،  فكان  منهم المهندسون والمحامون والمعلمون والأطبّاءُ والشّعراءُ ،وحفظوا أقوالَ القدماءِ من شعِّرٍوحكمٍ وأمثالٍ ، استعملوها في جوانبِ حياتِهم المُختلفةِ .


الوفاء.


   إنَّ الفلاحين أهلُ وفاءٍ وإخلاصٍ ، يوفون بعهودِهم إذا أوعدوا ، وللأمانةِ عندَهم شأنٌ كبيرٌ يحافظون عليها ولو كلّفهم ذلك أرواحَهم ، منِ أمرٍ صغيرِ كخاتمٍ عائليِّ إلى أمرٍ كبيرٍ بحجمِ وطنٍ. 


                                   


الجنديان : السّوريّ والأردنيّ

في روايةِ " الطّريق إلى الزّعترّيّ"

" دراسةٌ مُقارِنة"


  الجنودُ هم حماةُ الدّيارِ ، وهم مَن يذودون عن حياضِه، ويبذلون أرواحَهم فداءً له، سحنتُهم  المغبرّةُ  تحكي قصصَ نضالٍ  وغُربةٍ ، كما أنّهم أصبحوا رفاقَ الشّمسِ من مشرقِها حتّى مغربِها،وقد أنستهم الصّحراءُ بفصولِها الأربعةِ .


  طالعتنا روايةُ "الطّريق إلى الزّعتريّ"  بصورتَين  متناقضتَين  للجنديَين الشّاميَين : السّوريّ والأردنيّ،ورسمتْ لكلِّ منهما صورةً تنمُّ عن حقيقتِهما وفقَ ما رواه الكاتبُ على ألسنةِ أبطال روايِته ،إبّانَ الثّورةِ وبداياتِها في درعا ،ومن ثمّ التّهجيرِ القسريّ إلى الأردنِ وتحديدًا " مُخيّم الرّعتريّ" 


  الصّورةُ الأولى للجندِ السّوريين،وأستثني من ذلكَ الجنودَ الأحرارَ الذين لمْ يشهروا سلاحَهم في وجوه أهلِهم  وجيرانِهم  وأبناءِ  جلدتِهم ، بلْ شدوا على أيدِهم ووقفوا بجانبِهم ، فهؤلاءِ الجندُ مرتشون ، باعوا ضمائرِهم مقابل ثمنٍ بخسِ ، وإنْ  كان  هذا يصبُّ  في  مصلحةِ  المواطنين  العزّلِ، كأبي  رستم المساعدِ في جيشِ النّظامِ  الذي  كانّ  يخبرُ أبا محمدٍ الفهريّ بما ينوي القيامَ به ؛ لياخذَ حذرَه مقابلَ" تنكةِ زيتٍ"،ويستغلُّ الفرصَ لطلبِها،  "عندَما وصلَ دورُه بمصافحةِ أبي فندي أخذه بالأحضانِ،وراح يقبّلُه ،وهمسَ في أذنِه :لقد وصلتني قائمةٌ بالمطلوبينِ ،واسمُك على رأسِها ، دبّر حالك"


   كما كانَ هؤلاء يتلفّظون بألفاظٍ تخدشُ الحياءَ العام ، يقولونها على  مرأىً منَ الملأ، دون  خوفٍ  واحترامٍ ؛ لأنّهم  ربّما اعتادوا على  مثلِ هذا الأمرِ وأصبحَ جرءًا من ثقافتِهم الحياتيّةِ،وطالما استفزّوا الموقوفينَ والمعتقلينَ بها، وهي كلماتٌ تمسُّ العِرضِ والشّرفِ والكرامةِ،لا يقبلُها شريفٌ،يقولُ الكاتب على لسانِ أبي رستم :" هناك ابن شرموطةِ ،اتصل بنا قبل قليل، أخبرنا بأنّ في حارتِكم مظاهرةٌ وهتافاتٌ مناؤئةٌ للدولة".

                                         


   وكانوا أيضًا قتلةٌ وظلمةُ ، لمْ يسلمْ من أذاهم وشرورِهم شيءٌ ، لا مكانَ للشّفقةِ والرّحمةِ  في صدورِهم ، قتلوا الإنسانَ  بدمٍ  باردٍ ، وقتلوا  الكلابَ والحميرَ والحمائمَ، حتّى الجرذُ أصبحَ ضحيّةُ لرصاصِهم ، فهم يرون أنَّ  الكائناتِ الحيّةَ مجرّدَ أرقامٍ لا تقدّمُ ولا تؤخّر،ُيقول:" انخرطَ العساكرُ بنوبةِ ضحكٍ هستيريّةٍ ، آذانُهم غيرُ مصدقةٍ مما سمعوه من السّيدةِ الموظّفةِ،... إلّا أنْ أحدَهم أدخلَ الحربةَ الموصولةَ برأسِ البندقيّةِ ، في فتحةٍ صغيرةٍ تحتَ كرسيّ السّائقِ ، فهربَ الجِرذُ مذعورًا..صوّبَ أحدُهم رصاصةً لتخترقَ الجِرذَ ،وتستقرُّ في دولابِ الباصِ الأماميّ".


    بالإضافةِ أنّهم مُستعبدون إلى حدِّ القداسةِ ،البسطارُ والبندقيّةٌ مِنبرُهم ومحرابُهم،يحلفونَ بشرفِ قائدِهم تعبيرًاعن صدقِهم،بلْ هومعتقدُهم وآلهتُهم، أعماهم الحقدُ الدّفينُ عنْ إبصارِ  حقيقةٍ واضحةٍ كشمسٍ  في رابعةِ  النّهارِ ، يقول المقدادُ في وصفِ هذا :" قسمًا بشرفِ القائد ، لنلعن أباكم وأبا  أبيكم ، ونحرقكم يا كلاب.. يا حقراء" ، ويرفعون شعارَ " الأسد أو نحرق البلد".

  هم سارقون ومعفّشون ،انتهكوا حُرماتِ المنازلِ ، يكسّرون ويحطّمون كلَّ ما يجدوه في طريقِهم أثناءِ اقتحامِهم البيوتِ ، يأخذون كلَّ شيءٍ ، وعودُهم كاذبةٌ ،ينسون كلَّ معروفٍ أُسدي إليهم "مجموعةٌ منِ العساكرِ دخلوا البيت للتّفتيش ، أمُّ حمدانَ تتوكّأ على عكازتِها ، ... اصطدمت بهم،رفعتْ رأسَها، وركّزتْ نظارتَها حتّى تستطيعَ مشاهدتَهم بشكلٍ جيّدِ : على وين يا يمّة الله ينصركم ، ما في حدا هون غير النّسوان ، برضا قلبي وربّي عليكم لا تخوفوهن.."و" تعالوا شوفوا هالخيرات .. كأنّما أعدّوا هذه الطولات من أجلِنا ، وخصيصًا لنا، كلوا، واشربوا هنيًا".


 أمّا الصّورةُ الثّانيةُ فكانتْ تختلفُ عن الأولى كليًّا،إذْ أبدى الجنودُ الأردنيون كاملَ تعاطفِهم مع المهجّرين،على اختلافِ رُتبِهم،فرّحبوابهم أجملَ ترحيبٍ، وأعطوهم  الأمانَ ، هدّأوا من روعِهم وطمأنوهم، وقاموا بواجبِ ضيافتِهم ،كما أنّهم نذروا أنفسَهم لخدمتِهم ،وأخذوا على عاتقِهم حمايتّهم، ونقلوهم  إلى  المُخيّمِ  بعدَ  التحقّقِ من وثائقِهم وتسجيلِ بياناتِهم"رحّبَ الضّابطَ به، أعطاه الأمانَ وقال:أنتَ الآنَ في حوزتِنا في أمانٍ،لا تخشَ شيئًا،إن شاء الله ستكون في غايةِ الرّاحة والسّرور... حضر عسكري شاب صغير ، وطلب إحضار فنجان قهوة للأستاذ..."                           

  هؤلاءِ  الجنودِ  كانوا مؤدبينَ  في تعاملِهم مع اللآجئين ، فلمْ  يقسوا عليهم بكلماتٍ جارحةٍ عندَ مخالفتِهم للأوامرِ، فهم لا يريدون زيادةَ قلوبِهم جراحًا، ففيها ما يكفي ، اهتمّوا بالمرضى وكبارِ السّنِ ، وجهّزوا سيّاراتِ الإسعافِ لنقلِ الجرحى والمُصابينَ،كما قاموا بإعدادِ (الكرفانات)لاستقبال المهاجرين رجالًا  ونساءً ، وسهّلوا مهامَ عودتِهم لاستعادةِ وثائقِهم،" اجتازوا السّاترَ التّرابيّ ... سيّارتا  إسعافٍ  عسكريّةٍ  أردنيّةٍ   ؛ لاستقبالِ جميع  الجرحى والمصابين ، أو تحسّبًا لأي حالةٍ طارئةٍ،...قاموا بفصلِ الرّجالِ في (كرفان)  وحدَهم ، والنّساءِ في (كرفان) آخر". 


   لقدْ عكسَ هؤلاءِ الجندُ صورةً عن فكرِهم واعتقادِهم،تخلّى فيها سوريو النّظام عن منظمومةِ القادةِ الشّاميين القدامى،الذين كانوا يحمون البشرَ قبلَ الحجرِ،بل أصبح هؤلاء أثافي القتل والنهب، بينَما تمسّكَ الأردنيّون بخلالِ هؤلاءِ الأشاوسِ.  


المثل ودلالاته

في روايةِ " الطّريق إلى الزّعتريّ"


  عادةً ما يحشدُ الأدباءُ في نصوصِهم الإبداعيّة كمًّا هائلًا منِ التّراثِ الثّقافيّ، وهذا يدلُّ على سعةِ إطلاعِهم، وتأثّرُهم بنهجِ سابقِيهم منِ الكتّابِ والشّعراءِ، وتختلفُ هذه المعارفُ المحشودةُ من نصٍّ إلى آخرَ ، فبعضُها موروثٌ دينيٌّ وآخرُ أدبيٌّ بالإضافةِ إلى الموروثِ الشّعبيّ.


   وروايةُ  " الطّريق إلى  الزّعتريّ"  لمْ تخرجْ  عن  هذا  النّمطِ  ،  فالمُقلّبُ لصفحاتِها يجدُ هذا الإرثَ جليًّا من أولى ورقاتِها حتّى  آخرِها ، وتنوّع  هذا الإرثُ بينَ الإرثِ الشّعبيّ كالحِكَمِ والأمثالِ والمقولاتِ المشهورةِ واللهجاتِ وبين الأرثَ الأدبيّ كالشّعرِ ومقتطفاتٍ من نصوصِ نثريّةٍ،كما أنَّ الموروثَ الدينيَّ كانَ حاضرًا بينَ طياتِها، ونحنُ هنا بصددِ منافشةِ التّراثِ الشعبيّ.


     أكثرُ المقدادُ من الأمثالِ الشّعبيّةِ في روايتِه التي بُدئتْ بمقولةِ لشاعرِالهندِ الكبيرِ ، وأنهيتْ بمقولةِ لشاعرِ فلسطينَ الأكبرِ، وقد استخدمَ  ما  ينوفُ على أربعينَ  مثلُا ، وهذه  الأمثالُ  شائعةٌ  في بلادِ الشّامِ ، بلْ في الوطنِ العربيّ قاطبةُ، وبعضُها خاصٌّ بالرّيفِ الدّرعاويّ ،توارثوه جيلَا بعدَ جيلٍ .


    ولكلَّ مَثَلٍ دلالةٌ رمى إليها الكاتبُ ،بقصدِ التّوضيحِ ووصفِ الحالِ ، ومن هذه الدّلالاتِ ،الإصرارُ على الشّيءِ حتّى  تحقيقِه  ولو بعدَ  حينٍ، فذكرَ في سبيلِ ذلكَ قولَهم: " وراك وراك ، والزّمن  طويل" و "لايضيع  حق  وراه مُطالب " و" الاكلة اللي تتواعد بيها ، أحسن من اللي بتوكلها"منها أيضًا ، قولُ الحقِّ بدونِ تلميحٍ فيقولون:" قل للأعورِ أعور بعينه" و" انطح وصلّ على النّبي" ، وفي جانبِ عدمِ المُخاطرةِ  والمُغامرةِ  يُقالُ:" ابعد عن الشّر وغنِّ له " و" لا تنم بينَ القبور ولا  تشوف  منامات وحشة"،وممّا يدلُّ على الغفلةِ  والجهلِ " عليهم عليهم ، معاهم  معاهم"و"العصفور يتفلّى والصّياد يتقلّى"و"مطبلين بالدنيا،مزمرين بالآخرة".

-39-

   وفي وصفِ الحالةِ السّيئةِ بأدقِّ تفاصيلِها ، والتي تشي بضيقِ العيشِ  ذكرُ لنا الكاتبُ ثلاثةَ أمثالٍ:"طلع من تحت الدّلِف إلى تحت المزراب" و"الحمّام المقطوعة مياهه" و" المستجير من النّار بالرّمضاءِ " ، وفي بابِ   الصّدفةِ يُقالُ" ربّ صدفةٍ خيرُ من ألفِ ميعادِ " و" ربَّ ضارةٍ نافعةِ" و" ربَّ رميةٍ من غيرِ رامٍ" ،أمّا من ناحيةَ الإكرامِ لأجلِ منفعةٍ أو غضِّ البصرِ  يقولون : "اطعم  الفم  تستحي  العين" و" اللّقم  تردّ  النّقم" ، ويقالُ  عن عدمِ  الفائدةِ والجدوى : " دجاجة حفرتْ على رأسها عفرت" .


  وثمّة مَثَلانِ في تغيُّرِ الحالِ كعدمِ مناسبةِ سنِّ الشّخصِ لفعلِه ،أو عدمِ قدرتِه هما : " بعد  هالكَبرة  جُبة حمرا" و" زمان أوّل حوّل" ، ويُقال  في  صددِ التّعارفِ والمُعاشرةِ:" من عاشر القومَ أربعين يومًا صار منهم" و" في كلِّ عرس له قرص" ، وفي عدمِ احتقارِ الشّيء قالوا " بحصة بتسند جرّة " ،وفي الاطمئنانِ قالوا: " حط إيدك  ورجلك في  ميه باردة " ، كما  وصفوا الكلامَ في غيرِ موضعِه بقولِهم:" جتْ لتكحّلها فعمتها" 


   وفي موضعِ الفخرِ  والاعتمادِ على النّفسِ قالتِ العربُ:" أعلى ما  بخيلِهم يركبوه "و" تدرسُ وتردّدُ وحدها" ، وقالتْ أيضًا في بذلِ الجهدِ والاجتهادِ :" ما في اشي بلاش، غير العمى والطّراش" و" من جدَّ وجد ومن سار على الدّربِ وصل" ، وفي وصفِ سرعةِ الاختفاءِ قالتْ : " فص  ملح  وذاب" ، وفي حالِ التوافقِ قالتْ : " القلوب عند بعضها" ، أمّا في حالة عدم  الخشيةِ من شيء ٍ قالتْ :   " المبلول ما يخشى من رشق الماء " و" إذا وصلت الميه فلتتدحرج" .


   وقيلَ في معرضِ الحديثِ عنِ الشّجاعةِ :" اللي تعرف ديته اقتله " ، وقيلَ أيضًا في التّصرفِ بعدَ صبرٍ طويلٍ وكانَ مُخالفًا  للمُتوقَّعِ : " صمتَ  دهرًا ونطقَ كفرًا" ، كما  قالوا في الإرغامِ على شيءٍ : "مكره  أخاك  لا بطل " و"شو اللي  جابرك  على المرِّ، قال : اللي  أمرّ منو " ولحسنِ  حظِ طرفٍ وتعاسةِ طرفٍ آخرَ  قالوا:" إي بحظي ، وحظ مرت خيّي" و"موت الكلاب فرج للحراميّة".


   أمّا معرفتُهم بحتميّةِ الموتِ وأسبابِه ، والحذرِ منها قالوا :" الحذرلا ينجي منِ القدرِ" وفي مجالِ زيادةِ الأمرِ سوءًا ، وحدوثِ ما لم يكنْ بالحسبانِ أو ما يُكره حصوله ،قالوا:"زادَ بالطّنبورِ نغمًا"ووصفًا لحالةِ الإهمالِ :"شرق الذّراياتِ " ، ولحالةِ المُماطلةِ :" مواعيد عرقوب" .


   إنَّ تخصيبَ النّصِ الأدبيّ  بالموروثِ،سواءَ كان  دينيًّا أو أدبيًّا أو شعبيَّا ، يجعلُه أكثرَ متانة ورصانة ، ويثبّتُ المَشاهدَ والصّورَ في ذهنِ القارئ بأبهى حُللِها ،ويجعله مُتشوقًا لنهايتِه دونَ مللٍ وضجرِ،ويلتهمُ فِقراتِه سطرًا سطرًا،كما يعكسُ سعةَ إطلاع كاتبِه وعمقَ ثقافتِه ، وامتلاكَه  لهذا الكمِ  الهائل  منِ المعارفِ  الإنسانيّةِ  التي  يحشدُها  ويضمّنُها  بينَ  ثنايا  نصّهِ  بكلِّ  رتابةٍ وسلاسةٍ، وبالتّالي يفتحُ أمامَ قارئه آفاقَ التأملِ والفَهمِ دون عسرةٍ.


  الحقيقةٌ ،أنَّ هذه الرّوايةَ فيها منِ أقوالِ الشّعراءِ،وحكمِ العظماءِ،ومأثوراتِ القدماءِ ، ما يروي النّفسَ المُتعطّشةَ للثقافةِ والثراثِ ، فضلًا عن كونِها قاعدةَ بياناتٍ لكبرى مآسي الشّرقِ ، بلْ العالمِ أجمعَ. 


رواية " الطريق إلى الزعتريّ"

دراسة فنيّة


    تصنّف رواية "الطريق إلى الزعتريّ" للروائيّ السوريّ محمد فتحي المقداد ضمن خانة أدب اللجوء ، وهي ذات بُعد إنسانيّ في المقام الأوّل ، فهي تسلّط الضوء على هموم وقضايا لم تلتفت إليها الفضائيّات التي انشغلت بإحصاء عدد الموتى والجرحى، فجاءت الرواية لتكون شاهدًا على مأساة إحدى قرى درعا عاصمة سهل حوران التليد.


  وجاءت هذه الدراسة لتلقي الضوء على الجانب الفنيّ لهذا الرواية في عدّة محاور، نوردها كالآتي:


العنوان:


  جاء العنوان مركّبًا من ثلاث مفردات"الطريق إلى الزعتري" وهي ألفاظ ذات مدلول مكانيّ ، فالطريق هو الحيز الجغرافيّ الذي نسير عليه للانتقال من مكان إلى  آخر، ثمّ يأتي حرف الجر (إلى) والذي يدل على انتهاء الغاية المكانيّة ،ثمّ تأتي لفظة "الزعتري" وهي منطقة في شمال الأردن على مقربة من حدود سوريا ، أقيم عليها أكبر مخيّمات الشرق الأوسط ، فهؤلاء اللاجئون هربوا من قريتهم"موج" إلى مخيّم الزعتريّ الذي مع دخوله تنتهي أحداث الرواية، وتنتهي معها إحدى مراحل اللجوء القسريّ لتبدأ مرحلة أخرى داخل أسوار المخيّم.  


    كما أنّ ألفاظ العنوان بعدد مراحل العذاب الذي ذاقه المهاجرون  ، فالمرحلة الأولى الخوف من القصف والموت  في القرية،والمرحلة الثانية اتخاذ القرار بالهجرة وما فيه من صراع نفسيّ كبير ، والمرحلة الثالثة ،  آليّة الهجرة وقسوتها حتى الوصول إلى المخيّم.


صورة الغلاف:


  تشكّلت صورة الغلاف من صورة للاجئة مع طفلها، وهي تحمل متاعها، بالإضافة إلى سلك شائك وهلال في الأفق في فضاءٍ أزرق ،فاجتماع هذه الصور مع بعضها يوحي للوهلة الأولى إلى مسير بخوف وحذر، وهذا حال من هاجروا ،إذ كان يخشون من القتل والاعتقال ، كما أنّ السير في الليل والذي أوحى به القمر في الأفق ما كان ليحدث إلّا ليتوارى هؤلاء عن عيون القتلة،وقد كتب العنوان على الغلاف بلون أسود؛ ليدلّ على أنّ سوادًا سيلفّ حياتهم في قادم الأيام.


الشخصيّات :  


   تعددت شخصيّات هذه القصة ، بعضها رئيسيَ وبعضها هامشيّ ذكر لعارض ما، فلم يكن في هذا الرواية بطل أوحد تدور حوله القصّة ، بل كانت البطوله هنا جماعيّة؛ ليسقطها الكاتب على واقع الثورة، فهي لم تجتمع تحت قائد واحد ، وكأنّه يقول إنّ الثورة هي ثورة شعب ،هو عمادها وهو قائدها ،اشترك فيها بجميع أطيافه ، رجالٌ ونساءٌ ،شيوخٌ وأطفالٌ، مثقّفون وفلّاحون،وغيرهم من شرائح المجتمع.

  وقد جاءت هذه الرواية هنا على خلاف الروايات الأخرى من حيث البطولة ، فمعظم الروايات العربيّة والعالميّة تركّز في الحدث على بطل واحد، يعبّر الكاتب من خلاله عن مبتغاه.


الرمز :


  غلب الطابع الرمزيّ على الرواية ، فأسماء الشخصيّات هي أسماء مستوحاة وليست أسماء حقيقيَة ،لكنها تشي بالمقصود بطريقة غير مباشرة ، وهذا أسلوب اتّبعه المعاصرون شعراءَ وكتابًا ؛ وذلك خوفًا من الملاحقة والعقوبات.


   كما أنّ الفضاء المكانيّ كان رمزيًّا ، فالقرية "موج" ليس هذا اسمها الحقيقيّ ، وإنّما هو اسم رمزي أضفاه المقداد على مسرح الأحداث ، فلفظة"موج" لها من الدلالات الكثير ، فهي مرتبطة بالبحر ، والموج يعني الاضطراب وعدم الاستقرار للمياه ، وكذلك كانت أحوال البلاد إبّان كتابة الرواية غير مستقرّة ، والسبب كما أسلفنا الخشية من السلطة السياسيّة .


التكرار:


     تكرّر  في هذه الرواية عدد من المعاني والألفاظ والصور ، ومثال ذلك : "مطّ شفتيه" و" ينفث دخانه" و " شكّل الدخان سحبًا فوق رأسه" وكما نعلم أنّ التكرار يفيد التوكيد ، أي تثبيت الصورة في ذهن القارىء، و"مط الشفاه" يدلّ على الامتعاض من شيء ما ، فالظروف التي عايشوها في القرية جعلتهم يمطون شفاههم مرارًا مرغمين.


   وفي " نفث الدخان" دلالة على كثرة التدخين ، فالدخان طاردٌ للهمّ وجالبٌ للراحة في اعتقاد المدخنين، وما تعرّضوا له من مواقف هو من جعلهم يدخنون بشراهة للتخفيف من وطأة الظرف القاسي.


   أمّا السحب المتكوّنة فوق رأس المدخّن ،فتدل على كثرة ما أصابهم من أحزان وهموم، فهي كالسحابة التي ستمرّ باعتقاد الكاتب مع الأيام.


الصراع:


  الصراع هنا صراع عنيف ، فهو صراع النفس مع ذاتها ،وتجلّى هذا الصراع بين عدم الرغبة في ترك القرية واللجوء وبين الموت الأعمى القادم ،فإذا هاجرسيذوق الويلات في المهجر وأقساها عدم العودة ،وإذا بقي سينضمّ إلى قوافل الموتى هو وأطفاله الذين يشغلون خلده، بالإضافة إلى الصراع العسكريّ. 


الراوي:

  الرّاوي في هذه القصّة هو الرّاوي "المُشارِك"،فهومَن سرد أحداث القصّة نيابة عن الكاتب، حيث  كان المحامي هو المؤلّف الضّمني للنّص ، والنائب عن الكاتب في تحريك الحدث من البداية إلى النّهاية،فالرواية كانت عبارة عن مذكرات لذلك المحامي ، كما ناب الأبطال الآخرون في سرد الأحداث عن الكاتب.


اللغة:


   كانت لغة الرواية لغة بسيطة سلسة واضحة لا رطانة فيها ؛لأنها تحكي مشاعر أناسٍ بسطاء ، وهي واضحة لا لبس فيها ،كوضوح حقّهم المسلوب ، ووضوح الظلم الواقع عليهم، وزاد من وضوحها أنَها جاءت في قوالب نصيّة من الثرات العربيّ  ليكون الوصف في منتهى الدقّة.


ثقافة النص:


  في هذا النص من المعارف المحشودة ما يروي عطش التائق للثقافة المتنوّعة، ففيه من الأشعار والحكم والمأثورات والمقولات والأمثال الكثير ، ممّا يلبس النص ثوبًا من الحسن والبهاء ، ويقدّم المعنى بأسهل الطرق ، كما أنّه يعكس ثقافة صاحبه، فهي ثقافة غزيرة متنوّعة ، نستشفّ منها أنّ المقداد موسوعة أدبيّة تمشي على الأرض.


البداية والنهاية :


  البداية كانت مع مقولة لشاعر الهند الكبير" طاغور" والذي قال بأنّ الزمن هو الناقد الحقيقيّ المنصف ، وفي ذلك إشارة إلى أنّ المقداد أراد أن يكون حياديًّا قدر الإمكان، عندما انقسم السوريون بين معارض ومؤيّد، كما أنّه أراد أن يترك الأمر للزمان في كشف حقيقة الجدال.

 أمّا النهاية فكانت بمقولة لشاعر فلسطين الأكبر" محمود درويش" والذي حكم بأنّ لا شيء أجمل من الوطن إلّا الطريق الذي يؤدي إليه، وهذا يوحي بشوق وحنين المقداد الكبيرين  إلى مسقط رأسه سوريا ببصرى شامها.

المثلث المقلوب في دوامة الأوغاد

 انقلاب المخروط في روايات      (محمد فتحي المقداد) 


 بقلم/ الروائي توفيق جاد


لكل إنسان أينما حلّ وارتحل، نظرة أولى تشدّه لما رأى.. وغالباً ما تكون هذه النظرة متعلّقة بطبيعة عمل الانسان.. وأنا حين استلمت رواية صديقي الأديب محمد المقداد الأولى ( دوّامة الأوغاد )، أخذتني دوامته بعيداً لأفكّر في الدوّامة وشكلها الذي يرسم المخروط مقلوباً في الماء.. لم أفكّر بداية بالشخوص المتغيرين وحركتهم كما الأمكنة والأزمنة في الرواية.. لتسوقهم الأحداث إلى غياهب الظلم والاستبداد.

عملي المساحي الهندسي قادني إلى التفكير في المخروط.. الأصل أن يكون هذا الشكل بقاعدة ورأس وزوايا ثلاثة.. فتتساوى أضلاعه وزواياه.. وهنا أيضاً تتغير الأضلاع والزوايا.. عندما يرتفع رأس المخروط، فإن القاعدة تضيق وتقصر.. وعندما يهبط الرأس للأسفل فإن القاعدة تطول وتتوسع.. وفي الحالتين تتغير الزوايا ويكون هناك اختلاف ظاهر.

لست هنا بصدد إعطاء معلومات مساحيّة بقدر ما سأتحدّث عن عمل أدبيّ يستحق التقدير.

قلت بأن رأس المخروط عندما يرتفع للأعلى، فإنّه يسحب معه الأضلاع الجانبية والتي يتم تعويضها من القاعدة.. تصغُرُ القاعدة ويرتفع بعضاً منها للأعلى فيسمو ويرتقي.. وعندما يهبط الرأس فإن المرتفع بالجانبين، يبدأ بالهبوط للأسفل وينضمّ للقاعدة فتتسع وتكبر.. وهذا ما حصل.. فالمخروط الذي انقلب في لُجّة البحر، أصبح دوّامة أخذت معها كلّ من دخلها إلى قعر البحر وأغرقتهم في ظلمته.

ما كان في رواية المقداد، هو هبوط لرأس النظام واسقاط لبعض من كانوا في الأعلى.. استمر الهبوط واتّساع القاعدة.. وصل رأس المخروط إلى مستوى جميع من هم في الأسفل.. لم يُحاول الصعود ثانية.. استمر في الهبوط ونزل دون مستوى الخط المستقيم.. أصبح في الحضيض.. أسقط معه الكثير.. تقلّصت القاعدة وقصُرت.. أصبح الفساد سمة وسياسة تسود الدولة.

إلى هنا.. اعتقدت بأنّ الدوامة انتهت بهؤلاء الأوغاد.. لم ينتظر محمد المقداد طويلاً.. أتحفنا برواية أسماها ( الطريق إلى الزعتري).. هذه الرواية التي كانت امتداداً لدوّامة أولئك الأوغاد.. جرّوا البلد إلى الويلات والهلاك.. قتلوا وذبحوا بلا رحمة ولا شفقة كلّ من حاول أن يطلب كرامة العيش.. شرّدوا وشتّتوا.. اغتصوا وقتلوا.. هدموا ودمروا.. لم يسلم منهم حتى الشجر والحجر

رحلة أبو فندي وهجرته إلى الأردن جسّدت بعضاً من معاناة من فرّوا من براميل وصواريخ القتلة.

رواية ( الطريق إلى الزعتري ) هي نتاج الفساد في الدوّامة وامتداد للتّسلّط والقتل الذي لن ينتهي إلاّ بزوال الظلم وأصحابه.

الشاعر ابراهيم مساعدة. كتب عن الطريق إلى الزعتري

 الشاعر ابراهيم مساعدة

#الطريق_إلى_الزعتري


( الطريق إلى الزعتري ) اسم رواية أهداها كاتبُها إليَّ خلال زيارتهِ ، الكاتبُ والروائي الجميلِ الأستاذ محمد فتحي المقداد

في منطقة الرّبّـة بمحافظة الكرك

الشاعر . ابراهيم مساعدة


الـوردُ يُعـرفُ بالرّياضِ بزهْــزهِ

وجميلُــهُ يُأتـى إليــهِ لعِطْــــرِهِ


بحَفاوةِ التّرحابِ فيضُ غَمامَةٍ

في ظلّــه في رَيِّـهِ في سِحْـرِهِ


" مقدادُ " نَبــعٌ للمحبّـةِ حيثُمـا 

والنبـعُ يُعـرَفُ بالفَــلاةِ بِوفْـرِهِ


نُزُرُ من الزَمَـنِ الجميـلِ تَحُفُّنـا

حيثُ اللّقاءُ ومن العلومِ وَنَثْرِهِ


و" طريقُـهُ للزعتري " هُمومُـهُ

يا ليتَها  سَارتْ  عَليـهِ بأمْــرِهِ


ما كُلُّ ما يُؤتى إليكَ مصيبــةٌ

فَلَرُبَّ  نازلـ،ـةٍ  عليكَ  لِشُكْـرِهِ


فالصّبرُ يا أهلَ المَهاجرَ نفحَـةٌ

تَحضَـوا بها في جنّـةٍ مِنْ بِرّهِ


#حبيب_الروح

٢٠١٩/١/١٥ م

الأربعاء، 9 مارس 2022

انتحار الأصنام

 انتحار الأصنام


بقلم محمد فتحي المقداد


‏انتحار الأصنام.. هل ستنتحر الأصنام ذات يوم؟.

كل التطور المادي والتقني الحاصل للبشريّة في الحاضر؛ لم يستطع نزع فكرة عبادة الأصنام من نفوس البشر على الإطلاق. لكن عبدة الأصنام إذا ضاع إلاههم، هل سيصنعونه مُجدّدًا من عجين خبزهم. فإذا جاعوا لن يجرؤوا على التهامه، كما فعل العرب الأوائل. من المتوقّع؛ أن يذبلوا ويموتوا وخوفهم يُجمّد الدماء في عروقهم. وبذلك يكونون قد استكملوا غاية حياتهم للصنم. 

قبل عِقْديْن من الآن، احتفظتُ بصورةٍ اقتطعتُها من جريدة، وهي لتمثال من الحجم الكبير للقائد السوفياتي "جوزيف ستالين"، كانوا يحتفظون به في مستودع خاص لبلدية موسكو، المفارقة التي تبعث على الاستهجان، أن عاملًا للنظافة يعتلي صدر التمثال، وبيده مكنسة، يزيح عنه الغبار والأتربة.  كما أنّ عمالًا بهيئة قناة السويس في مصر بطريق الصدفة، أثناء قيامهم بأعمال الإخلاء للمبنى 1998، عثروا على تمثال نصفي من البرونز، صنع 1963 للرئيس "جمال عبدالناصر" صاحب قرار تأميم القناة، في مخازن المبنى التاريخي لهيئة قناة السويس ببورسعيد. . 

وفي أيام الحرب الأهليّة اللبنانية التي دامت سبعة عشر عامًا، قامت بلدية بيروت بنقل تمثال "رياض الصُّلح"، أو ساحة "عاشور"التي أنشئت في مكان سوق المواشي. كما كانت تسمى قبل ذلك إلى أحد مستودعاتها حفاظًا عليه، بعد استهدافه برصاص الميليشيات المُتصارعة على اللا شيء، فقط كانوا بيادق يتحركون على رقعة الشطرنج بواسطة "الريموت كنترول". وأعيد التمثال إلى موقعه الأصلي في عام 1998، بعد إصرار الأمير السعودي "الوليد بن طلال" على إعادة تمثال جدّه لأمه "رياض الصُّلح" إلى مكانه، أثناء إعادة إعمار وسط بيروت ومشروع "السوليدير". 

بينما في بغداد ودمشق كان الأمر مختلف تماماً، ففي العام 2004إثر سقوط بغداد الثاني على يد قوّات التحالف الدوليّ الإستعماريّ للعراق، وفي ساحة الفردوس، حيث ركّز الإعلام على مشهد الرّافعة التي خلعت تمثال الرّئيس العراقيّ، في حين كانت فرق متخصصة لسرقة الآثار والتحف من متحف بغداد.

أمّا محافظة درعا جنوب سوريا التي انتفضت على ممارسات القمع الممنهج، وانتهاك الحربات وحقوق الإنسان، قامت الجماهير السوريّة الغاضبة بتحطيم التمثال في إحدى أكبر ميادين مدينة درعا. وحذت حذوها باقي المحافظات السورية.

وفي جمهورية مصر العربية، ومع تغير العهود السياسية منذ بداية المرحلة الناصرية 1952، فقد أزيلت معظم تماثيل الرّئيس "جمال عبد الناصر" خلال المرحلة الساداتية، نسبة الرّئيس "أنور السادات" بعد استلامه للجكم 1971بعد وفاة الرئيس السابق. وكان مصير تماثيله الإزالة، وهي التي نُصبت خلال  فترة حكمه إلى عام 1987بعد اغتياله في حادثة المنصة 1981على يد ضابط مصري أثناء استعراض عسكري. وبعد استلام الرّئيس "حسني مبارك" جاءت تماثيله الجديدة لتحلّ مكان سابقتها، إلى أن اقتلعتها رياح التغيير "الربيع العربي" 2011نهاية حكم العسكر، وانتخب للمرّة الأولى رئيس مدني في تاريخ مصر، ليعود العسكر عبر انقلاب الرّئيس "عبدالفتاح السيسي" في 2013. وتجيء المرحلة بتماثيلها الجديدة.      وعند وفاة "كيم إيل سونج" الزعيم الكوري الشمالي، رثاه الشاعر:

"لقد تركت وراءك حاملاً ثقيلاً. عشرة ملايين مواطن، وثلاثون ألف...تمثال".

يقين أنّ لكلّ مرحلة رموزها من تماثيل وشعارات، وألوان من الحكم للعهود الجديدة تُميّزها عن سوابقها، وبشكل عام فالنُخب الحاكمة هي الرابح الدائم، والشُّعوب هي الخاسر الدائم أمام سطوة العسكر، رغم أنها صاحبة القضايا العادلة. 

السبت، 5 مارس 2022

فوز الروائي السوري\ زمان الوصل

 فاز الكاتب السوري "محمد فتحي المقداد" بجائزة الأديب "محمد إقبال حرب" للإبداع لعام 2021 في مجال الرواية، وهي إحدى جوائز الإبداع التي منحتها "مؤسسة الوطن العربي الإعلامية بلندن - المملكة المتحدة" بمناسبة عيدها الثاني عشر إضافة إلى العديد من الجوائز التي تمنح في مجال الفنون المسرحية" - والترجمة والأدب" وأدب الطفل" والقصة القصيرة"وفي مجال الأبحاث والدراسات السياسية ومجال التميز للشخصيات والمجتمعات الثقافية" - الجمهوريَّة اللبنانيَّة وفي مجال التميز الصحفي في نقل الخبر في دول الأزمات والحروب".


وقال الروائي "محمد فتحي المقداد" المقيم في الأردن لـ"زمان الوصل" إن الجائزة التي أطلقها الروائي اللبناني "محمد إقبال حرب" باسمه هي مبادرة ثقافية عربية، لتشجيع الكتاب والقراءات، وقامت أمانة سر الجائزة بترشيح اسمه نظرا لاطلاعهم ومتابعتهم لمشروعه الأدبي عمومًا، والروائي بشكل خاص، وهو ما شكل-حسب قوله- إضافة نوعية دافعة نحو الأمل في مسيرته الكتابية.

ولفت الكاتب المتحدر من "بصرى الشام "بريف درعا إلى أن الترشح للجائزة كان عن مجموعة أعماله الأدبية، مثنياً على الروائي اللبناني "محمد إقبال حرب" على هذه الخطوة بإطلاق جائزة باسمه وتخصيصها للحقل الروائي، لأنها إسهام دافع ومحفز للإبداع، والشد من أزر وعزيمة الكُتاب الروائيين.

ونوّه مؤلف "الطريق إلى الزعتري" إلى أن رحلة اللجوء رغم مشاكلها ومساوئها إلا فتحت أبوابا عديدة له ولأمثاله ليجتهدوا ويتابعوا المسيرة بلا كلل ولا ملل، ومازال الأمل قائما مشرفاُ في عينيهم.

و"مؤسسة الوطن العربي الإعلامية" التي أسسها الدكتور علاء الدين سعيد عام 2010، تعد صرحا إعلاميا عربيا يعنى بالوطن والشعب العربي وأبنائه أينما كانوا وتتكون البنية الإدارية الفنية للمؤسسة من ثلاث قطاعات وهى - قطاع الصحافة - قطاع الإذاعة والتليفزيون- قطاع العلاقات العامة والإعلام وتكنولوجيا المعلومات .

وولد الروائي "محمد فتحي المقداد" في مدينة "بصرى الشام" بريف درعا 1964 واضطر إلى تركها مدينة أواخر العام 2012 في رحلة تهجير قسري إلى الأردن ليعمل هناك في مجال الحلاقة الرجالية من أجل كسب لقمة عيشه ووضع العديد من من الروايات والأعمال الأدبية المنوعة ومنها رواية "بين بوابتين"، و"دع الأزهار تتفتح"، ورواية "دوامة الأوغاد ورواية "شاهد على العتمة" التي صدرت في بغداد ورواية "الطريق إلى الزعتري"، ورواية"فوق الأرض" إضافة إلى مجموعتين قصصيتين إحداهما بعنوان (زوايا دائرية)، والأخرى (سراب الشاخصات)، إلى جانب كتاب نقدي حمل عنوان (مقالات ملفقة).

فارس الرفاعي - زمان الوصل

الخميس، 3 مارس 2022

جودت سعيد تروميتر متأرجح

 

 

"جودت سعيد"

داعية اللا عنف.. تروميتر متأرجح بين مطرقين

 

بقلم: محمد فتحي المقداد. سوريا

 

"جودت سعيد" رحمه الله وأحسن إليه، أسلم روحه لبارئها(30/1/2022)  كانت مجالس قريته "بير عجم" في محافظة القنيطرة (الجولان) السوريّة، محجة لطلّابه وأحبابه والباحثين عن تحصيل العلم، يتتلمذون عليه بما يُملي عليهم من قضايا فكريّة مُهمّة، وتُغازل بقوّة حالة الاحتكاك الشديد من التجارب العمليّة والنظريّة على السّاحة السّوريّة، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، 1945وجلاء آخر جنديّ فرنسيّ عنها.

حمأة الصّراعات المُتأجّجة ما بين التيّارات القومية والدينيّة، ولكلّ تيّار أجنحته المُتعدّدة، ولم يتوقّف السَّعي الحثيث الدؤوب لدى أيّ طرف؛ لإثبات نفسه بقناعات مُؤدلجة بأحقيّته في إدارة دفّة قيادة الدولة والمجتمع، تحت ستار مصلحة الوطن والمواطن، وهو ما تجلّى في البيان الأوّل لكلّ انقلاب من إذاعة دمشق، بعد موسيقا المارش العسكريّ منذ انقلاب "حسني الزعيم"، وهو الأوّل في تاريخ سورية والشرق. مئة وسبعة وثلاثون يومًا كانت فترة حكمه (حسني الزعيم)، رغم قصرها؛ فقد تركت أثر العكسرتاريا ببساطيرهم الثقيلة المقيتة وَسْمًا سوريًّا مُميّزا، وُصُولًا إلى الرّئيس "حافظ الأسد" وانقلابه الأشهر على الإطلاق المُسمّى (الحركة التصحيحيّة) 1970م.

الفعاليّات الفكريّة الفاعلة والمُنفعلة بتأثيراتها جزء لا يتجزّأ من المعمعة السوريّة. المفكر والباحث الإسلاميّ "جودت سعيد" أحد الذين ألقوا بدلائهم في مياه جارية، حاول جاهدًا الإمساك بالحبل بقوّة للمحافظة عليه من التيّار الجارف، فالاتجاه الإسلاميّ هو ابن المجتمع السوريّ، نتاج ولادة طبيعيّة لمجتمع إسلاميّ ذي تقاليد وأعراف قائمة على مستندات إيمانيّة وعقائديّة، تولد من ذلك خليط من الجماعات الصوفيَّة والسلفيَّة، حتّى المدرسة الفكريّة الإخوان المسلمين كانت الأبرز بمُخرجات ذات أثر عميق بأبعاد ذات خطوط واضحة في مسارها الدعويّ؛ فتبدو أنّها نسيجًا مُتجانسًا متناغمًا، لكنّ الحقيقة أنّ التيَّارات الفكريَّة السلفيَّة الجهاديَّة والصوفيّة والدعويّة هي مُكوّنات الجماعة، وهو ما انعكس سلبًا بالانشقاقات الفكريّة التي كانت الأقرب للمناطقيّة الحلبيّة والحمويّة والدمشقيّة، كما أنّ النٍزعة المناطقيّة كانت حاضرة عند التيَّار الوطنيّ والقوميّ أيضًا.

كانت أبرز كلمات جودت سعيد: "لا توجد قوَّة على وجه الأرض تستطيع تغيير قناعات وأفكار أحد باستخدام الضغط والقوّة، وأنّ القرآن يوصينا بعدم استخدام الإكراه في الإقناع.. الضغط يولّد ردود فعل قويّة".

مؤلّفاته وآثاره الفكريّة أبرزها: "حتى يُغيَّروا ما بأنفسهم"، و"فقدان التوازن الاجتماعي" وكتاب "مذهب ابن آدم الأول" الذي نُشر أواخر ستّينيّات القرن الماضي، والذي ذاع صيته وقتها، حيث كان "جودت سعيد" يردّ على توجّه بعض التيّارات الإسلاميّة نحو العُنف السياسيّ.

انطلاقًا ممّا تقدّم لا بدّ من التوقّف في محطّة أولى لبناء فكرة تُوضّح الأسُس الذي قام عليه التشكيل الفكريّ لدى "جودت سعيد"، المستندة بأصولها العميقة على مُرتَكز قرآنيٍّ؛ فمن خلاله تكوّنت رُؤاه للعالم من حوله، ولوجوده كفرد واعٍ لمُهمتّه الإنسانيّة المُنطلقة في عوالم الأفكار المفتاحيّة، لتُشكّل ملامح عالمه الفكريّ، الذي دخله من باب التوحيد؛ فهو يرى أنّ: (التوحيد مسألة سياسة اجتماعيّة، وليست مسألة ميتافيزيقيّة إلهيّة)؛ فالتوحيد لله الخالق في عليائه، من المُفترض أن يتساوى به جميع المؤمنين من البشر لإيجاد العامل المُشترك الذين يجتمعون حوله وعليه، وبذلك يتساوون في بشريّتهم المُنضوية بعبوديّتها لهذا الخالق العظيم؛ ليجعل من معطيات الآية الكريمة أساسًا للقاء وتواصل إنسانيّ: (ألّا نعبد إلا الله، ولا نُشرك به شيئاً، ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أربابًا من دون الله).

وبعد إرساء القاعدة الأولى، يخطو في انطلاقة فكريَّة واثبة في مجالات عمليّة، وتطبيقيّة في سبيل إقامة حياة سعيدة في ظلّ نواميس الكون الأزليّة؛ بثباتها وفق حكمة إلهيّة في طريقة تسيير الكون وجميع المخلوقات، لتكون الآية القرآنيّة (سنُريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتَّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ) مرجعيّة إنسانية عامّة.

وفي تفصيله للمعاني الواضحة والخفيّة التي تحتاج للبحث والتأويل، وهو ميدان  "جودت سعيد" التي عرض فيه رُؤاه: (آيات الأفاق والأنفس، أي سُنَن الله في الكون، وتجارب البشر والأحداث والتَّاريخ البشريِّ، كلُّ هذه ستكون الدليل على صحَّة وصدق القرآن. ممَّا يعني أنَّ التاريخ والتجارب هي مرجع القرآن، ودليل صدق ما فيه من قوانين).

البعض من المفكّرين والمُتابعين يطيب لهم الوقوف في الجهة المقابلة للمُحاججة القائمة على اعتباره مُفكًرا مُتأثرًا بالمذاهب الماديّة، التي تُفسّر الوجود وفق نظريّاتها المُتناقضة لعالم الرّوح والإيمان بخالق واحد مُدبّر قادر. وربّما ذهبت طائفة أخرى لاعتبار "جودت سعيد" مُبشّرًا بالفكر الماديّ، ,وعند آخرين هو "غاندي العرب" باتبّاعه سياسة اللا عنف.

أحد المُرتكزات الأساسيَّة وفق رؤيته، وفتحت له آفاقًا جديدة، فكرة (الزيادة في الخلق) فالعالم بحسب فهمه للقرآن (لم يُخلَق وانتهى، أي لم يكتمل خلقه، وإنّما لا يزال يُخلَق)، مُستنِدًا للآية القرآنيّة: (يزيد في الخلق ما يشاء)، و(يخلق ما لا تعلمون).

وفق ما تقدّم من إيراد لبعض مُنطلقاته؛ لاستخلاص نُقطة مهمّة، ومحطّة أساسيّة يتوقف في رحابها الموافق والمعارض لما كان يقول "جودت سعيد"، حين اعتبر ذلك على أنّها مرتبة جديدة من مراتب الوُجود، وأطلق عليه مصطلح "الوجود السُنَني". أي وجود الشيء كقانون، وسُنّة حتّى قبل وجوده بالفعل.

وللإيجاز هذه تمحوُرات وتمظهُرات مجالس "بير عجم" التي اشتُهرت بها، وفيها ألقى المفكر والباحث "جودت سعيد" أفكاره وأماليه على تلامذته القادمين من أماكن بعيدة وقريبة، حيث كان محجّة لهم، وهي كالآتي:

المجلس الأول: تأملات في اللغة – نشأتها – تدوينها – علاقتها بالواقع.

المجلس الثاني: سياسة الإسلام – الصدق – بناء الثقة – نبذ العنف – الرشد.

المجلس الثالث: الرشد شريعة الله والغي شريعة الطاغوت

المجلس الرابع: القانون – تأسيسه – حمايته – الالتزام به.

المجلس الخامس: الإسلام ومفهوم التغيير.

ومن هذا انبثقت الكتب النتيجة الطبيعيّة للتدارس والنقاش المُعمّق المُقنع للمريدين، والمنتَقَذ من المناوئين والمعارضين له، وصار عُرضة لتجاذبات محلّ اجتماع واختلاف.

ومادام النهج لـ"جودت سعيد" إسلاميّ الفكرة والطريق؛ فهو يتناقض بطبيعة تكوينه مع مشروع نظام حكم عسكريّ علمانيّ مُؤدلَج، تحت ملاءة قوميّة أتيحت لها بروباغندا إعلاميّة ديماغوجيّة ساعية لتعميق أثرها مُجتمعيًّا، وكنتيجة حتميّة؛ تتأجّج الصراعات بين أصالة إسلاميّة، ومُحدَثَة قوميّة وعلمانيَّة بأحزابها الكثيرة. ومن الطبيعيّ تصنيف "جودت سعيد" مُعارضًا إسلاميًّا صبر عليه النظام طويلًا، لخصوصيّته ذات الخلفيّة الشركسيّة أولًا، ثمّ لأنّه لم يكن محسوبًا على الإخوانيّة العنيدة بمعارضتها للنظام ونهجه.

ومع حلول العام 2011انفجرت الاحتجاجات ضدّ  الرئيس "بشار الأسد" على خلفية شرارة أطفال درعا، واتّساع نطاقات الهتاف ضدّ النّظام؛ طالب "جودت سعيد" المتظاهرين: على التمسّك بسلميّة التظاهرات الغاضبة المُطالبة بالحريّة والكرامة، وشدَّد على ضرورة نبذ العنف.

ردّة الفعل المُضاد بعنفه العنيف غير المسبوق، ممّا جعل إصرار "جودت سعيد" ليؤكّد مرّة تِلْو المرّة على الالتزام بالنِّضال السلميّ، أخيرًا وأمام النهج الأعمى الاستئصالي للنظام ممَّا اضطره إلى النُّزوح إلى تركيا.

إصراره على سلميّة الثورة السوريّة كان موقفًا لا لبْسَ فيه، مُؤكّدًا على ذلك في لقاءاته ومشاركاته الاحتجاجيّة، ومقابلاته الصحفيَّة المقروءة والمسموعة؛ ففي لقاء مُتلفَز له قال: (إذا نجحت الثورة السورية بالسلاح،  سنظل محكومين بالسلاح  ...وكل من أخذ بالسَّيف بالسَّيف يهلك والديمقراطيَّة لا تحلُّ في بلد إلَّا إذا قال: جميع الفرقاء لن نلجأ إلى العنف).

يضيق المقام من خلال مقال تقييم تجربة فكرية قائمة على تأسيس من مشروع فكريٍّ إسلاميّ على مستوى جماعات وأحزاب وأفراد مُستِّقلين مهما كان حجم تأثيرهم. ويبقى مفهوم التغيير في مجمله، فكرة انطلقت من رحاب المساجد وحلقاتها الدَرْسيّة والوعظيَّة، من خلال التواصل بين الشيخ ومُريديه وأحبابه، بتلقّى أفكاره وحفظها وتدوينها، ومن بعد محاولة التبشير الإصلاحيّ للمجتمع، لتعميم فكرة التواصل البناء بين أفراد المجتمع، وبناء علاقتهم المتينة بالخالق، واستعادة الدّوْر البنّاء للمسجد في الحياة، والحفاظ على الخصوصيَّة الدينيَّة في وجه رياح التأثير الغريبة. وهو الدُّور الذي قام به المُفكّر "جودت سعيد"، كما أقرانه ومُجايليه من علماء الدِّين السوريّين، بترشيد الفكر والسُّلوك بما يُكرّس تجذير ثوابت المجتمع؛ مقابل نهج الاغتراب والتغريب الممنهج بأساليبه الكثيرة.

 

عمّان – الأردن

3/ 2/ 2022

 

 

تأملات قرآنية