السبت، 15 أغسطس 2020

الأستاذ نوران الحوراني.. بقلم محمد فتحي المقداد

 كلمة لا بدّ منها: 

للصديق (نوران الحوراني) 


بقلم الروائيّ-  محمد فتحي المقداد

 

من محاسن لجوئنا أنّه فتح لنا أبوابًا جديدة، ونوافذ أطلننا منها إلى الآخر، وتلاقحت المعارف والثقافات، وتحفزت الأفكار للإبداع عن الكثيرين من أبناء بلدي خاصة في الأردن، البلد الذي فتح قلبه وصدره، فكان كالأم وصدرها الحنون.

ومما يجدر قوله: "الأردن يتقدم دول الجوار بخمسين سنة على الأقلّ في مجال الحريّات الشخصيّة".

وعلى الساحة الأردنية التقيت بالعديد من الفعاليات المحلية والسورية والعربية، ومنذ سنوات مجيئي في بداية العام ٢٠١٣، وفي كلّ صيف أرى عمّان خلية نحل نشطة ثقافيا على الصعيد العربي أجمع، يؤمّها الشعراء والكتاب والأدباء على مختلف جنسياتهم وانتماءاتهم ومرجعايتهم الفكرية والسياسية، وقد واعتلوا منصاتها الثقافية، وجمهور الأردن يستمع ويصفق لهم.

في عمّان كان لقائي الأول بالأستاذ (نوران الحوراني) ابن مدينة درعا، أسرني بلباقته منذ أول دردشة بيننا على المسنجر، وكان اللقاء الأهم وجهًا لوجه في وسط البلد في عمّان، وعلمت أنه يحمل بكالوريوس لغة فرنسية من جامعة دمشق، ثقافته الواسعة لم تأت من فراغ، فعمله في مكتبة (دنديس) أتاح له التعامل مع الكتب والأدباء والباحثين والأكاديميين، وفي أوقات فراغه القليلة يقرأ فيما يروق له، لا سيما اعظم كتب الأدب والعلم والدين بين يديه وفي متناول يده.

ابتسامته كانت دليله إلى قلبي، تواضعه الجمّ أسرني، حلو منطقه في الكلام استحوذ على اهتمامي لكي أستمع إليه بكل شغف.

لا يخفى طيبه ونقاؤه على من يلتقيه ولو لمرة واحدة، روحه مرحة رغم دواخله الموجوعة.. يعمل بجد ونشاط لا يكسل ولا يتأفف، ولم يمنعه تقدم العمر من مزاولة عمله بهمة عالية، واخلاص، ونصح، ومثابرة. تحياتي لك أبا رامز الغالي


عمان - الأردنّ

٦/ ٧/ ٢٠٢٠

المحامي ابو غانم. كتب

 كتب الأستاذ المحامي محمد الغانم أبو غانم.. عن الروائي (محمد فتحي المقداد) 

___----____

*لاجئ سوري حوّل المحنة إلى منحة ونقل في حقيبته وجيوب معطفه الممزقة  تراث بصرى الشام والشام وفي الطريق وعلى وقع القصف والرُعب طارت ذكرياته الورقية أدراج الرياح لكن  تلافيف مخه النظيفة احتفظت بتفاصيل وشيفرة المكان ...*


*حطّ رحاله بمخيم الزعتري حيث الغبار والزوابع وهجير الصيف وحرّه والرمال المتحركة والصحراء الممتدة وضيق الأُفق وقسوة العيش ...*  


*لم يستسلم ولم يرفع الراية ولم ينتظر طويلاً هبات وأعطيات المحسنين ولم يقف على أبواب الجمعيات ولم يتسول في الطرقات أو ينصب ويحتال بل شحذ الهمة وفعّل الإرادة ورقص فوق الرمال وجعلها صديقة وأيقن بأن التكيّف ضرورة والضعف والاستكانة عار وشنار وأن بصرى ستعود وإن طال الزمان وما بصرى إلّا من الشام والشام تبدأ من الشام نفسها وتمر بالقدس وبيروت وتحط رحالها بعمان ولبصرى شقيقات من مرضعة رومانية جرش وأم قيس وبيت راس وطبقة فحل وغيرها وكذلك أخت كبرى لأب عربي اسمها البتراء العظيمة ...*


*نهض اللاجئ من قمقمه وسنّ مقصه وبدأ يزيّن للناس رؤوسها وذقونها مقابل أن يحصل على ما ينفق به على أسرته وبرع في عمله وبات له زبائن يقصدونه لا بقصد الحلاقة والتزيين فقط وإنما للاستمتاع بحديثه، والسعيد من وقف أديبنا أبو هاشم فوق رأسه لدقائق يقص له شعره ويقرأ عليه ترانيم الأدب. *


*ماذكرناه هو مقدمة لرسالة بالغة الوصف خطّها أديبنا بثقة وتؤدة حتى بات صالون حلاقته مزاراً وملتقى عشاق الأدب كالعقاد ومي زيادة وما أن تدخل دكانه المتواضعة حتى تواجهك الكتب متشابكة ومعلقة كـ حدائق عدن.*


*لأديبنا الفذّ زوايا وحوارات أدبية نقدية على منابر ثقافية وخدمات مكتبية من طباعة وتنسيق ومراجعات إملائية ولغوية ونشاطات على دوريات متخصصة ومجلات وصحف  وكذلك اصدارات ومقابلات ولقاءات وكتب مطبوعة منها :*

*- رقص السنابل.*

*- كرسي الاعتراف.*

*- إضاءات أدبية.*

*- الطريق إلى الزعتري( رواية ).*

*- خيمة في قصر بعبدا ( رواية ).*

*- دوّامة الأوغاد ( رواية ).*

 *وأخرى عديدة في طريقها إلى الولادة.*


*ألف تحية لأديبنا الروائي السوري الكبير  محمد فتحي مقداد أبو هاشم ولكل لاجئ رسم طريق عودته بعرق وجهد وصبر .*

*#خربشات_أبو_غانم*

خاطرة على قارعة الأدب

 خاطرة على قارعة الأدب

____________________


على شُرفة حانةِ ذكرى ثَمْلَى احتضارًا..

دهاليز اتّسعت ساحاتها لتَرنّحات كآبتي المقبورة في صدري.

وانزلاق ابتسامة على شفتيّ؛ تستدرجُ أكوام حسد، 

وعيونٌ تتملّاني.. تنهشُ بقايا من بقايا هيكلي الواهن.

تستقوي.. تزدري..!!

تنشط في اعتلاء مراتب قهري..

ترقص طربًا على أنغام جراحاتي..!!

بسمتي صكّ امتلاكي الكون، ومفتاحه.

بكلّ ثقة أعلنها: "أنا متفائلٌ حدّ الفجيعة" .

متسائل: "أعليكَ حرارة؟ ".

وقيل كذلك: "يبدو أنّه تناولَ دواءً ليس له".

آخر مُخاطبًا نفسه: "مسكينٌ.. حِجابه ضاع منه".

_________

 *(الحجاب - التميمة المكتوبة تعلق في الرقبة وتتدلى على الصدر) 


الروائي محمد فتحي المقداد

قراءة نقدية للاستاذ أحمد علي بادي/ على قصة (الصرصور المغامر)

 كتب الاستاذ/احمد علي بادي -السعودية

قراءة نقدية على نصّي(الصرصور المغامر) قصة قصيرة

==========

*من العتبة الأولى للنص يبدأ الإيحاء بدرامية النص (الصرصور المغامر)،

وهنا رمزية يمكن إسقاطها على أولئك المسحوقين الذين دائما ما يحاولون التسلل عبر الحدود بحثا عن لقمة عيش كريمة فلا يجدون الاختناق بالإهانة.

*هنا اختيار موضوع الصرصور وهو يتسلل بغنيمته الحقيرة التي بالنسبة له عظيمة، مع وجود ذلك العسكري المرمي به ايضا هناك في العراء كان رائعا واسقاطاته الساخرة.

*لعل هنا المكان وتوحد الجندي فيه هو الشخصية الأولى في القصة وهو يصنع الخط الميلودي في القصة   ثم تأتي شخصية الصرصور لصنع خطا هارمونيا اثرى القصة وأبرز الرؤية.

*القصة بدأت بوصف المكان وإدخال القارئ شيئا فشيئا فيه ثم تتقاطع معه مشاهد الصرصور في رحلته المغامرة مع حيرة الجندي وتردده في امر ذلك الصرصور، وهنا تقع بؤرة الصراع التي يذهب إلى نهاية علت فيها الكوميديا السوداء.

*لغة القصة قوية ولائقة، هناك فقط تكرار يمكن الاستغناء عنه، للدقة أكثر: (انتفض جسمه، بقوة كامنة مدخرة في جسمه)، لاداعي لـ(جسمه) الأولى.

*أسلوب الوصف استخدم هنا ربما لحاجة رسم المكان والرواي العليم بضمير الغائب كان هو ما اعتمد عليه الكاتب.


تحياتي لك ا.محمد🌷

،،،،،  ،،،،،،

الصرصور المغامر


قصة قصيرة

بقلم- محمد فتحي المقداد


سكونٌ استحوذ على المكان بسطوة لا تُقاوم، مثير لشهوة تساؤلات، تبدأ، وتبتعد مسافات لتلامس حوّاف الكون، تشتهي النهاية لتصل إلى جواب شافٍ، إن ينتهي سؤال حتى يزاحمه الآخر على احتلال الصدارة في نفس صاحبه. 

الصرصور جادٌّ بعمله هذه المرّة، كتلة عظيمة الحجم إذا ما قورنت مع حجمه الأضأل منها، صارت ككرة قدم من الدحرجة المستمرّة على الرمال، يسوقها بقدميْه الخلفيّتيْن، رأسه عكس اتّجاه سيره، ومن غير المعلوم كيف يحدّد مساره لايصال غنيمته إلى جحره، ألا فكّر بأنّه ربّما ضلّ وحاد عن طريقه، ولاخاف السقوط في حفرة ستكون خاتمته النهائيّة فيها. 

يسير غير آبه بأيّ منطق مسموح أو ممنوع، الكرة تتدحرج بسهولة وأحيانًا بصعوبة إذا ما صادف تبّة تراب تعتلي قليلًا، أو حجر ناتئ رفضتِ الأرض احتواءه كاملًا، وضاقت ذرعًا برأسه المُدبّب يوجع خاصرتها. 

ما لم يخطر بالبال، أّنّ حاجزًا اصطناعيٍّا هذه المرّة حال بينه وبين إكمال خطّ سيره، بسطار العسكريّ الواقف في نوبة حراسته، في هذا المكان النائي بجغرافيّته على حدود الوطن، في آخر نقاط التقاء الحدود، هنا لامجال للخطأ أبدًا، فالنسبة القليلة منه قاتلة، لايمكن التّسامح أو التغاضي عن الهنّة؛ فالهنّة تستوجب العقوبة الصّارمة. 

خفّت حدّة حرارة الشّمس اللّاهبة، وانكسر الظلّ إلى مثليْه، ففي مقياسه أن وقت العصر فات من أكثر من ساعة، هذا تقدير سكّان الصحراء خبرتهم هدتهم لاكتساب معارف تخصّهم وحدهم، مجهولة لأبناء المدينة المرفّهين بما يستحوذون عليه من وسائل الرّاحة. 

تتزحلق رجلا الصرصور الأماميّتيْن، عندما يدفع بشدّة لتجاوز العقبة الكأداء، وهي تستعصي على قوّته، يدفع بأقصى ما لديْه، ويفشل المرّة تلو المرّة. 


*** 


العسكريّ واقف عيناه ساهمتان في الأفق الهادئ حدّ الرتابة المملّة بقسوتها، الموحشة بانقطاع سُبُل الحياة المُيسّرة منها، الفراغ من حوله فجّ الحضور باتّساعه ينهش الكوْن بنهَم، الصمت مطبِق بجبروت على المساحات مدّ السّمع والبصر.

دُخان سيجارته يخترق الفراغ مُوزّعًا حلقاته على الاتّجاهات محاولُا ملأه، قانون التلاشي أصدر قراره بمنع التجمّع والتجمهر، وكأن قوّات مكافحة الشّغب مُتأهبّة؛ لتفريقه ولا تسمح بتجمّعه، ثانية ينفثُ الدُخان مصحوبًا بأنفاسه الحرّى، لا زالت نوبة حراسته في بداية، لم يمض منها سوى نصف ساعة، قطع شروده عندما انتبه للصرصور وهو يصطدم ببسطاره، فتح عينيْه على اتّساعهما، الدهشة أفغرت فيه، رافعا حاجبيْه متأمّلًا المنظر، شعور مفاجئ بدبيب الحياة من حوله، اكتشف أن تشاركيّة الحياة مع الصرصور في هذا الخلاء القاصي؛ أشعره بمن يقتحم وحدته القسريّة، فلا يسمع إلّا زمجرة الرياح معظم الأحيان، ونتائجه من الزوابع وهي تسدّ الأفق فتظلم نفسه وتنقبض روحه وينخض مدى رؤيته في مراقبة الحدود وتُصعّب عليه القيام بمهمته على أكمل وجه، أو ينتظر أفواج السّراب المتلألئة المهرولة إليه من بعيد ولا تصل إليه. داهمته الرحمة و الرأفة، ولم يؤنبّه ضميره عندما رفع بسطاره للأعلى لتسهيل عبور الصرصور وكتلته التي يدفعها، انتفض فجأة، اهتزّ جسمه امتدّت يده إلى سلاحه الجاهز، خامره الشكّ أنّه يخون أمانته، عندما سمح للصرصور القادم من الجهة الأخرى للحدود، تجمّد إحساسه وغادرته الرحمه، عندما قرّر الإطباق عليه وهو تحت أرضيّة بسطاره تمامًا.

انحفضت قدمه قليلًا، صوت قويٌّ من أعماقه هتف به: "دعه يمرّ، إنّه صرصور لا يضرّ ولا ينفع، وهو من سكّان هذه البقعة، ولا يعترف بخطّ الحدود الوهميّ، ولا معرفة له بالممنوع و المسموح". 

*** 


الحرص الشديد بتنفيذ مهمّته، استذكر مقولة مدرّبه في الدورة: "النملة غير مسموح لها باجتياز الحدود". تنازعه تأنيب الضمير، واستقرّ رأيه على كتمان الحادثة، في اللحظة الأخيرة، تذكّر معاينة الكرة المتدحرجة، تأكّد أنّا قطعة من بُرازٍ آدميٍّ، انتفض جسمه بقوّة كامنة مُدّخرة في جسمه، تتبّع خط سير الصرصور لمسافة مئة متر، ليتأكّد بما لا يدع مجالًا للشكّ، وهو يتذكّر مقولة: "أن البعرة تدلّ على البعير". 

تناول جهاز اللّاسلكي للاتصال مباشرة بقائده للتبليغ عن الحادث. استنفار جميع مخافر حرس الحدود للبحث الدقيق، تحرّك على كلّ المحاور، بتصميم قويّ على: "أنّ الوطن أمانة في أعناقنا".


10 \ 1 \ 2018

الأربعاء، 5 أغسطس 2020

كتب عن شاهد على العتمة بقلم محمد طكو

محمد فتحي المقداد - أدب اللجوء والذاكرة المصورة في كتاب (شاهد على العتمة) (محمد فتحي المقداد)
تاريخ الإنشاءApr 9, 2018
متابعة

•••
تمهيد العنوان : عنوان الكتاب ( شاهد على العتمة ) ولو أخذنا مفردة ( شاهد) فنقول أن الشاهد يكون شاهداً على خير ( بيع ، زواج ، شراء ...) أو شاهد على مصيبة ( موت ، جريمة قتل أو سرقة ،..... ) ولكن المقداد أتبعها بكلمة العتمة والعتمة هنا تعطي في لغة التمثيل أو التصوير الظلام والظلام لا يكون في فرح أو خير . ولعل القارئ سيدرك ذلك من خلال ما سيقرأ . غير أن الشاهد كان يرى فيما يرى ( حسب قول المقداد ) والله أعلم .
ولو ولجنا إلى النصوص :
تعريف ومفهوم :
اللاجئ هو الشخص الذي يهرب من بلده إلى بلد آخر خوفًا على حياته ، أو خوفا من السجن أو التعذيب ، وبتعدد أسباب اللجوء تتشكل أنواع اللجوء الحرب، الإرهاب والفقر.
واللاجئ لديه مجتمعه الذي يعيش فيه و يختلف بمكوناته عن مجتمع المواطن العادي . حيث تعتبر أهمها الذاكرة البعيدة القريبة ، وما حمل معه من الوطن ( من أغراض ومفاتيح ،،، ) والمخيم ( بكل ما يمكن أن يقدمه له أو يحرمه منه وكل ما فيه) ، مفوضية الأمم المتحدة وما تفعله ، بلد اللجوء ، الحلم والأمل.
إن كانت هذه مكونات مجتمع اللاجئ فهل نجح المقداد في تصويرها أو الإدلاء بها من خلال شاهده ؟!
بالعودة إلى الذاكرة وذاكرة اللاجئ هي التي لا تتركه لنومه وحتى وإن نام زارته فأعادته إلى ماضيه ومن خلال نصوص المقداد نلمس وندرك أن الذاكرة والحنين إلى الوطن لعبا كثيراً وصوراً مشاهد عديدة في سلسلة أحلامه .
والذاكرة تكون كلها مبكية بعيداً عن الوطن بالرغم من اختلاف أدواتها أو مواقفها .
كأن يقول ( رأى فيما يرى النائم خيراً ، صديقاً له وه يتحدث عن دعاء الدبابات ، فقال لقد سمعت شيخاً يدعو في الركعة الأخيرة من صلاة المغرب في أول يوم دخلت فيه الدبابات قريتهم : اللهم إنا نشكو إليك هذه الدبابات التي لم تطلق طلقة واحدة على إسرائيل ، فإنها تطلق علينا وقد آذتنا ، فهدمت بيوتنا وقتلت نساءنا وأطفالنا ، اللهم أفشل رميها وعطل آلتها ، واجعلها برداً وسلاماً .....اللهم آمين )
هذه القصة هنا أو هذا الحلم يوحي بحجم الحزن والأسى أيام كان الشاهد في الوطن ( قبل لجوئه ) وهذه كانت مصيبة عامة ، فبمجرد أن تحمل هذه الذاكرة المشهد فستبقى تكرره ولن يغيب عنها ولو طال زمن اللجوء. قسوة المشهد من جميع النواحي فالدبابات يقابلها الدعاء فقط ، لكنها لم تآبه به بل دمرت وقتلت ووو . وهو مشهد لا يمكن للاجئ نسيانه .
في الحلم التالي تماماً في نفس الصفحة يقول ( رأى فيما يرى النائم خيراً، أن أول دقيقة صمت على أول شهيد في الثورة السورية قد دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية ، حيث اعتبرت الأطول ..... )
وهنا تلقي ذاكرة الشاهد أو شهادته في جعبتنا المشاهد الأولى للثورة السورية وأول الشهداء الذين سقطوا في سورية كما أنه يصور لنا العالم رجلاً يقف صامتاً وقد خذل الشعب السوري .
ثم لتأتي شهادة بالغة ودقيقة الوصف بتصوير متقن لحظة دخول عناصر الأمن إلى بيت أحدهم والعبث بما فيه أمام أعين من فيه من أم وأطفال ومن ثم جره واعتقاله في سيارة الأمن المعروفة : ( رأى فيما يرى النائم خيراً ............ فتحت الأبواب ... دخل الزائرون ....
تلوح عليهم صرامة الموقف وفوهات مصوبة صوب الصدر المسكين .. ارفع يديك .. تفتيش الخزائن ... أين تخبئ أدوات إجرامك ؟!
خائن .. عميل.. جاسوس إسرائيلي .. ......
دموع الأم الزوجة الأطفال شقت سكون الفجر كأنها نداء غير مسموع .... يتلقى الأمر ... أنزل يديك ... وراء ظهرك .... يضعون القيد في معصميه ... عصابة سوداء تلتف على رأسه ... تختفي عيناه .. يساق إلى سيارة البيجو 504 ... يحشر في الصندوق الخلفي ويغلق الباب ... ويغيب في الغياهب .)
تصوير المشهد بهذه البساطة والبراعة جاء من ذاكرة لا يمكن أن يغيب عنها هذه الذاكرة رسمت أنواعاً من الظلم والذل الذي كان يعيشه اللاجئ ، وهذه الصور من ذاكرة السوريين أو من ذاكرة أي شعب يعيش تحت بطش الدكتاتوريات والأنظمة القمعية .
والحديث يطول أيضاً عن الذاكرة المليئة جداً بما تحمله مما مرّ بها . وحتى أن الذاكرة كانت تذهب بعيداً في عمق الوجدان العربي والموروث الثقافي ليصل إلى أبطال العرب ورموزهم أمثال عنترة وصلاح الدين وكأن الشاهد يبحث في المجتمع عن شبيه بهم في محاولة منه لبث روح التحرر في نفسه أولاً وفي من يقرأ أو يسمع شهادة الشاهد ثانياً .
وبالعودة إلى المكونات نجد المخيم الحاضر بقوة أيضاً . والشاهد هنا أرّخ للحظات ومشاهد حقيقية حدثت بالفعل في مخيم الزعتري ليكون بذلك شاهد صدقٍ فعندما يروي عن الحريق في مخيم الزعتري ويقارنه في الحرائق التي كانت تزهق الأرواح في وطنه الأم ، وكيف فرّ طالباً الأمان ليشهد الحريق في مخيمه .
( رأى فيما يرى النائم خيراً أن حرائق وطن قد ألقت بظلالها على الحياة التي هجرته إلى مخيمات اللجوء خارج حدود الوطن ، طلباً للأمان ...... طالبين النجاة بأرواحهم التي حرقتها نار التدفئة التي يعاقرونها ليشعروا بدفء أجسادهم المنهكة ، والتي احترقت ثانية داخل الخيمة ، المأوى التي أصبحت الحلم )
وفي الجهة الأخرى والعالم يحتفل برأس السنة والرياح اقتلعت الخيام وأغرقت أرض المخيم لينام الأطفال على الطين وقد اصطكت أسنانهم برداً . حتى أن اللاجئ في المخيم صوّر مشهد عبور الطائرة فوق المخيم ليظهر خوف الطفل إلا أنه برر له بأن لا أحد يقصف مكاناً للأمم المتحدة .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن الخيم في مخيم الزعتري تطير في السماء ن بفعل الرياح الشديدة، المصحوبة بالأمطار والثلوج بينما سكانها يغرقون في طين ومستنقعات المخيم )
ثم تأتي مشاكل المفوضية ومعاناة اللاجئ في كثير من الأحداث ، أول شيء تحويل اللاجئ إلى رقم وكأنه يقارنه بالمعتقلات في وطنه ومن ثم طوابير المعونة والازدحام الشديد والمكوث لساعات طويلة ، وايضاً الحالات المرضية التي تتطلب عناية فائقة في حلم وشهادة أخرى .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن طفلاً يلعب بجانب الخيمة في مخيم الزعتري فوجئ بمرور طائرة عابرة فوق المخيم . فقال لوالده : يا بابا هل تستطيع هذه الطائرة قصفنا ؟
- لا يا أبي
- ولماذا ؟!
- لا يستطيع أحد في العالم أن يعتدي علينا أبداً ، خوفاً من حرفين هما UN باللون الأزرق مطبوعين على سطح الخيمة .
استغرب الصبي كلام أبيه لأنه لم يفهم الكثير من المعنى ، وتابع اللعب دون اكتراث .)
المقداد برع جداً في تصوير ملامح المخيم بشكل كبير ليؤرخ لمرحلة مهمة جداً في رحلة اللجوء قبل أن يغادر المخيم كما كثيرون أمثاله ليبدأ رحلة جديدة في اللجوء بعيداً عن وطنه ويبدأ يؤرخ ما قد يراه ويعانيه ويصور أحداثاً من الوطن الذي لجأ إليه .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن نسمات الهواء اللذيذة على القلب خارج أسواء مخيم الزعتري تختلف مئة وثمانين درجة عن النسمات داخل المخيم )
وهنا يعطي الإشارة الواضحة بالدخول إلى عالم جديد خارج أسوار المخيم بعيداً عن كل ما لاقاه وقد حمّل في شهاداته العديدة العالم كله وبالأخص المفوضية والدول العربية مأساة السوريين في وطنهم وفي المخيمات .
غير أن هناك سمة حقيقية للشاهد وردت في شهادات عديدة وهي عروبته انتماؤه لوطنه الكبير وولاؤه للقضية الأولى (فلسطين ) وكأنه يقول بملء الفم بالرغم مما يجري كله فإن قضيتنا الأولى فلسطين أو أن البوصلة الحقيقية فلسطينية وبحلها تحل قضايانا كلها .
}رأى فيما يرى النائم خيراً ، أن المسجد الأقصى قد انهار ووقعت صخرته في الأنفاق المحفورة تحته وهو ينادي ويصيح : ( وا إسلاماه ) وما من مجيب .. ( وا عرباه ) والعرب قد باعوا آذانهم بثمن بخس . {
والأمل لا بد منه أمل بالعودة فاللاجئ مهما طال به الأمد لا بد أن يعود إلى وطنه
(رأى فيما يرى النائم خيراً ، أن رنين الأجراس التي قرعت في عيد الميلاد لازال يسمع صداه، ويتمنى ألا يزول حتى تقرع أجراس العودة لأرض الوطن ، لإنهاء مرحلة سوداء في حياته عندما أصبح لاجئاً إلى جوار وطنه )
وهنا ما يكن مقارنته بالعنوان ( مرحلة سوداء ، شاهد على العتمة )
لنكون بذلك قد وصلنا إلى ما أراد قوله المقداد من خلال شاهده فحياة اللاجئة سوداء أو عاتمة المهم أنها لا تحمل إلا الأسى في كل ما فيها.
والمقداد قد صوّر ببراعة فائقة حياة اللاجئ ولعله بذلك قد وضع أولى لبنات أدب اللجوء السوري خلال هذه المرحلة المهمة جداً .
فعندما تصدر الأمم المتحدة إحصاءً بأن عدد اللاجئين السوريين تجاوز ستة ملايين في عام 2015 ( خارج سوريا ) يجعل من الضروري جداً وجود أدب خاص بهم أدبٍ يصوّر كل مرحلة وكل مشهد من مشاهد حياتهم قبل الخروج من الوطن وبعده .
ولعل محمد المقداد وفق إلى درجة عالية في توثيق شيء من هذه المرحلة وفترة مهمة من فتراتها ليترك الباب مفتوحاً على مصراعيه .
وهذا الكتاب ( شاهدٌ على العتمة ) لا يملّ القارئ قراءته مطلقاً .
بقلم/ محمد عبدالستار طكو

الاثنين، 3 أغسطس 2020

قراءة نقدية على رواية (فوق الأرض) للروائي السوري (محمد فتحي المقداد) بقلم المحامية - عفاف الرشيد

 

قراءة نقدية على رواية (فوق الأرض)

للروائي السوري (محمد فتحي المقداد)

 

بقلم المحامية - عفاف الرشيد

(رئيس اتحاد كتاب سورية الأحرار)

       

 

   (صمتٌ رهيب خيّم على محيط المقبرة فوق الأرض، لم يكسر جبروته إلّا مُواء قطّة تقفز عبر الممرّات الفاصلة بين القبور، أو تتجاوزها فوق أسْيِجَتِها، يبدو أنّ طريدتها أفلتَت منها، وكُتبَ لها النّجاة سعيًا للحياة فوق الأرض من جديد).

 

   فوق الأرض برؤية فنية نفسية إنسانية، عوالمها شاسعة، لما يختلج في نفس الكاتب، من عواطف وأفكار، و وما يعكسه الأدب عن  الحياة الاجتماعية، بمعطياتها المتفاعلة والمتأثرة  بالسياسة والمجتمع، وبالرواسب المتراكمة في النفس البشرية المتأثرة بسلطة الاستبداد، تسلط الضوء على الصراعات النفسية التي تطمح  نحو الخلاص من دائرة التضييق الأمنية إلى أفق يتسع  الكثير من الحقوق الإنسانية.

 

   ولما كان الواقع محلياً، والأدب شمولياً، فمن تلك الرؤية وبعناية النقد الأدبي،  مع الأخذ بأهمية العلاقة  بين النص والكاتب من جهة، والقارئ من جهة أخرى،  نقرأ النص الروائي مع الاهتمام بإمكانيّات القارئ، وثقافته، ومساهمته  بخلق الأثر الأدبي  للنصّ.

 

جولةٌ مع رواية (فوق الأرض)؛ نستطلع مكامن الفنّ بأدوات، ووسائل الكاتب الروائي (محمد فتحي  المقداد) في  عمله الروائي الذي  صدر حديثًا عن مكتبة الطلبة الجامعيّة في إربد. جاءت من القطع المتوسّط في (٢٥٦) صفحة.

 

   عنوانٌ يفتح الأبواب أمام  الكثير من الاحتمالات، التي تتبادر إلى ذهن المتلقي، فما هو  فوق الأرض لا يُعدّ ولا يُحصى لا لغةً ولا مجازاً، كيف  نستطلع مقاصد النصّ إن لم نخُضْه؟.

بوحٌ وجدانيٌ، ومونولوج صاخب ينثر الكثير من القلق، بدخولٍ غير مباشر إلى  عالم الحكاية، من بوابة الراوي (فطين)  وهو  بطل السرد الموازي للكاتب، وهو الرّاوي الذي يعرف كلّ شيء، ضخّ معلومات  غزيرة متتالية، بسرد منسجم، مع توتّره الداخليّ، من خلال بوح وجدانيٍّ مؤثّر في العاطفة، وجاذب للقارئ، استعرض (فطين) مؤهّلاته الثقافيّة، وقراءاته التاريخيّة، وأسقطها على الواقع، تناول الحدث الأساسيّ في الرواية في مرحلة نضوجه،  أدخلَ  القارئ إلى  أزمة الحدث فوراً، ولعلّه اختار تناول الحدث في مرحلة الأزمة؛ يقيناً منه أنّ البداية يعرفها الجميع، مشاعرٌ متناقضةٌ، بعض المزاح، وبعض القلق، والكثير  من الانكسار،  تواترت  في سرده ،  مروراً بأبسط تفاصيل الحياة اليوميّة، التي كان المرور عليها مُجدياً رغم بساطتها ، فكلّ النّاس اختلّت معايير حياتهم اليوميّة أمام المشهد الذي جرى ويجري في سورية .

 

   أجواء مضطربةٌ،  تُهَمٌ، ملاحقاتٌ، يتذكر النكبات الماضية،استعداداً إلى عظمة الحدث الذي  ينتظره المتلقي. 

 

   (حملة نابّليون على مصرَ وبلاد الشّام، التي حفظتُها عن ظهر قلب من كثرة تِردادها وإعادتها؛ لتصطدم بأسوار (أحمد باشا الجزّار) الحصينة حول مدينة عكّا التي أفشلت الحملة، وغيّرت مسار التّاريخ).  

  

بداية سرديّة، زجت بالمتلقّي في أعماق الزّوبعة النفسيّة التي سيطرت  على مشاعر الرّاوي، الذي اتّخذ قراره  باعتزال المحيط الاجتماعيّ، والدّخول في عُزلةٍ اختياريّةٍ، خوف يقبع في دواخله، كالخوف الذي يسكن أعماق كلّ إنسان في الوطن العربي، في ظلّ حكومات الاستبداد، نجح في  تحريض فضول، ومشاعر   القارئ، رغم أنّ أحداث الرواية هي المادة الإخباريّة اليوميّة على جميع الفضائيّات العالميّة والمحلية، إنّه يتحدّث عن الثورة السوريّة، ثورة انتفضت من أجل الكرامة، وتحوّلت إلى حرب شرسة؛ فمن لم يسمع عنها؟.

 

 ثم  يرجع بسرده نحو الحدث الأول، عندما قال الشعب السوري: (لا) لتصرف الأمن تجاه أطفال درعا، الذين كتبوا على الجدران كتاباتٍ مُحرّمةٍ في دُستور النّظام الأسْوَد، حينها (قامت القيامة على الشعب السوري ولم تقعد).

 

   من يجرؤ أن ينتقد النظام أو يقول  لأي مسؤول أمني في سوريا  أنت مخطئ؟.

مصيره المؤكد الاعتقال أو القتل، لن يعيش بأمان فوق الأرض ، وغالباً مصيره تحت الأرض . 

ضاق أولياء أمور الأولاد المعتقلين ذرعًا باحتجاز أطفالهم، وبعد مشاورات ومداولات  يومية ،اتفقوا على التجمّع كوفدٍ يذهبون إلى مدير فرع الأمن السياسيّ بدرعا، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم،  لكن مدير الأمن لم يكترث بمطالبهم، بل نال من شرفهم بما لا يمكن التلفّظ به، فارتفعت الأصوات تطالب   بمعاقبة رجال الأمن الذين نكّلوا بالأطفال، وأهانوا أهلهم نيلاً من شرفهم وكرامتهم، لكن قانون الاستبداد في سوريّة؛ لا يسمح لأحد أن ينتقد السلطة،  ولا أن يتحدّث بالشأن السياسيّ، وكانت مناشدة الشّعب بمطالب شرعية تُهمة تستوجب القتل، وأصبح الشعب ملاحقاً،  واكتظّت القبور والمقابر تستقبل كلّ يوم عشرات الضيوف، دفع الشباب الثائر ضدّ هذا العنف ثمناً باهظاً؛  فمنهم صار تحت الأرض، ومنهم في المعتقلات والسجون، ومنهم غادر وصار لاجئاً.

 

   -الشخصيّات تحكي عن نفسها، عن ما عاشته من قهر وخوف وملاحقة، هم أفراد حقيقيون، يخبروننا عن الوقائع، مرتبطون بالحدث ارتباطاً وثيقاً،  لهم مسارهم المنجز في النصّ، المنسجم من البداية  إلى الذروة  ثم النهاية، عاملهم  الكاتب  بأسلوب ٍ مختلفٍ، لا يوجد شخصيّة أساسيّة ولا شخصية ثانوية، اختارهم بحفاوة، ليتعاونوا بأسلوب أفقيٍ في تجسيد الحكاية، وجعلهم شركاءً  في دور البطولة، وفي وقائع الأحداث، كما أنهم بشكل مباشرٍ أو غير مباشر،  شركاءٌ  بتوتر الحبكة وحتميّة النهاية.

  

لـ(نصار حكايته،  ولـ(فاضل) حكاية  تُكمل الحدثْ، ولـ(أمّ فطين) أحزانها، وللراوي (فطين) حكايته، ولـ(هالة) حكايتها،  جعلهم الكاتب  روّاداً في الحدث ،  برؤيةٍ عادلة ٍ، لما قدّمه كلّ منهم من تضحيات، بما يخدم الفكرة والرسالة المبتغاة، إنّه احترام الكاتب لأوجاعهم النفسيّة والواقعية، دفعوا ثمن اعتراضهم وتعبيرهم عن آرائهم بصدق.

   الانسجام بين الشخصيات صناعة جيدة خدمت الأحداث بتنوع نهاياتها، وساهمت في بناء هيكل الرواية، وشكل الأزمة وأسلوب النهاية، وكأنّنا نتحدّث عن عدّة حكايات داخل الرواية، وهذا ينسجم مع الحالة الواقعيّة للشّعب السّوري المقهور، أحداث من الواقع بعيدة عن الخيال الجامح،  باستثناء الخيال الذي ابتكره الكاتب لخدمة  الفكرة ،  ورفع  أداء الانفعال العاطفيّ الجاذب للمتلقّي، شخصيّات فوق الأرض معبرة عن صورة من صور الحياة البشريّة، مقنعة ذات  هيبة، ودورٍ متقدّمٍ، تستوجب احترام المتلقي.

  

   - أما الحوار فهو حديث الشخصيات،  يقرّب الأحداث نحو الواقع، يتوافق مع ظروف كلّ شخصيّة، ساهم بتخفيف رتابة السّرد الطويل، تألّق في بعض المواقف،  التي كانت تستوجبه، مساحته كانت أضيق مقارنة مع السّرد والمنولوج الداخليّ، السبب يكمن بانتماء الشخصيّات جميعها إلى بيئة ثقافيّة  فكريّة متشابهة، تقتدي بذات الأهداف، وذات المواقف تجاه الصراع، لا حاجة لهم بحوارات طويلة، توقع النص بالترهّل، اختاروا اللّون الأبيض، كلّ شخصيّة تسرد عن نفسها، وتسرد بصيغة الغائب عن غيرها،  تميّز الحوار برشاقته واختصاره، مع بعض الجًمَل باللّهجة العاميّة؛ فزادته انسجاماً مع بيئة الحدث.

 

   - ولما كان الرّاوي هو صاحب الطّابع الشّخصيّ للقصّة، أو صوت الشّخصيّة التي من خلالها يسعى  الكاتب إلى توصيل المعلومات إلى الجمهور؛ نلاحظ أنّ  (فطين) هو الراوي الذي يعرف كلّ شيء، وهو الثّقل الفكريّ الذي يضخ بين فصول الرّواية كَمًّا كبيراً من الشّواهد التي تنمّ عن ثقافة الكاتب أصلاً؛ فمهما كان الكاتب بعيداً عن خصوصية الشخصيّات، لكنه مرتبطٌ بنصّه، يعبّر بالوصف والسّرد والحوار عن مواقفه، وثقافته ووجهة نظره بالصراع، إذاً (فطين) الراوي الأول غطّى مساحة متّسعة في الفصل الأول والثاني من الرواية، وعاد في الفصل السادس لإدارة السّرد، وإنهاء الرواية بمهارة تنسجم مع بداياتها، وكأنّه على موعد بالصّحو على  جرس الهاتف؛ لاستقبال المفاجأة في البداية وفي النهاية.

 

   منح الكاتب مساحة سرديّة تُريح الشخصيّات؛ لطرح قصصهم دونما تدخل واضح،  بأسلوب ديمقراطيّ وزّع المدّة الزمنيّة السّرديّة بما يكفي لدور الشخصية، لكنّه يتابع الحوار والسرد بوصاية خفيّة تكاد تبدو أحياناً للمتلقي، وغالباً ما يتدخّل لرفع التوتّر في الأحداث؛ ليجعل المتلقّي مُندهشاً مُترقّباً لما سيحدث.

 

   فنيّة السّرد ممتعة، اشتغل عليها الكاتب بمهارة، ومنح شخصيّاته حريّة نقل قصصها، وسخّرها لتخدم التوتر، وترفع من توهّج الصراع النفسيّ، تلازماً مع التوتر الحقيقيّ على الأرض، الصراع بين الحياة والموت من أجل مبدأ إنسانيّ قوامه لا للظلم، وهو أديم الصراع ، وهو محور التحوّل الكبير  فوق الأرض.

  

السرد طاغياً في النصّ، رافقه البوْح الوجدانيّ،  كأداة تعبيريّة من خلاله يضخّ كَمًّا كبيراً من أحداث النصّ التي وقعت بالماضي، واستثمر المونولوج الداخليّ في جميع الفصول، ومع جميع الشخصيّات؛ لتوضيح ما تعرّض له الشّخوص، وما نتج عن الصّراع، ورغم قلّة الحوار ظلّ النصّ مُتماسكاً، والقارئ مُنسجماً مشدوداً لما سوف يحدث، رغم التنقّل المفاجئ أحياناً،  بين الحاضر والماضي.

 

*ثمة إضاءات سردية أخرى منها:

1. (المونولوج) الداخليّ، أوْقَدَ الحالات الانفعاليّة التي شحنت مشاعر المتلقّي بالتوتر والانتباه والمتابعة.

2. للسخرية والمزاح طيفٌ جميلٌ مع التركيز على المفارقات؛ كأسلوب  يتناول الصراع باحتراف،  بدا  أسلوباً حداثياً،  فيه إضاءات فنية، غطّت معظم أركان وعناصر النص.

3.الدراما السردية تضخّ المؤثّرات النفسيّة، مثيرةً للتوتر، منسجمة مع وجع الحدث،  هي قلب الرواية، تدفع بالتدرّج  نحو الخاتمة. تألق السرد الدّراميّ في محطّات عديدة، أكثرها تأثيراً أمّ الشهيد والدة فطين، والمقبرة التي  تناولها الكاتب بأسلوب فلسفيّ متطابق مع الواقع،  ومواكب الجنازات المتتالية، التي هي نتاج للمواجهة مع النّظام، الذي يصرّ على تكميم أفواه المحتّجين، وكم رسم الراوي لوحات تشكيلية  في السجن؟، مشتغلاً على وتريْن، أوّلهما الوصف الخارجيّ للمكان والسجين والسجان، وثانيهما وصف ما يدور بخلده من بوح وجداني، تجلت مهارة الكاتب اللغويّة  بفنية رفيعة المستوى.

 

   يمكننا القول  أنّ الحالة النفسيّة للسارد،  هي من صناعة الكاتب، متأثرة بمواقفه الحقيقية تجاه الصّراع الذي عاشته سورية من قمع للمطالبين بالعدالة، والقبضة الأمنيّة التي أرهبت الشعب، أراد أن يوصل إلى المتلقي  توتراته النفسية، بلغة سرديّة بسيطة مُشبعة بالعاطفة.

 

   أما الصراع في (فوق الأرض ) فهو هدير عاصفة التوتر، عنصر أساسي متوهج ، بدونه  لا يمكن أن نتصوّر حبكة ونهاية،  وهو نوعان، صراع داخلي  في  أفكار ومشاعر الشخصيّة، وصراع  خارجيّ  مع قوى ضدّها، أحداث تهدّد  أهداف الشخصيات، وخطر الموت يبشر بحتميّة الانتقال إلى تحت الأرض، فلسفة تُغني قيمة النصّ فكرياً وفنياً، وأضاف إلى النصّ حقيقة مُستوحاة من الواقع، احتضان  الموت بثقافة الثّبات على المواقف، (الموت ولا المذلة)، حتى لو كان الطريق يتجه نحو المقبرة، نجحت الشخصيّات متعاونة بتجسيد الصراع في النص بجميع ألوانه؛ فوصلت  مراغمة  الصراع إلى القارئ على أكمل وجه.

  

للوصف  في الرواية جماليّاته ، في خلق بيئة الأحداث وبنائها، وتصوير العالم الخارجي أو العالم الداخليّ من خلال الألفاظ، تقوم فيه التشابيه والاستعارات مقام الألوان لدى الرّسام، والنغم لدى الموسيقار.

 

   (انتظار اللّحظة قاتل بطبيعته.. اغتصب ساحات التفكير.. شلّ حركة أعضائي.. جفّت ينابيع حُليمات الرّيق؛ فصرت أستحلبه بقوّة لترطيب حلقي، تخشّب لساني، تصلّبت شراييني لبطء حركة الدورة الدمويّة المفاجئ، بُركانٌ داخليٌّ داهَمَ أعصابي، تشنّجت معدتي، اهتزار لا إراديّ في أعصابي لم أستطع السيطرة عليه، طارت عصافير النّوم من جفنيّ، ونسيتُ ما كنتُ أحلم به قبل ذلك).

 

   الخيال حرض  مشاعر القارئ، عندما كان (فاضل السّلمان) ينتظر دوره ليدخل مخيم الزعتري، وبخياله رغم تعاسة الموقف استحضر نصف ذكريات حياته، وفي محطات عديدة منها محطّة السجن، ومحطة المقبرة، مزج الحزن بالفرح الذي مضى، ودثّره بحسرات المستقبل الضائع، تمكّن الكاتب من  جعل القارئ يشاهد مرئيّات لا تُرى، ويشعر بمشاعر لا يشعر بها غيره.

 

   النهايةُ مرت مسطحةً،  تفتقد عنصر المفاجأة، مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، تماماً كما تضمّن العنوان الكثير من الاحتمالات؛ فمعظم الشعب السوري أصبح تحت الأرض، ومن هم فوقها معظمهم يتمنى الموت.

   العنوان منسجمٌ، يخدم النصّ بفكرته وحبكته المنسرحة انبساطًا مثل الأرضِ امتدادًا، كاحتمالات مصائر اللّاجئين المفتوحة بدوام حالة الانتظار من أجل العودة، في ظلّ تلك المعطيات، لبيئة الحدث وتأثيره في مصائر الشخصيّات لا ينطبق عليه منطقياً، سوى مع النهاية المفتوحة، وهذا خادم للنص والهدف والرسالة وطبيعة الصراع .

  

المكان في فوق الأرض :

   تطرق الكاتب للمكان بشكل مباشر:

(لا أكتمُكُم خبرًا أنّ ما حصل في العالم كان على سطح كوكبنا. بلا شكٍّ أنّ أحداثه وقعت فوق الأرض في الجمهوريّة العربيّة السوريّة على أيدي حُماتِها المُفترضين؛ بتحقيق موازين العدالة والرّفاه لمواطنيهم الذين أصبحوا مأساة العالم، ولم يحدث أكبر مما صنعوا من مآسي التهجير الجماعيّ بهذا الشّكل الذي سمعتم عنه، ورأيتموه على شاشات الفضائيّات؛ فكانت دموع أمّي بامتياز هي دموع كلّ الأمّهات السوريّات، و(بُصرى الشّام) الغافية على تاريخها في أقصى الجنوب، تحتسي آلامها. كابسة الملح على جُرحها الدّامي، الأنموذج لكلّ قرى ومُدُن سوريّة).

 

   عندما يكون الحدث مرتبطاً بالأرض كالثورة السورية، جدير بالكاتب الذي يعبر عن أرائه الشخصية، أن يتعامل مع المكان بهذا التشخيص، وخصّ عدّة أمكنة منسجمة تماماً بأصداء الحدث منها المقبرة، حيث العبور إلى تحت الأرض، الشباب المرابطون في المقبرة لاستقبال زائريها،  دورهم حقيقي ٌرمزيٌ وواقعي، يُصور للعالم قوة صمود الشّعب مقابل مطالبه بالحرية، واعتبار الموت فاتورة لا بدّ منها، ثبات رغم قسوة المشهد،  نقله الكاتب بسرد ووصف، وبوح وجداني تتراغم به الأمنيات بين الواقع وبين الطموح؛ فإن ما هو (فوق الأرض) في سوريا تغيير تماماً، من بنيات تحتية وعمارٍ وبشرٍ،  ونمت المقابر، وانتشرت في جميع المدن، ارتباط وثيق بين عنوان الرواية، والحدث بجميع مجرياته.

 

الرسالة الأخلاقية والإنسانية التوثيقية:

1-(هتافات المظاهرات بشعاراتها المناهضة للنّظام بسقفها العالي بمطالبها الضروريّة لاستمرار الحياة الكريمة كما البشر).

-(حقيقة أراها بأمّ عينيّ، أكادُ أشكّ أنّها فوق الأرض).

2-(الرأي والرأي الآخر ظاهرة حضاريّة لا وجود فعليّ لها في حياتنا العربيّة بشكل عامٍّ. وحقيقة ثابتة لا مراء ولا جدال فيها. ويتضّح يومًا بعد يوم أنّ في داخل كلّ منّا على اختلاف مُعتقدنا وانتمائنا دكتاتورًا نائمًا).

3-(أحاول جاهدًا الاحتفاظ بمسافة فاصلة بيني وبين المظاهرات، مُفضّلًا عدم الاقتراب منها؛ لتستمرّ بي الحياة فوق الأرض، تحت أشعّة الشّمس).

4-(فوق الأرض ممكن أن يحدث أيّ شيء.. ولا غرابة في ذلك. وكلّ ما هو مُتخيّل ممكن أن يكون..!!. مهما قيل، وما يُلاقيه الميّت تحت الأرض في قبره من عذاب وحساب، لا يقلّ عمّا يحدث فوق الأرض من ظلم وتظالم).

5-(واحد.. واحد.. واحد، الشّعب السوريّ واحد).

شعب يهتف هكذا ورصاص الموت موجّه من جيشه، وبأمر حاكمه نحو صدره، موقف  صمود وحضارة شعب، وتحولٌ تاريخيّ سوف يسود مراحل قادمة بإذن الله.

6- رغم أن الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية، وهي في خدمة مصالح الشعب وحماية أهدافه وأمنه الوطني  لكن في سوريا الأمر مختلف ..؟!!

 

   فنية النصّ بنسيجه اللغوي المتجسّد بالسّرد والوصف والحوار، بناء متماسك، اللغة قريبة من لغة الشخصيّات، حقّقت مزيداً من المنطقيّة، والإقناع كما أن اختيار العنوان يزخر بالفنية، منسجماً مع الحدث والحبكة والنهاية، المقدّمة طويلة، أوشكت أن تُدخل القارئ،  بالملل لولا مهارة السرد وسرعة التنقّل من البوح الوجدانيّ إلى الحوار؛ وصولاً  إلى أحزان وانكسارات الشخصيّات التي تشبه أحزان وانكسارات كلّ إنسان يعيش في الوطن العربي،  حدّد المكان وبدقة وأفصح عن الوجع السّوريّ بامتياز،  حرض الجَدَل، وطرح  قضايا قد تساهم في بناء فكر جديد.

تناولت الرواية أحداثاً حقيقيّة عاشها الشّعب السّوري، اختار شخوصه من رحى المعاناة،  لذا فقد أضافت إلى ساحة الأدب الروائيّ العربيّ نصّاً فيه معاناة إنسانيّة حقيقية يعتريها جدلاً عنيفاً، أحدثت تغييراً فوق الأرض السورية مهد الحضارات، توزّع الموت واللجوء لرعاياها، بأحداث تكاد تبدو كالخيال، من شدّة قسوتها.

 

  في سوريّة العقوبة هي  الموت، لمن يهتف للحرية، والصوت الذي ينشد، ومؤلف الكلمات، والمصفّق، حتى الذي  يرقص الدّبكة على ألحان الحريّة، هؤلاء جميعاً بقانون الاستبداد السّوريّ يجب قتلهم.

 

   لكنّهم ظلّوا على احتجاجهم يدفنون الشهداء بطقوس أسطوريّة، وهم يهتفون للحريّة، والأمن يطلق النار عليهم، بينما حلقات الاحتفال لا تنتهي، وما زلنا نسمع الأشعار والأناشيد والأهازيج والأغاني التي تهتف ضدّ النظام، وتخصّ رأس النظام والأمثلة كثيرة، حتى أنّها باتت أغانٍ للأعراس يطرب لها الشباب، وتطرب أرواحهم عليها، وتتجلّي فيها  مشاعر العزة، إنهم يحقرون أيقونة الاستبداد في سورية، وهم يعبرون عن مشاعر أصيلة في حياتهم، نابعة من صميم أنفسهم، ووجدانياتهم مرتبطة بخصوصية حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

   

   منذ خمسة عقود كان الشعار الذي يردده الشعب بناء على طلب السلطة الحاكمة إلى الأبد إلى الأبد (للأسد الأب ثم للابن)، لكن اليوم ينشد الشعب الثائر (ما في للأبد عاشت سوريا، و يسقط بشار الأسد).

هل كان لا بد من المرور بفرع الأمن بدرعا  للوصول إلى تلك النتيجة؟.

هل كان لا بد من دفع فاتورة مليون شهيد ؟

هل كان لا بد من شلال الدم الهادر منذ عشر سنين ؟

 

   (إنّ المدافع التي تصطّفُ على الحدود في الصحارى لا تُطلِق النيران إلّا حين تستديرُ للوراء، إنّ الرّصاصة التي ندفع فيها ثمن الكُسوة، والدّواء، لا تقتل الأعداء، لكنّها تقتُلنا، إذا رفعنا الصوتَ جهارًا تقتُلُنا).

  أفقٌ شاسعٌ من الحقيقة، بخيالٍ فنيٍ وإبداع لغويّ يضيف إلى النصّ نكهة عالية من المؤهّلات، تنقلٌ  بين  الأحداث  بمهارةٍ مشوقةٍ، يجذب  انتباه القارئ المتذوّق، ويحرض فضوله، البناء السرديّ للنصّ مُفعمٌ   بفنون الإبداع اللغويّ، بمهارة الوصف وإتقان أدوات التعبير، بلغة تعبيريّة تشكيليّة، حتّى  بدت ملامح عدة لوحات تشكيلية، رسمها الراوي وصفاً تصويرياً متقناً، إنه  يجسد أزمة الإنسان السّوري في تلك البقعة فوق الأرض، استعراض  لتطور الأحداث برؤية فنية ساطعة.

   نزقُ كاتب ملتزمٍ برسالته الأدبية والأخلاقية، ترك بصمة دامغة، أضافت إلى الساحة الأدبية المعاصرة نصاً روائياً جديراً بالقراءة  حملهُ كثيراً من الرسائل الإنسانية، نمقه بأسلوبه الفريد الذي ينم عن ثقافته ومهارته الاحترافية بفن الكتابة.

 

السبت ـــا 1\ 8\ 2020


الخميس، 23 يوليو 2020

لحظة عامرة

لحظة عامرة
بقلم - محمد فتحي المقداد 

تطلق العنان لدخان النرجيلة (الشيشة) باحتلال مساحة من أفق تسرح فيه نظراتي المستغرفة في تأمل شيء بعيد غير واضح الملامح.. تخمينات: يا إلهي.. إنه يشبه فيلًا.. لا.. لا.. أقرب ديناصور.. عندما رفع خرطومه تأكّدت منه.
بشراهة تنفث من فمها ما تشفطه بقوّة نفسها من الخرطوم الممتدّ إلى فمها.
خُيّل لي أنها بحالة عصبية غير مكترثة للنسمات المنطلقة من مياه البحيرة عن يمينها، ولا للصوت الشجيّ القادم من آلة تسجيل أدمنت أم كلثوم في مثل هذا الوقت من كلّ يوم. على الأقلّ منذ عشر سنوات في أوّل مرّة قدمتُ إلى هذا المقهى الهادئ؛ تنفيذًا لموعد هامٍّ آنذاك حسب اعتقادي.
نسمة رطبة مُسرعة أزاحت سُحُب الدخان.
"أوه..!! أين اختفى الفيل.. إنّهما فتاتان تتهامسان. اليمنى منهما تميل برأسها قليلًا إلى اليسار.. أظنّ أنّهما التصقتا، وراحت تحكي لها عن حبيبها المشحون بطلعة بهيّة منذ أوّل لقاء، إذا اشتبكت عيونهما".
نهضتُ مُسرعًا دون استئذان من أحد، الكرسي المقابل لي ما زال شاغرًا، خمس دقائق طافت موعدي الذي أنتظره.
"مواعيدٌ كاذبةٌ.. لم تزل تَكْويني بالتأخير.. لكن لماذا أنتظر..!!؟، سَذاجتي تقودني في كلّ مرّة لموعد فاشل".
ما زالت السيّدة تشفط الدّخان بعصبيّة.
- "أوووف". 
قرعَتْ سمعي تنافُسًا مع قرقرة النارجيلة، وأنا أقتربُ منها مُغادرًا المكان، ملامحُ خيبتي انعكست على عدسة نظّارتها السوداء. 
ابتعدتُ. همْسُ الفتاتين يتناغم بصعوبة مع "أوف" السيّدة بتآلفٍ مُقلقٍ على ساحة تفكيري، وقرقرة النارجيلة طاغية، لم تترك لي مجالًا لاستعادة شكلي عن نظّارتها. 
تشويش مُربِكُ أذهلني نسيانًا لهدفي. 

عمان - الأردن
٢٠٢٠/٧/٢٣

تأملات قرآنية