الخميس، 17 ديسمبر 2020

هرولتُ و هرولتُ

هرولتُ.. وهروَلتُ

(خاطرة)


بقلم-  الروائي محمد فتحي المقداد


   هرولتُ.. وهرولتُ، وما زلتُ مُثابرًا، أذكرُ أنّني تعلّمتُ الهرولة مع بداية خدمتي الإلزاميّة آخر عام ١٩٨٣في دورة الأغرار على مدار ٤٥ يومًا، كانت مليئة بلذّة الصّحو السادسة صباحًا على وقع صافرة الاجتماع الصباحيّ من كلّ يوم، الذي يُفتتح بدرس الرّياضة عاري الصّدر.

   وهرولتُ بأشواقي اندفاعًا للقاء وجه ربّي في بيته الحرام، عند تأديتي لفريضة القادر الحجّ، وما زال حادي الشّوق يُحرّقُ دواخلي مُتمنيًّا العودة إلى رحاب مكّة ثانية.

   الهرولة غُرست في دواخلي نحو الكُتب والمطالعة الدّائمة صارت ضرورة رئيسة من أساسيّات  حياتي، كالغذاء والشراب والحاجات الخاصّة، مكان عملي في صالون الحلاقة نصف مكتبة، رفوفه وزواياه ممتلئة بالكتب، استغراب مُتكرّر من الزبائن، ما الحاجة لكلّ هذه الكتب؟.. أهي بغرض البيع والتجارة؟. تكتسي وجوههم دهشة حينما أجيب: هي للقراءة والمطالعة. يثور سؤال سمعته من كثرين: وهل قرأتها جميعًا؟. نعم قرأتُ مُعظمها، ومنها ما زال بانتظار دوره.

   هرولتي مُعاكسة تمامًا لهرولة المُستعجلين لتقبيل النجمة الزرقاء، وزواياها الحادّة النافرة الناخزة قلوب العرب، والتبرّك بها تقرّبًا وتمسّحًا لنَيْل بركاتها العاجلة، وشطب ثوابتهم العربيّة من قاموسهم، طوفان هرولتهم الهادر؛ سأقاومه مع هم أمثالي من أحبابي وأصدقائي وأنا أيضًا.


من كتابي (من أول السطر)

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

متفق عليه

 http://www.afaqhorra.com/نثر/الخاطرة/متفق-عليه-الروائ…حمد-فتحي-المقداد/ 



تمت المشاركة مع العامة
العامة
متفق عليه (خاطرة)
بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد
- يبدو أنّ الأمور مُتّفقٌ عليها؟.
في ذروة انشغالي بترتيب أوراقي الضروريّة في مصنّف مُعاملة للبلديّة لاستصدار ترخيص إضافة ملحق صغير للبيت.
فاجأني سؤاله بعد كلامه الطويل عن الرّوتين المُملّ في البلديّة، وإهمال الموظّفين المختّصين هناك.
هززتُ رأسي مُؤيّدًا، عندما تذكّرتُ صلة القرابة التي تربط بين أحد الموظّفين، وهو يوصي زميله بقريبه الذي هو بجوار بيتي.
- نعم.. نعم الأمور مُترابطة من الباب إلى المِحراب..!!.
لم أيأس من مُتابعة مُعاملتي، والأملُ يحدوني لانهائها بالموافقة، وفي نيّتي التوسّط عند رئيس البلديّة عن طريق شُرطيّ أعرفه من زمان استدان منّى مئتيْ ليرة سوريّة، نويتُ مُسامحته بها؛ مُقابل أن يحكي شأني مع الرّئيس الذي لا يمكن أن يرفض الطلب.
مساءً كنتُ أتابع نشرة أخبار رديئة على إحدى الفضائيّات، رأيتُ تصريحاتٍ لفرقاء الحلّ في سوريّة، لم أتفاجأ بتضاربها، استنتجتُ أنّ رابطًا خفيّ يجمع بينها..!!
صدى سؤال صديقي في الصباح جاء مُؤكّدًا: أنّ الأمور مُتّفقٌ عليها. وما حصل ظاهريًّا من مُماحكات هي لاقناعي أنا بالذات.
من كتابي (من أول السطر)

الأحد، 13 ديسمبر 2020

مقاطعة الرومانسية

مقاطعة الرّومانسيّة (خاطرة)


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


   لا أكتمُكم سرًّا أصدقائي، بعد التدقيق والتمحيص بحثًا ودرسًا وشرحًا، ومشاورات حثيثة أجريتُها مع خُبراء المُقاطعة العربيّة، شدّة الإلحاح والتشجيع قويّ من مُحيطي المُقرب وقاعدتي الثقافيّة؛ عزمتُ على الإعلان، لكنّ في اللّحظة الأخيرة أثناني خوفي من انتقام النساء عمومًا، وسيّدات المجتمع الثقافيّ والآنسات الأديبات؛ بمقاطعتي نهائيًا على الفيسبوك والواتساب. 

   أخيرًا لم يكن بُدٌّ من إعلان فكرتي الخُرافيّة، عن تأسيس جمعيّة (مقاطعة الرّومانسيّة)، عكّر مِزاجي هذا الصّباح، وأنا في طريقي إلى العمل توقّفتُ للسّلام الصباحيّ المُعتاد على صديقي (أكرم أبو عبدالله) في البقّالة التي يعمل بها، وهي محطّتي الأولى قبل الوصول إلى محلي. دخل طفل واشترى مصّاصة لها عود في أسفلها. الأمر الفظيع أنّها مُصمّمَةٌ على شكل حذاء بلون زاه. علّق صديقي بألم أعماقه: تخيّل كيف ستكون نفسيّة هذا الطفل، وهو يضع حذاء في فمه؟. تذكرتُ حلوى (قبقاب غوّار) اللذيذة التي تذوب في الفم دون جهد، وكانت على شكل حذاء أيضًا.. أيقنتُ رُضوعَ الذُلّ منذ صغري بداية تشكيل وعيي. 

   بلا تعليق منّي، هززتُ رأسي المُتخم طربًا منذ استيقاظي، وأنا أُدندنُ لحن أغنية (بحبّك يا حمار)، قبل يومين لا أدري ما الذي ذكّرني بها، رغم مآسي الزوجات اللّاتي أصبحن مُطلّقات عندما أحببنَ الأغنية بجنون، وهُنّ يضعن الكاسيت في آلة التسجيل للرقص على موسيقاها. أعتقد لو أنّهنّ تقدّمن بشكوى الضرر من الأغنية؛ لحصلن على دعم المُنظّمات النسائيّة في العالم. 

   غصّ يومي هذا منذ صباحه بتساؤلات مشروع البوْح بها أو لا:

- ما الجدوى المرجوّة من إعلان مُقاطعتي للرّومانسيّة؟. 

- كيف لي احتمال الانتقادات الحادّة؟. 

- هل الحبّ مشروع لشخص سويّ، أن يُحبّ حمارًا؟. 

- هل انتفى الذوق للذهاب في مُنزلق الحمير؟ 

- ولماذا يثور من يوصف بالحمار؟. هاهي الحمير أخيرًا جذبت اهتمام البشر الذين تركوا وتباعدوا بُغضًا وكراهة، ورفاهيّة بمشاعرهم الهاربة فرارًا من واقعهم غير الرّومانسيّ لواقع الحمير الرّومانسيّ.

هذه المرحلة الحماريّة من حياة أيّ شخص مُؤشّر هامّ للحريّات الشخصيّة المُنطلقة جُنونًا؛ لكسر أبواب وأقفال حاجز المُقاطعة العربيّة لإسرائيل. 

من كتابي (من أول السطر)

السبت، 12 ديسمبر 2020

الجنوب صمود

الجنوب صمود
خاطرة
بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد
عظمة الجغرافيا أنّها تزيد اليقين بحتميّة جلالة المكان مهابةً، وأهميّته في إعادة تدوير الفعل الحضاريّ للإنسان تبعًا لمنحنيات وتعرّجات الطبيعة عُمومًا.
طبيعتي جُنوبيّة الهوى فمن بُصرى الشام مسقط رأسي في أقصى جُنوب سوريّة، هجرتُها مُرغمًا طلبا للحياة الآمنة، إلى الكرك جنوب الأردنّ، الصّامدة في وجه الإرهاب المُتطرّف التكفيريّ، وفي فترة زمنيّة سابقة ١٩٨٢أيّام الاجتياح الإسرائيليّ، ما زالت قلعة (الشّقيف) جنوب لبنان ماثلة بصمودها الأسطوريّ في وجه الآلة العسكريّة الغازية، ولماذا الجنوب ثانية حينما يتوقّف التاريخ في (أمّ قصر) جنوب العراق، ليُسجّل صفحة صمود مُشرفة في ضمائر شُرفاء الأمة، أمام الاجتياح الأمريكيّ الغاشم للعراق. عدد محدود من المقاتلين في كلا الموقعيّن لا يتجاوز العشرين مُقاتلًا، سطّروا ملحمة صمود أسطوريّة.
الجنوب والصمود أيقونة عزّ في (غزّة) جنوب فلسطين، لم تنكسر.. ولم تنْحنِ، في زمن انحنى فيه ظهري تقوّسًا، وما عدتُ أستطيعُ تعديله في ضوء تكلّس عمودي الفقريّ. ومع انحنائي أحاول جاهدًا رفع رأسي؛ لأردّد مع جوليا بطرس (يا حبيبي يا جنوب).
من كتابي (من أوّل السطر)

الدفتر الحر

 الدفتر الحر

(خاطرة)

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


   أخيرًا حقّقتُ أحلامي المُستحيلة من ذات يوم مضى؛ بشراء دفتر صفحاته بيضاء ناصعة مُتحرّرة من الهوامش والسّطور. عظيمُ فَرحتي بكتابة ما يحلو لي للمرّة الأولى في حياتي، وبكامل حُرّيتي.

   بلا سطور بلا هوامش كتابة حُرّة بلا حدود. رحم الله أستاذنا لمادّة اللّغة العربيّة (أبو فريد)، كان يُجبرنا على تسطير هامش ثانْ بالقلم الأحمر على الجهة اليسٍرى من كلّ صّفحة من دفتر الوظائف والواجبات، والسّطر الأوّل منها كذلك، ففيه منظر بهيج بتشكيل بصريّ مُريحٍ لدفاتر التّلاميذ. وكان الأستاذ (قاسم البلخيّ) مُدرّس اللّغة العربيّة في الصفّ العاشر، اشترى دفترًا أسماه (الدفتر الحر) لإثارة الإبداع الأدبيّ في المجالات المختلفة، مما يكتب الطالب، وفي حصّة ثانية يقرأ موضوعه ويجري النّقاش، لكنّ صفحات الدفتر تحتوي الهامش والأسطر. 

   بعد انقضاء ما يُقارب أربعة عقود من انتهاء دراستي في ثانويّة (بُصرى الشّام للبنين)، ما زلتُ مُتأثرّا بأيّامها بالمحافظة على كُتبي ودفاتري وقُصاصات أوراقي المُهمّة وغير المُهمّة بحرص شديد، وتوصية أبنائي عدم إتلاف أيّ منها على الإطلاق. 

   في مراحل الدّراسة الأولى لا بدّ من تمرين الأيدي على الكتابة، واستقامتها على سطور، والكلمات لا بدّ لها من أن تكون بعد الهامش الأحمر على يمين الصّفحة أو هامشيْن كما في حالة أستاذنا المرحوم. 

   المُعلّمون جميعًا كانوا يمنعوننا ويرفضون الدفاتر غير المُسطّرة. أتوقّف مُتسائلًا مُنذهلًا: من الذي ابتكر هذه الطريقة بتقسيم الصّفحات البيضاء وفرضها على تلاميذ المدارس. وهل (سايكس وبيكو) لهما دورًا في هذا الفعل الجنونيّ، كما قسّموا بلادنا إلى دُوَل مُجاورة متناحرة مُتناقضة بكلّ شيء، اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؟.

الهوامش والأُطُر والسّطور  في الصّفحات البيضاء تُقسّمها كما التّقسيم الشنيع لبلادنا، ومن ورائه تقّسمت أولويّاتنا وفهمنا لدوافع وجودنا، فتعززت العصبيّة الإقليميّة والعشائريّة والمناطقيّة. 

بعد شرائي للدفتر الحر ّ بصفحاته البيضاء بلا حدود ولا وجع قلب، سأكتب جنوني وهرطقاتي وتجديفي وكُفري وإيماني؛ لأشبع نَهَمي وحِرماني للكتابة بلا حدود، والتغلّب على قهري من الحُدود المُصطنعة، أمنيتي أن يأتي ذلك اليوم  لهدمها، كما هدم الألمان جدار برلين. 

من كتابي (من أول السطر)

الاحتيال على الرغيف

 الاحتيال على الرّغيف (خاطرة)


بقلم: الروائي محمد فتحي المقداد


جميع الصّباحات مزدحمة بأفكار يومها: الرّغيف أوّلًا قبل كلّ شيء، دوافع القلق دائمًا تأتي من أجله؛ يحارُ المرء بكيفيّة تأمينه؛ فبالسرقة والرّشوة وقطع الطّريق والتهديد والكذب وحلفان عظم الأيمْان.

أتاني مشهد ذلك الأعرابيّ الحاج إلى بيت الله الحرام، حينما التقى بالعالم الأصمعيّ طالبًا منه موعظة؛ فقال: (وفي السّماء رزقكم  وما توعدون) الأعرابيّ لم يَحِرْ سُؤالًا، استدار مُودعًا شاكرًا.

وفي الموسم القادم من الحجّ التقيا مُجدّدًا؛ فبادر الأعرابي بالسّلام على الأصمعيّ؛ طالبًا الموعظة لهذا العام، بعدما تفكّر حوْلًا كاملًا بالسّابقة.

أجابه الأصمعيّ: (فَوَربّ السّماء والأرض إنّه لحقٌّ مثلما أنّكم تنطقون)، وهذا هو الشِّقُّ الثاني من الموعظة، وهما مُكوّنا آية كريمة من القرآن الكريم.

وكأنّني بالأعرابيّ، أنّه سمع ووعى، وتفكّر عامًا آخر بموضوع الرّزق، وازداد يقينًا بثبات وعزم، وإيمان لا يتزعزع: الله وحده هو مُقسُم الأرزاق.

جنيُ الرّزق بالتوكّل على الله، والكسب الحلال، والجدّ والمُثابرة قيامًا على العمل. لو كانت خاصيّة الرّزق بيد البشر؛ لاستأثر بها الأقوياء حارمين منها البشر جميعًا، ومن حكمة الله في خلقه أن جعل بيده مفاتيح الرّزق والأجل وأسبابهما.

من كتابي (من أوّل السّطر)

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

أزمة ثقة

 ‏أزمة ثقة

خاطرة

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


افتقاد الثقة بكلّ الذين نتعامل معهم مصيبة عظمى، أبْردَتْ جميع أشكال التواصل الإيجابيّ؛ فكان التوجّس والخيفة والحذر، وتبطيئ الخطوات المُندفعة للأمام باتّجاههم، وحلّ الشكّ والرّيبة من كلّ شيء فعلًا.

تولدّت لديّ متلازمة الشكّ حسب تشخيص أحد الأصدقاء، فإذا أردتُ الذهاب إلى أيّ دائرة حكوميّة، حتّى لو كانت مكتب دفن الموتى، بلا وعي منّي أبحثُ عمّن يعرفُ أحدًا هناك؛ لتسهيل مهمّتي دون أيّة عقبات، أو أضطرّ لدفع رشوة. 

وإذا أردتُ شراء غرضٍ ما للبيت، سأبحثُ عن صديق يعرفُ تاجرًا مُحترمًا، كي لا أقعَ فريسة الغشّ السّائد على نطاق واسع. 

بجردة حساب بسيطة لقائمة أرقام الهواتف التي أحتفظُ بها في هاتفي (الموبايل)، خانتني الذّاكرة في التعرّف على الأسماء، أحاول تذكّر السبب الحقيقيّ وراء الاحتفاظ بهذا العدد الهائل، وتكبُر دهشتي مُتسائلًا كيف لي لا أتذكر من هو (أبو محمد) المتشابه مع أكثر من خمسين اسم، مؤكّد أن كل اسم يحمل رقمًا مختلفًا عن الآخر. 

الهلع والخوف يجعلني أتشبّثُ بأي سبب خلفه نجاتي من الغشّ، وخشية الإرباكات في الدّوائر؛ فالحذف لها كان سيّد الموقف الذي أملاه عليّ. 

أطمئن لحديث التاجر المعسول؛ وثقتي الزائدة به، وحسن ظنّي به؛ تأتي النتيجة مخيّبة بأنّني اشتريت بزيادة عن السعر المُتاح في المحلّات، هل هي غفلة منّي، أمام شطارة البائع؟. 

 أصبح الحذر والترقب في معظم تعاملاتنا.. أين الخطأ؟


من كتابي (من أول السطر)

تأملات قرآنية