الجمعة، 30 أبريل 2021

الفكرة بين الإسراف والتقتير

 

الفكرة بين الإسراف والتقتير

(20)

بقلم محمد فتحي المقداد

 

   كلّ شيء بحاجة إلى تدبيرٍ وحساباتٍ، بلا إسرافٍ ولا تَقْتيرٍ في مجالات الحياة المُختلفة، والمَيْل للوَسَطِيَّة؛ فإنّ خير الأمور أوسطها، لكنّ الوضع مع الأفكار؛ أعتقدُ أنَّ الأمرَ مختلفٌ تَمامًا.

   أيَّةُ فكرة لها مساراتٍ ودروب عديدة وشتّى، ومُتنوّعة الأشكال والرُّؤى، والكاتب صاحب الفكرة، إذا أراد تنفيذها، سيحشد لها كافّة إمكاناته، ومهاراته الذّاتيَّة، وينسحب الأمر وُصولّا إلى لحظة التنفيذ، أي الكتابة، لتتجلَّى خبرة الكاتب من مخزوناته المكنونة والمُكتسبة، واللّغة ومُفرداتها أساس التنفيذ ومُنتهاه.   

   كُلّما أسْرَفَ الكاتبُ، فلن يُكتب من المُسرفين المُبذّرين عند الله، ولن يكون بأعين النّاس وخاصّة القُرّاء منهم، إلّا ذلك المُبدع، الشّجاع في الولوج في دهاليز اللّغة، لعمل أحفوريّاته العميقة، لنبش الجواهر واللآلئ، ليُطرّز بها مدارات  فكرته، التي تحوّلت إلى نص أدبيٍّ، سوء كان شاعرًا أم قاصًّا أم رَوَائِيًا أم بمقالته الأدبيّة الجادّة والسّاخرة، أو الفكريّة ذات الطّابع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإصلاحي.

القصد ليس إلّا تقديم وجبة ثقافيّة دسمة، مفيدة للقارئ، وتجعله يعيش الحالة ليصبح شريكًا للكاتب في مشروع فكرته، وبما أثار عنه من رؤى مُوَلَّدَة وتَساؤُلات، تذهب به إلى البحث عن المساحات الفارغة فيما قرأ، التي تركها الكاتب عن قصديّة أو خلاف ذلك، واستنباط رُؤًى جديدة رافدة دافعة إلى المُقدّمة للفكرة، وهو ما يُعتبر رصيدًا ثمينًا للكاتب عند قارئيه.

عمّان - الأردنّ

ـــــا 30\ 4\ 2021

 

الخميس، 29 أبريل 2021

كتب خليل النابلسي عن دوامة الأوغاد

 إطلالة على رواية دوَّامة الاوغاد للأديب محمد فتحي مقداد-سورية 

شخصيات الرواية .(النمس)

الشخصيات في العمل الروائي تعتبرُ من اهمِّ عناصر البناء الرّوائي ،اذ ان الشخصيات هي المحرك الأساسي للحدث الرِّوائي،ونموِّ وتصاعد وتشابك خيوط العقدة والوصول الى الحل،وعن طريقها يتم طرح الرؤى والقضايا التي اهتم بها الكاتب.

ورواية دوَّامة الاوغاد مزدحمة بالشخصيات الرئيسة والثانوية،ولكنّ براعة الكاتب ابعد التداخل بين الشخصيات وحافظ على نسق الترتيب المنطقي لتطوّر كل شخصية،وكما ورد في الرواية فقد جعل الاستاذ(فهيم)هو البطل الإيجابي لما يتصف به من شمائل،كما جعل النمس البطل السلبي لما يتصف به من خبث وخداع وتملّقٍ وحقد ورياء وكذب،وقد وصفته انا بالبطل السلبيّ مستعملاً اُسلوب الذّمّ في قالب المدح،وهو الأسلوب الاشد وقعا في النفس.

وقد يري البعض ان شخصية النمس شخصية مركبة معقدة،ولكن الكاتب سبر غورها وفرز أحاديات التركيب العقلي والنفسي لهذه الشخصية التي لعبت دوراً هاماً في سير احداث العمل الروائي.وقد رصد الكاتب تحرّكات هذه الشخصية بآلة تصوير دقيقة،وباختصار شديد كان النمس يمثل الخادم الأمين للسلطة فهو صاحب الدسائس،ونقل الأخبار،والتقارير،وبثّ الإشاعات الكاذبة، ومراقبة الصغير والكبير،حتى بات الجميع في رعب من لسانه وقلمه الذي يقطر سُمّاً زُعافاً.وقد جعل الكاتب هذه الشخصية تحت عين آلةِ التصوير دائماً،ليس لأنه يستحق ذلك،ولكنه كان المحرك والباعث على تصاعد الأحداث وتشابكها.

وقد تميز الكاتب بقدرته على تصوير المكان والشرائح الاجتماعية التي عاشت الأحداث خلال نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي،كما ابدع الكاتب في تصوير الوضع الاجتماعي والنفسيّ لأهل بلده،(فالنمسُ)وكل من سار في ركبه افسدوا حياة القرية وسكانها.وقد مثل (النمس) شخصية المخبر في قصيدة(المخبر)للشاعر بدر شاكر السّيّاب،والذي يقول فيها:

انا ما تشاءُ انا الحقير 

صبّاغ احذية الغُزاة وبائع الدّم والضمير 

وحتى يقول:

انا الدمار انا الخراب 

وكذلك في قصيدة (المخبرين)للشاعر العراقي احمد مطر.

وهكذا كان (النمس)يشبه حيوان النمس سلوكاً، فكان هو ومن سار في ركبه قد عاثوا في الارض الفساد. وقد أحسن الكاتب عندّما بدل اسم (النمس) ب(شايلوك)وهي الشخصية السلبية ذميمة السّمعة،ذميمة الخلق والخُلُق في مسرحية (تاجر البندقية)لشكسبير، فقد جُمعت رذائل الارض وجُبلت في هذا النمس حيث كان اسماً على مسمىً في داخله وخارجه.

ونتيجة ذلك فقد عاش أهل البلدة في توجّسٍ وخيفة،فالأب لا يثق بابنه،والأخ لا يثق بأخيه،ولا الصديق بصديقه،فالكل يخاف النمس وامثاله حتى باتت البلد في توتّر دائم،وتوقّع للاعتقال،لأن التُّهم جاهزةٌ حسب العادة وهذا الوضع هيّأ لما بعده من احداث وتطورات والتي مازالت مستمرة حتى الآن.

خليل النابلسي٢٠١٧/١/١١

الفكرة بين نكبة ونكسة

 

الفكرة بين نكبة ونكسة

(19)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 الفكرة عُمومًا، أيّة فكرة تستولد الأصل والضدّ المُزيّف، تستولد الخير والشرّ، وعوامل النّصر والهزيمة، وتَسْتَوْلد سُبُل النهوض والمقاومة السِّلميَّة والعسكريّة. تساؤل يقلقني: هل تُنْكَبُ اللّغة  وتَنْتَكِس إذا أصيب أصحابها بذلك؟.

   إذا انحدرت الفكرة من هزيمة إلى أخرى، فتتلفّع بأقنعة التخاذل سلوكًا لتبرير موقفها أولًا، ثمّ لتبرير الهزيمة بالتهويم والتلاعب بالألفاظ.. وبالعودة لما كتب من نكبة ١٩٤٨مرورًا بنكسة ١٩٦٧. العلامتان المُميّزتان، للانكسار العربيّ بشكل عام.

   وفي رحاب اللّغة ما يُغني الموضوع، والفهم الدّقيق لمؤدّى كلمة نكبة: وهي (مُصيبة مُؤلِمة تُوجِع الإِنسان بما يَعِزّ عليه مِن مال أو حَميم، تُصيبه بخَسارة عظيمة، رَزيئة، فاجِعة. "مَوْته نَكْبة لأُسرته"، و هي: نازِلة عَظيمة ومُصيبة جماعيَّة تحِلّ بعدد كبير مِن النَّاس، كارِثة)، وتكلّلت النّكبة باغتصاب فلطسين الجُزء الأغلى على قلوبنا، ومهوى أفئدتنا من وطننا العربيّ، وقيام الكيان الصّهيونيّ الغاصب.

   وكلمة (نَكْسة هي: إخْفاق، هزيمة، اِنْكِسار، خِسارة. نكْسةُ المرض: معاودة المرضِ بعد البُرْء). وفي التحوّل الذي ترسّخ في ثقافتنا العربيّة الجمعيّة: بأنّها نكسة عسكريَّة، خسرنا فيها (الجولان في سوريا، سيناء مصر، الضفّة الغربية في فلسطين). وما زال الكلام في موضوع النّكسة محرَّم وممنوع تداوله وتعاطيه على نطاقات عربيّة واسعة. لِمَسَاسَه الفاضح المُباشر، لأوضاع سياسيّة قائمة مُتورّطة، وتتستّر تحت مِلاءات المُقاومة والممانعة، الأسطوانة المشروخة التي صدّعت أدمغتنا، بمحالات فاشلة لإقناعنا بانتصارات دون دونكيشوتيّة.

   التسّاؤل الآخر القائم: لماذا كان الالتفاف على الاعتراف بالهزيمة في المرّتين، واستبدلهما بمصطلح نكبة ونكسة؟. الاستخفاف بالعقول مهنة حاذقة يقوم بها دهاقنة السّياسة، رغم انكشافها بشكل فاضح ومهين.

                                                                                               عمّان – الأردنّ

ـــــــــا 29\ 4\ 2021

 

 

الفكرة البروباغندا

 

الفكرة البروباغندا
(18)


بقلم: محمد فتحي المقداد


الفكرة مهما تعالت نفاسَتُها، وتدانَتْ قُطوفُها الماديّة والمعنويّة؛ فلا بِسَاط ترتاحُ عليه إذا نزلت من عقل الكاتب على ورقة، إلّا ساحات ورِحاب اللّغة، بأوعيتها المُتعدّدة الدّروب والضُّرُوب؛ لاستيعاب الفكرة وحواشيها، وتجليّات الكاتب السّامية.
مجالات كلّ فكرة وتطبيقاتها، لا بُدّ لها من مسار يُحدّد أوّلًا في ذهن الكاتب الكلمات المُستهدفة لاختيارها، لتكون في دائرة اهتمامه، لمعرفته بأدائها الدّلالي على مقاصده وأهدافه بِدِقَّة مُتناهية؛ هادفة لإيصال ما يُريد للقارئ برسالة مُفيدة أو غير ذلك، ويعتمد ذلك على مهارته بسهولة أو صعوبة إيصال ذلك للهدف المُراد.
وبالعودة إلى موضوع المقالة "البروباغندا" الدعاية، إذا أخذنا جانبها المُصْطلحي، لتكون أحد أشكال التواصل؛ بهدف التأثير على الجماهير، من خلال الترويج لرأي واحد، وربّما يستغرقُ ذلكَ وقتًا طويلًا.
بعد الحرب العالميّة الثانية، واستسلام اليابان، إثر القصف النووي الأمريكي لمدينيّ "ناغازاكي" و"هيروشيما"، عملت أمريكا مع بعض القوى الدّاخليّة اليابانيّة المُستقطبة، وأنشأت " الحزب الدّيمقراطي اليابانيّ الحر" الذي حكم اليابان لمدة 36 وسنة، وكلّ ذلك بهدف إقناع الشّعب الياباني، بعدم مُعاداة السّياسة الأمريكيّة، بينما تأبى ذاكرة الحرب والدّمار ما تزال مُسيطرة على العقول والنُفوس بآثارها المُدمّرة الماثلة بأذهان اليابانيّين.
استلزم ذلك جهودًا وأموالًا لتغيير الآراء تجاه ما حصل، وهو ما نستطيع وصفه: (البروباغندا (بالإنجليزية: Propaganda)‏ كلمة تعني: نشر المعلومات بطريقة مُوجَّهة أُحاديَّة المنظور، وتوجيه مجموعة مُركزّة من الرَّسائل، بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص. وهي مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات) المصدر- ويكيبيديا.
وغالبًا ما تقوم على معلومات ناقصة غير مُكتملة بهدف التّشويش وحرف الرّؤية باتّجاهات غير الحقيقيّة، كما أنّها تكون كاذبة تشتغل على توليفة جديدة في سبيل تنفيذ وتسهيل أهداف مُعيّنة، خفيّة وغير مُعلنة على الإطلاق، إلّا من خلال ما تتمخّض عنه من نتائج بعد فترة زمنيّة، ربّما تقصُر أو تطول.
(أصل المصطلح الإنجليزية "Propaganda" أتى من الكلمة اللاتينية "كونغريقاتيو دي بروباجاندا فيدي" والتي تعني (مجمع نشر الإيمان)، وهو مجمع قام بتأسيسه البابا غريغوري الخامس عشر في عام 1622. يقوم هذا المجمع على نشر الكاثوليكية في الأقاليم. و تعني بروباجاندا باللاتينية نشر المعلومات دون أن يحمل المعنى الأصلي أي دلالات مضللة. المعنى الحالي للكلمة نشأ في الحرب العالمية الأولى عندما أصبحت مصطلح مرتبط بالسياسة) المصدر ويكبيديا.
والدعايات الآن في أوسع نطاقاتها على الإطلاق، بتعدّد أوجهها ووسائلها الترويجيّة والاستهلاكيّة، والتأثيريّة بمحاولة تغيير السّلوكيّات الاجتماعيّة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ جميعها، وهي الاستعمار الجديد القادم للاستحواذ على مُقدّرات العالم وعلى الأخصّ الاقتصاديّة منها، لصالح الجشع الرأسماليّ للشركات العابرة للقارّات.

(من كتابي: كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان – الأردنّ
ـــــــــا 28\ 4\ 2021

الجمعة، 23 أبريل 2021

إضارة على كتاب (الأمثال في خماسية مدن الملح)

 

 

إضاءة على كتاب

الأمثال في خماسيّة "مدن الملح"

للأديب والكاتب "محمد موسى العويسات"

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

المقدمة:

   خماسيّة "مُدُن الملح" الروائيّة للروائي "عبدالرحمن منيف"، وهي على التوالي: "التّيه". و"الأخدود". و"تقاسيم اللّيل والنّهار". و"المُنبَتّ". و"بادية الظّلمات". وفي الفصل الأوّل من الكتاب أورد الكاتب سيرة الروائيّ عبدالرحمن منيف، وسلط الضوء على ولادته ونشأته، بتاريخ موجز اشتمل لنشاطاته السياسيّة، وتكوينه الأدبيّ، ووفاته، وعرّج على آثاره العلميّة والأدبيّة، وهو أمرٌ لا بُدّ منه، لأنّ آثاره الروائيّة المُندرجة تحت المُسمّى الأشهر "مدن الملح" هي المقصودة بالدّراسة، حيث أنّ هذا المُسمّى غطّى على عناوين الأجزاء الخمسة، التي ورد ذكرها آنفًا، رغم أنّ كلّ رواية منها تختلف بكثير أو قليل عن الأخرى، ولكنّ الخيط النّاظم لسلستها، هو مُسمّى مدن الملح،  التي تُعتبر هي وثيقة مُهمّة تتحدّث، وتُؤرّخ للحياة البدويّة وظواهرها وخفاياه، التي بقيت قرونًا مُنزوية في مجاهل الصّحراء. ومع هبوب رياح الحضارة التي جاءت مع استخراج البترول في المنطقة الشرقيّة في المملكة العربيّة السّعودية، وما استتبعها من تغيّراتٍ جذريّة، وعميقة قلبت المُجتمع البدويّ المُتتبّع للماء والكلأ على أطراف الصّحراء، وفي أعماقها، ترافَقَ ذلك مع الانقلاب الاجتماعيَ والاقتصاديَ والسياسيّ؛ الأمر الذي غيّر بُنية الحياة وأنماط التفكير، لدى عموم أهل الجزيرة العربيّة.

   وكان ذلك بمثابة ثورة اجتماعيّة قلبت الكيان القبلي والعشائري، المُستقرّ منذ مئات السّنين رأسًا على عقب، وخلقت علائق عميقة؛ بتحديد هُويّة اجتماعيّة مُغايرة تمامًا، ورسمت صورة نمطيّة للعربيّ بثوبه وعباءته، وغطاء رأسه، وعقاله، وخاصّة ما حاول تسويقها الإعلام الغربيّ المُعادي للعرب والمُسلمين، لترسيخ مفاهيم لا تتزحزح  من أذهان جماهير العالم من غير العرب.

   فكان من الضروريّ لإيراد سيرة عبد الرحمن منيف.  الذي ترسّم كلّ ذلك بالتّفصيل الدّقيق، بالإشارات والتّرميز والتّوضيح، وترك مساحات هائلة من المساحات والمشاهد الخفيّة، التي تجعل القارئ شريكًا معه في النصّ، وخلق حالات كثيرة من التّساؤلات عنده.

   وفي استهلاله قبل المُقدّمة أورد الأستاذ العويسات، مقولة الجاحظ، لتبرير اختياره لموضوع دراسة الأمثال في خماسيّة مدن الملح: (كان الرّجل من العرب، يقفُ فيُرسِلُ عدّة أمثال سائرة، ولم يكن النّاسُ جميعًا، ليتمثّلوا بها إلّا لما فيها من المِرفقِ والانتفاع).

 

دلالة عنوان الخماسيّة "مدن الملح":

وفي فلسفة عنوان خُماسيّة "مدن الملح"، أرى أنّ البيوت  والمُدُن تُقام على أساسات صخريّة، وإسمنتيّة مُسلحّة؛ لمُقاومة آثار وعوامل الزّمن، وما وصف المدن بأنها مُدن ملح، إلّا إشارة الملح لافتة إلى هشاشة الملح ذو المنشأ الصخريّ والبحريّ، ولا يستطيع مُقاومة الماء؛ فيذوب ويسوخ انحلالًا، مُتّحدًا بلونه مع الماء الذي يُشكّل نسبة 75بالمئة من الكرة الأرضيّة مُقابل اليابسة.

  رغم أهميّة ماء البحار المالحة في حفظ الحياة البحريّة على الأخصّ، والملح كمادّة خلقها الله فهي مُرادفة لحكمة حفظ الكون من التفسّخ والتعفّن، ومُحارية كثير من الفيروسات الفاتكة لأسباب استمراريّة الحياة على الكُرة الأرضيّة، وبالنسبة للإنسان؛ فإنّ الملحً أساسيٌّ وضروريٌّ لبناء جسم الإنسان وتماسكه وتوازنه، رغم أهميّته العُظمى وهو أحد تشكيلات البيئة الحياتيّة بمختلف أنواعها، إلّا أنّه غير صالحٍ قطعًا لاتّخاذه أساسًا لأيّ معمار ماديّ ذي حجم وجُرْم.

   ممّا تقدّم فإن "عبد الرّحمن مُنيف" بنى رؤيته الروائيّة، على هذا المنحى الذي اتّخذه مسلكًا سرديًّا، لإيصال رسائله السياسيّة على اعتبار أنّه يُعتبر من أشهر المُنشقّين المُعارضين السّعوديّين تاريخيًّا. والرّسالة الأخرى ببُعدها الاجتماعيّ على اعتبار أنّه من أصل سعوديّ، حيث عاش حياته منفيًّا وممنوعًا من دخول المملكة، وفي رسالته الاقتصاديّة؛ فإنّه يرى أنّ سيأتي الوقت لنضوب النّفط؛ لتتوقّف الحياة ومن ثمّ لا بد من تراجعها ارتدادًا للوراء.

 

كتاب الأمثال في خماسيّة "مدن الملح":

أ-  برأيي يُعتبَر كتاب "الأمثال في خماسيّة "مُدُن الملح"، للأستاذ الأديب "محمد موسى العويسات"، موضوعًا بٍكْرًا لم يُطرَق سابقًا، واشتعل عليه باهتمام، وتتبّع لموضوع الأمثال التي وردت في مجموعة روايات عبد الرحمن منيف، الموسومة بــ"مدن الملح".

   وهذا البحث تأسيس لجانبٍ مُهمٍّ طرقته الخُماسية، حيث شكّل ظاهرة تستحقّ المُلاحقة والتدوين بالملاحظة والمقارنة، وذلك لما تُمثّله الأمثال الشعبيّة في حياة الشّعوب عامّة، ولأنّها خُلاصة تجربةٍ حياتيّةٍ، وعصارة كلام، تُقال باختصار اعتبارًا من كلمة واحدة، حتى عبارة أو اثنتيْن، ولما تُشير إليه من دلالات ذات أبعاد، تنطبق على حالة حاضرة، وهو نوع من الأدب المُقارن بجانب منه.

     والشّيء بالشّيء يُذكر، فإنّ محمد موسى العويسات، قد أضاف للمكتبة العربيّة كتابه هذا، ليصطفّ إلى جانب "مجمع الأمثال للميّدانيّ", وكتاب "الأمثال للظُبّي"  والكتب الكثيرة التي وثّقت الأمثال الشعبيّة في مختلف البيئات الاجتماعيّة.

   كما أنّ الأمثال ظاهرة قرآنيّة كُتب عنها الكثير من الدّراسات والأبحاث. استهدفت هذه الأمثال الأقوام البائدة والهالكة؛ لأخذ العبر والدّروس والعِظَات ممّا أصابهم، ولكي لا تقع البشريّة بنفس المطبّات التي وقع فيها من قَبْلَهم.

ب- وفي منحًى آخر، قبل البدء بالدّراسة أورد الأستاذ العويسات موجزًا مُقتَصَدًا عن كلّ رواية، مُشيرًا إلى طُرُق وشِعاب موضوعها الذي سلكته، وتمحورت عليه مُعظم أحداث العمل الروائيّ.

ج- في الفص الثاني أورد العويسات الكثير من الأقوال والدّراسات التي قيلت وكُتبت عن مدن الملح، وبرؤى متوافقة ومختلفة بأبعادها التحليلية، المُستندة على دلالاتها السرديّة.

د- وفي فصل لاحق، بيّن أهميّة الأمثال في الحياة منذ بدء الخليقة، وأورد التعاريف العديدة عن العلماء الأقدمين وما كتبوا في هذا المجال بين القديم والحديث.

 

 

الخاتمة:

كتاب الأستاذ العويسات حقيقة هو وثيقة أدبيّة يُعتدّ بها، وقد اتّضح الجهد الذي بذله، في تتبّع الأمثال في الخماسيّة، كما أنّه وثيقة اجتماعيّة وثّقت حياة الصّحراء والبدو، ومُستلزمات الحياة بتبعاتها، وجاءت على المقارنات مع الأمثال المشهورة منها في أماكن أخرى، ومع تطابقها مع الأمثال العربيّة القديمة والشّهيرة. جُهدٌ طيّبٌ مُبارك؛ أضاف إلى معارف قارئه ثقافة جديدة، بلمسة خبيرة عارفة، وعلى دراية كافيّة بالجذور اللّغويّة، وارتباطاتها باللغة العربيَّة الأمّ، وهو أحد أساتذتها ومُعلّميها في القدس الشّريف.

عمّان – الأردن

ـــــــــا 23\ 4\ 2021

الثلاثاء، 20 أبريل 2021

التساؤلات في رواية صبري يوسف

 

التساؤلات على مدارج رواية

(إلقاء القبض عليّ حاسر الرأس)

للروائي السّوري (صبري يوسف)

 

بقلم الرّوائي – محمد فتحي المقداد

  

*المقدمة:

من جماليّات أيّ عمل أدبي عُمومًا، بقدر ما يثير من زوابع التّساؤلات في ذهن القارئ، وهو ما يُحتسَب في رصيد المُكتنزة بالوقفات التأمليّة التي تتفتّق عنها أفكارًا، بحاجة إلى إجابات مُلحّة بأحقيّتها في الاستقرار على برِّ من جَوابٍ شافٍ.

   والتساؤلات كانت تتدفّق على ذهن الروائيّ "صبري يوسف"، وهو أمام حدث مفصليّ في حياته العسكريّة، أثناء تأدية الخدمة الإلزاميّة في الجيش العربيّ السّوريّ، فالانضباط والالتزام الشّديد بالأوامر العسكريّة هو قانون الجيوش قاطبة في العالم. الجنديّ لا يكون جُنديًّا إلّا بلباسة العسكريّ الأنيق مُتكاملًا من أعلى رأسه باعتمار قُبّعته، إلى أخمص قدمه بلبس البوط (البُسطار) نظيفًا مُلمَّعًا، والأهم أن يكون حليق الوجه بشكل دائم.     

 

عنوان الرواية:

جاء العنوان مُكوّنًا من خمس كلمات (إلقاء القبض عليّ حاسر الرأس)، يبدو أنّه طويل نسبيًا، كان من الممكن بدل هذه الجملة، بانتقاء عنوانٍ مختصر بدلالته على الحدث.

أرى أن الكاتب أراد  أن يكون الحدث الأساسيّ هو محور الرّواية بشكل عامٍّ، خرق القوانين العسكريّة بعدم وضع القُبّعة (السّيدارة) على رأسه، لم يكُن مُتقصِّدًا ذلك، بل بطريق الخطأ.

   لكنّ المُخالفة البسيطة؛ تبقى مُخالفة في نظر القائمين على تنفيذ وتطبيق القانون، وهم أفراد الشّرطة العسكريّة الأشدّاء بفظاظة وجلافة، من خلال دوريّاتها الثابتة والمُتحرّكة في المُدن عامّة، وعلى الأخصّ في العاصمة.

عسكريٌّ مُجنّدٌ أو عامل، فردًا أو صف ضباط أو ضابط، فهو هدف شهيٌّ لدوريّات الشّرطة العسكريّة، إذا ضبطوه بمخالفة مهما كانت صغيرة وتافهة، من الممكن أن تؤدّي به إلى السّجن، وحلق شعره على الزّيرو (الصّفُر)، وما يترتّب على ذلك من تأخير تسريح المجنديّن عند نهاية خدمتهم عن موعدها.

 

تساؤلا ت على الرّواية:   

    وبالاستدلال من الرواية بمقطع: (سأتدلَّى يوماً بالحبالِ في حفرةِ تحومُ حولها شهقات البكاء، وقبل أن أتدلَّى، لابدَّ أن أضرب ضربتي القصوى في رحابِ العطاء، لابدَّ أن أؤدّبني تأديباً لا يخطر على بال، لابدَّ أن أضع نفسي على المحكِّ الأخير، لابدَّ أن أطهِّرَ نفسي من ترّهات هذا الزّمان؛ كي أتدلَّى بطريقةٍ تليقُ بالسّماءِ وثباتِ الحبال!).

   بمزاوجة هذا المقطع مع العنوان: (إلقاء القبض عليّ حاسر الرأس)، نخرج بنتيجة أنّ الرّواية جزء من سيرة ذاتيّة للكاتب "صبري يوسف"، والأعمال الروائيّة تستوعب هذا النّوع من الأدب بتذويت السّيرة من خلال نسيج سرديٍّ أدبيٍّ فيه مُتعة القارئ، وتظهر فيه مهارات الكاتب، وجرأته في كشف جوانب من تجربته الحياتيّة؛ لاعتقاده أنّ فيها النّفع لتشابهها أو اختلافها عن حياة الآخرين. وفي رأي "صبري يوسف" أنّ ما فعله هو نوع من الخلاص التطهيري الداخليّ، وهو ما يليق بالسّماء، وللتخلّص أيضًا من أوظار الواقع العالقة بالرّوح؛ وصولًا به إلى مرحلة النِّيرفانا.

 كما أنّ العامل التأديبيّ بنظر القائمين هو تربية على الانضباط، بتقويم المسلك غير النظاميّ، للاعتياد على الالتزام الذاتيّ  مُظهِرًا التزامًا يليق بالهيبة العسكريّة.

-(هل تستهين يا عزيزي القارئ، ويا عزيزتي القارئة، أن ينسى العسكريّ، ارتداء طاقيّته على رأسه)، وبلسانه يُجيب على تساؤله الاستنكاريّ: (منظر العسكريّ غير لائق، وسيدارته مُعلّقة على كتفه أو في جيبه، نعم هندامه من دون ارتداء سيدارته؛ يُشوّه الشّارع، ويعكسُ صورة غير مُنضبطة للنظام العسكريّ العتيد). سُخرية الجواب بكلمة: "يُشوّه الشّارع"، وكلمة: "العتيد"، لكن الجيش يريد فرض هيبته بالقوّة على مُنتسبيه، ولإنزال الرّعب في قلوب الشّعب.

-(قلتُ للذيْن قبضا عليّ، هي ذي سيّارة مبيتي، ولا بُدّ أن ألتحق بقطعتي الآن، لأنّ لديّ أعمال هامّة لا بُدّ أن أنجزها اليوم) أجابني أحدهما: (لا تستطيع اللّحاق بقطعتِكَ، ولا بُدّ من أن تُرافقنا، ونأخذ إجراءاتنا بحقّكَ؛ لأنّك ستُعاقب) والسّبب على رأيه: (لأنّنا ألقينا عليكَ القبض، وأنت حاسرَ الرّاس، وهذا مُخالف للانضباط العسكريّ، ، وكان من المفروض عليك أن ترتدي سيدارتك منذ خروجكَ من المنزل، كي تكون مُهَيَّأً لهكذا موقف)، لم يتركنا الروائيّ "صبري يوسف" في حيرة أمام تساؤلاته، بحواريّاته مع دوريّة الشّرطة العسكريّة، لنتلقّى الإجابة، ونتعرّف على السّبب الحقيقيّ للقبض عليه.

- (وما هذه الجريمة الكبرى الّتي ترتّبت عليّ من خلال سيري أو وقوفي في الشّارع حاسر الرَّأس؟!). و(ماذا سيستفيد الجيش والنِّظام العسكري عندما تلقيان القبض عليّ في هذا الصَّباح الباكر  وأنا حاسر الرَّأس؟!)، الشّرطي العسكريّ بحدّة الآمر الذي بيده مقاليد الأمور: (أجابني بكلِّ عنجهيّة: لا تتفزلك ولا تطوِّل لسانك، كُنْ مؤدَّبَاً ونفّذ الأوامر العسكريّة بدون أيِّ نقاش).

-(ماذا ستقدِّم للوطن لو عاقبتني؟، إنّك عندما تعاقبني تعيق عملي، وبالتَّالي تحرِم الجيش من خدمتي له، وهذا ينعكس على الجيش سلباً، وهل كلّ عناصر الجيش منضبطين على التّمام والكمال، وبقيت قضيّة عدم الانضباط متوقِّفة عليّ أو على من يسيرون في المدينة حاسريِّ الرّأس؟ الجيش يحتاجني في قضايا أهم من كوني أسيرُ حاسِرَ الرَّأس). نظرتان متعاكستان تمامًا برؤية القضيّة، وتداولها بطريقة واقعيّة كلٌّ من وجهة نظره، فالقائم على تنفيذ القانون يرى في عدم ارتداء السّيدارة قضيّة خرق قانون، وإخلال بهيبة الجيش، والعسكريّ المُجنّد يراها أشياء تافهة لا تستحقّ كلّ هذه الإجراءات المُجحفة بحقّه وأمثاله المُخالفين مثله، وبالتّالي لا خيار له  إلّا الامتثال لإرادة القانون طوعًا أو كرهًا، وتنفيذ العُقوبة المسلكيّة المنصوص عليها بحقّه. وتأتي إجابة الرّقيب: (نعم بقيت القضيّة متوقّفة عليك وعلى كلِّ واحد من أمثالك يخالف القانون)، القائم ضمن مُهمّته الوظيفيّة مراقبة أيّ خرق للقانون، لقمعه بالقوّة إن تطلّب الأمر.

-(لكنّي فقط أناقش معك عن الفائدة الّتي سيجنيها الجيش من مُعاقبتي لا أكثر!)، احتجاج منطقيّ لو كان للمنطق أن يتحدّث في وضع غير خارق للقانون. لكن لا فائدة تُرتجي، لأن القاعدة العسكريّة، تقول: (نفّذ، ثُمّ اِعتَرِضْ)، وبمرارة المغبون ظُلمًا، المجنّد بمحاكاته الدّاخليّة: (صعدتُ معهم بالسَّيارة، وكأنّني مُجرمٌ فارٌّ من الجَّيش، أو كأنّي ارتكبتُ خطأً جسيماً في حقِّ النَّظام العسكريّ). وبمرارة أكثر يتابع: (شعرتُ بالتَّضاؤل والمهانة، أن يُقبَضَ عليّ لأمرٍ تافه كهذا).

- وبطريقته السّاخرة قريبًا من الكوميديا السّوداء، يحكي صبري يوسف: (أنا العسكري الرّقيب المجنّد المدنيّ، أخدمُ خدمتي بكلِّ اِحترامٍ وشرفٍ، وأشتغلُ ليلَ نهار في قسم التّوجيه السِّياسي، ماذا قلتُ: التَّوجيه السِّياسي، ما هذه السِّياسة "الرّشيدة" في معاملة عناصر الجيش بهذه العنجهيّة والمهانة الفاقعة؟!) في هذا المقطع تتجلّى المفارقة الكُبرى بين الواقع والنّظري، بين الشّعارات وبين الإدارة، احتجاج بلغ ذروته قهرًا به، لانقطاعه عن تأدية مُهمّته، التي يقوم بها على أكمل وجه، ليحدث شرخًا غير مُتوقّع أن يحدث له بهذه البساطة، ولأمر  برأيه بسيط لا يستحقّ كلّ ما حصل له.

- وعلى الطّرف الآخر هناك عريف قبضوا عليه، وساقوهما معّا إلى المقر: (كان في السِّيارة عسكريَّاً آخر برتبة عريف، تهمته أيضاً شُوهِدَ هو الآخر حاسر الرّأس، نظر إليَّ ببسمة مثقلة بالأسى، وهو يهزُّ رأسه بنوع من الذُّل، كأنّه يقول لي: حرّرنا الأراضي المحتلّة)، ما أقساه من شعور مهين، يستشعره العسكريّ الذي نذر جزءًا عزيزًا وغاليًا من عمره؛ لتأدية الخدمة الإلزاميّة وفاء والتزامًا للوطن؛ الذي رضع حبّه مع حليب أمّه، وتعلّم منذ نعومة أظافره: (حبّ الوطن من الإيمان)، بسخرية يقول: "حرّرنا الأراضي المُحتلّة.!!".

- ويتابع بلهجته الغاضبة السّاخرة: (ما هذه القرارات الخنفشاريّة الّتي يسنُّونها على رقاب العساكر، الجنود وصف الضبّاط والضّباط، فيما يخصُّ ارتداء الطَّاقيّة، وما هو موقف أي عنصر ممكن أن يُزجَّ في السّجن ويُحلق شعره، لمجرّد أنّه نسى سهواً، أو إهمالاً أن يرتدي طاقيّته لدقائق معدودات).

- ولم يتركنا الكاتب إلّا ليُسلمنا إلى استنتاجات، نابعة من قناعاته الحقيقيّة، عندما اتّضحت الرؤّية بعد سنوات على الحدث، ووقت الكتابة جاء على محمل الذّاكرة، وإبداء بوضوح تامّ؛ وإصدار حكمه الخاصّ، الذي ربّما يُخالفه فيه البعض، هي تقاطعات ذكيّة؛ لإعطاء صورة واضحة ببساطة المواطن العادي، بلا رتوشات ولا تزويقات كلاميّة، وهو المُبرّر المنطقيّ، للاصطفاف والانحياز للحقيقة: (برأيي: إنّ إلغاء هذا الأمر من قانون العقوبات في الجيش، مهم جدّاً، لأنّه يخلق نوع من العداوة والنُّفور بين المعاقَبين والجهة المعاقِبة، لأنَّ هذا الأمر يحصل خارج الدّوام وليس له أيّة علاقة بالانضباط بالمفهوم الدَّقيق لكلمة انضباط، وأرى أنَّ الجندي بدون سيدارة أجمل، لأنّ شكله بالسِّيدارة يوحي كأنّه في جبهات القتال، لا حرّيّة حتّى في وقت فراغه).

- وبمرارة حفرت ساربها في أعماق نفسه، ما زال يُردّد ألمه النفسيّ: (ضاقَت بي الدُّنيا، انتابتني أسئلة عديدة، وراودني عدّة أفكار غريبة ولا تخطر على بال أحد في تلك اللّحظات الرّهيبة، جمح خيالي بعيداً، وسرحتُ في أفكاري وتوقّفتُ عند سؤال يتعلّق بكيفيّة الخروج من المأزق الّذي أنا فيه دون أن أظهر ضعيفاً أمام زملائي في العمل، خاصّة أنّني كنتُ أعمل في موقع حسّاس، ويتطّلب أن أكون قدوةً في كلِّ شيء من حيث الاِلتزام بالقوانين والاِنضباط، مع أنّني ما أزال أعتبر هذه الجزئيّة في القانون العسكري لا معنى لها ومعاقبة العناصر بهذه الطَّريقة غير مجدية بقدر ما تخلق حساسيّة والكثير من رِدّات الفعل من قبل المعاقَبين).

- وبتعميق التّساؤلات لتطال القيادات في ذاك الوقت، والتي لم تختلف كثيرًا عن حاضرها: (لماذا لا تفكِّر القيادة في حلِّ مشاكل العناصر والجنود وصف الضّباط والضّباط بكلِّ ما يتعلّق بمسائل المعيشة والسّكن والمشرب والخدمات الأخرى والمشاكل الَّتي تعترضهم أثناء تأدية خدمة العلم، لا أن تتربّص بهم وهم في أعماق عاصمتهم وحيّهم وأزقّتهم وتنقضُّ عليهم كأنّهم في حالة صراع أو حالة عداء). هذا التوصيف وهذه الحالة الفصاميّة التباعديّة بين القائد ومرؤوسيه، القائد في وادٍ بعيد عن هُموم ومشاكل العساكر، اهتماماته خاصّة به.

 

 

 

الخاتمة:

الرواية من منظور أدبيّ تُصنّف في عداد المدرسة الواقعيّة، حيث انتقلت بالواقع في جُزئيّة من حياة أي شابٍّ سوريّ في مُقتبل عمره، موضوع الخدمة الإلزاميّة، وما يترتّب عليه من التزامات عليه على أهله. 

ولغة الرّواية السلسة المرنة ببساطتها بدون تعقيدات، وجاءت ببنائيّة دراميّة مُتكاملة، بطريقة سرديّة شيّقة ومتماسكة، وظهرت فيها جليّة تقنيّة المونولوجات والديالوجات بإظهار التعدديّة الصوتيّة الظاهرة والخفيّة، كما لحظت فيها ظاهرة المشاهد الخفيّة، المُستخلصة بذكاء القارئ.

الرواية فيها الكثير من الجوانب التي تحتاج للدّراسة والتحليل، وقد أخذتُ جُزئيّة من جانب منها لعلّني أكون، قد أوفيتُ الموضوع حقّة، وأظهرت شيئًا من مكنونات الرّواية. ومعلوم أنّ هناك ما من عمل مُتكامل أبدًا، إنّما الأمر إضاءة هذا الجانب بما كتبتُ.

 

عمّان – الأردنّ

ـــــــــا 20\ 4\ 2021

 

 


الاثنين، 19 أبريل 2021

الانا والآخر في رواية ميلانين

 الأنا والآخر في خطاب

رواية (ميلانين) للروائية التونسية "فتحيّة دبش" الحائزة على جائزة كتارا لعام 2020‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬


بقلم الروائي-  محمد فتحي المقداد


المقدمة:

السرديّاتُ عُمومًا تنطلق من واقع ما؛ فهو أساس صالح للبناء الروائيّ، وتأتي موهبة الكاتب للسير قُدُمًا في مزاوجة إبداعيّة بين الواقع والخيال؛ لنسج عالم روائيّ مُقنع بحدثه، وممتع لمتابعة القراءة بتشويق بمجاراة للكاتب.

   والكاتب جزء من الواقع، وسيرته خيط من نسيج اجتماعي، والعمل الروائيّ وعاء يستوعب مثلا تذويت سيرة الكاتب من خلال سرديّة أدبيّة ترتقي إلى عوالم الحداثة، على مدارج اللغة، وتصاعد الحدث، بصنعة أدبيّة ترتفي عن الحكاية بمسافات ماهرة خبيرة، عارفة إلى أين هي ذاهبة، وأمينة على أخذ القارئ معها إلى عوالمها بأمان، وهو ما قامت به الروائيّة "فتحيّة دبش".


العنوان:

 أقوى العناوين ما جاء بكلمة واحد، وهو على الأغلب يكون مُحكَم الدلالة؛ ليقودَ القارئ إلى عتبة النصِّ، ومن ثمّ الوُلوج إلى دهاليزه، وزواياه المُضيئة والمُعتِمة.

   ميلانين: مصطلح عِلميّ، وهو المادّة الصِّبغيَّة المسؤولة عن تلوُّنِ البشرة والشَّعر؛ كلّما حضرت كان اللَّونُ غامقًا كثيفًا، وكلما قلّتْ كان اللّونُ فاتحًا. 

   وحسب موقع ويكيبيديا: (يبدأ إنتاج الميلانين في الجلد بعد التعرّض للأشعَّة فوق البنفسجيّة، مما يُسبِّب اِسْمرار الجلد بشكل واضح. يُعتبَر الميلانين مُمتَصٌّ فعَّالٌ للضوء، والصّبغة قادرة على تبديد أكثر من 99.9٪ من الأشعة فوق البنفسجية الممتصة).

   وفي مزاوجة لكلمة ميلانين، مع اختيار الكاتبة لمقولة عالم النفس "كان بول سارتر": (أنا أستطيعُ أن أختار دائمًا، وحتّى إذا رفضتُ الاختيار، فإن عدم الاختيار؛ هو اختيار في حدّ ذاته). يتبيّن أنّها اختارت السّفر للدِّراسة في فرنسا، واختارت أنْ تروي لنا تجربتها على لسان بطلتها المُوازية "أنيسة عزّوز"، لكنّها لم تختر، بل كانت عاجزة تمامًا باختيار لونها الأسمر المعجون بأديم أفريقيا؛ ولتحكي لنا برمزيّة مؤشّرة للتمييز العنصريِّ، وقضيّة المُلوّنين على مستوى العالم. 

   فهل كانت واعية لسبب اختيارها لهذه العبارة، ونحن نستقرئ فلسفتها المُتوارية خلف ظاهر المعنى، أجزمُ بقولي: "نعم"، في مثل هذه الحالات لا يأتي الاختيار عَبثًا، للاتِّكاء على اسم سارتر في بداية الرواية لخداع القارئ، أو لفرد عضلات الكاتب لإيهام القارئ.


الأنا والآخر:

   الأنا والذّاكرة خاصّة في السّفر، هواجس الضّجر، قلق المسافات والانتظار،  والاستجواب، قلق الخوف من المجهول بتضاديّة الإقدام عليه، متزاوج مع قلق الوصول، فالمحطّات تُسلم نفسها للعابرين بمتوالية ارتباطيّة كلّ محطّة تُفضي إلى أخرى، وبوّابات للخروج تُقابلها أخرى للدخول. 

   (أشعر بالبهجة نفسها، والنّوستالوجيا التي صاحبتني عند أوّل سفرة بعيدًا عن شجر التّين والزّيتون) ص10. لم يطُل بنا الأمر لاكتشاف سبب القلق المشوب بالخوف؛ سببه الحنين المؤرّق للوطن، هي لم تُعبّر بكلمة وطن أو قرية، بل أوّل سفرة بعيدًا، حيث اختصرت الوطن بشجرة، ولماذا الشّجر.. التّين والزّيتون؟، أعتقدُ جازمًا أنّها تحسدُ هاتين الشّجرتيْن لتجذرهما، وتعميرهما سنوات طِوالًا، وها هي تركت جذورها وقدمت إلى باريس، كما أنّ رمزيّتهما كبيرة؛ فيهما الحياة الدّائمة المُستمرّة في أفريقيا، بمقاومة الجفاف والظّروف القاسية، والإصرار على الحياة بعناد، كما أنّ دلالتهما القرآنيّة في ضمائرنا، فيهما إشارة اِتّكائيّة  لتعود بنا لتلاوة هذه السّورة، وكأنّها تقول: مهما ابتعدتُ لن أتخلّى عن مُعتقدي وأصولي وجذوري. كما أنّ رمزيّة شجرة الزيتون المُباركة كرمز للسّلام والسِّلم العالمي المفقود، أحملها بقلبي وعقلي.


   وتقول: (كبيرةٌ جدًّا باريس، وأنا القادمة من قرية بعيدة بين بحر وصّحراء، عندما غادرتُ "مارث" إلى تونس العاصمة، كنتُ أشعرُ بالتّيه لفرط اتّساعها، واكتظاظها، هو الشّعور نفسه الذي تلبّسني، وأنا أحطّ بطموحاتي في معهد الصّحافة  هنا قبل سنوات من اليوم، باريس الشّرسة أكبر بكثير ، والتّيه فيها بلا حدود)ص10. ومن الذي دفع فاتورة السّفر والدّراسة: (باع أبي شُوَيْهاتها وأمّي  حِلِيّها القليل، وعزمتُ على العوْم، إمّا النّجاة، وإمّا الغرق) ص11. الرّيف الفقر، والتضحية بأساسيّات العيش من أجل العلم، ومجازفة لتجربة مجهولة الطّريق، محفوفة بالفشل على كثير من الاحتمالات، والنّجاح بالأخرى.

هنا يتبيّن أنّ الحدث الروائيّ جاء على محمل الذّاكرة، وما جادت به بعد اتّضاح الرّؤية، بالنسبة للقرويّ الريفيّ ونظرته إلى المدينة الصّارخة بكلّ شيء مختلف تمامًا عن القرية الهادئة، الناس يعرفون بعضهم بعضًا، والمُدنُ تُرحّب بكل غريب، تحاول ابتلاعه واحتواءه بكلّ تفاصيله، وإغراقه في أُتُونها، وهو ما تنبّهت له "فتحيّة دبش"، بقولها: "باريس الشّرسة أكبر بكثير ، والتّيه فيها بلا حدود". والغُرباء يجمعهم ليل الفُندق النّزُل، يحاولن التخلّص من أحمال همومهم المُتشابهة حدّ التّطابق.  لكنّ ضرورة المدينة محطّة في حياة البشر جميعًا، يقصدوها لقضاء شؤونهم المختلفة.

الغُرباء يلفت انتباههم كلّ صغيرة وكبيرة، وتُعبّر عن ذلك: ( كنتُ فيها أسير - بباريس- بين أبنائها بلا ظلّ ولا امرأة، وحده الحنين يجُرّني إلى جوْلة بالمغرب الصّغير ببارباس - حيّ باريسيّ -، أملأ حواسّي بالأصوات باللّغة وبالروائح، يُبادرني أحيانًا بعض الباعة، بلغة فرنسيّة بلكنة مغاربيّة، أجيبُه بالعربيّة؛ فيفغر فاه) ص11. شعور الغرباء مُتشابه بالحنين والأشواق لرائحة الأوطان وعلى متنها يغادرون باريس سفرًا بأرواحهم إلى ديارهم. هذه الازدواجيّة، وانقسام المشاعر والحنين الدّائم، في حقيقته قلق الذّات بين الرّفاه في الشّمال، والعودة إلى مواطن الفقر في الجنوب، وهي قضيّة شائكة بكل مستوياتها.  


الآخر العنصري:

   وبتتبّع هذا الموضوع في سياق الرّواية، فلا بدّ من إماطة اللّثام عن الوجه الآخر لبلاد النّور، لا أدري كيف أطلقوا عليها بلاد النّور، وهي الدّولة الاستعماريّة قديمًا أيّام الاستعمار الكولونيالي، وما زالت تُدير كلّ خُيوط اللّعبة في أفريقيا ودول عديدة في العالم، من خلال غطاء الفرانكوفونيّة، وتقوم بنهب ثرواتها، وتثبيت رجالها كزعماء تُشغّلهم لمصالحها من خلال تنصيبهم كرؤساء ووزراء وحكّمًا إداريّين على دولهم.  

-(هناك دائمًا حدث ما أو عبارة ما يذكّرك به الآخرون من خلالها بأنك مُختلف، لا بدّ لك من تبعيّة ما؛ حتّى يستأنسوا إليك، إن استطاعوا) ص12.

-(ألملمُ شظاياي، أستعيد اختلافي، وأختفي من هرج الأسئلة بين الدّفاتر.. هناك فقط تكمن النّجاة) ص12. الغُربة تفرض قيودًا جديدة في نفس أيّ مُغترب لأيّ سبب كان. كثيرٌ من المخاوف.. كثير من التّحفّظات، صراع الهويّة والانتماء، وخلع القيم والمبادئ حتّى يكون مُدمجًا في مجتمع مختلف تمامًا، لا يرضى من المهاجر إلّا بخلع جلده ورميه في مزبلة بلاده، والقدوم إليهم جاهز لقولبته على طريقتهم التي يريدونها.

-(على مشارف الحزام السّريع المُفضي إلى الطّريق السيّارة رقم 86، تظهر المُخيّمات العشوائيّة مُتراصّة، بعضها فرديّ، وبعضها جماعيّ . أسألُ السّائق: إنّ كانت مُخيّمات الغجر؟، ولكنّه يُجيب بنبرة حياديّة: لا، هي تجمّعات للمُتسلّلين الجُدُد) ص12. في هذا المقطع يتبيّن لنا أن الزّمن الروائيّ للحدث هو جديد، ابتدأ بعد موجة الرّبيع العربيّ ، وهو ما عادت لتؤكّده الروائيّة: (بعد الرّبيع العربيّ بدأت إفريقيا تتقيّأ أطفالها بلا مُواربة، ولا خجل، ومن صمت جرائمها في بيع أطفالها قديمًا للقواف العربيّة، ثمّ للبواخر الغربيّة، واليوم على ظهور قوارب الموت تتقيّؤهم دون استثناء) ص12. 

وترسم بمهارتها الأدبية المشهد بحروف تقطر ألمًا إنسانيًّا: (وتحوّلت البضاعة السّوداء إلى بضاعة مُلوّنة، تملأ بطن المُتوسّط الذي لا يشبع) ص12. وهنا تتجلّى فلسفة اختيارها المُوفّق لكلمة ميلانين؛ لتجعلها عُنوانًا للرواية، فبكلمة واحدة غطّت على أسِّ الحدث بشكل معقول، ومُقنع لتوجّهات رساليّة الرواية.    

وفي جملة مثيرة: (فرنسا شقراء، وستظلّ..!!)ص13. كذا قال لي نيكولا – طالب في نفس دفعتي – ونحن نتقاسم وجبة غداء في المطعم الجامعيّ. قلتُ له: (لكنّ الشّوارع تثبتُ أن سمرة صحراويّة تجتاحها ببطء) ص13. وضع ملعقته وشوكته جانبًا واعتدل في جلسته قُبالتي، وقال: (من الصّعب جدًّا أن تُنجِب أنثى بلا حُبٍّ، ولكنّه يحدُث كثيرًا أن تحمل جنينًا بلا حبٍّ أو بعد اغتصاب، وأن يتحوّل الجنين إلى طفل مُشاغب يُخلخل قلق البراءة، يُفجّره بحثًا عن هويّة، أخيرًا ستجعل منه طفلًا شرعيًّا دون أن يكونه، ويحدث أيضّا أن يتحوّل جنين اللّاحب إلى طفل نزق مُنفلت يهدّدها ويقتصّ منها) ص13. 

-(انظُري ماذا فعل المُهاجرون القُدامى بفرنسا..!! عليك رُبّما بالخروج في جولة إل بارباس في يوم الجمعة، يسجدون في الشّوارع يكتبون بالعربيّة على واجهات مغازاتهم، لم يحدث أن خلخلت أقليّة مُهاجرة فرسا مثلما خلخلتها الجاليات العربيّة المُسلمة) ص13+14. 

   -(إنّه زحفٌ ممنهج، مُتمرّد، اندمج الجميع حتّى السّود، أمّا المُسلمون فقد كشفوا عن عجزهم عن التأقلم فيها، ظلوا مُتمسّكين بعاداتهم القبليّة، وبأفكارهم الخُرافيّة، ساقهم إليها الفقر، حتّى إذا شبعوا تنكّروا لبلد آمنهم من جوع) ص14.

   -(نيكولا دُوران، يُردّدُ كثيرًا تاريخ جدّه اذي مات في حرب تحرير فرنسا، ويرى في نفسه وريثه الشّرعيّ في النّضال، يحلمُ بفرنسا البيضاء الكاثوليكيّة، ولا يتردّدُ مُطلقًا في التّصريح) ص14. ثمّ أعاد القوْل: (لا يُمكن إدماجهم أبدًا، وكلّ عرق يجب أن يحافظ على نقائه) وسألته: (ماذا يعني كلّ ذلك، العرق والإدماج؟) لم يرتبك نيكولا من سؤالي، ولكنّه اضطرّ للشرح والتّعليل، وهو يؤكّد أنّه ليس عُنصريًّا، بل قوميًّا ليس إلّا) ص14.

   في الحقيقة أنّ أجمل الكلام هو ما قلّ ودلّ، بضع صفحات وهي الأولى من رواية ميلانين، فقد أفصحت بجلاء عن المشاعر العنصريّة بالطبع ليس الفرنسيّون وحدهم، بل معظم الدّول الأوربيّة، تتجلّى بالوجه القبيح المُغاير للبروباغندا الإعلاميّة التي انكشفت، ولكنّها  مع ذلك لا تزال مطمح كلّ فقير ومُضطهد في وطنه.


الخاتمة:

   للمطالع لرواية "ميلانين"، سيجد نفسه في معمعة الصّراع بين الفقر والغنى، بين الجنوب والشّمال، بين الأسود والأبيض، بين المُضطهد والتهجير القسري، بين الموت والحياة،  بين الموت ولُقمة الخبز، بين الدكتاتوريّة والحرية. 

   الرواية لوحة سورياليّة جمعت المُتناقصات، مليئة بالقلق والخوف، والشعور المُتأجّج بالهواجس المُتعلقة بالحياة داخل الأوطان وخارجها، ونشوء تعالقات جديدة بنتائجها الحتميّة، بين الجذب والشدٍ، على محامل الحبّ المفقود والكراهيّة، في أوطان مُلئت بدماء أبنائها، لما أرادوا أن يكونوا بشرًا، بفعل ارتدادات الثورة المُضادّة من الأنظمة، حفاظًا على مصالح مجاميعها الحاكمة. 

   وليس عبثًا ولا مُفاجئًا أن تفوز رواية "ميلانين" للروائية التونسيّة "فتحيّة دبش"، بجائزة كتارا للرواية العربيّة في موسمها ٢٠٢٠، لولا أنّها تستحقّ ذلك عن جدارة، لأسباب كثيرة منها على      سبيل المثال، اللّغة الرّشيقة المُقتَصَدة، سلامة البناء الدّرامي بكافّة مُستوياته السرديّة، ملامسة قضايا مُعاصرة شائكة، بمحاولة تسليط الضّوء عليها، والإشارة إليها بعين أديبة، استطاعت اقتناص اللّحظة بحرفيّة خبيرة. وألف مُبارك للقُرّاء والكُتّاب العرب ولفتحيّة دبش. 

عمّان – الأردنّ

١٩/ ٤/ ٢٠٢١

تأملات قرآنية