الأحد، 20 أكتوبر 2019

إعادة التحقيق


أقصوصة: -
- "تتشابه المآذن والأشجار العالية.. يا إلهي..!! يستحيل تحديد المكان الذي نحن فيه الآن".
سيّارة (الزّيل) العسكريّة تعبر شوارع العاصمة دمشق بصندوقها الحديديّ المُصفّح. أصوات الزّوامير وصرير الدّواليب لا تتوقّف حتّى عند الإشارات الضوئيّة الثلاث التي مررنا بها.
عيناي مُتعلّقتان بكُوّة تتصالب عليها قطع الحديد التي تزيد قليلًا عن مساحة كفّي؛ أتاحت لي وزميليّ الاستمتاع بالغيوم وزُرقة السّماء، وأحيانًا ألسنة من أشعّة الشّمس صافحت وجوهنا النُّحاسيّة؛ حينما يتوافق طريق تدمر الصّحراوي الطّويل مع اتّجاهها. ذهب عنّا الإرهاق والتّعب وحَزّة القيد في معاصمنا والتّفكير بمصيرنا المُنتظر.
انمحى اللّون الأزرق من ذاكرتي تمامًا مُفسحًا المجال للأسود والرماديّ وأحمر أجسادنا المجلودة بالكبل الرّباعيّ و الصّدم الكهربائيّ.
صبيحة اليوم نادى السجّان على رقمي، لكزني زملائي مُذكّرين لي؛ فنهايتي حتمًا في نسيانه.
ساقني إلى مكتب قلم السّجن الملاصق لمكتب معاون المدير. المُساعد أمسك بكفّي وطبع إبهامي على سطح (الإسطمبة). بصّمَني على أوراق ثلاث بجانب اسمي الحقيقيّ.
أخبرني:
- "أنتَ مطلوب إلى التحقيق".
- "أين يا سيدي؟".
- "لا أعرف إلى أين.. وليكن إلى جهنّم ما المشكلة؟ خذه يا عسكري وانطلق".
هديرُ (الزّيل) على مدار ساعات لم يتوقّف إلّا لمدّة نصف تقريبًا في الاستراحة.
أصوات المسافرين وضحكاتهم. نبرةٌ نسائيّة أخلّت بتوازني الداخليّ. أخذتني إلى سنوات خلَت. صورٌِ ومواقف هطلت من سماء ذاكرتي صدّعت جُدران الحزن السوداء في قلبي.
أُطفِئ هدير المُحرّك، اصطفاق الباب بجانب السّائق. صوت خُطوات رئيس الدّوريّة يقرع سمعي. كلامٌ مختلط فهمتُ بعضه. أيقنتُ وصولنا إلى الفرع الذي طلبنا.
الكُوّة الصغيرة أظهرت جُزءًا من بناء عالٍ.. تذكّرتُ.. تمامًا: "إنّه إدارة السجلّات العسكريّة.. إذن النهاية فرع فلسطين.. وصدق المُساعد بكلمته: إلى جهنّم".

(كتاب - بتوقيت بُصرى /الروائي محمد فتحي المقداد)

الجمعة، 11 أكتوبر 2019

الثنائيات في رواية (وقُتِلتُ مرّتين) للروائيّة سماهر السيايده

التقابلات والثنائيّات
في رواية (وقُتِلتُ مرّتين) للروائيّة (سماهر السّيايدة)

بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

(وقُتِلتُ مرّتيْن) عنوان صادم بدلالته المنطوية على الألم والخوف وضياع الأحلام وانسداد الأفق أمام انطلاقها إلى عوالم رحبة تتّسع للمزيد.
بينما الحروب والصراعات أقوى بجبروت قوّتها من الأفراد وبعض المجموعات البشريّة، ليس لها إلا حكم واحد غالب ومغلوب، فشروط وقوانين الغالب يرفضها بلا قيود من قانون أو أخلاق أو دين.
وعنوان الرواية جاء عتبة صالحة للعمل من الروائية (سماهر السيايدة)، تجاوزت بروايتها خارج حدود المملكة لتُسلّط الضوء على مُخرجات الحرب القذرة في إقليم مُلتهب كل ما فيه، وآثارها المُدمّرة لكلّ مُقوّمات الحياة بدقائق تفاصيلها؛ فالتهجير نتيجة طبيعيّة محتومة، والمآلات التي ستؤول حال المُهجّرين من ذُلّ التشريد والقهر وتعرّض بعض النساء للاغتصاب.
***
شخصيات الرواية:
- الطبيبة النفسيّة (شمس) وزوجها الأستاذ في الجامعة اللبنانيّة (جورج).
- الخادمة السّنغاليّة (منيو سكليت).
- ياسمين البنت اللاجئة السوريّة القادمة من مدينة حلب.
- البنت (روز) القادمة من مدينة غزّة في فلسطين.
- الطبيب المصري (سيف).
- الطفلة (أمل) ابنة ياسمين، وهي نتاج حادثة اغتصاب.
***
ابتدأت الرواية بافتتاحيّتها استهلالًا بأغنية (الأماكن) للمطرب (محمد عبده). هي الأماكن نسكنها وتسكننا، وترتحل فينا إذا ارتحلنا، فتلتهب الأشواق و تجرّنا مُرغمين بحبال الحنين، فتكون على الأقلّ أجمل بقاع الدنيا بما تحمل من ذكريات وأحلام وآمال زرعناها هناك، وربّما لا تعني للآخرين شيئًا.
وجاء فضاء الرواية المكاني يحمل دلالات الإنسانية وهمومها والحرب والدمار والدموع والآهات والأحزان.
***
التقابلات الثنائيّات:

جاءت واضحة المعالم في رواية (وقتلت مرتين) تمامًا بتكامليّة سردية تجلّت فيها الكاتبة ونسجت الحدث الروائي على حبالها.
١- الوطن والمنفى، التهجير القتل، الدمار والتشريد، القوي والضعيف.
٢- البيت في الوطن والخيمة في المخيّم في بلد اللجوء.
٣- دفتر ياسمين الذي سلّمته لصديقتها (روز) كأمانة، وكان عبارة عن قصة الرواية بأكملها، حيث كانت الراوية الخفية (روز) عن لسان ياسمين عن لسان الكاتبة سماهر .
ودفتر (سيف) الطبيب كتب فيه مذكّرات حكاها، واعترف بها لياسمين زوجته.
بعدما دخلت ابنتها(أمل) وعبثت بمحتويات الدفتر.  ومنذ زواجهما كان قد حظر عليها دخول غرفته بتاتًا.
٤- ياسمين مهجّرة قسرًا وصديقتها (روز) أيضًا مُهجّرة مثلها قسرًا، بينما الخادمة (منيو سكليت) مهاجرة بإرادتها بقصد اكتساب العيش. ثلاثتهن لهن وطن في مقيم في الذاكرة.
٥- ياسمين تتشابه مع سيف، كلاهما حمل مأساة، وكلاهما بعيد عن وطنه، ولم الخيار خيارهما حتى في زواجهما الذي تمّ نظريّا ولم يكن عمليًًا أبدًا.
٦- الجامعة كانت الإطار الذي لملم جزءًا من الحدث الروائي، بمقابل المشفى الذي أسجلت الستارة فيه على النهاية التراجيديّة للرواية.
٧- أسرة ياسمين التي مات أفرادها بسبب الحرب. وأسرة الطبيب سيف التي بقي أفرادها على قيد الحياة، وممارسة الانحراف الأخلاقي بسبب الفقر. الحرب والفقر أيقونتا الدمار.
٨- تشاركية المآسي، فلكل إنسان مأساته المفصّلة حجم صاحبها.
٩- وقتلت مرّتين. دلالة العنوان لبطلة الرواية ياسمين. مرّة حينما اغتُصِبت. وأخرى حينما أحبّت. فكان الموت مزدوجًا. أحياء بلا قبور.
١٠- أسرة الطبية النفسية (شمس) وزوجها الأستاذ الجامعي (جورج)، هي الوعاء الذي استوعب أبطال الرواية، وكوّن لهم أسرة بديلة مليئة بالحنان والعطاء بلا مقابل. وبالتالي كانت المحور المُحرّك المُشوّق للحدث الروائي.

عمّان- الأردن
٣١ /٨ / 2019‪

مقدمة كتابي (بتوقيت بُصرى)

مقدمة كتابي (بتوقيت بصرى)

اضبطوا بوصلتكم وعقارب ساعاتكم وتقويمكم ومواعيدكم ومشاعركم على توقيتها.. فأنتم في بصرى..!!
أليس غريبًا هذا الطلب..!!؟
ربّما يعيش أي فرد منّا مئة عام، ولا يتعرّض لمثل ذلك.
لماذا بُصرى..؟
هي صخب التّاريخ وعبق الحضارة. حملت اسم أمّها الشّام إكرامًا وحُبّا.
لا غرابة إذا علمنا أنّ كلمة (بصرى) الحصن القويّ المنيع.
أزعمُ أنّ جدّي لأمّي بنى مضافتَه الشّهيرة في المكان الذي وطِئته القدم الشريفة للنبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسّلم.
ذات أمسية زعم صديقي الشّاعر (عبدالرحيم جداية): "أنّ الملك الحارث فرح لمولدي" .
فيها قبر أبي وأمّي، وأجدادي وآبائهم منذ فجر التّاريخ، شواهد قبورهم مكتوبة، كما [كتب العرب الأنباط شاهدًا لقبر ملك من ملوك اللّخميّين يُسمّى امرؤ القيس بن عمرو، وأرّخ بشهر (كسلول) من سنة ٢٢٣م بتقويم بصرى، وهو يوافق شهر كانون الأول (ديسمبر) من سنة ٣٢٨م.وبصرى بحوران في الشام عاصمة الأنباط الشمالية]*.
فالتّقْوِيمُ ‏‏: حساب الزمن بالسنين والشهور والأيّام، حسب التَّقْويمُ الهِجْرِيُّ والميلادي.
و تَوْقِيتُ العَمَلِ وضَبْطُهُ حَسَبَ أوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ.
بُصرى الشام أو بتسميتها العثمانيّة (بصرى أسكي شام) وهي مرتفعة مقارنة بمحيطها، فأضيفت لها كلمة (أسكي)التركيّة لتمييزها. ومنذ فجر التاريخ قائمة جغرافيًّا ومأهولة مثلها مثل مدينة جرينتش الإنجليزيّة لها توقيتها، فتَوْقِيتُ غِرِينِتْش (الإستعماري): تَوْقِيتُ خَطِّ الزَّوَالِ (الظَّهِيرَة)، وَهُوَ خَطٌّ أصْلِيٌّ عَالَمِيٌّ يَمُرُّ فِي مُسْتَوى قَرْيَةِ غرِينتْش  الإنْجلِيزِيَّةِ.
لهذه الأسباب وغيرها جاءت فكرة عنوان الكتاب (بتوقيت بُصرى)، كلّ ما قيل في كفّة، وذكريات طفولتي في الأخرى، وأعتقدُ جازمًا أنّها راجحة على ما تقدّم.
وَهجُ العنوان الرئيسيّ أثناني عن اتّخاذ عناوين فرعيّة لكل أقصوصة في الكتاب؛ فجميعها مُكتسية خوفًا وذُلًّا.. دموعًا وحزنًا..  يأسًا وقهرًا.. ظلامًا وسِجنًا.. رقيب وعتيد يُحصي الأنفاس ويعُدّها.
فحجارتها كالبشر تروى الكثير من الأساطير وتداعب خيال الزائر ومشاعره.
ثمَّ التَقَيْنا فَلَا وَالله مَا سَمِعَت ...
أُذنى بأحْسن مِمَّا قد رأى بَصَرِي.
(من)* صَفَائِح بصرى (حين)* أخلصتها قُيُونُها*.
الروائي/ محمد فتحي المقداد
________
_*المصدر من كتاب (الشعر الجاهلي للدكتور شوفي ضيف ص٣٥)
-*ما بين القوسين كلمة (من - حين) إضافة مني لبيت الشعر ليتوافق سرديّا مع محيطه.
-* صفائح: سيوف - قيون جمع قِنْ وهو العبد المملوك.

خاطرة للصباح (أسماء العائلات والمهن)

خاطرة الصباح:

تذكرت أننا أحيانا كنا نستخدم كلمة (خاشوقة..)، وهي ملعقة الطعام كانت دارجة عند الفلاحين في حوران.. وهي كلمة تركية.. وخاشقجي سيكون له علاقة بهذا المعنى، إما صانعا او بائعا.. وهو ما درجت عادات المدن من اطلاق اسم المهنة على الصانع لها، او المتاجر بها، ومع الأيام يصبح اسم عائلته.
(الحبّال، السّيوفي، السّروجي، حلونجي، السمّاك، ملبنجي، قزاز، رزّاز، المنجّد، الدّومري، الشراباتي، الملّاح، المالح، الشربتجي، السلّاخ، السقّا، الناطور، الصابوني، القاطرجي، القطرنجي، العبه جي، البقججي، بقجاتي، البصمجي، البوسطجي، المحملجي، الصباغ، الصوّاف، دبس وزيت، الحجّار، الخطيب، الشّرع، الطباع، السنجقدار، علمدار، دفتردار، دويدار، الدلّال، البوّاب القهوجي، الحدّاد، الخدام، القصّار، الحداد، النجّار، الحفّار، الطنبرجي، السكّري، معماري، السّاعاتي، شيخ الارض، الفرّا، الأخرس، الأطرش، الأعرج، البندقجي، التوتنجي،..إلخ)

أسامينا.. شو تعبو أهالينا (مقالة ملفقة ٢/٢٢)

أسامينا.. شو تعبو أهالينا

مقالة ملفقة (٢/٢٢)
بقلم محمد فتحي المقداد

الاسم دليلٌ وعنوانٌ، ولا شخص بلا اسم أبدًا مهما كان الاسم، يلصق بصاحبه منذ ولادته أو في ذهن والديْه منذ زواجهما. ولا يثبتُ الاسم رسميًّا لصاحبه إلّا بشاهديْن للحصول على وثيقة ولادة؛ ليكون في تعداد السكّان وإعطائه رقمًا وطنيًّا يرافقه مدى حياته في جميع وثائقه حتّى وثيقة وفاته ومعاملات الإرث بعد مماته.
وفيما بعد الهويّة وجواز السّفر هي التي توثّق الاسم، وبغيرها سيبقى صاحبه مجهولًا لأنها المُعرّف المعتمد ولا تعدو غير قطعقة كرتونية وحديثًا بلاستيكيّة ممهورة بالخاتم الرسميّ الذي يُكسبها الحقيقة الموثوقة لدى دوائر الدّولة على مختلف مساراتها.
لعلّي مثل الكثيرين غيري، أستمع لأغنية فيروز (أسامينا..) تسحبني موسيقاها الرقيقة إلى عوالم فسيحة من ارتياح النفس وذكريات ربما أجهلها، إلا اسمي منها. بتدقيقي في المقطع الأوّل انفتحت آفاق فلسفية أبدعها الشاعر اللّبنانيّ (جوزف حرب):  "اسامينا .. شو تعبو أهالينا تلاقوها .. و شو افتكرو فينا الأسامي كلام .. شو خص الكلام .. عينينا هِنّي أسامينا).
بالرّجوع إلى المعجم اللغويّ نجد:" كلمة اسم، والجمع : أسماء ، أساميُّ و أسامٍ، وهو
ما يُعْرف به الشيءُ ويُستدلُّ به عليه. وعند النُّحاة: ما دلّ على معنًى في نفسه غير مقترن بزمن".
والاسم الأوّل لا يُعتبر دليلًا تعريفيًّا كافيًا على صاحبه، فلا بدّ من اقترانه باسم الوالد والنسبة(اسم العائلة أو العشيرة أو القبيلة). من خلال البحث والتقصّي هناك من يحمل نسبةً عائدة إلى مهنة مُتوارثة أبًا عن جدّ، وصار منسوبًا إلى مهنته المُستبدلة باسم العائلة الأساسيّ، هذا ما نلاحظه عند سكّان المُدن على الأخصّ.
وأبناء القبائل والعشائر القادمة من الجزيرة العرب عصر الفتوحات كانوا يأنفون المهن. وفي بعض البلاد كاليمن مثلًا ينظرون بدنيّة إلى المِهنيّ، حتى أن التصاهر والتزاوج غير مسموح به إلا كلّ من طبقته، فالحلّاق لا يتزوّج إلا ابنة حلّاق، وهكذا ينسحب الأمر على باقي المهن. وللمُتتبّع أنّ العرب لم يمتهنوا الحِرَف المختلفة، كما ورد (خمّار روميّ)، (صانع سيوف يهوديّ)، (طبيب نصرانيّ).
عاد الموضوع إلى ذهني عندما اغتيل الصحفيّ السعوديّ (جمال خاشقجي) قبل سنة في تركيا، فتوقّفت عند نسبته (خاشقجي)؛ فتذكرت أنّنا أحيانا كنّا نستخدم كلمة (خاشوقة..)، وهي ملعقة الطعام كانت دارجة عند الفلاحين في حوران.. وهي كلمة تركية.. وخاشقجي سيكون له علاقة بهذا المعنى، إمّا صانعا أو بائعا.
وهو ما درجت عادات المدن من إطلاق اسم المهنة على الصانع لها، أو المُتاجِر بها، ومع الأيّام صار اسم لعائلته وضاع نسبه الأصلي بمرور الزّمن.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، أورد بعضًا منها: (الحبّال، السّيوفي، السّروجي، حلونجي، السمّاك، ملبنجي، قزاز، رزّاز، المُنجّد، الشراباتي، الملّاح، الحدّاد، النجّار، خدّام، البوّاب).
وهناك ألقاب ورُتب اجتماعية صارت أسماء لعائلات (الآغا - الوزير - الباشا)، وللرّتبة الدينيّة ومن امتهنها امتداد اجتماعي لتصبح نسبة لأشخاص ( الشيخ - الخوري - مطران أو المطارنة - الشّرع - الخطيب - الرّفاعي - الشاذلي - السنوسي - الحريري).
وللجغرافيا وهجها لتفرض شروطها الاجتماعيّة لتصبح نسبة لمجموعة أشخاص غير مترابطين أصلًا في بلادهم بِصِلات دمٍٍ أو قرابة، وكلّ من ارتحل من بلده أطلقوا عليهم اسم المكان القادم منه (المصري - السوداني - المغربي - الشامي)، فالأماكن مرتحلة فينا،  نغادرناها ولا تغادرنا.
وأنا لن أغادر أرض حوران مع نشاط ذاكرتي، لاستعادة أسماء علماء ولدوا فيها، وانتسبوا لمناطقها، منهم:
أ - (ابن كثير البصروي) العالم والمحدّث والمُفسّر فهو منسوب لمدينة بُصرى الشام في حوران. ويعتبر كتابه الأشهر على الإطلاق (تفسير القرآن العظيم) وكتاب (البداية والنهاية) في التاريخ.
ب - ابن القيّم الجوزيّة الزّرعي أو (الأزرعي) نسبة لمدينة إزرع في محافظة درعا الريف الأوسط، وهز فقيه ومُحدّث ومُفسّر وعالم مُجتهد، أهمّ مؤلّفاته (زاد المعاد في هدي خير العباد) و (الرّوح).
ج - الإمام النّووي، نسبة إلى مدينة نوى في محافظة درعا الريف الغربي، التي ولد فيها سنة ( 1233‪— 1277‪م) وهو (أبو زكريا يحيى بن شرف النووي) مُحدّث وفقيه ولغوي، أشهر تصانيفه كتاب (رياض الصّالحين) و(الأربعين النوويّة).
قيل: "أنّ لكلّ إنسان من اسمه نصيب"، ربّما يكون الاسم (همّام) وصاحبه كسول خائر القوى، وبعض تأتي على أصحابها بالمصائب والإنحراف، وأذكر من أسمى ابنه (جُعَل) صرصور الصحراء الذي يبحث عن مخلّفات الإنسان والحيوان ليصنع منها كُرة يدحلها ويدفعها على الرّمال.
عموم العرب تتفاخر بانتحال أسماء أبنائهم، مُتّخذين منها سببّا من أسباب القوّة لبثّ الرّعب في قلوب أعدائهم (صقر - نمر - أسد - صخر - حرب - شاهين). والاسم عنوان صاحبه مهما علا أو دنا. فمن يمُت يبقى اسمه حيًّا لا يَمُت، منهم من يستجلب الرّحمات أو اللّعنات، ولو بعد قرون من موتهم.

عمّان - الأردن
١٠ / ١٠ / ٢٠١٩

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2019

الليل يا ليلى (مقالة ملفقة ٢/٢١)

الليل.. يا ليلى


مقالات ملفّقة (٢/٢١)
بقلم - محمد فتحي المقداد

(الليل يا ليلى يُعاتبني // ويقول لي سلّم على ليلى
الحبّ لا تحلو نسائمه // إلّا إذا غنّى الهوى ليلى). المعروف أن هذه الرائعة غنّاها الفنان (وديع الصّافي) مجهول اسم شاعرها.
فاللّيل صِنْو النهار وشقيقه التوأم، حضور أحدهما يستدعي غياب الآخر بالضرورة. ألفة معطيات الحياة أذهبتِ الدهشة المفترضة فينا؛ لم يعُد الأمر سوى تغييب نهار واستقبال ليل أو العكس.
شيءٌ خفيٌّ أيقظ دواخلي لأهمية الموضوع، ليكون دُرّة عِقْدِ مُلفّقاتي، فاللّيل ما يعقب النّهار ابتداء من غروب الشمس وحُلول الظلام إلى طُلوعها، أمّا شرعًا فيكون من مغربها إلى طلوع الفجر.
وتقول العرب: (رأريتُ الليلة في منامي مُذْ غُدوة إلى زوال الشّمس. فإذا زالت، قالوا: رأيت البارحة). معنى ذلك: إلى عند انتصاف النهار عند الظهير وهي وقت الزّوال، تقول: فعلتُ اللّيلة، وإذا ما مالت الشّمس في مسيرها، قلتَ: فعلتُ البارحة، أي في الليلة التي قد مضت.
وهو جزء مهمٌّ  من اليوم الواحد المرتبط الحدوث بحركة ودورَان الأرض حول نفسها دورة واحدة كل أربع وعشرين ساعة.
ولأهميّته أقسم الله به في القرآن الكريم (والفجر وليال عشر)، وأنزل فيه سورة (اللّيل). وليلة القدر خير من ألف شهر بفضلها على باقي ليالي شهر رمضان وليالي السّنة كلّها.
فالليل ربيع العاشقين والسّاهرين، والعُبّاد والنُسّاك. ترتفع الأيدي فيها لبارئها راجية غفرانه بدموع تغسل صدأ الخطاياوالرّاسب في ثنايا نفوسهم، وعلى الجانب أيادٍ ترفع كؤوسها في القصف والرّقص.
يُقال: (اللّيل ستّار العُيوب)، وأبناء اللّيل تعبير عن اللّصوص الذين يغيب الوضوح من  حياتهم؛ فيحلو لهم الظهور في عتمات اللّيالي يتآمرون. يسرقون. يعتقلون. يقتلون. وغير ذلك مما لا يستطيعون فعله في وضح النّهار. حالهم لا يعدو حال (خفافيش الظلام).
و آناء اللّيل: ساعاته. وابن اللّيل: اللّص. وابن اللّيالي: القمر. وبسط اللّيل رداءه: نزل. وعمّ. وبنات اللّيل: الهموم و الوساوس، وطائفة من البغايا (نساء اللّيل). وصدر اللّيل: أوّله.
والظلام والعتمة سمة اللّيل الظاهرة، و أطول ليلة في الشتاء يكون (ليل التمام)، وعندما اللّيل شديد السّواد لا ضوء فيه إلى الصباح فهو (ليلٌ بهيم) أو (ليلة ليلاء) وهي الليلة الثلاثون من الشهر أي آخره، وإذا نشر اللّيل أجنحته فقد (أقبل و حلّ). والليلة الدعجاء وصف لليلة ثمان وعشرين من كل شهر قمري، والدهماء هي التاسعة والعشرون من الشهر القمريّ.
وبعد استخدام كلمة اللّيل زمنيًّا. نتحوّل إلى دلالتها على الاسم. ومن ذلك طائر (الحُبارى) أو فرخها، وفرخ الكروان. وأمّ ليل (الخمر السوداء). وأمّ ليلى (الخمر). واسم ليلى تولّد من نشوتها وبدءُ سُكرها. أو من ليلة ليلاء وليلى: إذا كانت شديدة صعبة، وقيل: هي أشدّ ليالي الشهر ظلمة، وبه سُمّيت المرأة (ليلى). والأقوى في ذلك أن اسم ليلى جاء من معنى الخمرة السّوداء وهو سواد اللّيل. والنّشوة ابتداء السّكر. على العموم فاسم ليلى من أسماء الخمرة.
في هذا الصّدد، جاء قول الفرزدق:
( الشيبُ ينهضُ في الشّباب // كأنّه ليلٌ يُصبح بجانبيْه نهار).
و أشهر نساء العرب (ليلى الأخيليّة) شاعرة عربيّة فصيحة ذكيّة جميلة، و(ليلى العامريّة) معشوقة (قيس بن المُلوّح)، وهي من سُكّان نجد، وضُرِب بها المثل في الحب العُذريّ والغزل العفيف، وقد زوّجها أهلها رجلًا ميسور الحال اسمه (ورد)؛ ليستبدّ العشق بمحبوبها. و(ليلى بنت الخطيم) أوّل امرأة بايعها النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة. وهناك خمس وعشرون امرأة صحابيّة اسمهنّ ليلى.
واسم ليلى كذلك معروف في اللغات الأخرى قريبًا من هذا اللّفظ.
والمخيال الشعبي توسّع انطلاقًا بأدبيّات ارتبطت باللّيل، وهناك مما يحتاج لموسوعات تؤرّخ لما قيل في تجمّعات ومجتمعات بدائية رعويّة ومتنقلة، و مُستقرّة حضريّة مدينيّة من غناء و شعر وحكايات وأساطير مرتبطة باللّيل وظُلمته.
والحارس اللّيليّ من يقوم بالحراسة ليلًا، والمدرسة اللّيلية إذا كانت فترة دراستها في المساء. وملهى ليليّ نادٍ يُقدّم الطعام والتسلية والموسيقى والرّقص حتّى أوقات متأخّرة من اللّيل. وكلمة (حيّ) للكائن الحيّ الذي ينشط ليلًا. أو للوظيفة التي يؤدّيها الكائن الحيّ في أثناء اللّيل. ومن أصيب (بالعُشى اللّيليّ) أي العمى الليليّ. وهو ضعف الحساسيّة البصريّة في الإضاءة القليلة، وذلك لنقص التكيّف مع الظلام أو فقدانه. و(التحوّل اللّيليّ) هو تحوّل بعض أجزاء النباتات عن أوضاعها عند حُلول اللّيل مثل (عبّاد الشمس - دوّار الشمس - ميّال الشّمس).
وقد أبدع الشاعر (ممدوح عدوان) في مسرحيّته الشعريّة (ليل العبيد) عندما ركّز على قيمة حريّة الإنسان وحقوقه أمام جبروت الدكتاتوريات العاتية.
و قصّة (ليلى والذئب) تكاد أن تكون من الأدب العالميّ المتداول في تراث معظم شعوب الأرض. ونتوقف أمام مجموعة أعمال روائيّة جاءت عناوينها على سبيل المثل لا الحصر منها رواية (ليلة لا تنتهي/آجاتا كريستي)، و(ليلة في جهنم/ حسن الجندي)، و(ليلة مع العدوّ/ بيني جوردان)، و(ليلة في النّار/ إريك إيمانويل شميت)
وعلى الدّوم فإن كلام اللّيل يمحوه كلام النهار، أو أن كلام اللّيل معسول أو مدهون بالزبدة على خلاف كلام النّهار. وليل الظلم طويل. وتكنيات اللّيل الطويل للظلم وأهله. أتمنّى أن لا يطول ليل أمّتنا في الهوان.

عمّان - الأردن
٧/ ١٠/ ٢٠١٩

الأربعاء، 2 أكتوبر 2019

ورقو الاصفر شهر أيلول (مقالات ملفقة ٢٠/٢)

ورق الأصفر شهر أيلول
مقالات ملفقة (٢/٢٠)

بقلم/ محمد فتحي المقداد


منذ صغري اقترن في ذهني، أنّ بداية كلّ عام دراسيٍّ، تأتي متزامنة مع بداية الخريف، ترسّخ ذلك في مخيّلتي. من دروس القراءة في الصفوف الابتدائيّة الأولى، الصُّور الملوّنة التي تصوّر الأشجار وهي تتعرّى، بتساقط أوراقها الصفراء. كما تظهر البهجة والابتسامة مُرتسمة على وجوه التّلاميذ أثناء ذهابهم، ولقاء أصدقائهم من جديد، وهم يصطّفون لتحيّة العلم. ومدير المدرسة يحيّيهم، وهو يستقبلهم ببشاشة في أوّل يوم من افتتاح المدرسة لأبوابها، واستقبال الطلّاب.

هذه حكاية الصّور البهيجة، المختلفة تمامًا عن واقع المدير الصّارم بملامح وجهه الحادّة. منظره من بعيدٍ كان يُثير الرّعب في قلوب التّلاميذ، خاصّة عندما يخرج لحضور الطّابور الصباحيّ، ومعاقبة المتأخّرين بالعصا الغليظة تنزل على أيديهم بقوّة، ولا تأخذه بهم رأفة أبدًا أو يرفّ له جفنٌ، والتفتيش الأسبوعيّ على الشعر الطويل، والنظافة عامّة، والأظافر الطويلة، وكلّها مخالفات تستوجب العقوبة الصباحيّة، وأحيانًا الطّرد من أجل حلاقة الشّعر.

جاء العنوان (الورق الأصفر) برمزيّته الدّالة إلى فصل الخريف. اسم الخريف يأتي على وجهين زماني ومكاني، وهو أحد فصول السّنة الأربعة، يلي الصيف ويسبق الشتاء، ويبدأ فلكيًّا في منتصف الكرة الشّمالي من (22-23 أيلول)، وينتهي في ( 22-23 كانون أوّل).
وإذا حلّ تناثرت أوراق الأشجار في كلّ مكان، وهو أوّل ما يبدأ من المطر في أوّل الشتاء، ويقال في ذلك: (أيلول ذيله مَبلُول)، وعندما تهطل الأمطار في هذا الشّهر، يستبشر الفلّاحون خيرًا، فإذا كان المطر مُبكّرًا. يقول عنه أهل حوران: (المطر هِرْفي).

وسُمِّي الخريف خريفًا، لأن الثّمار تُخرَفُ فيه أي تُجنى، وقال أبو حنيفة: (ليس الخريف في الأصل باسم الفّصل، وإنّما اسم مطر القيظ، ثمّ سُمِّي الزّمن به). ومما جاء في الدلالة الزمنيّة على ما ذهبتُ إليه من معنى كلمة الخريف، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرّجلُ ليتكلّم بالكلمة، وما يرى بها بأسًا، يهوي بها في سبعين خريفًا في النّار) حديث شريف. وأيضًا: (من صامَ يومًا في سبيل الله، باعدَهُ الله من النّار أربعين خريفًا أو سبعين) حديث شريف.

والدلالة المكانيّة للخريف، والقوم إذا أخرفوا أقاموا بالمكان ويسمى خريفهم، والمخْرَف موضع إقامتهم ذلك الزّمن، وحديث عمر رضي الله عنه: (إذا رأيت قومًا خَرَفُوا في حائطِهم)، أي أقاموا منه وقت اختراف الثّمار، وهو الخريف والمخرف وهو البستان، وقال أبو طلحة: (إنّ لي مَخْرَفًا، وإنّي قد جعلتُه صدقة)، والمخرف أي بُستانًا من النّخل. وفي حديث أبي قتادة: (فابْتَعتُ به مَخرفًا)، أي حائطًا يُخرَفُ منه الرّطب. وكذلك ورد في حديث شريف: (عائد المريض له خريفٌ في الجنّة)، أي مخروف من ثمرها، والمَخْرَفَة البُستان.
سمعتُ أهل الكرك في جنوب الأردن وأنا أعيش معهم من سنوات، يقولون: (تعالوا نتخرّف)، أي نتحدّث بحديث اللّهو والنكتة، وحديث خُرافة أي المُستَمْلح من الكذب، وقد يكون كلامًا وهميًّا وغير منطقيّ، يُنكره العقل السّليم.

وقد ورد أنّ رجلًا من (بني عُذرَة) أو من (جُهينة)، اسمه (خُرافة). يُقال: (أنّ الجّن اختطفته، ثمّ رجع إلى قومه؛ فكان يُحدّث بأحاديث مما رأى، يُعجَب النّاس بها، فكذّبوه). فجرى على ألسنة النّاس ما يُعبّر عن الحديث: (خرافة، وخُرافيّ، وخُرافات، عندما لا يكون معقولًا). وفي حديث عائشة رضي الله عنها. قال حدّثيني. قالت: (ما أحدّثكَ حديث خُرافة)، أي الخُرافات الموضوعة من أحاديث اللّيل، وقد جرى هذا المعنى، على كلّ ما يُكذّونه من الأحاديث، وعلى كلّ ما يُستملح، ويُتَعجَّب منه.

ومن خرّفَ، كان كلامه كلّه تخريف وتخريفات وتخاريف، واعتقادات فاسدة؛ كتخاريف النّائم السّكران، وإذا خَرِفَ الرّجل يكون قد فسد عقله من الكِبر، فهو يخرُفُ خرفًا.
ومن التخريفات التي صارت بمثابة العالميّة، التخريفات الصهيونيّة بشأن هيكل سليمان، وادعاءاتهم الكاذبة بأنه مكان المسجد الأقصى.

كذلك الأرض المخروفة عندما يصيبها المطر في الخريف، ومربوعة إذا أصابها مطر الرّبيع، ومصيفة إذا أصابها الصّيف. ورد في الشّعر:
(إذا كان يُؤذيك حرُّ المَصيف ... وكربُ الخريف، وبردُ الشِّتَا).

والخروف هو ولد الحَمَل، والجمع أخرفة وخِرفان، والأنثى خروفة. واشتقاق الكلمة أنّه يُخرَف من هنا وهناك أي يرتع. وفي حديث المسيح عليه السّلام: (إنّما أبعثُكُم كالكباش، تلتقطون خِرفان بني إسرائيل). المراد بالكباش، العلماء الكبار، وبالخرفان الصّغار الجُهّال. والخروف أيضًا ولد الفرس، إذا بلغ ستّة أو سبعة أشهر، وهو ما ينتج في الخريف.

وجاء كتاب (خريف الغضب) للأستاذ (محمد حسنيْن هيكل)؛ ليكون وثيقة سياسية شاهدة على بداية، ونهاية عصر الرئيس المصري السّابق (محمد أنور السّادات)، وقصّة اغتياله الشهيرة على منصّة الشّرف 1981م، أثناء استعراض عسكريّ، بمناسبة حرب اكتوبر.

وكتب الروائي المصري (محمود ماهر)، روايته الأندلسيّة (خريف شجرة الرّمان) الشّهيرة، التي يتحدّث فيها عن أحداث ومعارك، وخيانات مرّت أيّام سقوط غرناطة. ومن الأدب العالمي نأتي على ذكر رواية(خريف البطريك) للروائي الحائز على جائزة نوبل (جابريل جارسيا ماركيز). وفيه تجسيد لروح الإدانة لنمط من الحُكّام الذين يُشبهون الجنرال المُستبدّ.

ومن يطالع سيرة (جاسم الخرافي) الكويتيّ الجنسيّة، يرى فيها رجل الدّولة والسياسي بحضوره القوي في ميادين وزارة المالية والاقتصاد (1985 – 1986)، ومن ثم رئيسًا لمجلس الأمّة الكويتي (1999- 2011)، وعودته بعد صدور قرار المحكمة الدستوريّة 2012م.

أتمنى من الله إذا كتب لي الحياة ولكم، أن لا ندخل خريف أعمارنا، إلّا وأن نكون في كامل صحتنا التي هي أجمل مُتع الدنيا على الإطلاق، وأن يحفظ علينا عقولنا بلا خَرَفٍ يُقلّل من هيبتنا، وأن لا نكون أداة في أيدي أعدائنا من ترويج للخرافات، والأضاليل الضارّة بمجتمعاتنا وأوطاننا. ومنذ بداية دخولنا شهر أيلول، ولا تزال أغنية فيروز تلحّ على ذاكرتي التي تَنْشط في فصل الخريف من كلّ عام: (ورقو الأصفر شهر أيلول، تحت الشّبايبك، ذكّرني، و ورقو دهب مشغول، ذكّرني فيك..إلخ).

عمّان – الأردن
17 \ 9 \ 2018

تأملات قرآنية