الجمعة، 5 يونيو 2020

شباك حبيبي (مقالات ملفقة 26\2)

 

شُبّاك حبيبي

مقالات ملفقة (26\2)

 

بقلم – محمد فتحي المقداد

   نوافذ البيوت تنقذها من احتمال تحوّلها إلى جحيم القبور، وهي علامة مُفضية إلى العالم الخارجيّ؛  فتسمح بدخول الهواء والضوء والنّور بحريّة تامّة، تجعل التشارك ميّزة بين الدّاخل والخارج. ونطلق عليها شُبّاك إذا شُبِِكت واجهتها بالحديد أو الخشب أو غير ذلك من الشِّباك؛ للحماية من اللّصوص والحراميّة.

وهي إطلالة تفاعليّة ضروريّة لحياة طبيعيّة سليمة تستجيب لقيم الطّبع السويّ؛ فإذا صارت مثارًا للمشاكل، فَسَدّها وإغلاقها هو الأوْلى لدرء المفسدة، وجلب المنفعة.

وتعتبر كلّ نافذة شّبّاك,, وليس كلّ شبّاك نافذة. دلالة النّافذة أوسع بمضمون انفتاحها بحريّة أكبر دون عوائق الشّباك؛ فالشّبابيك  بمعنى النّوافذ، ولكنّها تختلف عن النّوافذ، بأنّها نافذة لها شَبَك أو شِباك تغلّفها من الخارج؛ كدِرءٍ وحماية من خطر مُحتمل في ساعة غفلة. والحماية للشُّبَّاك أعتقد أنّها حدّ من حُريّة النّافذة المُنفتحة بشكل كامل.

   هذا المنحى أوقفني تأمّلًا أمام أغانٍ مألوفة؛ نُردّها تلقائيّا بطرف واهتزاز، وتُعدّ أغنية المطرب "صباح فخري": (ومن الشباك لارميلك حالي \\ومن الشباك لارميلك حالي يا عيني \\من كُتْر خوفي عليك ما بنام). على ضوء ما تقدّم من التفريق بين النّافذة والشّبَّاك، أعتقد أن كاتب كلمات الأغنية المجهول، لم يُوفّق في هذا المنحى مع وجود الشّبَكَ والشّباك على النافذة، فهي تحدّ من عملية الخروج والدّخول، فيستحيل تحقيق أمنية العاشقة المشبوبة بغرامها حد الهّيام.

   وتكرّرت كلمة الشّباك في أغان كثيرة أيضًا، منها أغنية "نجاة الصّغيرة" للشاعر الغنائي "جميل مرسي عزيز": (أنا أنا بَسْتَنّاك, من الشباك وانا خدي على الشباك، أنا والشوق وناره الحلوة بَسْتَنّاك). قلق الانتظار على الشّبّاك لمراقبة عودة الحبيب الغائب.

   أما عند الفنّان "ملحم بركات" في أغنيته الشّهيرة "شبّاك حبيبي": (شباك حبيبي جلاب الهوى \\ هوا حبيبي يا أول هوا \\ يا شمس غِيبِي أنا وحبيبي). القصيدة هي من كلمات "الأخوين رحباني"، وهي تعطى المعنى التفاعليّ الدقيق  للشُّبَّاك، من سماحه لدخول الأشواق وهواها، مجازيّة المعنى أعطت البّعد الحقيقيّ للمعنى بدقّة مُتناهية. 

  وفي معين اللّغة العربيّة ما يطفىء لظى البحث المُضني، فالشِّبَاكُ جمع شبكه وشِبكات وشِباك وشَبَك، ومنها ما يتّخذه الصّيّاد من شِرَاكٍ برًّ وبحرًا، ويكون معظمها من الخيوط والأسلاك المُشبّكة المُتداخلة. و"شُبّاك" النّافذة تُشبك بالحديد أو الخشب أو غير ذلك من مواد أخرى،  وجمعه شبابيك.

   في العام 1970 جاءت مُبادرة "روجرز" لإنهاء حالة الاشتباكات المستمّرة على الجبهتيْن السّوريّة والمصريّة بعد حرب حُزيران 1967 مع الإسرائيليّين، فيما أطلق عليه "حرب الاستنزاف"، التي شهدت معارك محدودة بين إسرائيل وكلّ من سوريا، والأردنّ، والفدائيّين الفلسطينيين، واشتبكَ، يشتبكُ، اشتباكًا، فهو مُشتبك، ومن اشتبك مع زميله بالأيدي فهما قد تشاجرا؛ فتضاربا، والتحما بالأيدي. واشتباكات الجيوش في الحروب التحامها، ولا تنفضّ هذه الاشتبكات إلّا من خلال اتفاقيات دوليّة من خلال الأمم المُتّحدة ومجلس الأمن الدّوليّ، كما حصل في اتفاقيّة فكّ الاشتباك (فصل القوّات) 1974 بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973، بين طرَفيْ الصّراع سوريّة وإسرائيل، برعاية وزير الخارجيّة الأمريكي "هنري كيسنجر".  والاشتبَاك مع العدوّ التحام أو شُروع في حرب معه. وإذا شبكت أو تشابكت الأمور تكون قد اختلطت والتبست.

   المدن الكبرى تمتاز بشبكات طرقها الرّئيسة المختلفة المُتشابكة السّريعة، التي تقدّم الخدمات لمرتاديها، وتتكامل العملية مع شبكات السكك الحديديّة، وشبكات أساطيل شاحنات النقل البرّي والبحري والجويّ.  هذه الشّبكات دخلت عهد الحداثة بتطبيقات شبكات الأنترنت العالميّة، وارتباطها بشبكات الأقمار الصناعيّة لتسهيل تداول المعلومات، بأقل التكاليف، والأداء الأفضل والأسرع .

   وأذكر أيّام شبكة الهواتف الأرضيّة  اليدويّة القديمة، كثيرًا ما كنّا نطلب من المقسم مكالمة خارجيّة، ننتظر ربّما ساعات حتّى يستطيع عامل المقسم من الحصول على الطلب، بينما شبكات الـ (GMS) اعتمادها المباشر على شبكات الأقمار الصناعيّة، عملت الشّركات على تخفيف تكلفة الاتصالات، من خلال شبكات ألياف البصريّة، ذات الأداء العالي.  وشبكة الأنترنت عملت بتقنيّاتها على ربط كافّة جوانب الحياة في جميع أنحاء العالم بها، ليصبح الكون قرية عالميّة صغيرة. وجميع ذلك يتمّ عن طريق تقنيّات الأجهزة الحاسوبيّة والهواتف النقّالة الذكيّة؛ وغير ذلك. وأتمتة معلومات شبكات مؤسّسات مكاتب الطيران، والجامعات والمكتبات العامّة، ومعظم جوانب الخدمات. لتوفيرها في أفضل صورة للجمهور.

   وبالانتقال إلى عالم العلاقات الدوليّة، وما تعتمد عليه من شبكات الجاسوسيّة العالميّة من خلال الرّشاوي؛ لتجنيد العملاء لها في كافّة مواقع المسؤوليّة، بهدف الوصول لأدقّ المعلومات الشخصيّة عن كافة جوانب الحياة الفاعلة. كما أنّ سلطات الدّول جميعها تُكافح شبكات غسيل الأموال، وتهريب المخدّرات، وتجارة الرّقيق الأبيض (الدّعارة). بنفس مكافحة شبكات الجاسوسيّة.

    في صغري لم أفهم دلالة شبكة خطوط الطول والعرض على مجسّم الكرة الأرضيّة أيّام دراستي الابتدائيّة، إلّا في المرحلة الإعداديّة من خلال مُدرّس مادّة الجغرافيا، وعلاقة هذه الخطوط بالزّمن، وليس لها وجود على الأرض، فهي على الخارطة فقط. وتبتدئ بالتعداد غرب وشرق  من نقطة مدينة "جرينتش" على ساحل المحيط الأطلسي في المملكة المتحدة.

  والشّبْكَة الهديّة التي يُقدّمها الخطيب إلى خطيبته عند إعلان الخطوبة، وشَبَكَ الشّاب الفتاة، قدّم لها الشّبكة. والخيوط إذا تداخلت مع بعضها تشابكت، وكذلك أصابع اليدين، وتشبيهكما في المسجد وأثناء الصّلاة منهيٌّ عنه؛ لدلالة تعقيد الأمور. وأسنان المشط كذلك من الشِّبَاك.     

   وفي أغنية عبد الحليم حافظ "جانا الهوى" للشاعر الغنائي "محمد حمزة": (جانا الهوى جانــــــــــــــــــا ورمانـا الـهـوى رمــــــــــــــــانا \\ ورمش الأسمرانـــــــــــــــــي شبكنـــــــــا بالهـــــــــــــــــوى \\ آه ما رمانا الهوى ونعـــــسنــا واللي شبـــكنا يخلصنــــــــــــــا)، معنى جديد للشّبْك والتّشابُك من خلال الرّموش، وتتشابك العيون بنظراتها إذا التقت، ومثلها تتشابك شِباكُ صيّادي السّمك ببعضها، وتحتاج لجهد كبير لفكّها، والأفكار تتشابك إذا تشوّشت، والطّرق إذا تقاطعت، والمشاكل إذا تعقدّت واختلطت.

  والشّبّاك نافذة للغرفة والمكتب وسواهما من الأبنية، كشبّاك السّينما والبريد والباص والقطار والطائرة والبنوك ومكاتب الصّرافة، أمّا الشّبّاك الأوّل في البنك الدوليّ، فهو نافذة الإقراض بشروط السّوق.

   ونبتعد قليلًا إلى عالم الثّقافة، فهناك مجموعة قصصيّة "همس الشّبابيك" للكاتب الأردني "سمير أحمد الشّريف"، ورواية "شبابيك زينب" للروائي الفلسطيني "رشاد أبو شاور"، يتحدّث فيها عن مدينة نابلس أيّام الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة) 1987، لتنتهي بمجيء اتفاقيات أوسلو 1991. أمّا رواية "شبابيك منتصف اللّيل" للروائي التونسي "إبراهيم درغوثي" فقد منعت طبعتها الأولى في تونس من التداول، لتصنيفها في قائمة الأدب الإباحيّ. وأبارك للصديق الفنّان "محمد العامري" الأردنيّ بصدور روايته "شبّاك أم علي" اللّاجئة الفلسطينيّة في الأغوار التي رأت الحياة ومجريات الأمور من خلال شبّاكها ونافذتها للعالم الخارجيّ .

   تتلاطم الأفكار في رأسي متشابكة دافعة لي، لتشبيك المعاني المتقاربة والمتباعدة؛ لتكوين ملفّقة شُبّاك حبيبي، أملي أنّني أحسنت تشبيك المُتشابك والمتناثر في مادّة أدبيّة جيّدة المحتوى، لأنال دعوة صالحة من قارئ مخلص في ظهر الغيب.

عمّان – الأردنّ

5\ 6\ 2020

 

 

 


الثلاثاء، 2 يونيو 2020

إضاءة على مجموعة (همس الشّبابيك – للأديب سمير أحمد الشّريف)

إضاءة على مجموعة

(همس الشّبابيك – للأديب سمير أحمد الشّريف)

 

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

 

بتاريخ ـــا 25 \ 9\ 2019 التقيتُ بالصديق الأديب سمير الشّريف خلال زيارة له إلى مدينة إربد. وأهداني مجموعته (همس الشّبابيك) بطبعتها الثانية.

وصف (سمير الشّريف) مجموعته بأنّها نصّ سرديّ, والعنوان بكلمتيّه السّاحرتيْن موحٍ بفضاءات من الذكريات والخيالات، وإطلالات الشّبابيك على فضاء خارجيّ، بمغادرة الداخليّ المُغلق على الكثير من الأسرار والخصوصيّات، والإبحار في عوالم جديدة مُتحركّة بتفاعلاتها إيجابًا أو سلبًا.

و(الهمس) الكلام المُغَمغم الخفيّ الذي لا يبين، ومنه صوت مضغ الطّعام وهو الهمس، والهمس ربّما لا يسمعه إلّا صاحبه، أو لأذن تلتصق الشّفاه بها، و(الشّبابيك) هنا جاءت بمعنى النّافذة، ولكن باختلافها عن النوافذ، بأنها نافذة لها شَبَك أو شِباك تغلفها من الخارج كدِرءٍ وحماية من خطر مُحتمل في ساعة غفلة. والحماية (الشِّباك) أعتقد أنّها حدّ من حُريّة النّافذة المُنفتحة.

القارئ لم يُترك لتأويلاته وتخميناته بشأن تحديد هويّة المجموعة، فقد أخبرنا المؤلّف أنّها عبارة عن نصوص سرديّة؛ ففيها تتجلّى الصّنعة الأدبيّة الماهرة برشاقة تنقّلاتها وقفزاتها، ما بين الخاطرة، والقصّة القصيرة، مع ملاحظتي لنَفَسٍ روائيّ يعلو ويهبط، يظهر ويختفي.

بطبيعة أيّ قارئ لا بدّ من تكوين فكرة عمّا بين يديه من مادّة للقراءة, ومسار هذه المادّة اتّجاهها، ومن خلال مطالعتي لمجموعة (همس الشّبابيك) رأيت أنّها طافحة بالمشاعر الإنسانيّة المُتأججة بين ثنايا الصّفحات، وصفحة تلو صفحة، تتبدّى الرمزيّة العالية للإشارات السياسيّة المحيطة وتفاعلاتها، فالأديب (سمير الشّريف) بنظرته الدقيقة لكافّة شؤون الحياة، أثبت أنّه من الصّعوبة بمكان فصل جانب عن بقيّة الجوانب الأخرى< فروابط المجتمع متعالقة مع السياسة والاقتصاد والدّين والعادات والتقاليد.

ومتعة القراءة في مجموعة همس الشبابيك، أحالتني توقّفًا أمام مجموعة من الجمل ذات الدلالات البعيدة، منبئة عن ثقافة الكاتب، وسعة اطّلاعه بشكل عام، ومن ذلك:

-         (هل تمحو الكتابة آثارنا التي تُذكّرنا بذواتنا؟).

-         (لا تجعلنّ التّفكير يأخذك للبعيد، عِش لحظتك).

-         يغسلني رحيق جسدها، وتُعجزني كتابتها).

-         أستحلُّ رحيق اللّغة، وأقطف مذاق تبرعم الأزهار).

-         (وحدي بين الأوراق أعاقر دفء الذكرى)

-         (تغيّروا وقايضوا الشّعارات بالمال والكرامة بالخيانة).

-         (المرء مهما كبُر يظلّ بحاجة لمن يسمع له).

-         (الهزيمة التي لحقت بالعالم العربيّ تبعها صوت جذب، واستقطاب للجماهير بخطب حماسية للقادة).

-         (توقّفت الحنجرة التي ألهبت مشاعر الملايين، وحشدتهم ضد الغرب؛ لتسجيل كارثة وهزيمة). "إشارة لحقبة جمال عبدالنّاصر".

-         (الانغماس في لعبة الجسد؛ يظلّ مُتنّفسًا لإرادة  القوّة فينا).

-         النّساء رومانسيّات واقعيّات، الرّجل يميلُ إلى التّجريد والتعميم والقسوة).

-         (لعبة الجسد قيمة لا واعية، فلماذا نتقبّلها بوعي..!!؟).

-         (الرّكود يُساوي الموت، والانتظار محرقة العُمْر).

-         (خُلقنا لنعيش الحياة رغم مرارتها).

هذه الطّائفة التي وقفت عليها من الاقتباسات للكاتب (سمير الشّريف) من مجموعته (همس الشّبابيك) أثبّتًها هنا للتدليل على ما ذهبت إليه من تحليل لبعض من الأفكار، وفي كلّ قراءة يظهر فهمٌ جديد، لمسألة أو فكرة، وللكتاب مذاهب تأويلات مُتعدّدة الرّؤى، ولكن استقرّى رؤيتي وفهمي لما قرأت وعاينت من (همس الشّبابيك)

 

عمّان – الأردنّ

1\ 6\ 2020


البصارة (قصة قصيرة)

البصّارة

قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد
رشاقة حركة يديْها المدروسة في كلّ مرّة تُفرغ فيها خليط الحصى وقطع العظم والوَدَعِ من كيسها القماشيّ الأسود المعقود بقطعة خيط عتيق. 
   وجهها الموشوم بخطوط متشابكة على ذقنها تحت شفتيها الرّقيقتيّن، موحٍ بطمأنينة تولّدت للتوّ، ابتسامتها تفسح المجال لِلِألاء نابها الذهبّي إبهار عينيّ، لتنقلا اكتمال اللّوحة بكامل بهائها للمخّ.
   محاكمةٌ صوريّة مُسبقة الحُكم: "كَذَبَ المُنجّمُون، ولو صدقوا". لم يمنعني من مُقاطعاتها، والإفلات من رجائها المُتوسّل بسماعها، ولو لمرّة واحدة..!!. قُبيل مُغادرتي لقهوتي، قرعت باب البيت المفتوح على مصراعيْه في مثل هذا الوقت من كلّ يوم.
   لذّة لَكْنَتها الغجريّة بطعم قهوتنا العربيّة، عندما ألقت التحيّة.
   هَمَمْتُ بالمغادرة، أجلستني بطلب التمهّل، بعد أن غرزت عينها في فنجاني تركيزًا باحثة عن مجهول. تُدوّره بين أصابعها، وتزمّ شفتيْها؛ لتكميل خارطة خطوط الفنجان الممتّدة إليها مَسحًا. قالت: 
- "بالله عليك امنحني دقيقة واحدة فقط".
اهتزاز رأسي ترافق مع عدم ردّي، الدقائق تنفدُ مُخلّفة وراءها حسرة ضياعها. 
رفعت عينيْها لتشتبكا بنظراتي الزّائغة بنيّة افتراسها. تحفّز داخليّ كأنّما اهتزّت الأرض زلزلةً تحت قدميّ، ارتعاشات لا إراديّة أطاحت بآخر حصون الدّفاع. داهمتني أمنية لو أنّي تسوّرت حصونها للإطاحة بها، وأطبق على شفتيْها في غارة خاطفة.
-"فرسٌ أصيل يسير بسرعة البرق، خلفه غبار كثيف لمسافة طويلة، خيّاله يحثّ السّير بلا استراحة تحدوه الأشواق. أنتَ تقف في بداية طريق ممتّدة من مكان بعيد، ولو قُيّض لك أن تركب الفرس القادم لتتابع به، فربّما تصل مُبكّرًا". قالت كلامها. أتفقّد السّاعة، اطمأننتّ إلى أنّي ما زلتُ ضمن الدقيقة. همَمتُ بالنهوض، بينما نثرت كيسها على بلاط الأرض. 
تابعت: 
-"إذا تطابقت  قراءتي للفنجان، مع الأحجار؛ فأنت من أصحاب السّعد هذا اليوم". 
أدعو الله في سرّي أن يُخيّب مسعاها عندي، وأنا مُقيم على حكم اليقين فيها وبفعلها. رقّ قلبي لرجائها. اعتقدتُ أنّني فاتحة سعدها في الرّزق هذا اليوم، طموحها أن تحصل على إكراميّة العشر ليرات سوريّة. 
يا إلهي كم تتحمّل هذه المرأة المُتشبّثة بالحياة..!!؟ 
وهي تحتال على لقمة العيش، ببيع الأوهام لي ولأمثالي. 
وكيف تُراق كرامتها في أحيان كثيرة على يد الأشقياء!!؟. 
ابتسامتها عريضة مُنبئة عن تطابقات في ذهنها، لا علم لي بما ستقول، ارتسمت بشائر فرِحةٍ على وجهها، تألّقت في عينيّ مُجدّدًا، حاولت إزاحة وجه الجيوكندا من مُخيّلتي، وكدتُ أصرخُ على دافنشي، كيف  خانته فطنته عن هذا الوجه القمريّ المتلألئ نورًا يتغلغل في قلوب مُحيطيه؟.
ابتسامتي طيلة يومي لم تبرحني، على غير العادة تساؤلات الزّملاء والزّميلات تنهال عليّ.    

عمّان – الأردنّ
2\ 6\ 2020

الجمعة، 29 مايو 2020

قراءة نقدية على رواية (36 ساعة في خان شيخون)

قراءة على رواية

(36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

 

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

    رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت الضّوء على إحدى جرائم النّظام السّوريّ في استخدام الغازات الكيماويّة السّامّة (غار السّارين) المُحرّمة دُوليًّا؛ لضرب التجمّعات السّكانيّة العديدة في الغوطة الشرقيّة وإدلب وعدد من المدن السّوريّة لكسر إرادة المعارضة وإصرارها على مقاومة النّظام، وللغرابة فإن هذه الجرائم تقادمت بمرور الصمت الدّوليّ.

    وفي يوم (4 أبريل-نيسان 2017) في مدينة (خان شيخون)، بريف إدلب شمالي سوريّة، قام طيران النّظام بالتحليق فوق المدينة، ومن ثمّ قصفها مُستخدمًا غاز السّارين السّامّ، وخلفّت الغارة  مقتل أكثر من مئة مدني، وأكثر من أربعمئة جريح، معظمهم من الأطفال، بحسب ما أكّدته مديريّة صحّة إدلب.

    وبالوقوف على مُجريات العمل الروائيّ الجديد بخصوص حادثة الكيماوي، كان من المفترض اهتزاز الضّمير الإنسانيّ عامّة، والعربيّ والمسلم على الأخصّ، بينما تُرك الشعب السّوريّ يتلقّى ضربات فائقة الوحشيّة هادفة للإبادة الجماعيّة، وإيقاف مصير الملايين على حافّة الهاوية.

   تعتبر هذه الرّواية هي العمل الروائيّ الأوّل للأستاذ (محمد عبدالستّار طكّو)، وهو الذي اكتسب هويّته الشّعريّة في العديد من قصائده التي تغنّى بها في الأمسيات ونشرًا على صفحات مواقع الأنترنت، وتكلّل ذلك بإصداره الشعريّ الأوّل أيضًا في فترة زمنيّة سابقة، عبارة عن مجموعة شعريّة جميلة انضوت تحت عنوان (رُشاشة عطر- 2014)، وأتبعها هذه الرواية التي بين أيدينا، فرادة الحدث المفاجئ تجاوزت ديوانيْ شعر ما زال مخطوطين هما (بتوقيت دمشق إلّا قصيدة)، (شام ابنتي) مجموعة شعر أطفال.

***

   جملة صادمة في الصّفحة الأولى. بقوله: (السّؤال يُطيل أمد الأمل)، لنفهم أنّ الإجابة لم ولن تكون مكتملة أبدًا مهما اجتهدنا، وإن كنّا نقف على مسافة واحدة من المشهد، ومجازفة الخوض في التفاصيل، تُعيدنا إلى مربّع الحدث ذاته، وقد نمضي تأثير الدّافع الضّاغط على مشاعرنا وأحاسيسنا استفزازًا.

   الصفحات الأربع عشرة الأولى صوّرت حال (أحمد) الموظّف حاليًّا، وهو يستذكر أيّام دراسته، اعتبارًا من اللّباس الموحد الهادف إلى عسكرة المجتمع السّوريّ، والتفاعلات النفسيّة والفكريّة بعدما كبُر وأدرك الأبعاد التي كانت مجهولة الأجوبة آنذاك. وقضيّة منظّمات الطّلائع والشبيبة المفروض على الطلّاب دون استثناء الانتساب لصفوفها،  الطّلائع في المرحلة الابتدائية العمريّة الأولى، والشبيبة في المرحلة الإعدادية وجزء من الثانويّة، لتقلين أدبيّات الحزب وتشكيل وعيهم ليكونوا جنودًا مُدافعين ليس عن الوطن، بل عن طغمة دكتاتوريّة تربّعت في سدّة الحكم سنوات طويلة. وصولًا إلى تقديم طلب انتساب إلى الحزب الذي بدون لا يمكن الوصول إلى الدراسة الجامعيّة وبعدها الوظيفة الحكوميّة. ومما ورد بقوله: (لعلّ ورقة ما رَكَنت إلى جدار أو صخرة ما، راحت تُراقبُ أخواتها، كيف يجرفهنّ التيّار؛ تنتظر أن تمتدّ يدُ التيّار إليها ذات طيش. هذا الفعل قد يجعل المجازفة في ترك المسار، أو التيّار أمرًا جنونيًّا، أو أمرًا أكثر تعقيدًا، وأقلّ راحة من تأثير التيّار نفسه، أو ضغطه على حدٍّ سواء). لعلّ هذه الفقرة توضّح برمزيّتها العالية التقنيّة مدايات الخوف المُستكنّة في نفوس الشعب، وتساؤلات القلق والخوف من المصير لمن حلّق خارج السّرب. ليصدمنا في عبارته الأخيرة: (هل للتيّار وطنٌ يمضي إليه..!!؟) سؤال العارف المُستنكر الخائف. غالبًا ما تتشعّب الأسئلة؛ فتزداد الحيرة، وتتوه الإجابات بإشكالاتها بصاحبها حينما لا يمتلك رؤية واعية في أدنى تفاصيلها.

   بداية جاء خبر أسرة  البطل (أحمد) بهجرتها بعد الحرب إلى الخارج، بينما بقي هو الوحيد، ليكون الِشّاهد على الحدث، بعدما تعرّض للاعتقال إثر مداهمة بيته أثناء نومه، واقتياده إلى جهة مجهولة بالنسبة له تمامًا، لكنّه أدرك أنّها جهة أمنيّة تابعة للنّظام، وهذه النقطة توضّح فقدا الأمان وتعدّد الحواجز والاعتقالات والخطف من جهات مُسلّحة أخرى مختلفة الانتماء. وفي عبارة يخبرنا: (نحاول قراءة المشهد من زاوية معاصرة بعيدة عن التنظير؛ سنجد أنّنا لم نكن جسدًا واحدًا يومًا، لقد كُنّا شِلَلًا وعصابات تختفي تحت مُسمّى الوطنيّة).

   وتنقلنا الرواية لاختلاف الآراء والانتماءات الطائفيّة الموالية للنّظام والمُعارضة له، وتشكيلاتها الكثيرة، وانقسام المجتمع لما بين مؤيّد ومُعارض، وظهور مصطلحات جديدة (شبيّح) هو المُوالي المُدافع عن النّظام، و(مُندَسّ) للمعارض سواء كان مُسلّحًا أو بالرأي. وفي قوله تتضّح الرّؤية: (المشهد أكثر وُضوحًا وبّعدًا عن الضبابيّة، لم يعد هناك مجالٌ لتبرير إخفاء الانتماءات والميول). فكان اللّجوء لتسمية الأشياء بمُسمّياتها الحقيقيّة. ولتبرير بقائه في سوريّة: (كم شخصّا مثلي لا ينتمي إلّا لسوريّة، صحيح أنّي لم أخرج في المُظاهرات، لكنّي في نفس الوقت لم أخرج من سوريّة، لأنّي أعتبر نفسي رُكنًا فيها). في الحروب والصّراعات لا مجال للحياد أبدًا، أو البقاء في المنطقة الرماديّة الوسط؛ فالانحياز هو سيّد الموقف، وبيضة القبّان المُثقلة للمواقف والاعتبارات بتحديد الموقف والرأي بالضّبط.           

***

   الحكاية من (خان شيخون) جاءت في مقدّمة الرّواية، بتشابكات تعالقيّة بخيوط عديدة ابتدأت من العقدة، من خلال البطل (أحمد) وهو يسرد ما رأى وشاهد هناك في القرية، ومن ثمّ سار العمل الروائيّ إيضاحًا وحلحلة الألغاز، والإجابة على التساؤلات العديدة. فمركزيّة دور العبادة وخاصة (المساجد) هي المكان الذي يلجأ إليه الغرباء عادة، مجرّد وصول (أحمد) إلى (خان شيخون) بعد رحلة مُضنية محفوفة بالمخاطر التي تتهدّد حياته في كلّ لحظة، وذلك بعد خروجه من المُعتقل في دمشق، وتهيئته ليكون عميلًا وجاسوسًا للمخابرات، من خلال عمليّة تحضير معقّدة له، جاءت على المشاهدة التخويفيّة في حفلات التعذيب الفظيعة، لنزع أدنى مقاومة أو تماسك في نفسه مُستقبلًا، وليكون عجينة طيّعة في أيديهم، كان هذا الجانب الترهيببيّ، ومن ثمّ انقلبوا إلى الجانب الترغيبيّ، والانتقال من الزنزانة والمهجع المُكتظّ بنزلائه من المعتقلين، وظروفهم المُزرية على كلّ المًستويات, إلى قسم آخر أخفّ وطأة من ذي قبل، وتغيير الخطة باتّجاه عمليّة غسل الأدمغة، من خلال الإتيان بمشايخ دين مسلمين، لتعليم مجموعة مختارة من المعتقلين مبادئ الإسلام المُتشدّد، والجهاد، وتلقينهم قسمًا من كتابات (ابن تيميّة) الجهادية، وجاءتهم الأوامر بإطلاق لِحاهم، بعد ذلك جيء بممثل وفنّان مسرحيّ، لقّن هؤلاء المعتقلين أصول التمثيل، وهو ما يلفت النّظر لاستخدام كلّ شيء ممكن ومُتاح من المعقول واللامعقول، تتساوق هذه الأشياء لتشكيل حالة جديدة بمعطيات مختلفة متنامية بتمدّدات جديدة.

***

 

   الرواية كشفت بذكاء عميق، قضيّة جديدة التشكيلات المُسلّحة المُخترقة، أو المُشكّلة بأيدي الأجهزة الأمنيّة لغايات وأهداف، هذا الأمر بآثاره النتائجيّة العكسية لمسارات الثورة السلميّة، وتحويلها إلى المُسلّحة لقلب الموُازنة، وخلط الأوراق كما حدث ذلك مؤخّرًا في عمليّة المصالحات التي جرت فيما بين النّظام والفصائل المُسلّحة برعاية الاحتلال الرّوسيّ المُتوافق مع الاحتلالات الأخرى، والمصالح للدول المتورّطة في الوحل السّوريّ.

جمل مفتاحيّة مقتبسة من الرواية: لعلّ في هذا الاقتباس ما يُكمل هذه الإضاءة النقديّة:

   * (بتُّ أدركُ أنّ الهزيمة موت، فالحياة ما قبل الهزيمة تختلف عمّا بعدها. قبل الانكسار أنت كائنٌ لك المدة تنطلق فيه، وإن سُدّ بابٌ بوجهك اتّجهتَ إلى غيره، أمّا بعد الانكسار؛ فأنت شيء من الأشياء ثمنه بما يُقدّم من خدمات. ما أصعب أن تكون شيئًا أو أداة بيد الآخرين في هذه الدّنيا). ص88

   *(إذا كنا  نلتقي لنموت.. فهل علينا نفترق لنعيش..؟)ص61،

*(كيف للحياة أن تُعاد لمن دخل أُتون الموت)ص151.

*(لماذا لا يأتي الموت دفعة واحدة..!!؟)ص147.

*(الصمتُ سيّد الموقف في وجوه من ربّما لا حياة بهم) ص138.

*(هل الأسلحة تُجنّ في تثور تحت أشعّة الشّمس فقط، وتركن في الظلام..!!؟. لا بدّ أنّ تأثير ثوريّ يُغري غضب الأسلحة؛ لتطلق العنان لرصاصاتها)ص100.

*(تتشرّب الأرض الماء الآسن رغمًا عنها أحيانًا)ص99.

*(أنقّل ناظري بين بسطاره ووجهه، ولا أجد فرقًا بينهما)91.

*(الحيوان مهما كبر حجمه، تؤرّقه شوكة في نقطة ما من جسده) ص90.

*(نحن لا نضع بداية الأشخاص في حياتنا، ولا نستطيع وضع النّهايات لهم.. ولكنّ الأصعب أن نفقده بعد أن أسندت إليه بؤس اعتقالك، ومرارة الموت البطيء) ص85.

*(يختفي فجأة البعض، الموت هو أثر ما نعلّل به الاختفاء، وما أصعب وقعه على النّفوس) ص83.

*(الأمان لا يمكن أن يحدث بين مغتصب وصاحب حقّ) ص72.

*(فما بال قَسَم أبقراط أصبح في عقول عفنة، ولم تعُد الألوان تعني نفسها؛ فلا الأحمر يعني شهادة، ولا الأخضر ربيعًا، ولا الأبيض طيبة- تعليقا على لباس الطبيب في المعتقل) ص73.

*(كيف للرجل أن يجعل من نفسه عبدًا بكلّ هذه البساطة. أنّها سلسلة العبيد، والعبد قيمته بعبوديّته، وسلطة حاكمه؛ يضرب بسوطه وسيفه، ولا قيمة لعبد من دون سيّده، غير أنّهم لم يتعلّموا أنّ الكبير قد يُضحّي بالكثير من الصّغار لضمان بقائه) ص71.

*(الإنسان ينتقمُ من الجسد مُحاولًا كسر إرادة إنسان آخر، لكن الإرادة مرتبطة بالرّوح لا بالجسد) ص67. (في وطننا ضريبة البقاء، هي الذّلّ والعار) ص50.

*(نحن شعب نعيش على الأمنيات) ص51.  

   هذه الطّائفة من الجمل أضاءت فلسفة الكاتب الروائيّ            (محمد عبدالسّتار طكّو)، فكان لا بدّ من نقلها من داخل الرّواية، لتثبيت الرّؤية الحقيقيّة للحدث، بنظرة مختلفة تمامًا عن السّائد المعروف بعمق دلالاتها، وإيحاءاتها المضيئة على مرحلة ظلّاميّة من حياة السّوريّين على كافّة الأصعدة.

 

عمّان – الأردن

29\ 5\ 2020


الأحد، 24 مايو 2020

ترهات فأر (قصة قصيرة)

ترّهات فأر

قصة قصيرة
الرتابةُ تكتنف جُلّ وقتي الهادئ بسكونه المريب، الظلام يخيّم على الزنزانة الانفراديّة، كل يوم لي زيارة خاصة إلى إحدى زواياها، فأقضي نهاري وليلي قابع فيها، بينما حنين الأخريات لجلستي فيهن، صفاء الروح جعلني أسمع حسيسهن، ولكل منها متعة مختلفة عن الأخرى، قراءة الذات؛ أصبحت وِرْدًا يوميًّا يستغرقني في ملكوت فضاءات، لم أكن أشعر بها في ضجيج الحياة قبل ذلك، المراجعة الذاتيّة لم أحظ بها أبدًا، جاءت الوحدة القسرية نعمة، لم أكنْ أحلم بها في يوم من الأيام، خربشة في الزاوية المقابلة، نبهتني إلى أمر غير متوقع بتاتًا، صوتٌ يأتيني، يكسر رتابة الصمت المهيب المريب، بالسلام، بالكاد تبيّنتُ ماهِيّتَه، أوه..!!، يا إلهي إنه فأر ضخم، شكله مخيف، ذكرّني بسلاحف النينجا الأفريقية، انكمشتُ على نفسي، وأنا ألملم أطرافي خوفًا من الاعتداء على أي منها، جلسَ مُقْعِيًا على مؤخرته، مُسْتندًا إلى ركن الزاوية المتين، عيناه تبرقان، فأضاءتا المسافة بيننا، الآن تبيّنتُ، وتمليتُ ملامِحَه بشكل حقيقي.
الفأر: أرى علامات الدهشة قد استولتْ على ملامحك، ألم تر في حياتك فأراً مثلي يتكلم؟، ألا تتذكر توم وجيري، -أطلق ضحكة مجلجلة دوى صداها في أذنيّ-.
أنا: لا في الحقيقة، ولا في الحلم، تخيّل أنني كنتُ أصدّقُ ذلك في صغري أيام المدرسة، وأنا أقرأ كليلة ودمنة، ولمّا كبرتُ قليلًا، كنت على يقينٍ أنّ عقلي كان قاصرًا عن إدراك كونها قصصًا كتبها دبشليم على لسان الحيوان، لغاية في نفسه، وللخروج من غضب السلطان، وأعوانه.
الفأر: نعم صدقتَ، ولكنني فأر مختلف تمامًا عمّا تعرف، أو بما يخطر على بالك، مما هو طريف وغير واقعي، سأختصرُ الوقت قبل تبديل نوبة الحراسة، وأنا قادمٌ إلى هنا، مررتُ بالحارس، رأيتُه مُتكوّمًا على نفسه، عيناه مغمضتان، شخيره متقطع، سيجارته انطفأت بين اصبعيْه، سأروي لك شيئًا، ربّما يكون طريفًا بالنسبة لك، وللأمانة التاريخية، أنا مهتمٌّ بقضايا التاريخ الحقيقية، وأهزأ بكم معشر البشر، وأنتم تقرؤون، وتصدقون ما تقرؤون، بلا تحليل وتركيب، وعمل تقاطع بين المعلومات، لاستنتاج شيء جديد على غير المألوف, والمعروف.
أنا: هاتِ ما عندكَ أيها الفأر..!!.
الفأر: العالم كله يعرف ويعلم، أن خروتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي، ضرب بحذائه على الطاولة اعتراضًا على انتقادات رئيس الوفد الفلبيني للسياسة الخارجية السوفييتية في أوربا الشرقية، ووصفها بالاستعماريّة، أثناء الجلسة العامة للأمم المتحدّة في نيويورك 1960، بينما شاع أن هذه الحادثة جاءت احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر1956، وما لم يقله أحد على الإطلاق، سأقوله لك، أنت وحدك بالذات: أثناء الجلسة هذه، تسللتُ إلى قاعة الاجتماع، وبينما كنتُ أدُورُ تحت الطاولات، وبين أرجل الكراسي، أغراني لمعان حذاء خروتشوف خاصة، وتغلب طبعي عليّ، رغم أنني أعرف مدى حساسيّة الموقف، ودقته المتناهية، فقمتُ بِعَضِّ مقدمة الحذاء، وانغرست نَابَايَ الكبيران خلال الجلد الطري، لينفذا إلى أصابع رجله، فلما أحس بالألم، لم يحتمله، فقام بخلع الحذاء، تصادف ذلك مع توجيه إحدى الصحفيين المكلفين بتغطية الجلسة عليه (الكاميرا) الرئيس، شدّة الألم جعلته يضرب الطاولة.
أنا: هيه..، أيها الفأر، هذا كلامٌ خطير، سيقلب الموازين، و النظريات السياسية القائمة والمعروفة.
الفأر: إذا لم تصدقني، عليك بالبحث و المراجعة، وكما أعلمُ أنك قارئٌ جيد، وكاتب قصصي مرموق. سأخبرك عن حادثة إطلاق القنبلة النووية على هيروشيما.
أنا: أظنّ أنك ستقول هذه المرّة، أن لك علاقة بهذا الموضوع ..!!، و ما أدري ما الذي يجعلني أسمع فأرًا حقيرًا؟، وقد اقتحمتَ عليّ عُزلتي.
الفأر: سامحك الله يا أستاذ، سأتـغاضى عن هذه الاتهامات، ولم أفهم سببًا مقنعًا لنظرتك العنصرية المعادية لساميّة الفئران، على كلٍّ، فلن أتردّد في متابعة حديثي الذي بدأته معك، فقد تسللتُ إلى تلك الطائرة، واختبأت تحت كرسي الطيّار، طال انتظاري، ولم أستطعه أكثر، وهدير الطائرة لم يتوقف، كاد أن يُسَبِّبَ لي الصمم، تحركت من مكاني إلى الفسحة الصغيرة بين قدميّ الطيار، ما إن أحسّ بوجودي ولمحني بطرف عينه، ركلني بضربة موجعة على ظهري، انطلقت بسرعة للأعلى، بحركة مفاجئة من يد الطيّار، أراد أن يبعدني بها عن كبسة قاذف مظلة النجاة، لأن مجاله الجوي ضمن منطقة معادية، فضغطت يده على كبسة قاذف القنابل ، وكانت هيروشيما، و ماتزال سجلًّا حزينًا في ذاكرة اليابانيين، فدوّنوه في صفحة سوداء قاتمة من تاريخهم الحديث.
أنا: قاتلك الله.. أيها الفأر الهرم على شنيع فعلتك، أنا أعتبرك أنك القاتل الحقيقي، ها ..!!، وماذا بعد هات من عندك، وأخْرِجْ من جعبتك شيئًا آخر، ولم تخبرني أين ذهبت أنيابك، وأسنانك؟.
الفأر يضحك بصوت عال، وقهقهة هزّت أركان الظلام في الزنزانة، وقال: في الحقيقة، أنه في السنوات الأخيرة، مؤكّدٌ أنك سمعت بالفنانة هيفا وهبي، وأغنيتها الشهيرة ” الواوا”، أغرتني ألوان المسرح وأضوائه، ولمعان ساقيْها، بينما الموسيقى بدأت في المقدمة الموسيقى، وكانت أغنيتها ستبتدئ بموّال زَجَلٍ لبناني” يابا .. يا بابا”، لم أستطع مقاومة الإغراء، الفرقة مشغولة بحركات المايسترو البلهاء، و المطربة نظراتها تتركز على المايسترو العجوز، تقدمت بسرعة خاطفة لعضّ قدمها، من شدّة ألمها، وبغنج الدلع، صارت تشير إلى قدمها، وهي تغني “الواوا” بدل “يابا.. يا.. يابا”، المايسترو مُنهمكٌ في عالمه، لم يلحظ تغيّرًا ما، بينما مُخرج الأغنية تابع تصويره، وراقت له الفكرة، وكأنها مبتكرة في عالم الفن، وهو يغرس نظراته في حركات “هيفا”، وهي تتلوى من الألم، ألمٌ ممزوجٌ بالإغراء، حاولتُ الهروب باتجاه آخر، وكانت عصا المايسترو لي بالمرصاد، وهي التي أسقطت أسناني.
أنا: صرختُ بأعلى صوتي: اغْرُب عن وجهي، أيها الفأر القميء، وخرجتُ من الزنزانة لأجدني في فضاء رحيب، وأعلن للملأ بأعلى صوتي عدم تصديق كذب و افتراءات ذلك الوغد الأفّاك. بينما أتملل في فراشي وإحساسي بتعرّق جسدي بأكمله، ترافق ذلك مع رنين ساعة المنبّه، فنهضت من فراشي بسرعة، قاصدًا الحمّام والنوم يتلبّدُ على جفنيّ.

عمّان – الأردن

تأملات 1+2


تأملّات .. (1)

الحاضر يعتبر خير شاهد على الماضي، إذ لا يمكن فَهْمُ طبيعة، ومُداخلات الحاضر، إلا إذا صار مستقبلًا، ويأتي حكم الحاضر على مُعْطيات, وتجليّات لم تكن ظاهرة وقتذاك، فتتفتح العيون على نضوج الرؤية، بمقارنات مشفوعة بتقاطع الأدلة.
ولا يمكن فهم الحاضر، والحكم عليه، إلاّ من خلال استقراء مساره في الماضي القريب و البعيد.
والحاضر هو المستقل في عيون الماضي، وله تُبذل المُهَج، وتراق على دروبه الدموع، و العواطف، والمشاعر، و تنساب المتاعب بكامل قُوّتها أملًا في الوصول للمستقبل.. المفروش بالورود.
حقيقة لا أدري، إذا أصابتني صدمة ظلام المستقبل المنشود في عينيّ ..!!، ما الذي يمكن أن أفعله؟.
– هل أنقلب عليه، وأنكفئ إلى قوقعتي ؟.
– أم أرجع للتّرحُم على الماضي، بكامل سلبياته؟.
الماضي مُعاش، و المستقبل أمنية.
سِمَةُ الحاضر في نفوس مُعَايشيه، كثرة التأفف، واللّعن، و السخط على الكثير من معطياته، وهناك أمنيات تحاول القفز من المركب للانتحار، ولمقاومة الحاضر، والانتقال للضفة الأخرى، التي هي بمثابة المستقبل، وهو بُغية يُراد الوصول إليها.
كذلك المستقبل، هو الشمعة، أو بصيص النّور، لمن يسلك النفق المظلم.
المستقبل كونٌ مليء بالأحلام المتجددة، الموغلة في غمارٍ مُتّسِعٍ، ربما تتجاوز حدود الكرة الأرضية، لتناطح الشمس، و القمر، ودرب التبّانة.
إذا كان المستقبل مجهولًا لنا، فهل يستحقّ منا كل التضحيات من أجله، وما نطلق عليه التفاؤل والأمل.. هما الدافعان الحقيقيان للسير الحثيث إليه.
هل للمستقبل أن ينمو، ويزدهر في النفوس، لولا الاعتقاد بأنه هو الأفضل و الأجمل.
كم يمتلك أحدنا من الحَيَوَاتِ حتي يبذلها للمستقبل..!!؟.
العيون تُركّز نظراتها إل الأفق البعيد، عندما تَمَلُّ من الحاضر.
الماضي يُلقي بأوشحة ظلاله القاتمة على الحاضر، مُحاولًا الإمساك به، وإرجاعه إليه، لتأخير انطلاقته.
إذا اعتمد الحاضر على رصيده من الماضي، مؤكدٌ أنه لن يتقدّم، إذا حاول نقل الماضي بكل حيثياته غير الملائمة لطبيعة المرحلة، بدل الاستفادة من دروس وعبر الماضي.
إذا كانت الألسنة تلهج بذكر الماضي: بأنه الزمن الجميل، يجب التأكد أولًا من أن المستقبل لن يقوم، ويعلو إلاّ بِأُنَاسه الذين يحملون معهم قِيَمَهُم النبيلة.
إذا كانت العواطف، هي الحكم و الفيْصل، وسبيل الوصول إلى المستقبل، حتمًا سيكون فاشلًا.
لا يمكن للحاضر، أن يكون بلا ماضٍ، ولا مستقبل.
إذا قذف الماضي بحجارته على المستقبل، فلن يكون للحاضر وجود.

***

تأملات (2).. في الأيادي


تعتبر الأيادي هي أداة الفعل الإيجابي و السلبي في الحياة على حد السواء، وهي الحانية التي تمسح الآلام، و الأحزان عن القلوب، وأخرى تزرع الخراب، والدمار، والأحقاد، حينما تنبش الأسى من مكامنه.
الأيادي البيضاء لها السّبْق في المبادرة إلى دروب الخير، بفيْض عطائها، لتجدد الأمل في القلوب الظامئة.
الأيادي السّود، الملوثة بمشاريع قاهرة، غارقة في وَحْلِ المؤامرات، فنسجت، وحبكت خيوطها في عتمة الليالي بعيدًا عن الأنظار، لتعيث فسادًا في الكون على كلّ المستويات، فتنعكس آثاره على العباد لاحقًا أم آجلًا.
الأيادي المتوضئة، تطّهرت من أوطار الحياة، ونفضت عنها الأرجاس و الآثام، وامتدّت لنثر الخير، فسكبت السكينة و الطمأنينة على الأرواح لتسكن في أمان من غوائل الدهر، وفي الليل ترتفع لتمسح دموع الضراعة، و الخوف من الله، نهارًا تفتح أبوابها، وتشرعها للعابرين إلى رحابها، تمتد لتعطي.
الأيادي الأثمة، الأثيمة، المُؤثّمَة، تُلوّح من بعيد بخناجرها المسمومة، تطعن بها في الظّهْر، و في الخاصرة في غفلة من عيونٍ، غَفَتْ في سبيل استراحةٍ، ولو لبرهة.
الأيادي الحائرة فيما، بين ..و.. بين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أيادٍ أقّل صفة لها أنها منافقة، أقلامها مأجورة للأقوى، تُلوّح بعصاه، وتُصفّق له، تخطّ مصائر البُسطاء بقسوة، وبلا رحمة، فقد باعت ضميرها المتكلّس بأبخس الأثمان، تصطف بتوافق عجيب من الباطل جهارًا نهارًا، بلا حياد، أو وقوف على مسافة واحدة من الفرقاء، وقاعدتها الدافعة لرؤيتها الميكافيليّة، “أن الغاية تُبرر الوسيلة”.
أيادي الحقّ تعلن على الملأ بلا خوف أو وَجَلٍ، أنها نصيرة المظلومين، شعارها رفع الظلم عنهم، ومقاومته بشتى السبل المتاحة، خيارها صعبٌ مليء بالعقبات الكأداء، وستصرف جهدها، وربما تستنفذ كل زَخَمها قبل أن تصنع شيئًا ملموسًا، بينما تأتلف ضدّها كلّ الأيادي الشريرة؛ لتكريس حالة الظلم والظلام.
أيادي العَسَس، أيادٍ مخيفة، تنشر الرّعب و الخوف في كلّ مكان تحلّ فيه، لها آذان كبيرة، تتسمّع فيها همسات الهامسين، وتفهم كلام البُكم على أنه احتجاج ضدّها، تُسكتُ الأصوات، وتزجّ بأصحابها خلف القضبان وراء الأسوار، وتحرك الستارة من الخلف، والأحجار على رقعة الشطرنج، عيونهم تدور في رؤوسهم على مدار السّاعة، يتلصصون على دقائق الأمور الخاصة و العامة، باسم القانون ينفذون أعمالهم.
الأيادي ميّزتها العظمى أصابعها، فإذا ما ارتفعت السَّبابة وحدها بمحاذاة الوجه فتكون علامة تحذير من أمر ما، والإبهام إذا ما أطلق للأعلى، والكفً مضمومة على شكل قبضة، فإنه يكون علامة إعجاب، و الوسطى إذا ما نتأت واقفة بحركات إيمائية، والكف مبسوطة، وممدودة للأمام علامة وسخة يُشار بها لشخص ما لإغاظته، وإذا ما اجتمعت الكفّ مضمومة؛ فتشكل قبضة تتهيأ للضرب و المقاومة، وإذا ما اجتمعت رؤوس الأصابع لتتشكّل بشكل أجاصة فإنها تُحذّر وتتوعد.
والفرق شاسع ما بين اليد التي تمتد للسلام على الآخرين، وتحمل غصن الزيتون تُلوّح به، وبين اليد التي تضغط على الزناد لتُسيح الدماء، وتسفح أرواح الأبرياء, و “اليد العليا خير من اليد الدنيا”، و” يد الله فوق أيديهم “.

رسام كاريكاتير

رسّام كاريكاتير

قصة قصيرة
بقلم-(محمد فتحي المقداد)*

أثناء فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية، درجت موضة دفاتر تحمل على غلافها صورة الرئيس، ضمن دائرة متوسطة الحجم، وعلى الجهة الثانية للغلاف أيضاً صورة للوطن العربي تكللها كلمات ثلاث (وحدة- حرية- اشتراكية)، نردد الشعار بعد اصطفاف الطابور الصباحي، نأخذ وضعية الاستعداد، ينادي العريف: (أمة عربية واحدة)، نردُّ عليه: ذات رسالة خالدة، ثم ينادي: أهدافنا، فنرد بصوت واحد يرتجُّ في الأفق(وحدة- حرية- اشتراكية).
أسعار هذه الدفاتر، تَقِلُّ عن مثيلاتها بقروش قليلة، مما يجعلنا نُقْبِلُ على شرائها، وكانت المؤسسة الاستهلاكية تتبنى عملية طباعتها، وبيعها للأهالي في صالاتها المنتشرة على مساحة القطر. في فترات الملل أثناء الدروس، ولمقاومة الكسل الذهني، كنتُ أقومُ برسم نظارُة لصورة الرئيس، وأطورُ الصورة برسم دقن صغيرة(سكسوكة) تشبه القفل، وإذا انتهيتُ منها، أطورها إلى لحية كاملة، فأتخيل الرئيس إنساناً متدنياً مومناً، في تلك الأيام كانت اللحية رمزاً للمتدينين فقط.
من خلال إدماني على رسم وجه الرئيس، ومحاولاتي الكثيرة المتكررة، وبعد زمان ليس بالقصير، أتقنتُ رسم الوجه بكافة ملامحه، ودقائق تفاصيله، حتى اشْتُهِرْتُ بذلك، وصارت المناسبات الوطنية و القومية موسماً لي لإبراز موهبتي. من هنا جاءت محبتي للاستغراق في مداومتي على رسم الوجوه بكافة أشكالها، كثيراً ما كنتُ أحولها لرسم كاريكاتوري، بطريقة هزلية مضحكة. وكانت تستهويني الصفحة الأخيرة في جريدة الثورة أو البعث أو تشرين، وتذكرت من أخبرني  عن مجلة أسامة الشهرية المخصصة للأطفال، فقد كان أبي يوصي عليها من يسافرون إلى المدينة في بداية كل شهر، وكانت فائدتي منها عظيمة، بأنني تحولتُ إلى تقليد المناظر الطبيعية، وبعض الصور المنشورة فيها التي تستهويني، جاءت مُيُولِي في إظهار هوايتي مُبكّراً.
بدعم من والدي، وتشجيع معلم الرسم، تابعتُ ملء الفراغ في أيام العطل، وبعد الانتهاء من كتابة وحفظ واجباتي المدرسية، تأتي العطلة الصيفية؛ لتكون موسماً يغزر فيه انتاجي المتنوع، تعززت ثقتي بنفسي، وكبر طموحي لعرض لوحاتي المتعددة، وما إن جاءت مناسبة الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني، حتى أقامت رابطة الشبيبة احتفالات فنية، وأمسيات شعرية تمجد هذه المناسبة، وعلى الهامش أقيم معرض لمجموعة من الرسامين، كنتُ أنا من ضمنهم، حيث تمكنتُ من عرض خمس لوحات، منها اثنتان للرئيس على وجه الخصوص.
سكرتُ في أوهامي، أتخيلُ نفسي في الصف الأول من الفنانين، من خلال الصحف و المجلات تعرفتُ على ناجي العلي، كانت أمنيتي أن ألتقيه، وغاية أمنياتي أن ألتقط صورة  لي معه، لكي تكون وثيقة دخولي إلى عالم المشاهير. غمرتني السعادة، وقد  اشتطّ بي التفكير بعيداً في الأحلام.
***
 
اختلفت الأسرة، حول الفرع الذي سأدخله في الجامعة، الوالد راغب في دخولي كلية الهندسة، الوالدة رغبتها تتوافق مع رغبة والدي، بينما وقفتُ وحيداً، وصوت واحد مقابل اثنين، وكانت النظرة الدونية للرسم والفن، وللاعتبار الاجتماعي دور كبير، ومجازفة كبيرة لا تُحمد عُقباها، لمن يختار هذا الطريق, والداي رأيهما أنها هواية، أما أن تكون دراسة وتقرير مصير، فلا وألف لا، تلك مهنة لا تطعم الخبز، وسيقتلك الجوع، هذه مقولة أبي المتكررة، ويتابع: بينما المهندس لقب اجتماعي يستحق الاحترام، ووظيفته مُؤَمّنَة، وله مستقبل في السفر إلى دول الخليج للعمل هناك.
بينما نحن في دوّامة الحدث، جاء تدخّل أستاذ الفنون، ومدير المدرسة، لمصلحتي، وتقدموا بنصيحة للأسرة، بأن يتركوني لتسجيل ما أهوى، وبرغبة منّي، خوفاً من الفشل في مجال الهندسة، والوصول لطريق مسدود في حياتي.
سنة أولى، ثانية، دراسة، دوام، انغماسٌ تام في مجال رغِبْتَهُ، وحبّهُ خالط دمي، اندمجتُ فيه لدرجة التطابق التام، مظهري اختلف كثيراً، بنطلون الجينز الأزرق، بَهُتَ لونه، والوسخ بادٍ عليه، لا أذكر آخر مرةٍ زُرتُ فيها صالون الحلاق؛ لتهذيب شعر رأسي ولحيتي، هذه الصورة العدوى، انتقلتْ بلوثتها إلى ذهني، وترسخت كأحد المعالم الدالة على أنني فنّان، وحقيبتي علي كتفي تتدلى على جانبي بواسطة حزام من نفس لونها، ملازمة لي أينما ذهبت وتوجهتُ.  
***
ذات جلسة متزاحمة بالأفكار السوداوية، طاولتي مليئة بالأوراق، و الأقلام، وفراشي الألوان، بالكادِ أفسحتُ فراغاً لمكان أضع فيه دفتر الرسم، الغرفة تكتظ بسحب دخان سيجارتي، الستارة مُسْدَلةٌ على النافذة الوحيدة، الرطوبة تنبعث من جدرانها، رائحة عفن تزكم أنف الزائر لكهفي أول مرة، يتأفف بقرفٍ، يؤنّبني على هذا المكان غير الصحي، فتحتُ دفتري، طارت عصافير أفكاري، تبلّد إحساسي، نسيتُ ماذا سأرسم، قمتُ لتحضير فنجان قهوة، لترطيب مزاجي، ما إن فاحتْ رائحة القهوة وهي تغلي؛ حتى انفتح الالهام، واستقر رأيي هذه المرة على رسم كاريكاتير للرئيس، وهذه المرة الأولى منذ بداية طريقي، رغم أنني ما أزال أذكر نصيحة أحد رجال الحارة في قريتنا، ذات الفكاهة التي تجعلني أضحك من قلبي، لا أدري كيف جاءت الآن، و أنا أقف أمام بابور الغاز، لإنجاز فنجان قهوتي، مقولة هذا الرجل تقريباً حفظتها، ووعيتها منذ أول مرة طرقتْ مسمعي، وهو يقول: (ثلاثة ما عليهم مَرْجَلَةْ، البرد و الكهرباء و الرئيس)، فهذا الثلاثي ضربته قاضية، قلما ينجو أحد أصيب بإحداها.
رجعتُ إلى طاولتي، وضعت فنجان القهوة أمامي، بضعة دقائق أتأمل البخار المتصاعد منه، رائحته النفّاذة تخترق خلايا دماغي، تشدّ شراييني، قلم رصاص الفحم بانتظاري، مساحة الألم تتصاعد داخلي، ما إن بدأت بالخط الأول، وكان لحظة انفلات من عقال واقعي إلى أن أتممتُ، (بورْتَريه) مختلفة تماماً لوجه الرئيس، هذه المرة هي الأصدق، والأقرب إلى قلبي على الاطلاق، طيلة مسيرتي الفنيّة، إنها رسم كاريكاتوري مُضحك، تأخَرَتِ الساعة إلى ما بعد منتصف الليل، قمتُ متثاقلاً إلى فراشي، لأتخلص من إرهاق يوم غير عادي، نمتُ بعمق لدرجة التعرّق، رنينُ جرس المنبّه أيقظني، قمتُ رغماً عني، أقاوم رغبتي في المزيد من النوم، دروس العملي اليوم في الكلية، لا يمكنني التغاضي عنها، والحضور إجباري، لأنه يتقرر فيها مصير المادة للنجاح.
***
 أثناء عودتي للبيت بعد انتهاء الدوام، سيّارة أمن أشارت إلى الباص بأن يتوقف، يصعد إليه رجال الأمن، مدججين بالسلاح، ارتعشَ جسَدي سَرَتْ فيه برودةٌ مفاجئة، اصْفَرّ لون بشرتي، رأرأةُ عينيّ تفضحني، كأنني أُخْفي شيئاً، قلت لنفسي: انتهت حياتي، هذا آخر عهدي بالحياة و النور والشمس، امتدّتْ يدِي بحركةٍ عصبيةٍ؛ لقص الصورة من الدفتر، دعكتُها بيدي بشدة، لم يخطر ببالي إلا ابتلاعها، مرارة الحبر جعلتني على وشك الاستفراغ لكل ما في بطني، توجه تلقائي رجل الأمن، بمظهره المرعب، وشعره المنفوش، وشاربه المتدلي على جانبي فمه، والبندقية في يده، ثلاثة مذخرات ملفوفة بلاصق جعلهن قطعة واحدة، وجعبته على صدره.  
– قال: ماذا تأكل؟.
– قلتُ: قطعة (كاتّوه).
– قال: أكيد طيبة..!!.
– قلتُ: نعم، وهززت رأسي.
– قال: ما لي أراك خائفاً؟، نحنُ نبحثُ عن شخص معه مخدرات، هل معك شيء منها.
– قلتُ: لا أبداً.
ما إن أدار ظهرة راجعاً باتجاه أول الباص، حتى ظهر أمامي طيف الرئيس واقفاً بقامته الفارعة، الغضب يتطاير شرراً من عينيه، توقف نبضي، تجمّد الدم في عروقي، كِدْتُ أصيح هاتفاً: بالروح بالدم نفديك يا حافظ. بادرني بقوله: ما الذي فَعَلْتَه يا ولد؟. استفقتُ من ذهولي على صوت المعاون، منبهاً إلى أنّ الحافلة وصلت إلى نهاية الخط.  

عمّان \ الأردن
4 \12 \2015


تأملات قرآنية