الخميس، 11 مارس 2021

فصل (4) رواية خلف الباب

(4)

      في زمن الأزمات يتبدّد اليقين ضَياعًا على أعتاب تناقضات الأشكال غير المُتوافقة. ضبابيّة الرّؤية لهذه المتناقضات، خلقتْ رُؤىً جديدة بمخالفة نَمطيّةِ الواقع؛ انتقالًا لمساحات مفتوحة أتاحَت المُراقبة التأمليّة لِمَسْلكٍ يكاد أن يكون آمنًا لي.

   لكي لا تتعرّض مَحاور فكرتي إلى الشكّ والتشكيك، ولا أن تكون فيما بعد؛ مطعونة مَوْصُومَة على أنّها فكرة هُلاميَّة التعاطي مع الحدث، أخطبوطيّةٍ واهِمَةٍ بكَذِبِها، وتحريفها، أو ذات محورٍ أُحَاديٍّ؛ أرجوها مفتاحًا لأبواب ونوافذ الحوار الرّحبة، حاضرًا ومُستقبلًا بين فُرقاء القضيّة، ومُراقبيها، ومُنتقديها، ومُؤيّديها، ومُعارضيها.

  

    وإذا كان نَسْجُ هذه الرّواية قد اقتضى المُراوحة الزمنيّة بين عوالم التفكير والتأمّل، فإنّي أطمحُ لها القَبول لدى القارئ العربيّ، وإذا ما تُرجمت للقارئ الأجنبيّ؛ فسيكون الأمر مُراوحًا، وأكثر تعقيدًا، وتدويخًا تحت مِطْرَقة الدّراسات البحثيّة عندهم، التي لا تقبل الجمع بين المُتناقضات في ذات القضيّة الواحدة، منهجيَّة البحث بمقدّماتها السّليمة، من المُفترَض بالنَّتائج المُتوافقة مع المُقدِّمات، ليحصل الإقناع التّام.

    ربّما أُبرّرُ دوافعي العودة إلى كتابتي في مِحْورٍ، بعدما ظننتُ نفسي أنّي أوفيته حقّه، لكن تبيّن بُطلان ما ظننته سابقًا، لأنّ التقصير هنا هو ارتباك حقيقيّ، فيما أعتقدُ من مُعارضتي الذاتيّة غير المُنتمية حزبيًّا لأيّ اتّجاه، سوى تيّار سوريّتي، وحُبّي لها، أو بمثل تعقيداتها المُتشعبّة بكثرة توجّهاتها، التي يعجز المُراقب عن الإحاطة بها جميعًا.

 

   ولربّما من قائل يقول: إنّ هذا جنون وتخريف، ولا يُمكن أن يُسِرَّ به صاحبه أو يحكيه هَمْسًا، إلّا في أذُن طبيبٍ نَفْسَانيٍّ، وأنا مُدرِكٌ حقيقة بأنّ الكتابة الصَّريحة بواقعيّتها؛ ستعيش، وستبقى حتّى بعد مَوْتي، وإنُ كُّذِّبت حينًا، أو غَطَّتها غشاوات الكذب والتضليل الإعلاميّ.

   بل يتوجّبُ عليّ الإضافة بهذه الرّواية (خلف الباب)؛ لتُكمل سِفر ثورتنا المجيدة ذات البُعد الإنسانيّ، بعد عِقدٍ لم أُعْلن للمَلَأِ هزيمتي أو استسلامي على الأقلّ، لكنّي.. ما زلتُ أرى نافذة عالية ساميةً يأتيني منها نور، عِلمًاً أنّني لم أستطع النّصر إلى هذه اللّحظة المُكافحة بعنادها على صَوابيِّة موقفها، وما يضيرني مخالفتي للعُموم الجازع المهزوم نفسيًّا.

   مقولة الرّافعيِّ كما أحفظها من (وحي القلم): فإنّه "لا تَتِمّ فائدة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ، إلّا إذا اِنْتقلتِ النَّفس من شُعورٍ إلى شُعور؛ فإذا سافرَ معكَ الهَمُّ؛ فأنتَ مقيمٌ لم تبرح”.

   وهو ما لم يتحقّق لي من استقرارٍ نفسيّ وعاطفيّ، إلّا عندما عثرتُ مُجدّدًا على صديقيَّ (محمد الفهري أبو فندي، وفاضل السّلمان)، حتّى، وإن كان اللّقاء اِفْتراضيًّا؛ نسبحُ جميعًا في لُجّةِ فضاءٍ رقَميٍّ أزرق، رغم ذلك استعدتُ شيئًا من توازني النفسيّ، وحاولتُ من جديد أمدّ الخطوط استقامة بعد انطوائها، وأيقنتُ أنْ لا أهميّة لبداية التاريخ، أو نهايته على رأي (فوكوياما)، إذا لم تكن ذات تأثير يُذكر في ظلّ وضعي الرّاهن، مع مَنْ كُنتُ أتمنّى لقاءهم، ولو عبر الأنترنت.

   باعتقادي أنّ اللّقاء سيصنع تاريخًا جديدًا رطبًا؛ يُندّي قُلوبًا طالتها يد الجفاف سنينًا تناءت بنا؛ باستعادة البدايات على وجه الدِّقَّة واليقين، طازجة كيوم حُدُوثها.

   ذات مرّة أخبرني صديقي رياض المعلوف، نقلًا عن صديقه (ليون الأفريقي) الشّهير؛ عبر رسالة على الماسنجر: (في كلّ طائفة عُصاةٌ، يُلعَنون في العَلَنِ، ويُدعَى لهُم في السِّرِّ). كنتُ أظنّ أنّني من أولئك العُصاة، إعادة ترتيب حساباتي بدقّة أفضل ممّا كان سابقًا، والأخذ بالأولويّات الرّاسخة برسوخ وطنٍ كان. ولا أرجو من لَعَنَاتٍ تُلاحقني علانيّة، ولا بدعاء الخائفين والمُنافقين سِرًّا.

   الوُضوح غايةٌ، وليس وسيلةً. وما نَفْعُ الوُقوف في النّقطة الرماديّة. هناك فرق كبير بين من هو في بؤرة الحدث، وبين مُراقبٍ يُصفِّقَ في قلبه، وأفكاره الواهِمَة مَرْتعًا فسيحًا للأقوى، الرّماديّة ضارّة في اقترانها في الجانب الآخر الأسود، وهي أقرب له في كثير من مُعطياتها؛ بل هي مَطَبٌّ تتساقط عنده أكثر الأوراق، وتتعرّى الحقائق.  

..*..

ملأأ

   بحثي الدّائم مُختلفٌ تمامًا عن الثرثرة المُتأجّجة في دَوَاخلي لا تهدأ، وأحيانًا أخرجُ للآخرين بأحاديث؛ لاستجلاء بعض ما غَمُضَ وغاب عنّي. تعدُّد الرُّؤى يُوَسِّع مجال القرار النهائيِّ لكلّ حدث.

  

   في كلّ ما كتبتُ، وما فكَّرتُ به ما زالت نهاياته مفتوحة، الحَدَث لم يتوقّف، وإنْ اِسْتطال استغراقه للزّمن، ولم تتضّح حقيقة النِّهايات بعْدُ. كثيرًا ما تموتُ البدايات قهرًا على أعتاب الانتظار المأزوم.

 

   وما هي حقيقة النهايات المفتوحة..!!؟ كأنّها بُوابّاتٌ أضاعت مفاتيحها بتقادُم الزّمان عليها، وبقيت مُستباحةً للعابرين بلا قيْد ولا شرط.  جهلُ آخر النّهايات حريٌّ به إيقاف نُبوءات، وتوقّعات بأبعاد تأويليّة تَتَجافى مع مُستجدّات واقع جديد، سيفرض نفسه تحت مُسميّات مُستحدثة، وحتّى لا تكون رواية خلف الباب رجمًا بالغيب؛ رجعتُ للرُّؤية الوثيقة الصّلة بالواضح، وما استبانَت مُخرجاته بدقّة مُتفاوتة النِّسبة من الصِّحة.

 

   في صباح يوم شتويٍّ بارد.. اِنْهالتْ الأفكار اِنْهمارًا على وقع احتمال نوافذ البيت. ارتطامُ المطر المُستمرّ طوال اللَّيل، مُنَبِّهٌ لي على مدار السّاعة يوقِظُ أحاسيسي، أرفعُ رأسي.. أُطلِقُ نظراتي عبر الزّجاج المُعتّم بالبخار  الذي يكسوه، لا بُدّ من استخدام إحدى يديّ، أبحثُ عن ورقة منديلٍ لأمسحَ بها. تعبَثُ يداي تحت المَخدَّة السّاخنة؛ لا شيء.

  

   اليُسرى تخرجُ دافئة تتلمّس طاولة صغيرةً جانب السّرير، تلتقطُ بقايا مِنديلٍ مُستعملٍ سابقًا. بعد مَسْح البلّلور؛ تتّضح حبّات المطر  متلألئة على أضواء الشّارع الجانبيّ الصّفراء؛ فتتلوّن بِلَوْنها الذّهبيِّ، الذي يتمنّاه المُغْرَم بالغِنَى والثّراء. غرامي يتجدّد أملًا جديدًا مع كُلّ قطرة مطر.

  

   (مطر.. مطر.. مطر) يتردّد ذِكْرُ السَيَّاب اِسْتحضارًا في دماغي، وعلى لساني، مُحاولًا استذكار بعضًا من أُنشودته الخالدة؛ فلم يُجد جُهدي سِوى العُنوانَ فقط، وكلمة مطر المُكرّرة. شعورٌ داهمٌ بالخيبة من ذاكرة واهنة؛ تتراخى حدّ التَّزامُن مع نومي، وخُلود كامل أعضاء الجسم للنّوم.

 

   تداعيات الأفكار سلبتني النَّوم.. كلما دوّنت فكرة؛ أحاول الخُلود للنَّوم ساعة؛ أستعيد بها قواي. لمتابعة يوم عمل طويل، أحتاجُ فيه للتركيز والثبات. بدل التَّثاؤُب المُزعج للزبائن إذا ما جاؤوني.

 

   مكاني الذي يليق بي خَلْف متاريس أفكاري، لا أستطيعُ الفكاكَ منها، ولا هي تنفكّ منّي إذا ما حاولت ذلك. التَمَتْرُسُ قُوّةٌ وضعفٌ في آنٍ واحد.

 

.. *..

 

 

 

 

   عندما يتقزّم الوطن بحجم خيمة.. تَصغُر الحياة وتَهون.. تَموتُ الأحلام الكبيرة.. تنطفئ الآمال.. بعد ذلك فلا مُستقبلَ يُرتَجى.. يُصبح رغيف الخبز أغلى الأماني. يا لخيبة الحياة في زمن للحروب، تُعْتِم جميع دروبها، والبحث عن النَّجاة بالنفس.

 

لُيون الأفريقي لم يتردّد بالإفصاح عن مكنونات دواخله المُتعبة المُرهقَة، وهو في حديث طويل مع صاحبه رياض معلوف، أثناء روايته حكايته: (عندما يلوحُ لك ضيق عُقول النّاس؛ فَقُل لنفسكَ أرضُ الله واسعة، ورحبةٌ هي يداه وقلبه. ولا تتردّد قطّ في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار، إلى ما وراء جميع التُّخوم، والأوطان والمُعتقدات).

 

   صباحُ الزوجةِ (زوجة فاضل) مُزدحمٌ بأفكار، لا تجد اللّحظة المُناسبة للإفصاح عمّا يدور في ذهنها، انتقالها من إلى الغرفة الأخرى بعصبيّة تَكْظُمُها في قلبها، لسانُها مُتجمِّد؛ كأنّ فمها قارّة القُطُب.

 

   عيناها زائغتان لا تتركزان على شيء مُحدّد. مُشاغبات الأولاد لا تُلقي لهم بالًا على خلاف عادتها بتهدئة الجوّ، وتبريد حرارة الاحتكاك بينهم. طلب النّجدة من أحدهم لإنقاذه من أخيه الجالس بجانبه، وفمه مليء بالطَّعام، وآخر شرب الشّاي من كأس أخيه، وما إن كفكف دموعه، حتّى وجدَ صحنَ البَيْض المقليّ فارغًا: "ماما.. يا ماما.. هذا فجعان.. أكلَ بلقمة كبيرة أنهى البيض، لم يترك لي شيئًا".

 

   تشاكيهم طالَ، وهم جلوس حول المائدة، الماما تتفّقد الخزائن والحقائب؛ لاستخراج الملابس الشتويّة المرفوعة على السّقيفة منذ انتهاء موسم الشّتاء في السَّنة الماضية. عملٌ موسميّ يستنزفُ وقتها على مدار أيّام؛ لإعادة ترتيبها في أماكنها المُخصَّصة لأفراد الأسرة كلّ في مكانه.

 

.. *..

 

ملاحظة فاضل السلمان في السّويد

الرسالة الأولى من فاضل السمان (السويد)

   بعد الرّسالة الأولى من أبي فندي، وما تلاها من تفاعلات جدّدت الجُرح في نفسي على مدار سبوع كامل، أعادتني للأيّام الأولى من عُمر الثّورة، لم أتنفّس نسائم الحياة مُجدّدًا؛ طاقة حيويّة اجتاحتني، ودقّت أوتاد النّسيان في جنبات نفسي، بثّت فرحًا عميقًا في أوصالي، على إثره شذّبتُ شعر رأسي ولحيتي عند الحلّاق، خطوط اللِّحْية رسمتْ حدودَ ملامح وسامة قديمة، انمحت كثيرًا من مُعطياتها. 

 

   ما إن ذهبت إلى البريد الإلكترونيّ في يومي الموعود من كلّ أسبوع لفتحه، حتّى توقّفتُ عند رسالة من صديقي فاضل المُقيم في ألمانيا، أمّا وقد اكتسب الجنسيّة، بعد استكمال مراحل الاندماج على مدار سنوات، من تعلّم اللّغة والتدريب، حتّى انطبقت عليه الشّروط، مع تطابق الفترة الزمنيّة المُستمرّة في إقامته. رغم أنّه كان ينوي الاستقرار في مملكة السُّويْد، يبدو أن عناد الظّروف هو ما حال بينه، وبين إكمال مشواره.

 

   غالبتني الدّموع المُتساقطة على لوحة مفاتيح جهاز الحاسوب، مع كلّ كلمة أقرأها:

 

   [انتظار مُمِلٌّ مُقرِفٌ أمام (كرفانات) مكاتب مُفوضيّة اللّاجئين في (الكامب) المُنفصل عن ساحات المخيّم بأسلاك معدنيّة متينة، الدّخول إليها مُتاح عبر بُوَّابة وحيدة؛ تُفضي إلى ممرّات تتعرّج مُلتويةً كأفعى تلتفّ على نفسها، غير آبهةٍ بما يجري حولها، تحترسُ من أيّ خطر داهم مفاجئ. 

 

   رجُلُ أمْن أسمر البشرة شارباه يتدلّيان كذَيْل غراب، تختفي تحتهما شفتان غليظتان كَمِشْفَريْ جَمَلٍ، خطوط الزّمن حفرت مساربها على جبهته، عيناه واسعتان بلونهما البُنيّ الدّاكن، صرامة ملامحه رواية بوليسيّة تبثّ الرّعب في نفس قارئها، تأخذ بتلابيبه لمتابعة الحدث المشوّق لبلوغ النِّهاية، وانتصار البطل على أعدائه.

 

   إشارة معيّنة من يده، مَتبوعة بحركة اهتزاز من رأسه، مُترافقة مع رفع حاجبه الأيمن للأعلى، مما يعمّق خطوط جبهته كخطوط ممرّات إنسانيّة آمنة صالحة لخروج الُمحاصرين باتّفاقات مُعقّدة عبارة عن خارطة طريق فقط، وبضمانة وساطات أُمَميّة، عيون من تجمّع اللّاجئين الجالسين على إسْفِلْت السّاحة الواسعة مُتعلّقة به تنغرز نظراتها في وجهه، والأسماع مرهفة للتمكّن من معرفة الاسم الذي يُنادي عليه ذلك الحارس الجامد كَصَنَم لا يبرح مكانه أبدًا.

..*..

 

   من الأن فصاعدًا صرت من رعايا دولة الـ ( (UNالأُمَميّة، وقّع هنا على استلام بطاقتك الرقميّة، حافِظ عليها.

 

-"احذر المساس بالشريط الأسود اللّاصق على خلفيّتها؛ فإنّه يحتوي على كافّة معلوماتك الشخصيّة، ومن خلاله نتعاملُ معكَ، لأنّك أصبحتَ تحت حمايتنا، ألف مبارك؛ صرت الآن لاجئًا، وستحصل على كلّ امتيازاتك المُتاحة لك، اعتبارًا من الخَيْمة والبَطّانِيّة وكوبون الخبز"

   تأمّلتُ بقايا من نضارة قديمة باهتة على وجه الموظّفة. صرامةُ ملامحها حادّة كقرارات الأمم المتّحدة القاسية، ومُقرّراتها التي لا ترحم مَنْ صَدَرت لأجلهم. مكتب الكَرَفان نظيف أنيق بطاولته الخشبيّة البيضاء، والموظّفة جالسة خلفها، وعن يمينها طابعة موصولة بجهاز (اللّابْتُوب).

  

   تمدّ يدها لسحب أوراقٍ منها، وإيداعها في مصنّف حَوَى ملفّات ممن سبقوني بالدخول. زوجتي تجلس على الكرسيِّ المقابل لي أمام الطاولة, على صدرها الطفل سامر. يلهو بمصّ الحليب من ثَدْيِها، المُغطّى بطرف منديل رأسها المُتدلّي على صدرها. الطفل لم يتجاوز عمره الأربعة أشهر، ذكرى مولده كان يوم اعتقالي.

 

   تاريخ لن يُنسى، سيبقى محفورًا في سُويداء قلبي. والطفل (مَجْد) ذو الثلاث سنوات، عيناه تدوران في رأسه كَلَوْلَبٍ دائمِ الدَّوَران. مُتّكِئٌ على رِجْل أمّه الثابتة على أرضيّة مكتب (الكَرَفان).

 

   صامتٌ درجة السُّكون على غير عادته. وجهه يحكي ألف وألف حكاية، رغم أنّه لم يفهم شيئًا مما سِمعَ ورأى، فقط اِنْتبهَ حينما أجابت أمّه على سؤال الموظّفة عن اِسْميْ وعُمْرَيْ طِفليْها].

*النص مقتبس من رواية فوق الأرض للروائي محمد فتحي المقداد)

..*..

الأربعاء، 10 مارس 2021

إعلان ققج وقراءات عليه

 إعلان.. (ق. ق. ج) 


بقلم- محمد فتحي المقداد 


الجدارُ عارٍ عن نفسه، ومن نفسه. دقّقتُ النّظر.. لم ألمحهُ..!!.

قبل قليل ظننتُ أنّه هو. 

الولدُ يلعب في الخارج، ضَرَبَ بِعصاهُ؛ فاهتزّتٌ الخيمةُ بأكملها.

.....

رد/محمد علي المدخلي

يسعد مساك أ. محمد

بنيت القصة على بعد وجودي بين التعايش مع المكان وبين التطلع إلى الخروج منه.

 *"الجدار عار عن نفسه ومن نفسه"*

وكأنك ترمز إلى ذلك الساتر لايملك من الجدار إلا اسمه.

ظل لسان الراوي العليم يرصد انفعالات الطفل التي أعلنت عن تعري المكان والزمان.

وكأن بالعنوان يسلط الضوء على المشردين عن أوطانهم.

عميق ذلك النص الذي يترك أثر في نفوسنا.


مبدع ✨

... 

*محمد علي المدخلي

رد/ مبدع كعادتك أ. علي قاسم


عندما تسبقنا لأي نص جميل فإنك تعالجه وفق ضوابط القصة القصيرة جدا لتبرز قوته وعمقه.

هنيئا لأستاذ محمد مقدادي بهكذا قراءة.

وهنيئا لنا هنا برقي الذائقة القصصية بوجودكم.

🌹

......

رد. د. عبدالله الطيب.

اجد نفسي امام نص مختزل، ومكثف. فكرته قائمة على الحرفة اللفظية لتصوير حدث بسيط، لكن عن طريق الكلمات الدلالية يمتد الحدث فيشكل قصة كاملة ينسجها القارىء بتفاصيلها. ثم يتفكر في القصة ومآلاتها. 


هذا النوع من السرد يعتمد ويرتكز على نباهة القارىء، وصبره على القراءة المتأنية والمتكررة، مع قدرة هائلة على التخيل القصصي. 


قراءة الاستاذ علي قاسم تناولت النص بالتشريح بشكل جيد. ومداخلة الاستاذ نزار جاءت هي الأخرى باضاءات رائعة.


جملة البداية جاءت بنفس بلاغي ابداعي، بدا اكبر حجما من الققج ذاتها.  

"دققت النظر..لم المحه"، بدت لي زائدة، لأن الجملة التي قبلها تفيد ان الجدار غير موجود (بناء على فهمي المتواضع).


 النص يريد ان يجعل المكان بطلا رئيسا، والمحور له. فهو الجدار وهو الخيمة. أما الولد وحادثة ضرب الخيمة جاءت كأمر ثانوي شارح لمغزى ايراد المكان كبطل للنص. 


تقديري واحترامي ايها المبدع 🌹🌹🌹

......

رد. نزار الحاج علي

تحية للمبدع محمد فتحي مقداد.

والذي أتابعه بشغف على صفحته بالفيس بوك.

بالعودة للنص، جملة الاستهلال ( الجدار عارٍ عن نفسه، ومن نفسه) رغم جماليتها، ليس من المحبذ الاستهلال بجملة اسمية أو وصفية، في الققج.

الأجمل الانقضاض فوراً على الفكرة دون مقدمات.

لكن غرائبيتها ربما تبرر وجودها، فهي تجبر القارئ على السؤال: وماذا بعد.

يعود الكاتب ليدور حول نفس الفكرة، حيث يتراءى لبطل القصة أنه رأى الجدار...

لكن ما قصة هذا الجدار، تقودنا الجملة الأخيرة، عندما ضرب الولد بعصاه، فاهتزت الخيمة.

تحول الجدار إلى خيمة.

الجدار هنا رمز للمدنية، والأمان.

الطفل الذي يمثل المستقبل، أخذ يضرب بعصاه فتهتز الخيام، هذه هي التسلية الوحيدة للأطفال في مخيمات اللجوء.

نص جميل جداً، استطاع الكاتب أن يلمح لنا تلميحاً، ليصف في مشهدين قصة مؤلمة لشعب.

جدار وخيمة.

تحيتي لك

......

رد. أ. علي قاسم

إعلان.. (ق. ق. ج) محمد فتحي المقداد.


"الجدار عارٍ عن نفسه، ومن نفسه. دقّقتُ النّظر.. لم ألمحهُ..!!.

قبل قليل ظننتُ أنّه هو. 

الولدُ يلعب في الخارج، ضَرَبَ بِعصاهُ؛ فاهتزّتٌ الخيمةُ بأكملها."


الاحترافية في النص الأدبي ليست بتكوين وترتيب فكرة وتكلفها بل الاحترافية في ذلك الترابط بين المتن والعنوان والفكرة ودلالة اللغة في الخطاب السردي الرمزي العميق.

وبالنظر إلى العنوان والذي جاء مصدرا " إعلان" 

من الفعل"  علن" والذي يأتي بمعنى الظهور للخفي والكشف عن المستور والانتشار والتفشي ليس فحسب فحين نقول الأمر" نشره وأظهره وربما روج له " وذلك الترويج يتطلب جماهير ويعكس الأهمية لمن يتتبع الإعلان ففي الإعلان مفاجأة وفيه وفيه تداولية بين مرسل ومستقبل ورسالة ويأتي بعد ويأتي للأهمية فهو الحقيقة حين نقول: أعلن الحقيقةأي : جهر بها 

والإعلان الإشهار للأمور المهمة سواء كانت حياتية كالزواج أو تتعلق بسلعة أو وظيفة أو أمر مهم فللإعلان علاقة بحياة الإنسان وعلاقة بالتحول والتغير والمفاجأة والمتاجرة وحتى في  إعلان الحروب وشنها والسلام وتوقف الحرب. حين يقال" أعلنت الحرب" أي" شنت ودقت طبولها." 

باختصار العنوان مكثف مخاتل أبعاده التأويلية لاتنتهي بتفسير وقراءة .

والاحتراف جاء في النص العنوان ليتواءم مع دلالات النص في الحكي" الجدار عار عن نفسه، ومن نفسه" فالجدار هو الحد الفاصل بين شيئين ليحجب الرؤية ويعد حدا فاصلة يخفي المستور ويحجب المشاهدة فتحول لجدار شفاف وهش لايعتمد عليه للحماية وحفظ الحد وصون الحق فهو" عار" انكشفت أسراره وخلعت قوته فاصبحت مرئية وغير مستورة وربما هذا الجدار يظهر العورات فقد تعرى بتلقائية " عن نفسه" عما يمتلك من قيم ومميزات صلبة تميزه عن غيره وتميز غيره عنه ويردف" من نفسه" لم يفرض عليه أحد هذا التكشف والتعري ويتصاعد السرد بالحبكة" دققت النظر لم ألمحه" وكأن الجدار والذي يشغل حيزا من الفراغ تلاشى وتببدد واختفى وكشف المستور

لينتقل الحكي بالسرد إلى مشهد كأنه فيلم قصير " الولد يلعب بعصاه.. ضرب بها الأرض فاهتزت الخيمة بأكملها" كم أصبح الجدار هشا  من ضربة ولد تهتز لضربة عصاه  أركان الخيمة كيف لو كان  شابا  قويا؟!

ربما سيؤثر بشكل أكبر..


-  جاء العنوان محترفا بأبعاد تأويلية لاتنتهي ولايكتفي العنوان بقراءة فقط.

- تناغمت وانسجمت دلالات النص مع خطاب العنوان ورسالته فثمة تعرٍ وتحول وانكشاف للمستور بما يشبه التنازل.

- المفارقة بين قوة الجدار وصلابته وتلاشيه وتبدده وكأنه أصبح أثرا بعد عين.

- المباغتة والقفلة بأن ضربة ولد  تمكن هز أركان البيت فمن أين جاءت له هذه القوة.

- النص مترع بالرموز من " الجدار" الذي يعد رمزا للصلابة والحجب والحماية " إلى لفظ: ذ" لفظ عار " إلى التكشف وانفضاح الأسرار إلى الخيمة التي تعد رمز للحماية والقوة ويتمكن هز أركانها ولد فكيف لو امتلك القوة كلها وهو شاب فتي.

- السخرية في النص واضحة بين تناقض المواقف والقوة والضعف والتحول من الاستتار للعلنية والانفضاح.

الثلاثاء، 9 مارس 2021

مدرسة الحياة

 مدرسة الحياة (خاطرة)


الروائي-  محمد فتحي المقداد


الحياة مدرسة تعلمنا فيها أبجديات عُموميّة وخاصّة.

دفعنا أعمارنا أقساطًا لها.

لم يبق لدينا شيئًا ندفعه.

وما زلنا بحاجة للمزيد من الدروس. ما العمل؟.

على رأي من قال:

- "بني آدم، يعيش، ويموت، وبحاجة أن يتعلم".

- ًاُطلبِ العلم من المهد إلى اللّحد".

نسيتُ حاجة مهمّة:" أنّ بعض الدروس تكلفتها حياة بأكملها.

وأنّ من انتسب إلى جامعة ما، وحصل على أرفع الشّهادات العلميّة فيها".

لا غنى له عن مدرسة الحياة، وبلا الحصول على شهادة يُعلّقها في صدر مجلسه، ليتفاخر بها.

وهناك من تلقّنوا دروسها بصمتٍ تامٍّ: "أكلوا الخوازيق.. وسكتوا على مضض".

وعلى رأي أمير الشعراء أحمد شوقي: (قُم للمُعلّم وفّهِ التبجيلا// كاد المُعلّم أن يكون رسولًا). أحيّي مُعلّمي مدرسة الحياة من المصلحين والنّصابين على حدٍّ سواء، بكُلّ احترام.

ومن لا يستفيد من دروس غيره؛ فهو رااااائع. 

من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

الاثنين، 8 مارس 2021

العابرون

 العابرون لا يكتبون ذكرياتهم. يتركون الأبواب مُشرعةً، لا يُكلّفون أنفسهم عناء إغلاقها. بكلّ تأكيد أنّ الأمر لا يعنيهم.

 المفاتيح ما زالت في أيدي أصحابها، بحرصٍ قابضين عليها، رغم أنّها فاقدة فعاليتها، لكنّها  صارت أيقونة ذكرياتهم المحفورة على جدران قلوبهم؛ فقط..!! تُؤكّد حقًّا ضائعًا. "عائدون".

كلّ ما قيل ويُقال، سجلّه العابرون انتصارًا لهم. 


من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

رواية مار خدر. عمر الصايم

 

 

 

البناءُ المشهديِّ

في رواية "مار خدر – للروائي السوداني عمر الصايم"

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

المقدمة:  

   بما أنّ الرّواية عمومًا هي هروب من واقع المأساة، إلى تكوين العالَم المُوازي المُتخيّل في ذهن الكاتب، هو ذهاب لبناء جديد، قائم على بناء مشهديٍّ، يؤثّثه الكاتب وفق رؤيته دراميًّا، لغايات وأهداف ربّما لا تتكشّف عند القارئ عُمومًا.

   عندما تتضّح الرُّؤية لدى الكاتب، ينطلق من فوره للتدوين، لإفراغ حمولته الفكريّة والنفسيّة، وفق رُؤاه مُنطلقًا من ذاته الواعية الحاملة للأفكار، والحالمة بالأمثل على جميع الأصعدة؛ هذه الرّؤى مُتخمة بالرّسائل الهادفة قطعًا، التي يروم إيصالها بهدوء في محاولة التغيير الإيجابيّ في مجتمعه، أيضًا ربّما تتوافق رُؤاه، أو تتقاطع في كثيرٍ أو قليلٍ مع رُؤى مُحيطه الاجتماعيّ، وهو ما لمسناه في نهاية الرواية: (سنمضي سَويًّا، أنا وأنتِ، تاسي، مار خدر، وكابلا، ..و... سنمضي في أرض واحدة بزمن مُتَّصلٍ، ومحبَّةٍ أبديَّةٍ)

   ونحن اليوم أمام رواية جديدة بلغتها العالية الواضحة بسهولة تناولها للقارئ، قادرة على رسم لوحة الفكرة باقتدار. تنوّعت طُرُقها ووسائلها على محمل التداعيات المُنهالة على الرّاوي، العميقة بمراميها ذات الإشارات الرمزيّة والأسطوريّة، نهلت من واقع مليء بالمتناقضات، رواية نشأت القاع الاجتماعيّ، وحاولت كشف المساوئ، والتنبيه للخطر المُستكنِّ المسكوتِ عنه عُمومًا؛ لأسباب كثيرة منها:

-        تفاوت الأفهام، والمدارك لطبيعة الحياة.

-        عوامل الخوف السّاكنة دواخل البشر.

-        تحديّات الفقر والتهميش.

-        الصّراعات الاجتماعيّة عامّة، كالتفاوت الطبقيّ، الاختلاف الطائفيّ والدينيّ والمذهبيّ والعشائريّ والقبليّ.

   الكاتب حالة مُتفرّدة في محيطه، لا يعدو أن يكون شجرة وحيدة في صحراء قاحلة، بشجاعة حدّ التهوّر يقترب كثيرًا من التّابوهات الاجتماعيّة والسيّاسية،  المحروسة بأسوار منيعة، الاقتراب منها ممنوع، والابتعاد عنها مرغوب، لكنّ الكاتب (عمر الصّايم) اقتحم المعمعة، وحاول تصوير المشهديّات التي يراها من خلال بنائه الروائيّ (مار خِدِر) ببراعة، رغم أنّه عمله الإبداعيّ الأوّل. استطاع من  طرحي الواقعيّ ناشدًا التغيير، ولم يجد أفضل وأشمل من خيار مشروعه الروائيّ الذي نحن في رحابه هذا المساء.

***

 

 

 

 

 

 

 

1-مشهدية العنوان:

      العنوان لا بدّ أن يكون مُعبّرًا عن روح النصّ، وهو محور النصّ الأساسيّ بإيجازه الشّديد المُقتصر على كلمة أو اثنتيْ أو ثلاثة أو أكثر، وذلك لاستكمال الدلالة التي يطمح لها الكاتب، وكثيرًا ما يُقال أن العنوان هو عتبة النصّ المُفضية إلى رحاب النصّ ودواخله.

   غرابة عنوان الرواية التي بين أيدينا "مار خِدِر" بعدم إلفته للقارئ، مثير للذهاب بعيدًا في دهشة التساؤلات عن ماهيّته، فلا يوجد كلمة في العربيّة بهذا المصطلح، خُيّل لي وأنا أتأمّل: أنّها كلمة منحوتة لا وجود لها إلّا في ذهن الكاتب "عمر الصايم"، وللتدليل على صحّة ما استطعت تأويله، وأتمنّى أن أوفّق فيما ذهبتُ إليه.

  وللمُتتبّع لهذا المنحى؛ ليتبيّن ذلك فيما ورد من خلال المشهد الخفيّ مونولوجيًا في نفس الصّديقين، و في ص14: "قال لي من هما الرّجلان:" -.......... قال: ربّما الأبيض هو  مَارْجِرْجِس. قلتُ: والأسود هو الخدِرْ". مارجرجس والخضر، لكنّ الضّاد أُبدلتُ بالدّال باللّهجة السّودانيّة الدّارجة.

ليس من السّهل نحت مُصطلح للتعبير عن حالة ذهنيّة في محاولة ترسيخها في الأذهان بداية، ولتثبيته كمعلم يُصار إلى تداوله بني الحين والآخر في دنيا الواقع.

فهذه المزاوجة في العنوان ما بين اسمين ورَمْزَيْن (مارجرجس- الخضر)، يبدو أنّهما رمز للتضحية وللتسامح فيما بين أبناء الإنسانيّة، والتّسامي على الخلافات. ولفتح آفاق العيش المُشترك للجميع.  وفي بعض الآراء يقال بأنّ مارجرجس و الخضر ما هما إلّا ذات الشّخص مارجرجس: هو قِدِّيس حسب معظم الكنائس الشرقيّة والغربيّة، وهو واحد من المساعدين المقدسين الأربعة عشر حسب التقاليد الكاثوليكية. يحتفل به يوم 23 أبريل نيسان من كل عام. ومعنى اسمه الزارع أو الفلاّح. وكم في هذه اللحظات التاريخيّة التّعيسة، وما تمرّ به منطقتنا عمومًا، وبيروت خاصّة، حيث يُعتبر مارجرجس الرمز الوطني لمدينة بيروت ، وقد تغلّب على التنين وقتله، وبيروت تُصارع محنة غائلة التنّين لابتلاعها.  ومن أسمائه (جرجس، مارجرجس، جاورجيوس، جورج)، القدِّيس مار جرجس مارجرجس الفلسطينيّ: لأنه ولد سنة 280م في مدينة اللُّدّ في ولاية فلسطين السوريّة لأبويْن مسيحيّين من النبلاء. كما أنّ والدته كانت من مدينة اللُدّ بفلسطين،  وهو "أمير الشهداء" في الديانة المسيحيّة، اكتسب شهرة ومحبّة وتبجيلاً لم يحظ بها أقرانه من القدِّيسين والشهداء، ثبت على مبدئه وعُذّب ولم يتراجع، ومات شهيدًا بعدما قتله الإمبراطور الروماني)دقلديانوس) عام 303م،  حينها كان الرّومان يضطهدون المسيحيّين في تلك الفترة.

***

 

2- مشهدية الأنسنة

   "الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة، الأحجار تخبئ الذهب والعشب، وترتسم خطواتي على صفحة النهر، ضوء ابتسامتي يشع في محفَّة الريح، من أكون غير مار خدر  الواواتي! سليل الفجيعة القديمة، والأهرامات المترنحة" ص9

   من اللّافت للنظر: أنّ هذه الفقرة تكون منسوجة بدقّة وحذاقة، وقد حيكت بأيدي ماهرة بطراز أدبيّ فريد، توقّفتُ .. وتوقّفتُ أتأمل هذا الفيض الرّوحيّ للكاتب عمر الصايم. ومحاولات أنسنة الأشياء المألوفة بحكم عوامل الزّمن، والتعايش معها أذهب كثيرًا من مؤثّراتها في النّفوس، بينما لا أرى هذا الكاتب؛ إلّا مثل امْرِئ القيس حينما: وقف واستوقف.. وبكى واستبكى.  

يقول الروائيّ "عمر الصّايم" :

-"الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة":

   تشبيه الأرض بالإنسان، حذف كلمة الإنسان وأبقى شيئًا من لوازمه، والاحتفاء مثلًا في أوّل ما يتبادر إلى الذّهن هو للضيّف القادم والمسافر، والاحتفاء كذلك يكون بشيء معنويّ، كما الاحتفاء بنجاح أو فصل من فصول السنة.  أمّا أنّ الأرض تحتفي، وبأيّ شيء تحتفي بالوجوه المحروقة، وكأنّها إشارة من الكاتب إلى أفريقية المُحتفية بإنسانها الذي لوّحت الشّمس وجهه، فكأنّها حرقته، والإنسان الأسمر هو ابنها الحقيقيّ.

-" الأحجار تخبئ الذهب والعشب":

   الأحجار تُخبّئُ وكأنّها حريصةٌ مؤتمنة على ثرواتها بأمانة، تُخبّئها من أجل أبنائها لإسعادهم بها، خوفًا عليها من أن تُنهبَ بيد غادر أفّاق، وهنا إشارة مهمة للخيرات المكنونة في أفريقية عمومًا.

-" وترتسم خطواتي على صفحة النهر":

   لله درّكَ يا عمر، وأنت ترسم لوحة مُجسّدة قائمة بحقيقتها أمام عينيّ، ما هذه المهارة والتلاعب بالكلمات، وكأنّك تهيّئ قارئك بتخديره في لجّة عندما ينسجم، لتأخذه معك بعيدًا، وأينما تُريد.

الخطواتُ ترتسم بثقلها وآثرها، والخطوات لزوم المشي والانتقال. وأين مسرح تحرّكها..!! على صفحة الماء؟. وكأنّك ترسم قوانينك الجديدة من خلال مشهديّة اِستأنستها، لتُقنعني بأنّ صفحة الماء صالحة لممارسة فعاليّات عليها، لأذهب بنفسي ومن تلقاء نفسي.  

-"ضوء ابتسامتي يشع في محفَّة الريح":

   ضوء.. وابتسامة.. ويشعّ.. كلمات جمعها لرسم لوحة جديدة، لفتح مخيال القارئ على آفاق التأويل، الذي ربّما يتطابق أو يتقاطع مع غرض الروائيّ من إيرادها خاصّة مع الرّيح التي لا تُبقي ولا تذر. فكيف توافقت كلمة "ضوء ويُشع" الضوء كثير.. نزل إلى مستوى شعاع، وهو عبارة عن خيط من ضوء، وكأنّي به يريد أن يثبت لي قدرات الإنسان غير العاديّة، إذا ما ترجّل قائمًا ناهضًا بإرادة وعزيمة قويّة، بأنّه سيصنع المُعجزات، التي ستقلب الموازين على رؤوس حاسبيها.

 

-"من أكون غير مار خدر  الواواتي! سليل الفجيعة القديمة، والأهرامات المترنحة": كلّ اللّوحات هذه التي رسمها عمر الصّايم بحروفه، لم يطب له إغراقنا في متعة عوالم لوحاته، فاستجلب لنا صورة أخرى من التساؤل التّاريخيّ، رغم أنّه لم يأت بكلمة تاريخ بتاتًا، بل بدلالة كلمة "القديمة" و"الأهرامات"، هذا الاستحضار منذ أوّل كلمات الرواية "مار خدر"، ما هو إلّا  إبراز هويّة الرّواية، وإعلان انحيازها التّاريخيّ، الذي ستستقي منه بعضًا مما يتوافق مع خطّها في سرد الحدث، من خلال تقاطعات وإسقاطات كثيرًا ما يلجأ إليها الكاتب هروبًا من سطوة الرّقابة، ومن عدم تسمية الأشياء بمسميّاتها الحقيقيّة، ابتعادًا عن الشّخصنة بتعالقاتها من الواقع المشحون المأزوم حدّ التُخمة، ولاستلهام دروس التّاريخ، للاستفادة من دروسها، ولتكون جسر عبور للمستقبل المنشود.

***

 

3- مشهديّة ثنائيّة السّلطة والكهنوت:

   منذ فجر التّاريخ مع قيام أوّل سلطة تُحقّق أغراض الأقوياء، بفرض سيطرتهم وإخضاع شعوبهم، والشعوب المجاورة من خلال الحروب والاحتلال، لفتح آفاق الاستحواذ على الثروات.

   وهناك زواج غير معلن بين رجال السّلطة، ورجال الكهنوت الدينيّ والمُشعوذين بما لهم من سيطرة على عموم فئات الشعب،  بتدبير من سلطتهم  المُستمدّة من الآلهة. لابدّ من امتداد سلطتهم لتبارك الحاكم بداية، لتحقيق سلطتها، والحاكم بحاجة توطيد سلطته من خلالهم.

ومن خلال تضارب المصالح بين قُطبيْ السّلطة: الحاكم ورجال الدّين، يحدث الصّراع الخفيّ والمُعلن، وتكثر الدّسائس والمؤامرات، وتُسفكُ الدّماء، ومنذ الصّفحة الأولى، بعد إجبارنا لاجتياز بوابة التّاريخ بهذا الزّخم النّشِط؛ لدخول رحاب الرّواية؛ مُحمّلين بالهواجس والمخاوف، في محاولة لاستكشاف المسار والمصائر.

يقول أيضًا عمر الصايم:

   ("في البدء لم أنتبه لرفضِ الكهنةِ  لما يفعله الكُور الأعظم، قمّ بدا الهمسُ يتحوّلُ إلى جهرٍ. ناداني الكاهنُ الأكبرُ، وسألني: "ما رأيكَ في جلالتهِ؟". بدهشة أجبتُه: "هو من أفضلِ ملوكِنا". قال: "الإله غاضبٌ عليه، ولا بُدّ أن نقتله حتّى يتقدّم شعب مَدَوي".

  بعد هذه الحوارية، ننتقل إلى مجاز المونولوج الدّاخليّ، على لسان البطل بانفعال دواخله:

"أنا الغاضبُ عليكَ، وكلُّ شعبُ مَدَوي، لو أنّك  الأفّاق، سألتُ اشجار الهَشَابِ، وقرون الأبقار الميّتة عن سِرِّ غضبها؛ لقالتْ: أنتَ، أنتَ من مُغْضبُها الرّجيمُ من ظِلّها ودُعاشِها".

   قلت: "اقتلوني قبل أن تُلامسوا جلالته". ملأ أنفَه بالهواء كَتيْسٍ نَتِنٍ، وقال: "نعم يجب قتلَكَ قبلَهُ؛ فأنا أشْتَمُّ في جسدِكَ روحَ أُنثى داعرةٍ، تعالَ لنُطهِّركَ منها".) ص10

لم تنته الصّفحة الأولى، حتى يتتابع الحدث التاريخيّ، بتصوير بارع الصّراع على السّلطة، بممارسات الأقوى، بوضوح ووقاحة بالكذب والإيهام والتوهيم للعامّة. حواريّة عبر لوحة مشهديّة أخرى تُحتسب في رصيد الرّواية المكتنزة بوفرة الحدث التّاريخيّ حدّ الإتخام.

***

 

 

4- مشهديّة العنصرية:

التمايز سمة الكون والإنسان، ولما تنحرف الفطرة الإنسانيّة باتجاهات غامضة بانحرافات، لتحقيق أهداف ومطامع، تُجرّد الإنسان من إنسانيّته، فبدل أن يكون الإنسان أخا الإنسان، ويبذل له أسباب السعادة والرحمة.  جعلت أطماعه منه وحشًا كاسرًا يأكل الحقوق وينتهكها، ويقمع بشدّة وقلب كالحجر لا يلين، بمجيء الديانات السماويّة على مبادئ ربانيّة مُشتركة، لما فيه خير الإنسانية. لكن الأتباع بطريقة ممارستهم الخاطئة لمعتقدات ديانتهم، انحدروا إلى الحضيض، بتحقير المختلفين دينيًّا عنهم، وإيذائهم قولًا وعملًا. وهذا مخالف لروح عدالة الأديان التي هجروها إلى دائرة الأطماع والمكاسب بشتّى أنواعها.

   جاءت رواية "مار خدر" على معالجة هذا الموضوع، من خلال الصديقين، وتحكي قصة العنصرية البغيضة: التي تفرق الناس وتزرع في قلوبهم وأرواحهم الغصة مدى الحياة “استيفان” عاني من العنصرية لكونه أبيض في مجتمع من أصحاب البشرة السمراء، كما أنه مسيحي ويعتبر أقلية بينهم، مما جعله عرضة للعنف من قبل زملائه في المدرسة، والاعتداء الجنسي من قبل أحد المدرسين، لكنه قاوم استسلامه وضعفه، وأصبح قويا لكنه لم يجد الحب بسبب لونه أيضا ووضعه في المجتمع، فاضطر إلى الهروب من ذلك المجتمع القاسي، ليذهب بعيدًا في بلاد ظنّ فيها أنه سيجد إنسانيته المهجورة في بلده، ويذهب إلى ألمانيا على أمل أن يجد مجتمعًا أكثر تحضرا؛ليفاجأ بوجود عنصرية بغيضة هناك تتسبب في مقتل الملونين، ومقتل حبيبته الألمانية وينتقم لقتلها ثم يصبح قاتلا محترفا.

***

 

 

 

 ختامًا:

    الرواية "مار خدر" مليئة وطافحة بالمواضيع بالكثير من المشهديّات، وبحاجة للكثير من الدراسات النقديّة، لما تحتويه من جوانب جاءت على معالجتها بطريقة ذكية، حكت التاريخ بحيثيات إسقاطيّة ذكيّة، والفقر، والمنظومة الاجتماعية المُنهارة، من أسباب السياسة الفاسدة، والاقتصاد المنهار يسوء إدارته، وتحديات العولمة بنهجها الرأسماليّ السّاعي لنهب مقدّرات العالم، وتحميع الثروات بأيدٍ قليلة.  

 

عمّان – الأردنّ

8/ 3/ 2021

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 4 مارس 2021

فضائل الألوان

 فضائل الألوان (خاطرة) 


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد 


الألوان تعدّد.. خلاف الانفراد بالزّمان والمكان. 

باعثة رسائل بهجة للنفوس. فاسحة ميادينها التحليق في فضاءات السعادة. والأرقى منها على الإطلاق ألوان الطيف الواحد المُتناغمة؛ تحكي قصّة الانسجام والتعايش المُتوافق باحترام الثوابت، دون طغيان طيفٍ على الآخر.

حب ألوان الحياة تزيد البهجة والسرور، ولذّة التنعّم.

أمّا التلوّن للأشخاص تماشيًا مسكونًا بالخوف، وبانسجام مع اللّون الطّاغي؛ فتتحوّل الحالة إلى درء الخطر، والاستكانة هروبًا من استحقاق الموقف الشّخصيّ المُتفرّد تغريدًا عن ثقافة وسلوك القطيع؛ خوف تبعات العصا الغليظة. 


من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

الثلاثاء، 2 مارس 2021

ملامح مشروع عبد المجيد جرادات

 

 

 

 

ملامح مشروع

عبدالمجيد جرادات بين الفكر والسّياسة

 

بقلم الروائي السُّوريِّ - محمد فتحي المقداد

 

*المقدمة: 

   الخبرات المُتراكمة من شتّى وجوه المعرفة لم تأتِ بسهولةٍ ويُسْرٍ؛ فما من أحد من البَشَر إلّا ولديْه تجربته، ومعرفته، ورُؤيته لمسارات الحياة، ربّما تتطابق أو تتقاطع في كثير أو قليل مع الآخرين.

   أقفُ الآن أمامكم في هذا المساء الرّائق؛ لنقرأ في مشروع الأستاذ (عبدالمجيد جرادات) الفكريّ، من خلال كتاباته على مدار يقرُبُ من ثلاثة عقود، لمقالاته، وأبحاثه المنشورة في الصّحافة الأردنيّة والعربية على حدّ سواء.

   بنظرة سريعة: لا يصعب على القارئ المتتبّع لكتاباته على مختلف عناوينها، وتباعدها الزمانيّ؛ يستطيع تحديد ملامح هذا المشروع الفكريّ، الذي استطال بمقاربة الكمال الذي بباله، بأبعاده الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة، ذات النهج الإصلاحيّ.

   من خلال استقراء الواقع المحلّي, والعربيّ المحيط, والعالم الخارجيّ، واشتغاله على تدوير الأفكار بخبرة عريقة بأصالتها, المُختزنة في شخصه منذ طفولته الكركيّة، وإدراكه المُبكّر لظواهر جديرة بالانتباه، من خلال ذاكرة مُتوقِّدة، إضافة لخبرات وظيفيّة مُكتسبةٍ من المدرسة العسكريّة، وُصولًا لدراسة فكر العلاقات العامّة ما بين المملكة المتّحدة، والولايات المتّحدة الأمريكيّة.

   من خلال معرفتي به خلال هذه الفترة، والجلسات العديدة، المُتقاربة زمنيًا، تعلّمتُ منه الكثير والكثير. وكأنّني أجلسُ مرهوبًا أمام شيخي في جلسة صُوفيّة بِبُعدِها الرّوحيّ، أستمعُ نَهْلًا من معينه المُتدفّق بلا نُضوب.

   بإحساسي الذي لا يخيب، أدركتُ بما لا يَدع مجالًا للشكّ، من انتمائه الوطنيّ الأصيل, غير المؤطّر بخلفيّات حزبيّة. انتماءٌ للتراب, والأهل والعشيرة. كما تلمّستُ عنده طريقة التفكير المُعمّقة، والتأنّي في الاستماع, والإنصات للآخرين بلا تَعجُّل.

   شعوري الدَّائم أنّني في مدرسة ذاتِ أبعادٍ فكريّةٍ بمضامين حداثيّةِ الرُّؤى والمفاهيم، بخبراتها العريقة المُتحصّلة على مدار أربعة عُقودٍ عاشها بالكدّ والتّعب، ودقّة الملاحظة؛ فكوّن ثقافة عصاميّة مُلتزمة بقضايا الأمّة العربيّة والإسلاميّة، ساعيًا لتوظيفها في سبيل رفعة وتقدّم الوطن، والعيش بكرامة وسلام.

   وللمُثقَّف الحقيقيّ أن يُبحر بحريّة في تسطيراته لأفكاره ورُؤاهُ، وهذا يتجلى عند (عبدالمجيد جرادات) في مجموعة مؤلّفاته السّابقة. وبتتبّع العنوانات، أستطيعُ تدوينها؛ لتتّضح الرُّؤية في مسيرته الفكريّة الإصلاحيّة.

   ومن كان بهذه المواصفات الفائقة الجودة فِكريًّا، المُتقدّم بخطوات أغْبِطُه حَسَدًا على مُحتواه, المُتحصّل عنده على مدار عُمُرٍ مديد؛ لأجيز لنفسي إذا سمح لي، أن أُطلِقَ عليه لقب: المُفكّر، إلى جانب الثُّلّة من الذين حاول تتبُّع أثرهم، (كإدوارد سعيد، ومالك بن نبي، ومحمد عابد الجابري، وقُسطنطين زُريق، وعبدالرَّحمن الكواكبيّ).

   وفي كلّ ما أنتجه من كتابات؛ توزّعت على عدّة عناوين؛ لكتب بلغت السَّبْعةَ فيما أعلم، تخصّصت في استقراء الواقع والماضي، واستشراف رُؤى مُستقبليّة، على محامل علميّة، وسطيّة النّهج، تتّسع رؤاها للحوار القائم على الرأي والرأي الآخر، وانتقاء الأصلح والأفضل. وأجزمُ بأنّ كلَّ ما كتبه، سيكون قابلًا للنّقاش، يُؤخذ منه، ويُردّ عليه، ضمن التداول السلميّ للحوار، بعيدًا عن هيمنة الحِراب والاحتراب.

   كتب ما كتب الأستاذ جرادات، مُتوخِّيًا إمكانيّة تطبيق ما كَتَبَ أوّلًا، نظر من حوله وإلى حوله، لم يتّخذ له بُرجًا عاجِيًّا، ينظرُ من خلاله بمثاليّة أفلاطونيّة، ربّما تقودُ إلى جدلٍ بيزنطيّ عقيم.

***

 

*العنوانات:

 

كتاب (مرتكزات وأفكار)

   * ففي عام ١٩٩٦صدر هذا الكتاب، وهو دراسة فكريَّةٍ وتربويَّةٍ واقتصاديَّةٍ، في مدارها العلميّ لكل أوجه الحياة الإيجابيّة، تجمعُ بين عُنصرَيْ الإبداع والتوثيق للحقائق، التي يمكن البِنَاءُ على مُخرجاتها العلميّة، في سبيل النُّهوض الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ.

   فالمعرفة بحدّ ذاتها؛ تُوسّع مجال الرّؤيا، وتُنير الطّريق بما يُعزّز سَيْرَ الرّكب الحضاريّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ؛ فالوُصول للكمال أمرٌ صعبُ المنالِ، ولكنّ الفضيلة أن يسعى المرء من أجل ذلك، ولأنّ الحكمةَ ضالّةُ المؤمنِ، وليس بوُسع أحَدٍ أن يدّعي المعرفة، إلّا إذا أثبتت الشّواهد ذلك، أمّا العلاقة المثاليّة يتولّد من خلالها أسلوب تبادل الآراء البنّاءة بمعناها الحضاريّ الأسمى.  

 

 

مواضيع كتاب (مرتكزات وأفكار):-

-         مقدمة المؤلف.

-         مفهوم الذّات.

-         مفاهيم تربويّة.

-         العلاقات والمصالح.

-         في الإدارة والتخطيط.

-         اتّخاذ القرارات.

-         الشّخصيّة والذّكاء.

-         فلسفة العلاقات الاجتماعيّة.

-         الرأي العامّ وفلسفة الحوار.

-         في الأفق الاقتصاديّ.

-         العمل في أجواء الأزمات.

-         آراء وملاحظات.

***

 

كتاب (الإرادة ومعايير القوة):

   * وفى٢٠٠٢ صدر الكتاب، على شكل بحث في كيفية بناء الخطط المُعتمدة على التَنَبُّؤ الحذِر، حتّى لا تتأثّر مسيرة التنمية اجتماعيًّا وسياسيًّا. من خلال مُرتكزاتٍ فكريّة، ركّزت على المفاهيم التربويّة، ذلك أنّ التحدّي المنظور أمام واقع التَّعليم في الوطن العربيّ، وقدرة المناهج التربويّة على نقل تكنولوجيا العصر، وتوظيفها لبناء النّشئ، سيّما وأنّ فلسفة التربية الحديثة هي صناعة الإنسان.

   ومن زاوية انسجام ثقافة الإنتاج، بعد أن أُتخِمت ثقافة الذّاكرة، وتوالي الأزمات بالاتّجاهات، التي تشوّشُ على الفكر النهضويّ الجديد.

مواضيع كتاب (الإرادة ومعايير القوة):

-         مقدمة المؤلف.

-         مستجدّات الصراع العربي الإسرائيلي.

-         التنمية في ظلّ العولمة.

-         الحركة الثقافيّة والفكريّة.

-         الفكر النّهضويّ العربيّ.

-         توقّعات.

***

 

كتاب (ملامح التحدّي، وأدوات التنمية):

  صدر هذا الكتاب في العام 2007، فكرة ورسالة الكتاب: عبارة عن قراءات في أهداف العولمة، والنظام العالميّ الجديد، ودورهما في التحوّلات البنيويّة، وإلى أيّ مدى يمكن تقييم تجارب الماضي، من خلال النظرة الموضوعيّة للحاضر، وأهميّة استشراف المستقبل.

   وماذا عن واقع التنمية في ظلّ التداخل غير المُنضبط بين الدّول والجماعات؟.

   وهل هناك إرادة فكريّة مُلتزمة باستحقاقات المرحلة؟.

وتبيان أهميّة السّير في ركب التطوّر التكنولوجيِّ، في حقبة تتراكم فيها الأزمات والمُعوّقاتُ، وتتقاطعُ من خلالها الأهداف السياسيّة مع المصالح الاقتصاديّة.

 

مواضيع كتاب (ملامح التحدّي، وأدوات التنمية):

-         المقدمة.

-         التراث الشعبيّ والفعل الثقافيّ.

-         الشّباب بين عناصر التحدّي، ومفهوم الرّياديّة.

-         في آفاق التنمية.

-         قراءة التّاريخ وتكنولوجيا المعلومات.

-         المفكّرون ومتطلّبات المرحلة.

-         وسائل الإعلام والرأي العامّ.

***

 

كتاب (ثقافة المعرفة والتفكير الاستراتيجيّ):

* وفي العام ٢٠١١ صدر هذا الكتاب. فحواهُ تدور حول: المعرفة تعمّق اليقين، لأنها تستمدّ قيمتها من جوهر الحقيقة التي تسود فيها الحكمة، وتتّضِح الرؤية؛ فالتفكير الاستراتيجيّ يتمثّل بالقدرة على الاستشراف الدّقيق؛ ليكون  بعد ذلك توجّهًا نحو المُواكبة، بما تستدعي من بذل الجهود، التي تُحقّق مبدأ السّير في مواكبة ركب التجدّد والتطوّر.

 

مواضيع كتاب (ثقافة المعرفة والتفكير الاستراتيجيّ):

-         قيمة المعرفة وفن الاستشراف.

-         اللغة العربيّة بين الفعل الثّقافيّ والدّور الإعلاميّ.

-         أدب الرّحلات ومفهوم التثاقف بين الشّعوب.

-         السّيميائيّة بين منهجيّة البحث ومقوّمات الاستدلال.

-         التّفكير الاستراتيجيّ والانتاج المعرفيّ.

***

 

 كتاب (العرب وفضاءات الأزمة)

* وفي ٢٠١٥ صدر أيضًا هذا الكتاب، وهو يعالج سيناريوهات مُوجّهَة، وتدخُّلات مُربكة ومرعبة خلطت الأوراق، وخلقت مُعاناةً للشُّعوب العربيّة بتحريك الفِتَن، وإذكاء الخلافات، وتغذيتها بين مُكوِّناتِها الاجتماعيّة، والتعويل على وجود إرادة عربيّة صلبة قويّة؛ للخروج من تبعات الأزمة، وذلك مع تزايد التحدّيات، للحدّ الذي تشعر به للأغلبيّة من أبناء العروبة، كأزمات: المياه، الطّاقة، وحدة الأسعار التي تؤثّر على التنمية الاقتصاديّة، وتراكم أعداد الباحثين عن العمل، وتضخّم المديونيّة في العديد من الدّول العربيّة، هذا إلى جانب ملامح الأزمات في العلاقات الدُّوليَّة، والتي تبرز بسبب تقاطع المصالح،  بين من يصنع  الفِعْل، ومن يتأثّر به.

 

مواضيع كتاب (العرب وفضاءات الأزمة)

-         المقدّمة.

-         التفكير السّياسيّ والفعل الثقافيّ.

-         مقاربات فكريّة نحو المناهج التعليميّة.

-         السّياسة والإعلام واللّغة.

-         حوار الحضارات وعناصر القوّة.

-         التنمية في ظلّ التقلّبات الاقتصاديّة.

-         العرب، وفلسفة الإصلاح.

-         المثقّفون واستحقاقات المرحلة.

-         مستقبليّات.

***

 

 

 كتاب (إطلالات من شرفة الحذر):

   * وفي ٢٠١٨ صدر هذا الكتاب، وفيه عالج فكرة التعاون والتنسيق الاقتصاديّة في محيطها العربيّ، وحذَر من خطط الدُّول الصِّناعيَّة والعُظمى؛ لجعل البلاد العربيّة سوقًا لمنتجاتها. ومَنْجَمًا للمواد الأوليَّة لاستمرار صناعاتهم، وبأسلوب لا ينسجم مع طموحات المُواطن العربيّ.

   ومن بين التحدّيات المُستقبليّة أمام صُنّاع السّياسة، وحملة الأقلام، أنّ مُخرجات الصّراع الدّائر في أكثر من دولة عربيّة منذ مطلع 2011. أدّت لتفريخ حركات إرهابيّة، بدأت أفعالها تُضيِّق على دِفْء العلاقات على مُستوى الدّول والجماعات.

   الأمر الذي يحتاج إلى حالة استنفار غير مسبوقة من قبل العلماء، وأهل الفكر من أبناء هذه الأمّة في دحض الشُّبهات، التي يعتقدُ الرَّأي العامّ العالميّ، أنّها تنبت في تربة العالم الإسلاميّ، مع أنّ حقيقة الأمر: أنّها جاءت ضمن سياسات، ومخطّطات الدّول العُظمى، التي تحرص على مستقبل مصالحها خارج حدودها.

مواضيع كتاب (إطلالات من شرفة الحذر):

-         الحوار الحضاريّ والانتاج الفكريّ.

-         المناهج التعليميّة والتطور التكنولوجي.

-         مقومات الابداع ومصادر المعرفة.

-         الثقافة والفكر التنمويّ.

-         الأهميّة الاقتصاديّة للوطن العربيّ.

-         اللّغة العربيّة والهويّة.

-         الشباب بين منظومة القيم وأدوات التنمية.

-         دوافع السّياسة ومظاهر الصّراع.

-         الاستنتاجات.

***

كتاب (من شرفة الثقافة ):

* وأخيرًا وليس آخرًا، صدر هذا الكتاب في العام 2020، ويدور حول حركة الزّمن، ودور أهل الفكر. في ظلّ التداخل غير المُنضبط في أكثر من اتّجاه، هنا تبرُزُ الحاجة لتفعيل دور التفكير النقديّ، الذي يستنطق الأحداث، ويقرأ الماضي والحاضر، ثمّ يستشرف المستقبل، بمنهجيّة تُعزّز دور العلماء، وأهل الفكر، بتقديم كلِّ ما لديهم من طروحات ومقترحات، وهنا تتجلّى مُهمّة الإدارة الحصيفة في فنّ التفكّر والتدبّر، ثمّ يأتي دور المرجعيّات الموثوقة، التي تحرص على  صوْن المنجزات، وتقفُ على شُرفة الأمل، الذي يُعزّز الثّقة بالنّفوس.

 

 مواضيع كتاب (من شرفة الثقافة ):

-         إضاءة.

-         الثقافة بين منظومة القيم وأدوات الشّفافيّة.

-         ماذا تكشف لنا شرفة الثّقافة؟.

-         المسؤوليّة الفكريّة ومنهجيّة الاستشراف.

-         الشّباب بين المُحدّدات والثقافة الانتاجيّة.

-         أهداف التنمية الاقتصاديّة.

-         الإعلام بين متطلّبات المهنة ومُحدّدات السّياسة.

-         فلسطين بين حقائق التّاريخ ودور أهل الفكر.

-         التاريخ العربيّ الحديث والتحدّيات الاقتصاديّة.

-         هوية الدولة العربيّة الحديثة والتنوع الثقافيّ.

-         الحوار الحضاريّ والفعل الثقافيّ.

-         مكانة اللّغة العربيّة بين مفهوم التأويل وعلم الدلالة.

-         مستقبليّات.

***

* وقفات  لا بدّ منها:

 

    من خلال تتبّعنا لمسيرة (عبدالمجيد جرادات) الثقافيّة، ومن خلال استعراضنا لما تقدّم، يتأكّد بما لا يدع مجالًا للشكّ، بأنّنا إزاء مُثقّف عميق، ومُفكِّر، ومُخطِّط استراتيجيّ، كتاباته تستهوي النُّخبة المُفكِّرة المُخطّطة لواقع الدُّول والشُّعوب. 

   سعة اِطّلاعه باهرة، على مُجريات السِّياسة العالميّة في كافّة مجالاتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهذه البحوث والدّراسات التي قدّمها في مسيرته الثقافيّة، أعتقدُ أنّ مكانها الحقيقيّ مراكز الدّراسات المُتخصِّصة، والنّافذة التي يُطلّ منها صاحب القرار، للاستضاءة بها أو ببعضها، لصَوْغ ما يراه مُناسبًا في الخير شعبه وبلده.

 

الوقفة الأولى: أنا أفكر؛ إذًا أنا موجود:

   هذه الوقفات لا بدّ منها؛ لاستيضاح واستقراء ملامح المشروع الفكري الاجتهاديّ للأستاذ عبدالمجيد جرادات:

   *(أنا أفكّر إذًا أنا موجود)، هذه المقولة الخالدة للمُعلّم (أرسطو)، هي مرتكزٌ أساسيّ من الممكن التأسيس للعديد من المواقف على ضوئها، (أنا أفكّر) والأنا إنسان، والإنسان هو الكائن الذي ينعمُ بالعقل، ليستطيع إدارة حياته من خلال التفكير. (إذا أنا موجود) النتيجة أنّ الإنسان أثبت وجوده في الوجود من خلال التفكير.

   وحيث أن التفكّر هو أرقى أنواع استخدام العقل، بوعي عظمة خلق هذا الوجود، وهذا ما ركّز عليه القرآن الكريم، في مواضع كثيرة من سُوَرِه. واقترن ذلك بصفات إنسانيّة باعثةٍ تعقّل دروب الإيمان، بيقين غيرِ قابلٍ لأدنى شكٍّ مُتسرّبٍ للنّفس؛ ليشوب رسوخ اليقين. وقد اعتبَرَ الأستاذ عباس محمود العقّاد رحمه الله أنّ: (التفكير فريضة إسلاميّة)، هذه العبارة جعلها عنوانًا عريضًا لأحد كتبه، كما أنّ المُفكّر الجزائريّ (مالك بن نبي) رحمه الله، جعل عبارة (مشكلة الأفكار) أيضًا عنوانًا لكتاب مُهمٍّ له.

   أمّا مبدأ التفكير فإنّه: تجسيد للتفاعل الإيجابيّ أو السلبيّ، وما بين أيدينا ممّا كتبّ الأستاذ جرادات؛ فهو بمنحاه الطبيعيّ إيجابًا؛ لتأكيد النّزعة الإنسانيّة في سبيل الحفاظ على البقاء والارتقاء، وحفظ الذَّات وصونها. من خلال محاولة تذليل المُعوّقات البشريّة والطبيعيّة. وهذا مدعاةٌ؛ لتعميق الدّراسات والعلوم الاجتماعيّة، برؤىً علميَّةٍ وعمليَّةٍ، حيث باتت الحياة الاجتماعيّة مَحكومة سياسيًّا واقتصاديًّا.

   في منجزه الأوّل (مرتكزاتٌ وأفكار) تناول قضايا الذّات الإنسانيّة بمفاهيم تربويّة، ذات علاقات مُتشابكةٍ تربويًّا، مرُتبطةٍ مع الإدارة والتخطيط، في سبيل اتّخاذ قرارات ذكيّةٍ؛ لبسط آفاق المجتمع الترفيهيَّةِ والحياتية، بإحلال الطمأنينة والاستقرار، من خلال تكوينات الرَّأي العامّ، بتشجيع فلسفة الحوار القائم على الرَّأي والرَّأيِ الآخر، بطريقة سلميَّة وحضاريّة لرُقِيّ الإنسان أوّلًا.

 

الوقفة الثانية: جرس إنذار  من الشُّرُفات :

   ولمّا يكون المُفكّر حاملًا لقضيّةٍ، ومُنتميًا لطريقٍ ومنهجٍ، فلا بدّ أن يقرع طبولًا، لما يرى فيه من الخطر القادم، وهو بمثابة جهازِ إنذارٍ مُبكّرٍ، قبل ما يتوقّعه بزمان، نتيجة استقرائه لمعطيات محليّة وعالميّة، بمقارنة المواقف بالمقدّمات والنتائج، وتحليلها ومطابقتها مع واقعٍ قابلٍ للتأثر والانفعال بما يحدث على الأطراف والجوار.

   وهذا ما تبدّى لي في كتاب (إطلالات من شرفة الحذر)، وبعد انجلاءِ الغَبَشِ عن المشهدِ، واتّضاحِ الرُّؤيةِ؛ جاء مشروع الكتاب الآخر تحت عنوان (من شرفة الثقافة).

   إذ تبلورت فكرة هذه الإطلالات من منظور، التحوّلات والمُتغيّرات العالميّة المُتسارعة والمُربكة، أثَّرَت في مجملها على شروط الوجود الإنسانيّ، بسيادة نُظم العولمة، واتّساع الهُوّة الاقتصاديّة بين شمالٍ رأسماليٍّ جَشِعٍ؛ يقوم بنهب خيرات الجنوب، وإفقاره.

   كما أنّ هُناك رؤيةً واقعيّةً لحجم جوانب التقدّم العلميِّ والتكنولوجيِّ؛ السّاعي للاستحواذ على مصادر الدَّخل القوميّ في الدّول النَّامية، ونزع كافّة وسائل القوّة من أيدي أبنائها. وإشاعة القلق بإثارة النَّعراتِ والحروبِ الدِّينيةِ والطَّائفيّةِ والقوميّةِ، وهذا الوضع من نتائج تقاطع مصالح، وسياسات الدّول الكبرى.

   هذه التحدّيات الداخليّة والخارجيّة لا يمكن أن يراها الإنسانُ العاديُّ المشغولُ بقوت يومه، ضمن معطياتٍ معيشيّةٍ مُنخفضةِ المُستوى؛ من هنا تأتي أهميّة المُفكّر، عندما ينهض فَزِعًا على مصير أمّته ووطنه؛ ليقرع أجراس الإنذار، ويرفعَ صوتَه صارخًا مُستصرخًا؛ لإسماع صوته المبحوح من كثرة صُراخه الذي لا يهدأ لفترة، حتّى يبدأ من جديد.

   ويتجدّدُ أمل الأستاذ جرادات بعد أن أطلَّ من شُرُفاتِه، بإدراكِ الباحثِ الواعي لأسباب القُوّة الكامنةِ في مجتمعه العربيّ، القائمةِ على الإرادة والتصميم القويّ على البقاء، واستكناهِ أسبابِ القوةِ الذاتيّة، مُحاولًا لفْتَ الانتباه لها، وتشجيع تنميتها على كافّة الأصعدة والمُستويات. والتنبيه لملامح التحدّي، التي يرى فيها خطرًا قائمًا، يُتوقَّعُ وصوله في أيّة لحظة.

 

الوقفة الثالثة: العرب وفضاءات الأزمة:

   هذه الوقفة، ستكون في رحاب كتاب عبدالمجيد جرادات، ذي العنوان الذي خصَّ به العرب، وهو (العرب وفضاءات الأزمة)، وفي الإهداء إنارة للقارئ المُستهدَف من فكرة الكتاب، حيث يقول: (إلى الذينَ يمتلكونَ الإرادة، والقدرة على تَحمُّلِ أمانةِ المسؤوليةِ في الظُّروف الحَرِجَة) ص5.

   ولتعزيز فكرة الكتاب، استشهد بمقولة من كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة الدينوري، بقوله: (أنّما الكلام أربعة: سؤالكَ الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء؛ فهذه دعائمُ المقالات، إن اِلْتمس إليها بخامس لم يوجد، وإن نَقَص منها رابعٌ لم تتمّ؛ فإن طلبتَ فسهّل وبسّط، وإن سألتَ فأوضح، وإذا أُمِّرتَ فاحْكُم، وإذا أُخبِرتَ فتَحقّق، واجْمع الكثير مما تُريد في القليل مما تقول) ص13.

   بهذه المقولة تعزّز لدى الكاتب فكرة المسؤوليّة الكبرى لما سيكتب، والأمانة التي حملها على عاتقه، في إيصال رسائلِهِ الإيجابيّةِ الخيّرةِ الواعيةِ لقارئه ومُستمعِه. وبِجَرْدةٍ بسيطةٍ لصفحة الفهرس؛ الكاشفة لمحاور الكتاب عامّة، في ساحات الفكر والثقافة، والتعليم ومناهجه، والسِّياسة والإعلام، ذهابًا إلى فضاء حوار الحضارات، والتنمية، والإصلاح على جميع المستويات، كلُّ ذلك من خلال عينٍ مُتطلّعة على المستقبل، من خلال التفكير الاستراتيجيّ؛ للاستحصال على المعرفة والثقافة.

 

الوقفة الرّابعة: جدليّة المُثقّف ومحيطه الاجتماعي:

   استحضرني سؤالٌ مُهِمٌّ: حول علاقة المُثَقَّف مع مُجتمعه وثوابته، والوُقوف في وجه التحدّيات والأخطار المُحيقة. هل المَعْنِي بذلك: هو المثقَّفُ وحده؟.

   بكلّ تأكيد، للإجابة على هذا التساؤل، لا بدّ من إدراك أنّ المثقّفَ هو فردٌ وَعَى، ونَذَر نفسه قُربانًا لقضايا مجتمعه، يدفعها ضريبةً لانتمائه، وهو حالةٌ مُتقدّمةٌ في التفكير، ضَحّى بوقته ونفسه، وكثيرًا ما كانت بالنفس؛ بما ناله من الأذى والعَنَت.

   في هذه الوقفة يرى الأستاذ جرادات: بتظافر جميع الفعاليّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسية في سياقٍ مُتّسقٍ مُتناغمٍ، يدًا بيد، حِرصًا على تقديم شيء ما، أو التخفيف من غَائِلة المخاطرِ مهما كان نوعها. وهذا ما بحثه في كتابه (ملامح التحدي وأدوات التنمية)، يرسم من خلاله دور المفكرين؛ فيقول: (ترتكز جهود المفكرين، وخبراء العلوم الاجتماعيَّة على مُستوياتٍ ثلاثة، هي: النظريَّاتُ الكبرى، والتحليلاتُ النقديَّةِ للاتجاهات والمُيولِ الاجتماعيَّةِ، والتيَّاراتِ السِّياسيَّةِ المختلفة) ص85.

   وفي موضع آخر يتلمّس المصاعب في وجه المُفكِّرين، فيقول: (تبدو مُهمَّة المُفكِّرين العرب شائكة، على ضوء علاقات التَّفَكُّكِ بين الثقافةِ والفكرِ من جهة، والواقع الاجتماعيِّ؛ الذي فرضته تحدِّياتُ العولمة، والانفتاح الاقتصاديّ بين الدُّول الغنيَّة، وشركاتها العملاقة مع الدُّوَلِ النَّامية من جهة أخرى) ص88.

    وفي استنتاجاته نتوقّف أمام رؤيته تجاه وسائل الإعلام من خلال تساؤلاتٍ مُهمَّةٍ: (هل سيكون بوسع وسائل الإعلام الالتزام بمتطلبات وثوابت مهنتها في ظلِّ ثورةِ الاتصالاتِ، والتقنيَّاتِ المُتطوِّرةِ؛ التي أزاحت الحواجزَ أمام الثقافاتِ والأفكار، وجعلت العالم المعاصر؛ يرقُبُ مُستجَدَّاتِ الأحداثِ من شُرفةِ السِّياسة. بعد أن أصبح المال والاقتصاد من أهمِّ أدوات التأثير  في الميادين الاجتماعيَّة؟) ص 111.

   وحول دور وسائل الإعلام والقائمين عليها، يتساءل: (ما هي الكيفيَّة لنقل الخطاب الفكريّ القادر على التقريب، والتوحيد بين صُفوف الرَّأي العامِّ في مرحلة؛ نلمح فيها العديد من المحاولات التي تعزفُ على موروثِ الخلافات، وقد تعود بين الحين والآخر، لمواقف تاريخيَّة، نعلم أنَّ شُعوبَ الدُّول الصناعيَّة والمتطوِّرة، تجاوزتها بحكم التَّصميم على السَّيْر  في ركب الحضارة) ص111.

 

الوقفة الخامسة: المفكر عبدالمجيد جرادات بين الواقع العربي ونظرية المؤامرة:

   في المحطة الأخيرة لا بدّ من التوقّف، أمام معضلة الرُّؤية العامّةِ المقتنعةِ بنظريّة المؤامرة؛ فلو انحبس عنّا المطر، لمال البعضُ منّا إلى لصق الموضوع بالاستعمار.

   كما رأينا أنّ ذلك المشجب يُستَعمَل؛ لتعليق الأخطاء والتقصير في الأداء الإداريِّ، تبريره لذلك: يذهبُ إلى طبيعة المرحلة التاريخيّةِ الصَّعبةِ التي تمرّ بها الأمَّة، ومؤامرات الاستعمار والصهيونيَّة والرجعيَّة.

   بسؤال شفاهيٍّ للأستاذ عبدالمجيد جرادات، بخصوص هذا المنحى المأزوم، المحاول لتصريف أزمته في ساقية المؤامرة الخارجية، فقال: (المجتمعُ الذي ينعمُ بالوعي الثقافيِّ، والتحصّنِ الفكريِّ؛ يكونُ عَصِيًا على المؤامراتِ الخارجيَّةِ، والدَّسائسِ الدَّاخليَّة). وذكر مقولة المفكر "مالك بن نبي": (مُشكلة كلّ شعب في ثقافته الداخليَّة، والطريقةِ التي ينشأ عليها، لكنّ المُعضلة لأبناء العروبة تكمن في فكرة: القابليّة للاستعمار)، ويقول "مالك بن نبي" أيضًا: (إنّ الاستعمارّ، ليس مُجرَّد عارضٍ، بل هو نتيجةٌ حتميَّةٌ لانحطاطنا)

       فهذا النوع من المفكر ين يتعامل مع أيَّةِ قضيَّةٍ، كعالم الرياضيَّات يُفسِّر محتوى معادلاته الرياضيَّة، القائمة على نظريَّات وافتراضات، تقود إلى تحليلٍ سليمِ المُقدِّمات، التي ستقود حتمًا إلى نتيجةٍ صحيحةٍ مئة في المئة.  

   وفي هذا الصدد يقول "مالك بن بني": (أيُّ إخفاقٍ يُسجِّله مجتمع في إحدى محاولاته، إنَّما هو التعبيرُ الصَّادقُ عن درجة أزمتِه الثقافيَّة).

 

***

* الخاتمة:

   أخيرًا وليس آخِرًا؛ بقي الأستاذ "عبدالمجيد جرادات" وفيًّا لمبدئه، قائمًا على إيمانه بإصرارٍ وعنادٍ، لا يضرّه من خالفه، ولا من سمع به، ولم يؤمن معه بما آمَنَ هو به؛ فبإيمانه هذا؛ يكون مثل إيمان الأنبياء الرّاسخ بصوابيّة موقِفِهم، وأنّهم مُتمسّكون بما كُلّفُوا به، يقينًا لا يخالطه أدنى شكٍّ أبدًا، بأنّهم يحملون الحقَّ والخير من الله؛ مُكلَّفون بتبليغه لأقوامهم المبعوثين لها.

   بقي على يقينه قائمًا، لم يُغيّر ولم يُبدّل، مُركِّزًا على فنون الكتابة الأدبيّة، والسياسيَّة، كما شاعرٍ مُحترفِ الشّعر، واشتُهر به من خلال المنابر، ومُتَمَوْضِعًا على شُرفات البحث عن صوابيّة الفكرة، وطُهر معانيها.

   للمُراقب لمسيرة "عبدالمجيد جرادات" يرى: أنّها حافلةٌ حدَّ الإتْخام، بقضايا وتحدِّيات ومخاطر؛ وَهَبَ لها قلبه الواعي المُفكِّر، ونَذَر أيضًا قلمه؛ ليُدوّن عُصارة فكره وخبرته، التي اكتسبها أكاديميًّا بالدِّراسة والقراءة والمطالعة والمخالطة والتجربة، في سبيل نُصرة قضايا الوطن والأمَّة، بعيدًا عن المُزايدات الخطابيَّة، والغايات الشَّخصيَّة.

   ويبقى عبدالمجيد الإنسانُ إنسانًا.. يُصيبُ ويُخطِئ.. يفرحُ ويحزن.. يغضبُ ويَحلُم صَفْحًا، والأجمل من كلّ هذا:  خُلُق التواضع الجمّ الآسِر؛ سجِيَّتُه.

والسلام ختام، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

عمّان – الأردنّ

ــــــا 4/ 3/ 2021

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأملات قرآنية