الثلاثاء، 18 يناير 2022

فيلسوف المنافي

 

 

فيلسوف المنافي

الشّاعر العراقي عبد الوهّاب البيّاتي

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

المكان الأهمُّ في حياة أيّ إنسان، مسقط الرأس، ومراتع الطُّفولة، وستبقى ماثلة بدقائق تفاصيلها، من الصّعب نسيانها تمامًا مهما تقدّم العمر، ومهما  اِدلهمّت الخُطوب على الإنسان، هي الأماكن الأحبّ إلى قلبه، شعور عميق بالرّاحة عند استعادة ذكراها.

في حديث لي مع الصديق الفلسطينيِّ الأصل، السّوريّ الموطن، الأديب والكاتب "راكان حسين": وصف نفسه بأن لاجئ "سُوبَّر"، منذ بداية تفتّح وعيه بدأت الهجرة على دروب المنافي، من فلسطين بعد حرب حزيران 1967 إلى سوريا في مدينة "المزيريب" محافظة درعا، ومن ثمّ في رحلة إلى أستراليا لسنوات طويلة، ليستقرّ به التِّرحال من أقصى جُنوب الكرة الأرضيَّة، إلى أقصى الشّمال ليحطّ برِحَالِه في ألمانيا.

لا شكّ أنّا رحلة حافلة بالمشاقّ والمتاعب، وكأنّ التشرّد قدره، يا إلهي..!! كم هو حجم المعاناة والمُقاساة والمُكابدة والحنين الضّائع على دروب اليأس، ولكن يبدو أنّ معطيات أقوى، ما زالت تنتصر للبقاء.  تذكّرتُ صديقي هذا أثناء قراءاتي كتاب "مدن ورجال ومتاهات"، وهو مقالات أدبيّة للشاعر العراقي "عبد الوهّاب البيّاتي"، جاء كتدوينة لمذكرات، وهو جزء من سيرة ذاتيّة، ومحطة من محطّات الكاتب خلال ترحاله من العواصم العربيّة ما بين دمشق وبيروت والقاهرة وعمّان، المحّطات الأكثر كان تواجدًا فيها، إضافة إلى العواصم الأوروبيّة، وغيرها في قارّات العالم.

الدكتاتوريّات العسكريّة في بلادنا العسكريّة خاصّة ذات الحكم الجمهوريّ، والنهج الثوريّ، التي ضيّقت على شعوبها، فأحصت عليهم أنفاسهم، وفتحت أبواب السّجون والمُعتقلات، وتحريم الحريّات العامّة، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان على كافّة الصُّعُد والمُستويات. 

الاحتلال الصُّهيوني لفلسطين ساهم بخلق مشكلات للشعب الفلسطينيّ، ولدول الجوار التي فتحت أبوابها لهم للعيش في ملاذات آمنة. ومنذ أواخر العام 2010 وبداية 2011، كانت البداية لربيع عربيّ دامٍ ارتدّت الأنظمة على إرادات الشّعوب، فقامت بالهجوم الهمجي المُضادُّ، واستخدام جميع وسائل العنف، وفي غياب القوانين والدساتير الضّامنة، ارتُكبَت الفظائع التي لا يتصّورها عقل بشريّ على الإطلاق، وأعظم المجازر الخارجة على كلّ مألوف، وهذا يتطابق مع رؤية عبد الوهاب البياتي: " في العالم الثالث بالذَّات لم تعُدْ الأوطـان تُوفِّر أيَّ طقسٍ أو مناخٍ رُوحيٍّ وماديٍّ للمُثقَّف والكاتب، ولهذا؛ فإنَّه يظلُّ يَعُضُّ قيده، وينقُر قُضبان قفصه حتَّى يموت".

فجاءت مُخرجات هكذا أوضاع شاذّة؛ لتصنع أعظم موجة تشريد وتهجير على مساحات الوطن العربيّ بين شرقه وغربه، وتكون هذه الموجة امتدادًا طبيعيًّا لما قامت به إسرائيل من طرد للفلسطينييّن من وطنهم، وفي هذا الصّدد، وصف الصّديق المُفكّر والباحث والأديب "محمد زعل السّلوم" نفسه: بأنّه "مُشرّد البوسفور"، وهذا ممّا جاء به من خلال عمل روائيٍّ حمل هذا العنوان. والمنفى عند البيّاتي: استبدال القيود بالقيود والمنافي بالمنافي حتى يموت ويكتشف الإنسان وهو ينفي نفسـه أو ينفى أنه مقبل على ربيع الإنسان ولكنه يكتشف بعـد وهـلـة أنـه وقع في منفى جديد لا يقل قسوة عن منفاه السابق".

برؤيته العميقة وإحساسه القائم على وعيٍ تامٍّ عند البيّاتي. فيقول: "يتجاوز الشَّاعر حـدود آخر منفى لـه على الأرض، الأرض يطلق صيحة هي أشبه بصيحة الإنسان الذي واجه الطوفان في الملحمة البابليّة القديمة"، وفي ذلك تساوى عندي الليل والنّهار. أنا المنفيُّ بداية داخل روحي، ومن ثمّ خارج الوطن، وتعادل النّور والظّلمة في معطيات حياتي التالية، لم يعُد الألم والسّعادة يفترقان تباعُدًا؛ فأصبحت كلُّ المنافي وطنًا فقط أجل البقاء، سأبقى أتنفّس هواءه، وأملأ بطني بخبزه، وأتجوَّل في ربوعه حتّى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

ويكتسب الوطن الأول في وجدان عبد الوهاب البيّاتي أهميّة أخرى، وبرؤية مليئة بالمرارة والأسى: "وعندما يبدأ الإنسان في منفاه الأول (الوطن) يخدع نفسـه، فينظر إلى ساعته بين الحين والآخر، ويُحصي كـل الساعات، ويعُـدُّ الأيَّام والشُّهور والسَّنوات؛ علـى أمـل أن تُشرِق شمسُ الله على ربيع مملكة الإنسان".

وفي هذا الاقتباس تتضح كيفيّة تفكير البيّاتي بفلسفة الأمر، بنظرته المُختلفة عن محيطه الاجتماعيِّ وأترابه، لا شكّ أنّها رؤية شاعر، ربّما تأتي نبوءة على محامل كلماته: " منذ صرختي الأولى، وأنا في يَدِ القابلـة، شعرتُ برمـاح النُّـور تطعنُ عيني، وبريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ تهُبُّ على المدينـة الـتي وُلـدتُ فيها. أحسسـتُ عنـد ذاك أنّـني في اللَّامكـان واللَّازمـان، أو أنَّـني جئتُ قبل البداية أو قبل النهاية؛ فنظرتُ فيما بعد إلى وجهـي في المرآة؛ فأحسستُ أنَّ لون عيني الأخـرى، الـتي كنتُ أحملها في زمن آخر سبق لي أن وُلـدتُ فيـه، أو زمـن آخـر سأولدُ فيه. حرَّكـتُ أصـابـع يـدي؛ فقبضتُ على الرِّيـح والمطـر، وعلى حجارة القمر، التي كان رُوَّاد الفضـاء لم يحملوهـا بعـد إلى أرضنا؛ فقلتُ: مـن أيـن لي بهـذه الأحجـار؟، وظننتُ أنَّهـا أحـجـار أرضيَّة، ولكنَّني علمتُ بعد سنوات طويلة: أنَّهـا كـانـت مـن أرض القمر، أو مـن كـوكـب آخـر، وقلتُ لنفسـي: مـن أيـن لي بهـذه الحجارة؟ وحاول شِعْري أن يكتشفَ الكوكبَ الذي جاءت منه هذه الحجارة اللَّا إِلَهِيَّة، ولكنـَّني لم أستطع أن أكتشـفَ هـذا السِـرَّ حتَّى الآن، أحيانًا أحسُّ، وبـدون تَعَالٍ أو غـُرور إنَّـنـي ولـدتُ في نهاية هذا العالم، ولكنّـي أحـسُّ في الوقت نفسـه أنَّـنـي وُلـدتُ في بدايته؛ فمن جاء بي إلى هنا..!!؟".

 فالطّريد في وطنه بلا ضمانات حقوقيّة يُحاول البقاء في وجه العاصفة، ولا بدَّ للغزال أن يتعب؛ ليأتي الصيّاد فيجده في قبضته وفي مرمى نيرانه القاتلة؛ فإذا استطاع النّهوض والهروب. ونحن بين أمرين كلاهما مُرْ، ولا نعدو كَبالِعِ السِّكِّين على الحدّيْن، إمّا البقاء مصحوبًا بالخوف والقلق، أو بالقبول بشروط المنفى.

فماذا يعني الوطن.. الذي أحببناه؟، وجذور أرواحنا ما زالت هناك مغروسة في تربته؛ فهل كُنّا في أكذوبة واهمة سرقت قُلوبنا..!!؟.   

 

ــــــــــا 14\ 1\ 2022

 

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

لغلاف كتاب عنان

 

هذا الكتاب 

(قراءات أدبية بأقلامهم. عنان محروس) 

هل مصادفة أن يكتب الأدباء عن بعضهم؟. ليس غريبًا، وربّما تكون العلاقات الإنسانيّة لها دوافعها، هذا مُمكنٌ إلى حدٍّ ما، وستتوقّف عجلته بعد حين. لكن الأمر يتوقّف عند عتبة الأدب الجادّ برصانته، والهادف برسالته العميقة بأبعادها الفكريّة.

كما أنّنا وجهًا لوجْهٍ أمام أديبة ذات طراز فريد؛ إنّها "عنان محروس" الروائيّة المُمسكة بناصية فكرتها، المُتمكّنة من أدواتها السرديّة قصصيًّا وروائيًّا، وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ بأقلام كُتّاب وأدباء وأكاديميّين من رُبوع الوطن العربيّ، ممّن تسنّى لهم قراءة مُنجَزيْ "عنان محروس"، وهما رواية "خُلِق إنسانًا"، ومجموعتها القصصيّة "أغدًا ألقاك"؛ ما هو إلّا بطاقة عبور آمِنٍ لها؛ لتطمئنّ إلى سلامة طريقها، لمتابعة مسيرتها قُدُمًا، وبلوغ أهدافها وما تصبو إليه.

وما جاء من قراءات نقديّة وشهادات إبداعيّة، من مصادر مختلفة الأماكن والمناهل، ما هو إلّا دليل صادق عن نوعيّة وقيمة ماكتبوا عنه، ما هو إلّا مرآة عاكسة لحالة أدبيّة جديرة بالمتابعة.

محمد فتحي المقداد

الاثنين، 27 ديسمبر 2021

من طهران إلى جنوب لبنان

 

من طهران إلى جنوب لبنان

 

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد

   هل كان مُصادفةً..!! أن يأتي ضابط مخابرات إيرانيَّة بهيئة شيخ يعتمر على رأسه عِمامةً سوداء إلى بيروت..!!؟.

   في منتصف الخمسينيَّات من القرن الماضي.. بعد فترة اكتسب الجنسيَّة اللُّبنانيَّة..، وترقَّى؛ ليكون شخصيَّة ذات فعاليات سياسيَّة على السَّاحة اللُّبنانيَّة عُمومًا، وكانت لقاءاته المُنتظمة مع رئيس الجُمهوريَّة، والرئاسات الأخرى للدّولة اللُّبنانيَّة ، وقيادات الأحزاب والطَّوائف.

   ومن ثمَّ جاء التقاء مُخطَّطاته وأهدافه مع نهج قيادة منظمة التحرير الفلسطينيِّة، وذلك من خلال طروحاته بمناصرة القضيَّة، وإيمانه البادي  بتحرير فلسطين، وصدِّ اعتداءات العدوِّ الصُّهيونيِّ، ولم ينس تقديم بعض الدَّعم الماديِّ والمعنويِّ؛ لكسب ودّ وثقة أهل القضية بتأليف قلوبهم.

   بعد ذلك دفع بأنصاره من (حركة المستضعفين والمحرومين - أمل) إلى صُفوف حركة فتح؛ ليتلقُّوا تدريبات عسكريَّة، صنعت منهم مقاتلين أشدَّاء، وأوَّل خنجر طُعِنَت به "فتح" في ظهرها وخاصرتها؛ كان على أيديهم، ولم يكذب الشاعر بقوله: "أُعلِّمهُ الرماية كل يوم.. فلمَّا اشتدَّ ساعده رماني".

   حلّ هذا الضيف الفارسيُّ في لبنان على عائلات في جنوب لبُنان، والبِقَاع، والهِرمل، وبنى معهم علاقات اجتماعيَّة بداية؛ مُتقرّبًا منهم على أساس أنَّه مُنتَمٍ لهم، وأنَّه ينحدر في أصله من جبل عامل. في العام ١٩٥٥كان مُستَكمِلًا أدواته العلميَّة من حوزة (قُم) الإيرانيَّة بجيوب ملآى بالأموال؛ ليُقيم أُسُس مشروع الحُلُم الفارسيِّ الأوَّل: بالسَّيطرة، والهَيْمنة، والامتداد، والتبشير المذهبيِّ، من خلال الاعتماد على الطَّائفة الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة العربيَّة المُهمَّشة منذ قرون.

   منذ اليوم الأوَّل لمجيئه، استقطب عددًا من الأتباع والمُريدين، من خلال العاطفة الدِّينيَّة في المِخيال الشِّيعيِّ، وفكرة المظلوميَّة في الخلافة، وتجديد مراسم التَجمُّعات الحُسينيَّة في عاشوراء من كلِّ عام، وما يتبعها من طقوس اِنْمحى أكثرها في بيئة فلاحيَّة، تنتزع لُقْمتها بكلِّ نفس ذائقة من الكدّ والتّعب من أجل البقاء. لم يكن بالنسبة له ذلك مُجرَّد حلم، بل كان على يقينٍ من فعاليَّة الأموال التي جَلَبها معه، والدعم غير المحدود لهذا الأمر؛ فأنعش الأوضاع الماديَّة لعموم الجُنوبيِّين "الشِّيعة"، وأهل بعبلك والهرمل وجميع قرى البِقاع ذات الطَّيف الشِّيعيِّ. من خلال إنشاء مُؤسَّسة أمِّ الشَّهيد، والجمعيَّات ذات العَوْن الماديِّ، والإسعافيّ الطبِّي لمساعدة المحتاجين، برؤية طويلة الأمد، ومشاغل حرفيّة للنساء مُتخصِّصة في أعمال النَّسيج، ومشاريع التعليم الدِّينيِّ المذهبيّة،  ولم يُستثنَ من ذلك القُروض الماديّة طويلة الأجل بلا فوائد.

   هذه الأرضيَّة التي مهّدها على مدار سنوات قليلة؛ أتاحت له اِكتساح السَّاحة الشَّعبيَّة الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة، وأن يُصبح الزَّعيم الشِّيعيِّ الأوحد، منافسًا بذلك الزَّعامات الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة المحليَّة والتقليدية، ويسحب البِسَاط من تحتهم لاحقًا.

وكان بِحقٍّ هو (الإمام موسى الصدر) الزَّعيم الشِّيعيِّ الأوحد، الحائز بالدَّرجة الأولى على النسبة الأعلى شعبيًّا وجماهيريًّا، وجاء إعلانه عن تأسيس حركة (أمل) تتويجًا لمشروعه؛ ولتكون ذراعه العسكريَّة، والتي أصبحت فيما بعدُ رقمًا صعبًا في المنطقة؛ لفرض شروطه في المنطقة.

***

 

   الجزء الأول من المقال سلّط الضوء على مجيء الإمام (موسى الصدر) إلى لبنان في العام ١٩٥٥، ومن الوهلة أن يُثير العنوان الشّكوك والتَّساؤلات، ومن الغريب أنّ أحد الأدباء رغم صداقتي معه منذ سنوات، لم ألحظ لو إعجابًا لمرَّة واحدة على أيٍّ من منشوراتي ذات الأبعاد الأدبيَّة، وهو ذو باع طويل في الحقل الأدبيِّ، المُثير أنَّه يرجو بكلِّ إخلاصه: "بأن لا أُثيرَ الطَّائفيَّة".

   وبالعودة إلى المقال؛ ما هو سوى إعادة قراءة تاريخيّة لحدث مجيء الإمام "موسى الصّدر" إلى لبنان، وتأثيراته التي امتَّدت خارج لبنان إلى جارتها سورية، وكم سمعنا مُكبّرات الصَّوت في مدينتي "بُصرى الشّام" أقصى جنوب سورية، تُنادي: "يا لثارات الحُسيْن"، وانسحبت تتابعات ذلك إلى أيَّامنا هذه، ولتكون بَلَدي ميدانًا للمشروع الفارسيِّ الصفويِّ.

 

 

 

 

*الإمام موسى الصدر، وأحداث الدستور في سورية:

 

   مع بداية العام ١٩٧٣، وبعد اعتلاء الرَّئيس (حافظ الأسد) سدّة الحكم في سوريّة بسنتين، كان قد طرح الدستور الجديد للاستفتاء، وهو المعدّل عن دستور ١٩٢٥، جرى لغطٌ وجدلٌ كبيرٌ حول بعض موادِّه، وخاصَّة المُتعلِّقة بدين الدَّولة الإسلام. قال فريق: "بأن الدولة لا دين لها"، وآخرون: "دين رئيس الدَّولة الإسلام"، وهناك طرحٌ فريدٌ على طريقة لبنان: "يجب أن يكون الرئيس مسلم سنّي".

*جاء الحل بإقرار المادَّة الثالثة من الدَّستور السُّوريِّ: "الإسلام أحد مصادر التشريع في الدولة".

*إشكالية دين رئيس الجمهورية القادم من أقليّة طائفيّة في سورية، وقيل ما قيل عنها في المصادر التاريخيَّة والدّينيَّة، وكانت معضلةً حقيقيَّة، وتحَدٍّ للرَّئيس الجديد؛ فجاء الحلّ من لُبنان هذه المرّة، ومن عند الإمام (موسى الصّدر) بالذّات؛ بفتواه الشّهيرة: "بأنّه يشهد بأن حافظ أسد هو مسلم يعتنق المذهب الجعفري الإثني عشري". ولما للمشهديَّة الدِّينيَّة السُّوريَّة الشعبيَّة والرسميَّة؛ المُمثَّلة بعلمائها من ثِقَل اجتماعيٍّ، بتأثيرهم الواسع، ورُسوخ احترامهم جماهيريًّا.

   وكان أن انبرت فئة منهم؛ لتكون عرَّابة للموقف السِّياسيِّ في تلك الفترة، وإضفاء نوع من الشرعيَّة المطلوبة رسميًّا على كافّة المُستويات والأصعدة في سوريا، وذلك بمُباركة العهد الجديد والتهليل له، ولتشكّل ظاهرة زواجٍ عُرفيٍّ بين الفريقيْن، وتآخٍ عجيب بين العمامة وصولجان الرِّئاسة، من خلال شبكة علاقاتٍ مُعقَّدة من المصالح الظَّاهرة والخفيَّة، تحت شعار مصلحة الوطن والمواطن.

   وتزعَّم هذا الاتجاه الشيخان في سوريَّا: (أحمد كفتارو) و(عبدالستّار السيّد)، الأوَّل صار مُفتِيًا للجمهوريَّة إلى توفَّاه الله، عِلمًا: أنّه لم يَنَل إجماع أعضاء  المجلس الإسلاميِّ الأعلى في سوريَّا بانتخابه، إلّا أنَّهم خالفوا النِّظام الداخليِّ للمجلس، باعتبار صوت رئيس المجلس مُرجّحًا؛ لإنجاح الشَّيْخ (أحمد كفتارو) لمنصب مفتي الجمهوريَّة.

والشَّيْخ (عبدالستار السيد) جرى تعيينه وزيرًا للأوقاف لسنوات طويلة، وكان من أقوى الوزراء على الإطلاق خلال توزيره في حُكومات تعاقبت على الحُكم، وبعد خروجه من الوزارة، فإنَّ سيَّارته المرسيدس الوزاريَّة، والحِراسة بقيت معه إلى أن توفاه الله؛ وفي السَّنوات الأخيرة؛ اختير ابنه الشَّيْخ (محمد عبدالستار السيد) وزيرًا للأوقاف، وما زال إلى لحظة كتابة هذه الكلمات .

   انتهت أحداث الدُّستور حينها، من خلال حملة اعتقالات واسعة طالت العديد من الفعاليَّات النخبويّة السِّياسيَّة والثقافيَّة والدِّينيَّة المُعارضة، وانتهت في حينها كل الاحتجاجات، وطَوَتْها صفحات النِّسيان؛ لأنه لم يمض عليها أشهرٌ قليلة، حتَّى كانت حرب تشرين ١٩٧٣. الحدث الأكبر على الإطلاق، وهي التي كرَّست سيْطرة الرَّئيس على مفاصل الحياة السُّوريَّة، وإحكام قبضته بحركة إزاحة مُعارضيه الأشدَّاء، والنَّصر الإعلاميِّ؛ الذي تكلَّل باتفاقيّة فصل القُوَّات التي تخلَّت إسرائيل بموجبه عن مساحة ستِّين كيلو متر (٦٠) كم مربَّع، وهي مدينة القنيطرة التي أُضيفت للأراضي التي "احتَّلتها في حرب تشرين 1973 " وهي القُرى الستُّ والثلاثون التي انسحبت منها بموجب الاتِّفافيَّة، بضغط وبرعاية وزير الخارجيَّة الأمريكيِّ العم (هنري كيسنجر).

***

 

الأحد، 26 ديسمبر 2021

تقديم لكتاب "حداثة النص" على أحمد عبده قاسم. اليمن

 

تقديم

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا.

 

"لكلّ مُجتهد نصيب" ، كما يُقال: الاجتهاد وحده لا يكفى، إلَّا إذا كان مُقترنًا بالموهبة، ولا يتكرّس ذلك واقعًا ملموسًا ذي أثَر، كما رأيتُ وتابعتُ الصّديق "علي أحمد قاسم"، خطوة بخطوة، رغم وُعُورة وصُعوبة الطريق، إلَّا أنّ إصراره على الوصول، هو ما أثلج القلب، وأنا أرى بين يديّ كتابه "حداثة النصّ – قراءات في النص القصير جدًا".

هذا الجهد المميّز للكاتب واضح من خلال المادّة النقدية التي قدّمها؛ فهو بهذا يكون قد أرّخ لجانب مُهمٍّ من الحركة الثقافيَّة على السّاحة العربيّة عُمومًا، بمبادرته الذاتيّة الذكيّة، قام بانتقاء النُّصوص ذات الجوْدة الأدبيّة العالية، من دون تحيُّزه لأحد تربطه به علاقة شخصيّة.

ذائقته الأدبيَّة من طراز رفيع؛ أخذته إلى محطّات بعيدة، وغاص في دواخل النُّصوص؛ لتتكشّف للقارئ والمُتابِع عُمق ثقافته، ودرايته في إنتاج نصوص نقديَّة جديدة تُضارع جودة النُّصوص التي اشتغل على دراستها، وفي أحيان تفوّقت.

النَّقد أساس الإصلاح؛ فالنّقد والنقد الذاتيّ، حوله تتمحور أفكار التطوير والتحديث بشكل عامٍّ. بالمقابل سيكون مُحبِطًا، ومُيَئِّسًا، ومُدمِّرًا. النقد سيف ذو حدَّيْن، وهو مطلوب تطبيقه في كافّة مجالات الحياة؛ لرؤية الخطأ، والزَّلل، والوَهَن، ومحاولة ابتكار العلاج المُناسب لكلّ حالة على حِدَة.

جميع المُستويات الحياتيَّة بحاجة للحوار والنَّقد، وفي مجال الأدب؛ تَساوَقت الحركة النقديّة للنُّصوص مع مسيرة الأدب بأنواعه وأجناسه، وابتُكِرت النظريّات العديدة، واستخدُمت لاستخراج جماليّات القصيدة بأنواعها، والقصَّة القصيرة، والرواية.... إلخ. أيضًا لم يتوان النُقَّاد عن إبداء آرائهم فيما يُقدَّم لهم من موادٍّ، أو يُطلب منهم إبداء رأيهم النقديِّ فيها.

وربّما سبقت مسيرة الحركة الثقافيَّة خُطى النَّقد البطيئة بمسافات، ولكنّها بحاجة إلى تقويم وتقييم، وبغياب النُّقَّاد عمَّا يجري من سُيولٍ تحمل الغثّ والسّمين، وذلك في ظلِّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعيِّ، وأصبح العالم قرية صغيرة.

ولا أزعُم أنَّ النّقد غائب تمامًا، والرُّؤية الأسلَم بموضوعيَّتها هي عدم القُدرة على مُتابعة هذا السَّيْل الجارف. حيث أنَّ عمليّة النّقد مُعقّدة بكثرة طُرُقها ووسائلها، واختلافاتها، ومذاهبها الفكريّة، ومرجعيّاتها، وسّعت الهُوّة بين الأديب والنَّاقد، وربّما تولّدت علاقة كراهيّة، وحقد دفين بينهما. هذه الجدليّة عميقة التأصُّل في شخصيَّة الأديب الذي لم يعْتَد إلَّا الألسنة المادحة، وعدم قُدرته على الاستماع للرأي والرأي الآخر؛ أيْ الحوار الهادف والبنّاء. كما أنّ بعض النُقّاد تُحرِّكهم دوافع الغيرة للانتقام من أحدهم؛ لتدمير نصِّه الأدبي، وإسقاطه، وتسفيه وتسطيح أفكاره. هذا مُشاهَد ومنظور بوضوح تامٍّ.

بينما الطّموح بتوالُف وتآلُف حركة النّقد مع المُنتَج الإبداعيِّ؛ لتكوين المجتمع الثقافي الرَّاقي المنشود الفاعل على مسرح الثقافة العالميّة. وهو ما لمستُه عند الأديب والنَّاقد "علي أحمد قاسم"، الذي اِمْتلك أدواته المؤهِّلة للنظر في أيّ نص بالتحليل وإعادة التركيب، واستخراج جماليَّاته، وعمل مُزاوجة تأويليّة، واستنباط رُؤى جديدة تتخفَّى بين طيّات التعبير والصّورة الأدبية والمُحسّنات البديعيَّة، وبذلك كان هو.. هو بالذات.

 مع أطيب أمنياتي بالتوفيق، والمتابعة المستمرَّة لتوثيق وتأريخ هذه الفترة على الأقلِّ.

 

 عمّان – الأردن

25/ 12/ ٢٠٢١

 

الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

وقفة مع الأدب الأرتيري أمسية زووم

 

وقفة مع نماذج من الأدب العربي الأرتيري الحديث

(مشاركة في أمسية أدبية لاتحاد الكتاب والأدباء الأرتيريين في المهجر ـــــا الجمعة 23\12\2021)

(عبر منصة ZOOM)

 

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد. سوريا

 

وقفة مع نماذج من الأدب العربي الأرتيري الحديث

(مشاركة في أمسية أدبية لاتحاد الكتاب والأدباء الأرتيريين في المهجر ـــــا الجمعة 23\12\2021)

(عبر منصة ZOOM)

 

مقدمة عن القضية الأرتيرية:

   أمرٌ مُهمٌّ لضرورته لا بدّ منه قبل الولوج إلى عوالم الأدب، وهو تسليط الضّوء على القضيّة الأرتيريّة، وشعبها الذي كافح الاستعمار الإيطاليّ الأوربيّ، ومن ثمّ الاستعمار الأثيوبيّ (الحبشة) الدولة الأفريقيّة الجارة؛ فبعد الحرب العالميّة الثانية أصبحت أرتيريا جزءًا من إثيوبيا، بمزاعم لا دليل ولا بُرهان عليها، وهُما قد تحرّر كليْهما من الاحتلال الإيطاليّ. وهذه النُّقطة جديرة بالفهم للقارئ؛ لأّنها الموضوع الأساسيّ للكثير من الأعمال الأدبية الأرتيرية عمومًا.

إن إنشاء أرتيريا المعاصرة؛ هو نتيجة لإدماج ممالك مستقلّة؛ مما أدى في النهاية إلى تكوين أرتيريا، وهو ما قامت به سلطات الاحتلال الإيطاليّة. وبعد هزيمة الجيش الاستعماري الإيطاليّ في عام 1941، بعد ذلك كانت أريتريا تُدار من قبل الإدارة العسكريّة البريطانيّة حتّى عام 1952.

   بعد قرار الجمعيّة العامّة للأمم المُتّحدة في عام 1952، كانت أرتيريا تحكم نفسها بنوع من أنواع الحكم الذّاتيّ ببرلمان أرتيريّ محليّ، أمّا الشّؤون الخارجيّة والدفاع هي من اختصاص حكومة أديس أبابا المركزيّّة؛  فإنّه محتوم على أرتيريا أن تكون ضمن  اتّحاد فيدراليّ مع أثيوبيا لمدة 10 سنوات. لكنّه في عام 1962 ألغت أثيوبيا البرلمان الأرتيريّ، وضمّت أرتيريا رسميًّا.

   لكن الأرتيريين دافعوا عن استقلالهم بوسائلهم المُتاحة، منذ الإطاحة بالإيطاليين في عام 1941، توقعوا ما هو قادم، ثمّ شهد عام 1960 أوّل تأليف لجبهة تحرير أرتيريا بين العمال والطلبة في القاهرة، وانتقل نشاطه في العام التالي إلى المرتفعات الأرتيريّة إثر الانتفاضة التي قادها (حامد إدريس عواتي).

وفي العام  1\سبتمبر أيلول \ 1961 مرحلة الكفاح المسلح. مع بضعة مُقاتلين يحملون بنادق إيطالية عتيقة، وقد تبنّت الجبهة تلك الانتفاضة؛ لتحوّلها في مدى سنوات قليلة إلى ثورة مُسلّحة مُنظّمة؛ تهدف للاستقلال الوطني الكامل عن طريق الكفاح المسلح، وانطلقت الجهود السياسية والدبلوماسية في الخارج، لكسب الدّعم والاعتراف العربيّ والدّوليّ، تأسّست رسميّا جبهة التحرير الأرتيريّة. واختار المؤسّسون المناضل (إدريس محمد آدم) أوّل رئيس للجنة التنفيذية للجبهة. 

سأتوقف في هذه الأمسية بين علمين روائيين هما (حجي جابر وهاشم محمود) كنموذجين لكاتبين كعلامة فارقة في الأدب العربي الأرتيريّ،   وقفتي الأولى مع الكاتب العربيّ الأرتيريّ (حجّي جابر)، هذه القامة الأدبيّة المُميّزة بفعلها الثقافيّ من خلال أعماله الروائيّة العديدة، ولا يزال الواقع هو المنجم الأساسيّ للأدباء؛ ليجتهدوا في استخراج موادّهم، وتشييدها بتقنيّات السّرد الروائيّ.

 

هوية رواية "سمراويت" لحجي جابر:

 *اشتغل "حجّي جابر" على مشروع روائيّ؛ يهتمّ بتسليط الضوء على أرتيريا الماضي والحاضر، الإنسان والأشجار وحجارة الطريق، ويحاول مع بقيّة أدباء أرتيريا إخراج هذا البلد من عُزلته الحضاريّة والثقافيّة وإعادة الاعتبار له في على الخارطة، وهو من مواليد مدينة (مصوّع) الساحلية 1976.

هوية رواية فجر أيلول:

* كما أن الروائي هاشم محمود، وفي روايته (فجر أيلول) يرسم لنا خارطة طريق لتشرج لنا رؤيته للقضية: (منذ عانق إبراهيم حلمه صار باحثًا عن اللّيل في كلّ صدر، وليلُ إبراهيم لم يعرف الخوف أبدًا، ذلك أنه يراه ليلًا وحيدًا ذا نُسخٍ مُتكرّرة، ولا شمس تصلح لكلّ ليل؛ فاللّيل في هذه البقاع لا يعرف السّواد مُطلقًا؛ لأنّ في  جنباته تولد الشّمس، وعذراوات القمر، وفتيان الصّباح) ص11.

أستطيع وصف الروايتين بهذه العجالة:

v    وصف رواية "سمراويت":

ورواية سمراويت هي من وليدة المدرسة الواقعيّة بكلّ تفاصيلها وجُزئيّاتها، وكانت خير عمل أدبيّ صادق للتعبير عن الوطن الحلم (أرتيريا) في ذهن الروائيّ (حجّي جابر)، وهي وثيقة تأريخيّة شاهدة على مرحلة هامّة من حياة الأرتيريّين، ما بين الاحتلال الإيطاليّ والأثيوبيّ، ونشوء (جبهة التحرير الأرتيريّة) التي اجتمع تحت رايتها المقاتلون، ووقف خلفها الشّعب الأرتيريّ بفئاته المُختفة خلفها بكافّة إمكاناته الماديّة والمعنويّة. الصّراع الحضاريّ بين عرب وأحباش، وهو ما عبرت عنه الرواية:

-(إنّ الثقافة العربيّة والإسلاميّة في أرتيريا، والقرن الأفريقيّ، هي ثقافة مؤسّسة منذ أكثر من ألف عام في هذه المنطقة، وليست جديدة، بل عميقة الجذور) ص١٧٢.

-(أنّ الدول الكبرى لا تريدنا، لأنّ الصّراع يدور حول مسألة العروبة، وخاصّة عروبة البحر الأحمر) ص١٧٢.

-(عروبتنا في أرتيريا هي مصيبتنا، ولكنّنا قابلون بها، ولا نرضى عنها بديلًا، نعتقد أنّ مسألة العروبة في أرتيريا هي الأساس، لأنّه لولاها، لمل كانت حاجة للثورة أصلًا) ص١٧٠.

-(أنّ أرتيريا المُستقلّة في ذلك الموقع الاستراتيجيّ الهامّ، وهي مع العرب اليوم، وغدًا وبعد غد، وسوف يكون لها دورها في الشدّ على عنق العدوّ الصهيونيّ) ص١٧٢.

*من خلال إحصائيّة قمتُ بها بتعداد هذه الفصول؛ فكانت بلا الخاتمة ثلاثين فصلًا، وهي إن جاءت بقصد من الكاتب، أو غير ذلك؛ فلو عرفنا أنّ الثورة الأرتيريّة استمرّت على مساحة ثلاثين عامًا، فكانت دلالة الفصول ذات معنى عميق.

*الفصول الثلاثون لم تكن تحمل أيّه عناوين أو أرقام تفصل بينها، بينما جاءت اقتباسات من أشعار الشّاعريْن السّعوديّيْن (محمد الثّبيتي) و (محمد الشّيخ)، بالتناوب في كلّ فصل لشاعر مختلف عن الذي يليه، توظيف جميل وموفّق باختيارات الكاتب الذكيّة، وهي كانت تُعبّر على روح الفصل المُتصدّرة له.

*الرواية عرضت الكثير جزءًا وافرًا من أسماء قادة الفكر والفنّ والثّقافة والثورة ومؤسّسيها، وتسليط الضّوء على مُنجزاتهم باقتضاب شديد، لاتّسع الموقف للمزيد، بل هو دافع للقارئ للبحث والتنبيش عن المزيد من المعلومات للاستزادة معرفيًّا.

*عرض توثيقي للأماكن في أرتيريا من خلال رحلة البطل (عمر)، فكان الوصف موفّقًا للأماكن العامّة في أسمرا والمُصوّع، أسماء الشوارع والفنادق والحدائق وحركة النّاس، وطرائق عيشهم.

*سلّطت الرّواية الضّوء على كثير من التراث الماديّ والمعنويّ الأرتيريّ. من هنا تأتي أهميّة الرّواية (سمراويت) على أنّها وثيقة خاصّة أثناء العرض الشيّق المُتوازن لمرحلة ما بعد الثورة، وهي مرحلة الحكم جبهة التحرير الأرتيريّة، ما بين مُؤيّدي الحكم والمُعارضة، بحيث أنّ ديمقراطيّة الكاتب (حجي جابر)، عندما وقف على مسافة واحدة من الطّرفيْن؛ عندما أفسح المجال للرأي والرأي الآخر بالظّهور، وهو ما يعني حياديّة الكاتب، وخروجه من العمل كروائيّ مُسيّر للحدث، وترك الحديث والصّراع ما بين أبطاله، كلّ يُدلي برأيه دون خشية أو مُواربة في الدّاخل أو الخارج.

*الأمر المُهمّ تسليط الضوء على الفساد وترهّل الأنظمة الفاسدة في القيادات الحاكمة، وفي المُعارضة، بعين ناقدة ناصحة ترتجي الخير من هذا، ولم ذلك بقصد التّشهير بأيّ طرف على حساب الطّرف الآخر. وهناك مقولة في هذا المجال: (ثوريّو الأمس هم رجعيّوا اليوم)، وفي هذا المجال تتساوق الرّواية (سمراويت) مع رواية (ذاكرة الجّسد) للروائيّة الجزائريّة (أحلام مُستغانمي)، حينما انتقدت مُخرجات الثورة الجزائريّة، والنّخب التي حكمت مرحلة ما بعد انتهاء الثورة، والعودة إلى الحياة المدنيّة وبناء الدّولة المُفترضة بنهج العدالة وتكافؤ الفُرَص.

*نقطة أخيرة تُحسَب للروائيّ (حجّي جابر) بتوجيه بوصلته باتّجاهها الحقيقيّ الأصليّ نحو فلسطين، القضيّة المركزيّة ووضعها على سُلّم الأولويّات.

v   وصف رواية "فجر أيلول":

   أ-ابتدأت رواية فجر أيلول، من قصّة حُبّ تكلّلت بالزواج، بين شابٍّ مُسلم و(إبراهيم)، والبنت (ترحاس) المسيحيّة المختلفة دينيًّا عنه في محيطه الأرتيريّ ذي التقاليد والأعراف التي لا تقبل بسهولة مثل هذه الزّيجات المختلطة. و(لا فتى من دون ترحاس، ولا ترحاس من دون إبراهيم) ص14. و(يبتسم العاشقان في خجل بريء، ثمّ يتواريان خلف قلبيّهما المُفعميْن بالأحلام، قبل أن يُباركهما صوتان، تزامن صدحهما في نوبة عِشقٍ حُرّة.. جرسٌ وأذانٌ، وبينهما جسدان منذوران للحياة) ص14.

   ب- الحروب الطّاحنة لم تتوقف منذ فجر البشريّة، ما إن تتوقّف في مكان، حتّى تشتعل نيرانها في مكانٍ آخر، بآثارها المُدمّرة للبشرية والكون على كافّة الأصعدة والمُستويات، ومُخرجاتها القذرة التي لا تندمل جراحاتها إلّا بمرور أجيال، وتبقى ذكرياتها الأليمة تقضّ مضاجع الطمأنينة والهدوء والسّعادة. وللتدليل على حالة الحرب في الرواية على سبيل المثال: 

-(هذا الشّيطان مملوء النّار، مُتعطّش إلى الدم.. هذا الشّيطان أراد أن تكون أرضنا جسرًا يعبر به إلى البحر باحثًا عن الجنّة) ص19، وهو إشارة رمزيّة للاحتلال الأثيوبيّ بدولته القاريّة، أراد أن يُطلّ على البحر الأحمر في ميناء (مُصوّع) من خلال احتلال أرتيريا.

-و(لم يتغيّر إدريس -بن إبراهيم وترحاس- كثيرًا عن صباه، كان يمسك بالورقة والقلم؛ فيصنع شِعرًا مُضحكًا عن أولئك الشّياطين الذين غزوا بلاده، يسمع من أبويْه بالمجازر التي ارتكبوها بحقّ الأرتيريّين) ص27.

- و(يتذكّر إبراهيم مذبحة عونا، وكيف رسمها ابنه إدريس على قطعة من الكارتون المقوّى، وعنونها بـ"شارون الحبشيّ") ص28.

-و(يتعجّب الرّجل أيضًا كيف ربط ابنه الصّغير بين المجزرة الأثيوبيّة بحقّ هذه القرية عونا، وبين صبرا شاتيلّا، التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيليّ في 16 سبتمبر من العام 1982) ص28. هذه الفائدة من الروائية بصدقها التوثيقي، لتكون ذاكرة الحاضر للمستقبل، وسجلًّا وثيقًا لا جدال ولا خلاف بشأنه. وما حياة شعب إذا ضاعت ذاكرته، ومقارنة بين احتلاليْن متشابهين بهمجيّتهما في القتل والتدمير.

-و(هل ينسى التّاريخ ما ابتلينا به من تغوّل هذه الطّغمة الدمويّة؟، إنّها خناجر مغروسة في قلوب أخل هذه البلاد، ولن تُفلح حِقَب السّلام، وابتسامات الدّبلوماسيّة اللّزجة في محو نُدُباتها) ص28.

-و(ما الفرق بين "عونا" و"صبرا وشاتيلّا"؟. 12 عامًا تفصل بين المذبحتيْن، لكنّ السّفّاحين كلّهم ملّة واحدة، تجمعهم شراكة القتل والإبادة، وشهيّة الاحتلال) ص29.

-و(كلّ أتباع الشّيطان يدينون بهذا الدّين، ومنهجهم "اُقْتُل، ولا تترفّق بأحد"، ثمّ اِزْرَعِ الأرض بالدّيناميت حتّى تُطهّرها) ص29.

-و(عندما تدينُ لك البِقاع، اِجْلس، واستمع إلى أنّات الثّكالى، وعويل الأطفال، وفكّر بالسّلام المُزيّف، ثمّ صافح المنهزمين بمخالبك، وأنتَ تزهو بأنّك إمبراطور فرش الأرض بالجُثث، ورقصَ فوقها كغراب) ص29. صورة بشعة للحروب، وللسلام الزّائف، من دعاوى السّلام التي تشدّق بها مرارًا الإمبراطور الأثيوبيّ هيلاسي لاسي، بعد القتل والتدمير والدم الذي غاص به حتّى ذقنه.

 

الخاتمة:

هذه الدراسة أضاءت جانبًا مُهمًّا من الجوانب الكثيرة التي تحتاج للدراسات الكثيرة؛ لتبيان جوانب وإظهارها للقرّاء وهي من جماليّات الرّواية، أعتقد جازمًا أن ليس هناك عملًا كاملًا تمامًا، وإنّما هي مُقاربات وتقاربات لقضايا، يطرحها الكاتب للتوثيق، أو للفت الانتباه للخلل، وليس مُكلّفًا بإيجاد الحلول، بل هذه وظيفة السياسيّين والمُصلحين والفلاسفة والقادة بالسّعي بحثًا عن الحلول لما فيه خير مُجتمعاتهم.

   رُؤيتي هذه لجوانب من الرّوايتين، مُؤكّد أنّ هُناك الكثر ليُقال عنها، لعلّي صنعتُ مُقاربة مع روح الرّوايتين كنصٍّ أدبيٍّ، تذوّقتُ جماليّاته، واستمتعتُ ارتياضًا في دوحته، وعشعشت في روحي جاذبيّة المكان الأرتيريّ، بإغرائي لو تُتح لي الذّهاب إليه.

وكنتُ سأتمثّل بانتقالاتي كما فعل (عمر) بطل رواية "سمراويت"، لأرى "سمراويت" هناك في أيّ من مقاهي أسمرة أو مُصوّع، وأجلس معها على طاولة واحدة، وأحتسي فنجان قهوتي، وعَيْنّيّ مغروستيْن في عينيْها؛ لأتملّى منهما ارتواء، وأجبرها على الثرثرة بلغة التّغْرِي بما تعرفُ من كلمات أو عبارات؛ لأستمتع بلكنَتِها الجميلة كما حكاها البطل.

سمراويت رواية مُثّقفة قدّمت جُرعة عالية الجودة، تحثّ على البحث والتوسّع للاستزادة عن مناطق الأطراف العربيّة التي نجهل الكثير من تاريخها القديم والحديث، وجغرافيّتها، وطرائق العيش انتقالًا ما بين حياة الأمس واليوم.

أمّا رواية "فجر أيلول" أظهرت الرواية مهارة الكاتب الروائي (هاشم محمود)، وسعة اطّلاعه التاريخيّ، وإلمامه بقضيّته الأرتيرية والقضايا العربيّة، بعمل مزاوجته وإسقاطاته ما بين تشابُه القضايا، ما يجمع بينها، وأعجبني أكثر ما أعجبني وعيه العروبيّ، ولم يكن همّه الأوحد قضيّة أرتيريا، بل انطلق لقضايا الاستعمار والاستكبار العالميّ، وما واجهته فلسطين  ولبنان من ويلات الاحتلال الاسرائيلي، وتأصيل لقضيّة أرتيريا وربطها بالقضايا العربيّة.

وهناك قضيّة تتشاركها جميع البلاد التي عانت من الحروب التحريريّة أو الأهليّة والطائفيّة،  وهي قضيّة اللّجوء والفرار للنجاة، هؤلاء لم يندمجوا في الأماكن التي ذهبوا إليها؛ إلّا لأنّ الحنين والأشواق تتجاذب قلوبهم بالعودة إلى الوطن، ولكن الوطن بقي حُلمًا جميلًا في مخيالهم، وهو ما عبّر عنه الشّاعر (محمود درويش):  (الطريق إلى الوطن.. أجمل من الوطن).

الرّوايتان نقلتا الواقع بعين خبيرة استجمعت الوصف ما بين الحنين إلى كلّ ما بين في الوطن القائم على محمل الذّاكرة على الدّوام عند من هاجر منه، وأصبح لاجِئًا في بلد آخر. وفي الحقيقة أن فصولهما جاءت متناوبة السّرد بوضوح تامّ، بانتقالات لطيفة، ما إن تنتهي من فصل حتّى يُسلّمك إلى الآخر بسلاسة وسهولة بلا تشتّت للذهن.

عمّان - الأردن

22\ 12\ 2021

 

 

 

عمّان - الأردن

22\ 12\ 2021

الاثنين، 20 ديسمبر 2021

رواية مشرد البوسفور

 

إشكاليَّة الوطن

في رواية "مشرد البوسفور". للكاتب "محمد زعل السلوم"

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

من الواضح أن إشكاليَّة الوطن عند "محمد زعل السلوم"، أدّت إلى خصومة عاتبة ليس على جغرافية الوطن، بل هي خصومة الحياة والكرامة الإنسانية المهدورة في الممارسات والإجراءات الدكتاتوريّة الممسكة بخُناق سوريا منذ 1958بمجيء حكم الوحدة، مرورًا إلى عهد الانفصال، وما يليه في 1963من سيطرة العسكر على مقاليد الحكم، وصولًا للمرحلة الحاليّة الأكثر سوادًا وقتامة في التاريخ على الإطلاق.

"محمد زعل السلوم" هو شبيه وطنٍ نُسخةٌ طِبقَ الأصل، يحمل وطنًا في دواخله، مُرتحل معه أينما حلَّ، وهو مُرتحِلٌ بذكرياته هناك في الوطن سوريا، وربّما تركها هناك ليس نسيانًا، بل عن سابق إصرار وتصميم.. لكي لا ينسى. اِرْتحَل محمد عن كلِّ الأشياء التي أحبّها وألِفها، وارتحلت عنه الأشياء جميعها تباعُدًا، مثله كمثل ملايين السُّوريين. أشواقه ترسم لوحة حنين بملامح الدُّموع والابتسامات، عندما أصبح مُشرَّدًا على البوسفور، اشتغل على تثبيتها في عمل روائي.

 

العنوان:

جاء عنوان الرواية من كلمتين هما عتبة الرواية، وهما أوجز الوجيز بدلالتهما على فكرة الرواية عمومًا، وبالتحليل نتوقَّف عند الكلمة الأولى.

*المُشَرَّد.. المُهَجَّر.. المَطْرود من دياره كلّها تدور في فلك المعنى الذي سنتتبّعه من خلال اللّغة: (شَرَّدَ - فعل- و يُشرِّد، تشريدًا؛ فهو مُشرِّد، وشَرَّدَهُ: طرَدَهُ وتركه بلا مأوًى، تَشَرَّدَ أَهْلُ القَرْيَةِ: تَفَرَّقُوا، تشرّد بين الأزقّة والشّوارع: تسكّع. شَخْصٌ مُتشرِّد: لا بيت له ولا وظيفة، يتجوَّل بدون هدف مشيًا على الأقدام، قائمًا بأفعال غريبة أو سائلاً الناسَ لكسب معيشته) قاموس المعاني الإلكتروني.

*(البوسفور) ممرّ دوليٌّ يقع في اسطنبول. تركيّا. (البوسفور أو مضيق إسطنبول يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويشكّل مع مضيق الدردنيل الحدود الجنوبية بين قارّة آسيا وأوروبّا، ويبلغ طوله 30 كم، ويتراوح عرضه بين 550 متر و3000 متر). مصدر ويكيبيديا.

مُشرّد البوسفور:

هو "محمد زعل السلُّوم" شريد العواطف وذكريات الطفولة المغروسة في رُبى هضبة الجولان المُحتلّ منذ عام 1967. تشريده الأوّل من دياره على يد عدوٍّ مُحتلٍّ غاصبٍ. واليوم يُعيد سيرة التشريد من جديد على يد أبناء الوطن. عند هذه النُّقطة تتساوى العداوة والكراهة والمعارضة للعدوّ ولبطش الدكتاتور.

التشريد سِمَة العصر، والمُشرّدون طوائف مختلفة من البشر على العموم. وماذا لو كان المُشرّد شاعرًا وروائيًّا، ومُترجما وباحثًا ك"محمد زعل" ، لا شكَّ أنّه سيكون فيلسوفًا بامتياز. وفي مثل حالته سأُطلق عليه فيلسوف المنافي، أو الفيلسوف المُشرّد، وهو ملموس في رُؤاه المُثبتة في روايته "مُشرَّد البوسفور".

بالتوقُّف عند مقولة: "محمد الماغوط" في وصفه ل"زكريا تامر": (بأنّه مطرقةَ من حديدٍ في وطنٍ من فُخّارٍ)،ص35.

ولعلَّ "محمد زعل السلوم" بتأمّلاته الفكريّة المُعمَّقة، وهو يقف ذات مساء على حوافّ بوّابة الشرق البوسفور حالمًا بالحريّة؛ استذكر سبب تسميته في التراث اليوناني: (وهو ممرُّ البقرة، وذلك نسبة لحكاية أسطوريّة قديمة، تقول: أنّ "الإله زيوس" حوّل محبوبته "أيبو" إلى شكل بقرة؛ خوفاً عليها من غَيْرة زوجته؛ فعلمت زوجتهُ بذلك؛ فسلّطت عليها ذُباباً؛ فهربت منها "أيبو"، وعبرت هذا المضيق، ولذلك سُمِّي "بوسفور" المشقّة، والكلمة مُشتّقة: من كلمتَيْ (بوس) وتعني البقرة، و(هوروس) يعني المضيق، واجتمعت الكلمتان بمفردة واحدة (بوسفور). مصدر ويكيبيديا.

تأكيدًا لذلك، أعتقد أنّ الجغرافيا تفرض شروطها على الحياة عمومًا، ومن هنا فإنّ رواية "مُشرّد البوسفور"؛ فالمكان بتاريخيّته القديمة؛ فرض فكرة الشّرود والتشريد منذ عصر آلهة اليونان القديمة، وشرود "إيبو" معشوقة "زيوس". والسلّوم ليس ك"زيوس" باحثًا عن عواطف ورغبات، بل هو ساعٍ؛ لمتابعة طريق الحياة الممتدّ من دمشق إلى البوسفور، من باب الجابية إلى بوّابة العبور إلى بلاد الشِّمال الوفيرة بكلّ شيء.

 

وصف الرواية:

"مشرّد البوسفور" رواية منتمية إلى الواقع بجميع تفاصيلها، وتُصنّف في خانة أدب الثورة السوريّة 2011، وأدب اللّجوء المصطلح الجديد لشيوع الحروب واللُّجوء على نطاقات واسعة، وجاءت في سرديّتها كجزء من ذكريات كثيرة، الذّاهبة باتّجاهها الشخصيّ؛ لتظهر بملامح سيرة ذاتيّة للكاتب، وهو الرّاوي الأساسيّ للأحداث في الوقت الحاليّ، جاءت على محمل الذكريات، واسترجاع للماضي في جزء كبير منها، وهو توثيق دقيق بانتقائيّته للتفاصيل بما يخدم هدف الرواية العام.

كما أنّ الرواية جاءت على شكل لوحات مُتموضعة كلّ منها تحت عنوان دلاليّ لكل منها، هذه اللوحات متباعدة زمانيًّا ومكانيًّا ذات أبعاد ثقافيَّة، دالة على تجذُّرها في أعماق الروائيّ.

للقارئ أن يذهب بتفكيره بداية إلى عدم تجانس هذه اللَّوحات في بناء تراتُبات الرواية، وبوقفة بسيطة يتبيّن أنّ رابطها الأساسيّ ما جادت به الذاكرة، ومن ثمّ الرَّاوي (الكاتب نفسه) كونها سيرة ذاتية. هذه العوامل هي ما جعلت اللّوحات تتقارب وتتلاصق بشدّة لملء الفراغات؛ لتنتج عملًا روائيًا متناسقًا يتقاسم الحياة والفنون والتاريخ والفنون.

لغة الرواية سلسة غير مُجهدة للقارئ "اللّغة البيضاء" الأقرب للمتداول على ألسنة الناس عُمومًا. وتوصف أيضًا بالرواية المثقّفة، لانتقالاتها الكثيرة بين لوحة وأخرى، وتفاصيل كل لوحة من مقابلات ومعارف وقراءات وشعر وأساطير وصحافة وإعلام.

المكان الذي رُويت فيه أحداث الرواية مدينة "استانبول"، تزاوج السرد بتعانق محبة امتدّ من دمشق إلى استانبول. واتضح من الأحداث الربط التاريخي فيما بين الشام واستانبول، من الوشائج والروابط المتينة الجامعة لمكوّنات الأمّة العربيّة والإسلاميّة.

 

إشكالية الوطن:

ما الحاجة إلى وطن لا أنام فيه بأمان بملء عينيَّ، هاجس زُوّار الفجر سيطر عليّ، ما حاجتي إلى وطن مُعفّش بأيدي حُماته، الذين تركوا حماية حدود الوطن ساحة فارغة للعدوّ الإسرائيليّ، إذا كان رغيف الخبز صعب المنال في وطني، فأصبح شحّادًا على جميع بُوّابات العالم. وإذا فقدت الأمان في وطني؛ فسأبحث عنه في أي بقعة من هذا الكون الوسيع. هذا هو لسان "محمد زعل السلوم" مثله مثل كلّ السُّوريّين الذين فرّوا للأسباب الآنفة الذكر. وللقارئ بعض الاقتباسات من رواية "مشرد البوسفور"؛ المغنية بدلالتها الدقيقة على إشكاليّة الوطن فيها:

-(إلى زهور الزنبق التي عرفتها من ذوي الفضيلة العظيمة، إلى كلِّ من أحببت وأحبُّ، وسأحبُّ فأنت ميِّت ميِّت، وأنا ميت ذلك أقول لك ميت أو ميت ومع فأنت حي مزروع في ذاكرتي فلا تدعوا أحد أن يدفعكم على الصراخ ولا تدعوا أحد يصرخ فحتى تنالوا المجد كونوا مشغولين، وأشغلوا أنفسكم بما هو خير لكم لا تُضيِّعوا أوقاتكم، إنَّه ببساطة المجد ... كونوا مجانين إن كنتم صغار أو كبرتم ابقوا أطفالا، ومهما قيل أو سيُقال: كونوا أنتم بعيداً عن البلاهة السوداء والظلامية، تابعوا حياتكم، وأنعشوا آمالكم المقدسة... اذهبوا وعيشوا، أو موتوا في مساحات الأمل)ص14.

-(أرفض الطاغية الموجود في داخلي، وكأنَّ سوريَّا كلمة ترتبط بكلمة طاغية، ولكن ذاكرتي أيضًا ترتبط بعيون الشام الجميلة التي لا تفارق وجداني الكليل حين تستعيدها ذاكرتي طبعا دفنت مستقبلي في بلدي واعتبرته وطن العار والمقتلة التي لا تتوقف والعجز الدائم وعدم الفائدة أو الجدوى من تغييره لا اليوم ولا بعد عقود وحتى أجيال، فهي بلاد ميتة لا يمكنني إمساكها ولا نفض الغبار عنها) ص18.

-(فأنا بالفعل خارج نفسي أحاول كتابة شهادة حقيقية عن ظلام دامس حل في نفوسنا ومسار غير واضح ومهلكة دمرت ذروة فرحتنا في أقبية معبد افتقد للشرف لا أطيع إلا ذاتي غيرت بوصلتي وغامرت في محنتي مثل ملايين السُّوريِّين، فلكلّ محنته الخاصَّة معي، ومع كل نيَّة طيِّبة، لتفسح المجال أمام قوَّة الطبيعة البشريَّة في البحث عن أمل في صناعة وطن لا يرتبط بأرض ولا بشر) ص20.

-(إنَّها الحاجة لاقتراف جريمة الحياة مودِّعين آخر ملامح الموت، وقد رسمت على وجوهنا الشَّاحبة ما تمزَّقَ في داخلنا، بحيث لم يعُد بالإمكان الشِّفاء ممَّا تمَ فصله وانتزاعه منَّا، وكأنَّ قوافل اللَّاجئين السُّوريين تُنشِد "الهابانيراس" كالجنود الإسبان، الذين خسروا أرضهم الموعودة؛ ليعودوا للأرض بعد تحليق، ويعودوا لإسبانيا، وهذا الحزن والشَّجن، وقد تحوَّلنا لجُثَث مُتحرِّكة و"زومبي"؛ فقط يبحث عن اللَّاشيء بلا روح؛ فهذا ما يريده أعداؤنا أعداء البشر جميعاً، الطُّغاة والقتلة اللُّصوص والسرَّاقين المُتسلِّقين والانتهازيِّين. نحن نعيش ونستمتع بحياتنا، ونصنع ما نريد لأنَّنا خُلقنا أحرارًا، وسنعيش أحرارًا، ونموت أحرارًا، وكما هَمَسْتني حبيبتي الإيطاليَّة بعبارتها "لافيتا دولتشي" نعم "لافيتا دولتشي"، وليذهب الطاعون للجحيم) ص24.

- (اتَّفقنا أن نبتعد قليلًا لنشتاق، لكننا نسينا أن نعود) ص28.

- (وتُذكِّرني القصة. بمقولة محمد الماغوط في وصف زكريا تامر (بأنَّه مطرقةٌ من حديد في وطن من فخَّار)، فأوطاننا تشبه قطعة الادلين الفرنسية، رغم أن الفران التركي أنكر فرنسيتها وأن اسمها (بيزديه) مع تفتيلة شوارب واعتزاز وشهيق رافع للصدر وانتفاخ رئوي، ولكن من لا يعرف مادلين؛ فطعمها يشبه القباقيب التي كنا نبتاعها من سوق الحميدية، لكن قباقيب الشام أمتن وأمكن؛ فيجب أن تكون أسنانك مطرقة حديدية بالفعل لقضمها مع أنه  قبقاب، يشبه "قبقاب غوار" الذي خان الضمير الإنسانيّ لكلّ سوري منذ انطلاقة الثورة السورية، وانحاز لمذهبه الدمشقيّ الشّيعيّ في دعم طاغوت دمشق. لكنه صناعة وطنية وأقصد القبقاب، کما تغنّى بهذي العبارة أيمن رضا بإحدى مسلسلاتنا السّوريّة التي لا تنتهي) ص35+36.

- (وبالفعل تمكنتُ من التأكُّد، وكعادتي في هواية الضياع) ص38.

- (كلاب بلادي أجبرتني على الركض أمامها طوال الوقت إلى أن تخلصت من فوبيا الكلاب) ص40.

-(فالسلطة لدي محرد قرف شعارات مجوّفة، وترف تصرفات زائفة وفارغة ... أفضل الحرية؛ لأفكر والراحة الأكبر لأكتب) ص45.

-(بعض المِزاجيِّين يستحكمون في هذه الآلة الرَّهيبة، والكثير من اللُّصوص والفيتامين واو، ومُنَزِّلات السَحَّابات ورافعات السِّيقان والمُطُوبْزين للدُّولارات ...) ص48.

 

الخاتمة:

الخاتمة لا أعني بها النهاية؛ فالطَّريق ما زالت طويلة لم يبلغ السوريُّون برّ الأمان، ولم يبلغوه في ظلّ مؤامرة عالميَّة بين الشَّرق والغرب المُعادي لقضايانا العربيَّة والإسلاميَّة العادلة.

"محمد زعل السلّوم" لن أقول عنه إلا أنَّه الوجه الآخر المُشرِق للوطن سوريا. مهجوسٌ بالرَّفض لكلَّ ما يمسّ الوطن، خرج مُكرهًا من دمشق، ليعيش أجواء الحريَّة في إيصال صوته للعالم أجمع، مُحاولًا شرح قضيَّة شعبه العادلة الثائرة في وجه الظُّلم، والدكتاتوريّة الجاثمة على صدر سوريا، والانحياز الواضح للكرامة وحقوق الإنسان السّوريّ وغير السّوري في هذا العالم المُترامي الأطراف.

 

عمّان – الأردن

20/ 12/ ٢٠٢١

 

 

 

تأملات قرآنية