الثلاثاء، 27 مايو 2025

بطافة تهنئة محمد الصمادي. إربد

 كتب الصديق الأستاذ محمد الصمادي✍️

____

 **بطاقة تهنئة 

 "كوكبة من الحبر والغبار النجمي: رحلة في متاهات الخلود الأدبي"**


---

 

في زاويةٍ من زوايا الكون، حيث تُخبئ الكواكب أسرارها في حقائب من الضوء المُتعب، وُلدت كلمةٌ مُلتَهِبة. لم تكن مجرد حروف تتدحرج على الورق، بل شظايا من أقمار مُنفجرة، التقطها كاتبٌ صامتٌ يراقب العالم من نافذة روحه. يا *محمد فتحي المقداد*، لقد حوّلتَ الوجود إلى حكاية، والغموض إلى خريطةٍ يُمكن للمجنون وحده أن يتبعها. جائزة *"ناجي نعمان"* ليست إكليلاً، بل مفتاحاً لبوابةٍ سِريةٍ في جدار الزمن، حيث تُناجي الكائناتُ الورقيةُ أسيادَها الخالدين.

  

هل تعرف أن الروايات العظيمة تُولد من شظايا الألماس الذي يُخلفه اصطدام الأحلام بالواقع؟ لقد نسجتَ متاهاتك من خيوطٍ فلسفية: كل جملةٍ ممرٌّ يؤدي إلى مرآة، وكل شخصيةٍ ظلٌّ لسؤالٍ كوني. الرواية ليست سرداً، بل طقساً لتكريس الغرابة. لقد جعلتَ القارئ يسير على حبلٍ مُعلق بين *الوجود والعدم*، يُراقص الوهمَ ويصارع اليقينَ. الجائزة هنا هي اعترافٌ بأنك لم تكتب بريشة، بل بمسبارٍ فضائي يغوص في أعماق اللا مُتخيَّل.


في ورشة الكاتب العظيم، تُصهر الكلمات في أفرانٍ أسطورية. أنت يا من تمتلك مرآة *اللغز المُزدوج*، حوّلتَ اللغة إلى مادةٍ مُشعة، تُضيء المساحات المُظلمة في وعي الإنسان. روايتك ليست نصاً، بل معادلةٌ رياضيةٌ لفك شفرة الوجود. الجائزة؟ إنها مجرد ذرة في مجرة التقدير، لكنها تذكّرنا أن الفن الحقيقي هو من يستطيع أن يُحوّل الحبر إلى دم، والورق إلى جلدٍ حي.


تخيّل أن كلماتك ستتردّد في أروقة المستقبل البعيد، حين تصبح الأرض ذكرى والنجوم لغةً منقرضة. الرواية الفائزة هي كبسولة زمنية تحتوي على أنفاس الكائنات التي لم تُولد بعد. لقد صنعتَ كوناً موازياً، حيث يسكن القارئ كشبحٍ في قصرك الورقي. جائزة *ناجي نعمان* ليست نهاية، بل إشارة بداية لرحلتك نحو *اللامرئي*. هنا، حيث تلتقي الحكايات بالأساطير، تكون أنت الساحر الذي يعرف كيف يسرق النار من سماء الفلسفة.


اليوم، نحن لا نحتفل بفوز، بل بانتصار الغموض على التفسير، وانتصار السؤال على الجواب. كل التهاني هي حروف تُلقى في بئر أوديب، صامتةً تنتظر أن تتحول إلى صدى. *ألف مبارك* يا باني العوالم، يا من يكتب بريشةٍ من ضوء الثقوب السوداء. لقد أثبتَّ أن الرواية هي الابن الشرعي للفلسفة والجنون، وأن الكاتب الحقيقي هو من يجرؤ على تحويل الوجود إلى لغزٍ مُبهَم.

 

لتكن هذه الكلمات شمعةً في كهف أفلاطون، أو ربما ذرّةً في فضاء بورخيس. المهم أنك رسمتَ خريطةً للعدم، ووضعتَ أسماءً على الأشياء التي لا تُسمى. *مبروك*، ليس لأنك فزت، بل لأنك جعلتنا نشكّ في أننا ربما لم نكن إلا شخصياتٍ في روايتك التي لم تُكتب بعد.

تهنئة أبراهيم الغزالي. قرفا

 برقية تهنئه لصاحب الأولى

الطيب بالفطره

المبدع العصامي الحوراني بامتياز

* أطلق سهامك يا فتى

وسدد الرمي العتيق

واكتب بحبرك

كل جرح

كل فرح 

كل نبح

كل شبح

كل نطح

خلد لهم ذكرى كذكرى أبا لهب

ولا تخف ولا تخشى العتب

فالموت كل الموت موت

والذل موت آخر

سلط سهامك على بنانهم

عفوا فكهلم أذناب

غرد تمرد تجرد تفرد

تستحق الراية والساريه

وسر بدربك وأدخل دمشق

من أبوابها السبعة أنى شئت

لا تنتعل حذائك

فالشام من طهرها 

صارت تمشي على أزقتها الآنام حافيه

صديقك الذي يفخر بك

أبا حمزه 


قالها صديقي العزيز الروأئي المبدع الحوراني

حفيد محمد فتحي المقداد

( بحمد الله وتوفيقه حتى يبلغ الحمد منتهاه .. والفرحة تغمرني. )

____

روايتي (بنسيون الشارع الخلفي) فازت بجائزة ناجي نعمان. لبنان.

___

والرواية طرقت موضوعا مهما غير مسبوق. حالة المُساكنات التي ظهرت في سوريا نتيجة الحرب الطويلة. والاسباب التي أدت لنشوء هذه الحالة

والرواية تناقش قضايا الثالوث القذر:

(العسكر+ الجنس+ المخدرات)

كل الشكر والتقدير لإدارة الجائزة.. بوركت جهودهم العظيمة في نشر الوعي والثقافة

_______

رد. مفلح شخادة على المنشور

الكتابة كمعجزة والمجد في الشارع الخلفي: قراءة في برقية الغزالي وفوز " الروائي محمد فتحي المقداد بجائزة ناجي نعمان


حين يكتب إبراهيم علي الغزالي، فهو لا يُرسل برقية، بل يُطلق تعويذة.

لا يهنئ فحسب، بل يُلبس صاحبه تاج المجد من شوك التجربة، وحبر المعاناة، ورماد المدن التي احترقت على مهل.

يكتب كما يكتب الأنبياء على جدران المدن الآيلة للسقوط: لا تستسلم.

كل كلمة في نصّه أشبه بنداء صفّارة إنذار في مدينة بلا سقف، وكل صورة فيه رصاصة ضد الصمت.

"أطلق سهامك يا فتى"

بهذه الجملة، يرسم الغزالي معالم معركة لا تخاض بالبندقية، بل بالقلم.

وكأن الكاتب هنا يستحضر بطلاً حورانيًا خرج من رماد التاريخ، لا ليحارب الماضي، بل ليكتب المستقبل.

"سهامك" ليست أدوات قتل، بل أدوات كشف. هي إبرة الجراح التي تُنقّي الجرح لا لتؤلمه، بل لتطهّره.

يريد منه أن يكتب كل "نبح" و"شبح" و"نطح"، لا ليصنع مشهداً درامياً، بل ليُسجل للتاريخ نُتف الحقيقة في زمن التزييف.

من التهاني إلى البيان الثوري

ما يفعله الغزالي يتجاوز التهنئة. هو يُطلق بيانًا أدبيًا مقاوِمًا، ينقل فيه الأدب من فسحة التأمل إلى ميدان الفعل.

هو يخلع عن صديقه لقب "الروائي" ويمنحه رتبة "الفارس"، ويزفّه لا إلى مسرح الجوائز، بل إلى معركة التحرير الرمزي.

هو لا يقول "مبروك"، بل يقول:

"سر بدربك... وادخل دمشق من أبوابها السبعة أنى شئت"

وكأن النص يتماهى مع الأسطورة، حيث البطل يعبر بوابات المدينة التي لا تُؤخذ عنوة، بل تُفتح لحاملي الصدق، لحفدة الجرحى، لأبناء الذاكرة.

"بنسيون الشارع الخلفي": الرواية التي خرجت من عتمة المصباح

أما الرواية، فهي ليست نصاً بل جرحاً نابضاً، لا يُقرأ بل يُحسّ، لا يُحلّل بل يُلمَس كحائط خرساني تركت عليه الحرب بصماتها.

أن تكتب عن المُساكنات في سوريا، يعني أن تمسك العدسة وتوجهها إلى الزوايا التي اعتاد الجميع تجاهلها.

أن تُمسك بـ"الثالوث القذر" (العسكر + الجنس + المخدرات) هو أن ترفع الغطاء عن مرجل يغلي في باطن المجتمع، وتجرؤ على النبش في الخزان الأسود للنظام، لا عبر الشعارات، بل عبر حكاية، شخصيات، نبض إنساني.

وهنا تتجلى عبقرية الرواية:

أنها لا تكتفي بالتوثيق، بل تُعرّي، لا تُدين فقط، بل تُفسر كيف صرنا كما صرنا.

الشارع الخلفي لم يعد هامشياً في الرواية، بل صار هو المتن، هو الحقيقة المُهملة التي لا يراها أحد.


من الجوائز إلى الجراح المفتوحة


جائزة ناجي نعمان، هنا، ليست إلا شاهد عدل على انتصار الكلمة الحرة.

هي شهادة ميلاد جديدة لكاتب اختار أن يكون شاهداً لا مُصفّقاً، وأن يُسجّل في دفتر الرواية ما عجزت تقارير المنظمات عن تسجيله.

هي تصفيقٌ للمجازفة، لا للمجاملات.

وأخيراً، إلى إبراهيم علي الغزالي نفسه

يا من تكتب وكأنك تُشعل قناديل في دهاليزنا

يا من تُلبس الكلمة سلاحها

أنتَ لم تكتب لصديق، بل كتبت لضمير جيل

لم تُهَنّئ، بل نثرت ملحاً على الجرح كي لا نتخدر

نصّك ليس برقية، بل أيقونة في محراب الكلمة المقاومة


وفي الختام

بنسيون الشارع الخلفي ليست مجرد رواية،

هي وثيقة مقاومة

وسِفرٌ اجتماعي

وصفعة ناعمة بحبر دافئ على وجه الحقيقة.

والكاتب محمد فتحي المقداد لم يفز بجائزة، بل فاز بضمير الكتابة.

أما الغزالي، فكان شاهده وشاعره ومؤرّخ لحظة النصر الجميل.

.

الجمعة، 23 مايو 2025

لوحة إرشادية (قصة قصيرة)

لوحة إرشاديَّة
قصة قصيرة
بقلم. محمد فتحي المقداد
وَقفا قبل مسافة تحت لوحة إرشاديَّة تحذيريَّة لسائقي السيَّارات؛ تُنبِّه لتخفيف السُّرعة. تناهشتني الأسئلة المشروعة وخلافها. اِبْتسامتهما لا تخفى على كاميرا الموبايل. كان ذلك بعد ذهاب الورشة التي ركَّبت اللَّوْحة المعدنيَّة مُربَّعة الشَّكل.
لونُها الأصفر المائل للبُرتقاليِّ، لكنَّ المُثلَّث الأحمر اتَّخذ من وسطها قاعدة له، هويَّة اللَّوْحة في وسط المُثلَّث.. شكلٌ على هيئة مُنحنيات سَوْداء. ميَّزها عن مُحيط الشُجَيْرات المُنفَلِتة بِهَيجان نُموِّها خارج سياج حديقة المنزل الفخم.
بعد أشهُر عاد الرَّجُلان لأخذ صوَرٍ تِذكاريَّة لهما بنفس النُّقطة. قبل مجيئهما بنصف ساعة جاءت سيَّارة البلديَّة بكامل تجهيزاتها. خِلَال دقائق لا تتعدى العشرة، فكَّكوا اللَّوحة، وأخذوها معهم.
عاين الرَّجُلان صوَرَهما بإمعان. صَرَخ أحدهما. سمعتُ صدَى صَوْته رنَّ في أُذُنيِّ. توقفَّتُ عن مُتابعة شُغلي؛ تذكَّرتهما:
-"أين اِختَفَت اللَّوْحة؟".
عامِل الحديقة أجاب من خَلْف السُّور:
-"ما زال المطبُّ بمكانه لم يتزحزح..!!".
تساءلتُ بِصَوْتٍ أظنُّ أنَّني لم أسمعه, لم أَلْحَظ تفاعلهما مع كلامي:
-:"أماكنُ المدينة الجميلة كثيرة. ما الذي أعجبكما في هذا المكان؛ حتَّى تعودا إليه بعد كلِّ هذه المُدَّة؟".
العَمودُ المعدنيُّ رجع وحيدًا، تائهًا بأحضان أشجار الحديقة المُلتفَّة حَوْل خَصْره. الشَّارعُ مُعْتِمٌ في هذه النُّقطة منه عند مغيب شمس النّهار. زعيق فرامل السيَّارات يملأ المكان بضجيج لافِتٍ لأنظار الجِوَار.
ــا 23\ 5\ 2025

الخميس، 22 مايو 2025

كتب سامر المسالمة. عن فتحي المقداد

 يتلوى بين المعاني كأفعى الماء 

يرتشف الحروف كأنها تحدرت للتو من معصرات السماء


قلم يمشي بين أزقة الحكايات 

يشتم أغصان الكلمات

 

أحسبه ينساب 

 باحثاً عن صفوة اللحن المتفرد 

بين هدير النكسات 

تفرداً كلياً عن صخب الضجيج

 

فيحيل فوضى الحروف 

مزموراً ناطقاً بلامٍ وواوٍ وألف 


يبتديء حواره كطفلٍ يستجدي حواف الأذن 

رويداً رويداً ينصـــــهر في صيوانها كالآنك 

وعلى ضوء نظرية النمو 

يغدو لصاً بشاربين 

يستقي من زخارف المشهد رحيقه


ومن بعيد يأتيك صرير القلم صارخاً

 يروي حكايات ماقد سلف 


طالما ماجَ القلم  بين أصابعه الرومانية

 مثل جنيٍ  سكير  أو ماردٍ خفيٍ يرقص فوق شفاه القوارير


أحياناً 

قد تخاله طفلاً عابثاً 

يدغدغ ثدي الملحمة 


وحيث تستفيض المعاني 

تغترف قلوبنا العطشى تراتيل الإنتصار 

تراتيل عناوينها تبدأ

 كروايات الطريق إلى الزعتري 

أو زمن الأوغاد

 وبتوقيت بصرى تتجلى أبجدية بانسوان الشارع الخلفي من الرواية 


الروائي إقترح علي 

أن أكتب رحلة الكفاح بريق مغموسةً بآنية الدم القانيء 

مثنياً على طريقتي الرمزية في السرد الروائي 

معترفاً بقدرتي على سكب الكلمات مثل زنجي شَّبِقْ


رغم كل محاولاتي لقمع تمرده في حضرتي 

لكنه يهزمني بعذوبة المنطق قائلاً :


أنت أيها الشاب مشروع كاتب عظيم 

أنا أجزم بذلك 


يحاول بحيــــرا الكاتب 

أن يستجرني لنزال الأضداد على رقعة النقش 

فأتواضع أمام لسعات محبــــرته التي لاتنضب 


وأقر بالهزيمة تواضعاً


محمد فتحي المقداد أبو هاشم 

أكبر من روائي 

 وأكثر ألقاً من مقص حلاقٍ ساحر 

إنه إنسان يحسن وصف الحقيقة 


لن أكتب روايتي  سيدي 

فأنا ثائـــــر ويدي ترتجف كعذراء في فناء إبداعكم 


بقلم سامر المسالمة

سيف الله 


أبو هاشم محمد فتحي المقداد 

 شكراً لمحاولات تحفيزي للكتابة 

لكن العين لاتعلو على الحاجب 

أيها الحاجب الأمين .


https://www.facebook.com/share/p/1FbEHkt3om/

الثلاثاء، 20 مايو 2025

شاربان معقوفان. قصة قصيرة

 

شاربان معقوفان

أقصوصة

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

حانتْ اِلْتِفاتةُ منِّي لذلك الرَّجُل، الواقف أمام مرآةٍ غير نظيفةٍ في الحمَّامات العامَّة. تأمَّلتُ حركة أصابعه الرَّشيقة بتفتيل طَرَفَيْ شاربيْه المعقوفيْن للأعلى. بعد اِطمئنانه على وضعِهِما الطَّبيعيِّ؛ أظنُّ بل مُتأكِّد من عدم اِسْتطاعة الصَّقر بالوُقوف عليهما، ولأنَّهما ليسا عريضان فكثافتهما الوُسطى غير كافيَة، لا تُؤهِّلُ إلَّا عُصفورًا صغيرًا بحجم البُلبُل؛ للتَّغريد فوقهما.

بخُطوات مُنمَّقة مُتَبَخْتِرِة، يتمايل معها جَذْعه الأعلى بإيقاعٍ داخليِّ شِبه راقص، لا يُشبه تمايُل الثَّمِل على أنغام موسيقى بائسة رديئة.

ما إنْ أصبحَ بمُحاذاتي، حتَّى غطَّى على خيالِ "طوني حنَّا"، الذي اِنْتصَب أمامي هذه اللَّحظة، بطلعته المُفعمة بالحياة. لكنَّه كان صامِتًا ملامحه حائِرَة. 

أطلقتُ اِبْتسامتي المُعجبة بشاربي الرَّجُل. بادرته بلكمة مُرفقة بابتسامة:

-"حِلْوين".

بادَلَني نظرة شُكْرٍ بطَرَف عَيْنه، اِسْتمرَّت خُطُواته نحو المَخْرَج بلا توقُّفٍ، لاحظتُ خُطوط جبهته المُتغضِّنة غاصت عُمقًا، وكشرة وجهه تميلُ إلى العُبوس. صوتُ حذاء الكَّعب العالي سابَق صاحبته قدومًا ليس إلى مكاننا بل إلى سَمْعِي. اِلْتَفَّ الرَّجُل بنصف اِسْتدارة نحوي، واِبْتسَم.   

الثلاثاء ــــــــا 20\ 5\ 2025

الجغرافبا ومرض التاريخ

 الجُغرافيا ومرض التاريخ


بقلم. محمد فتحي المقداد

 

لمَّا تقزَّمت الجغرافيا بالتقسيم؛ أصبحت جغرافيا مقتولة، تئن تحت وطأة تاريخ اِجْتماعي مقطوع مجزوء غير مُكتمِل الرِّواية.

بل اِكْتملت فكرة كيانات مُتجاورة ضعيفة مُتدابرة مُتناحرة، وأنشأت لها أدبيّات تُمجّد خُصوصيّة تاريخ مريض، وتعزَّزت كيانات اِجْتماعيّة حارسة حدود رُقعتها الجُغرافيَّة المجزوءة، وتتغنَّى بأنغام ناشئة عن سياقات مُنكفئة بذاتها على ذاتها المُتأقلِمة بواقع رُقعتها الجديدة، التي أصبحت وطنًا ذا قوانين وأنظمة مُقَونِنَة لوضعها المنبثق في لحظة تاريخيّة خاطئة.

إذا مرضت الجغرافيا؛ انتقلت عدواها إلى توأمها التاريخ. بكلّ تأكيد ما أصاب الجُغرافيا، اِنعكسَ سلبًا باستيلاد تاريخ مريض، أورث هُويَّات مريضة، بحاجة لطبيب نطَاسيٍّ ليضع يده على الدَّاء، ليتّخذ قراره الجريء باللّجوء إلى آخر الطبِّ – الكيَّ- بعد أعيت الحالة جميع الأطبّاء الذين تعايشوا مع الحالة بوصف المُسكنّات والمُهدّئات، حتّى لم تعُد هذه الوصفات مُجدية وغير ذات نفع لا على المدى القريب ولا البعيد.

وهكذا كان مُتنفَّسًا للمُشعوذين والمُنحرفين والمُنَظّرين والمُلِّمعين والمُصفِّقين، لتكتمل الجوْقة بالمُحلِّلين السياسيّين والخُبراء النفسيّين، بتسويق الأكاذيب والدّجل، مُستخدمين كافّة وسائل التضليل والتعتيم الإعلامي، وتكلّلت مساعيهم الشيطانيّة على وسائل التواصل، وتقنيَّات الذَّكاء الاِصْطناعيِّ. ومن يجهل هذه التقنيّات ووسائلها، يُصدِّق كل ما يشاهده ويُصادفه أثناء تصفّحه، ابتداءً من الكتابات والصُّور والمقاطع الصوتيَّة، والأعمِّ والأشمل ذات التأثير الواسع بالصَّوت والصورة.

بتوقيت بُصرى _|  16/ 5/ 2025

الأربعاء، 14 مايو 2025

الجغرافيا المقتولة والهويات القاتلة

  

الجغرافيا المقتولة والهويَّات القاتلة

مدينة "بُصرى الشَّام" نموذجًا

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

بُصرى الشَّام عاصمة الأنباط في أزمان غابرة، وحاضرة الجنوب السُّوري فيما بعد الحرب العالميَّة الأولى، وما تبعها من مرحلة سايكس بيكو ، حيث تقلَّصت جغرافيا برّ الشَّام الممتدَّة من جبال طوروس شمالًا حتى مدينة "معان" في الجنوب.

ومع هذه المُستجدَّات الجغرافيَّة النتيجة الطبيعية للتحوُّلات السياسيَّة الاستعماريَّة، فقدَت "بُصرى الشَّام"، عُمقها الجُغرافيِّ، وتقزَّمت؛ لتصبح بؤرة جُغرافيَّة مُنزويَّة في أقصى الجنوب الشَّرقي لسهل حوران من الجُمهورية العربية السَّوريَّة، وفي التقسيمات الإداريَّة للمحافظات السُّوريَّة، فمحافظة السُّويْداء المُتصِّلة بحدودها من جهتيْن مع بصرى الشام، من الشَّرق والشَّمال. ومن الجنوب حدود المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة.

من هذا المنظور أصبحت "بُصرى الشَّام" مُحاصرة تحت رحمة دكتاتوريَّة الجُغرافيا، لا نافذة لها إلَّا غربًا باتِّجاه قُرى سهل حوران، لتتواصل مع العالم الخارجيِّ، ففي هكذا ظروف جُغرافيَّة فهي فاقدة الأهميَّة الاستراتيجيَّة كموقع جُغرافيِّ، لكنَّها احتفظت ببريق اسمها، ونكهة عبق الحضارة وصخب التَّاريخ، ممَّا أبقاها على الخارطة العالميَّة بمن يقصدونها من داخل سوريا والوطن العربيَّ والعالم.

من الجدير مُلاحظة اِنعكاس الجُغرافيا على سُكَّان مدينة "بُصرى الشَّام". ذات العدد السكَّانيِّ المُتوسِّط نسبيًّا مُقارنة مع قُرى وبلدات حوران. سُكَّانها الحاليُّون وفي أحسن التقديرات لا يتعدَّى وجودهم ما بين الثلاثمئة والأربعمئة عام، وفي القديم كان المُسلمون والمسيحيون يعيشون معًا في حيِّز المدينة القديمة، إلى أن حصلت تبدُّلات وانفصل المسيحيون بأنفسهم في قريتي "سِمِج" و"طيسيا" جنوب بُصرى. ومع بدايات ومنتصف القرن العشرين حدثت هجرات سُكانيَّة شيعيَّة مُختلفة بمذهبها. قدمت  من جنوب لبنان إلى مناطق أخرى من قُرى حوران، بقصد العمل والإقامة بعيدًا عن الحروب الطَّائفيَّة هُناك.

الجُغرافيا المقتولة، أفضت إلى موضوع الهُويَّات القاتلة. ذات البُعد الدِّينيِّ الواحد، التعدُّد بطبيعته انفتاح على الآخر، وفكرة التعايُش القائمة على اِحْترام الخُصوصيَّة من الجميع، بينما الأُحاديَّة اِنغلاق. أحاديَّة سُكَّان بُصرى الدِّينيَّة الإسلاميَّة بأكثريَّتها السُنيَّة أهل البلد الأساسيين، والقادمين الجُدُد من الشِّيعة. وكان نصيب بُصرى من هؤلاء النَّصيب الأكبر، ليكونوا أكبر تجمُّع شيعيِّ في حوران بل في جنوب سوريا على الإطلاق.

سارت الأمور زمانًا طويلًا. بسلام ووئام ومحبة وحُسن جوار وتسامُح، إلى مجيء ثورة "الإمام الخميني" في إيران في العام 1978، بدأت الاِصْطفافات الجديدة تستنهض الشُّعور الدِّينيِّ لدى شيعة العالم، وانتشاء النَّزعة الدِّينيَّة لدى شيعة بُصرى التي عزَّزت فكرة الطَّائفة، وتعالت أصوات تجييش بالمظلوميَّة التَّاريخيَّة، وتضخَّمت حدَّ التورُّم مع الدِّعاية الإعلاميَّة لحزب الله اللُّبنانيِّ.

ومع اِنطلاق الثَّورة السوريَّة المُباركة في الشَّهر الثالث من عام (2011)، والاستقطاب الطَّائفيِّ الذي عزَّزته أجهزة النِّظام الأمنيَّة، اِنجرفت الطَّائفة ومعها أقليَّة قليلة من السُّنَّة من أهل بُصرى، إلى مهاوي التَّشبيح والاِنزلاق إلى مُستنقع الدِّماء. حالة التردِّي جرَّت الويلات على سوريا عُمومًا وعلى أهل بُصرى خُصوصًا، وعلى مذبح الجُنون الطَّائفيِّ، فاستقوت الطَّائفة الشِّيعيَّة على جوارها بالنِّظام، وكانت يدًا باطشة بأهل بُصرى وجوراها الجُعرافيِّ، وتلطّخت مُعظَمهم بالدِّماء والقتل، إلَّا أقلَّ القليل من عُقلاء الطَّائفة. قُطعت عُرى وأواصر المحبة والسَّلام، وتأجَّجت الكراهيَّة الُمتبادلة.

ومع بداية العام  2015 تحرَّرت بُصرى الشَّام بأيدي أبنائها، وبمساعدة أبناء حوران الأحرار من مُقاتلي الجيش الحُر، فخرج النِّظام خاسرًا، ومن الطَّبيعي أن يخرج شبِّيحة النِّظام - شيعة وسُنَّة - جميعهم من بُصرى. الهُويَّات القاتلة تبدَّت ملامحها الجليَّة في هذا الموجز الوجيز جدًّا. ليبقى الطَّيْف السُّنيِ وحيدًا في الجُغرافيا، لتنعكس فكرة الهويَّات القاتلة من جديد وتظهر بثوبها العشائريَّ ذي الألوان المُزركشة، بتمايز الأشكال وحجمها، وبدأت تتقزَّم هويَّة الأكثريَّة ذات اللَّون السُّنيّ الواحد، وتبدأ الانقسامات داخل كل عشيرة لصالح الأفخاذ أي العائلات الأصغر فالأصغر.

ومع سُقوط النِّظام البائد، ومجيء النِّظام الجديد، نهضت فكرة العائلات بإصدار بيانات تأييد للدولة، تأجَّجت الصِّراعات العشائرية على أشدِّها، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بتمزيق شمل العائلة الواحدة، لتعدد مشيخة كلِّ عائلة، وتنصيب مُختار لكل عائلة. لا أرى أن هذا الوضع صحيٌّ إطلاقًا، إنَّما هو اِنزلاق نحو الهاوية. بغير الحُبِّ لا تُبنى الأوطان، وإذا لم تتوَّحد الكلمة على الهدف لن يحصل السَّلام الاجتماعي، ويعود السِّلم الأهلي إلى موطنه.. موطن الحب والسَّلام. وكُلُّنا أمل وثقة بسوريا أجمل.

بتوقيت بُصرى ـــــا 14\ 5\ 2025
.............
Aboosama Chihadeh (محمد مفلح شحادة)
"حين تُغتال الجغرافيا وتتشظى الهوية: بصرى الشام كنصّ مجروح ومرآة وطن"
في سطور الروائي محمد فتحي المقداد، لا تقرأ مقالًا عابرًا، بل تدخل طقسًا من طقوس الفقد، تُصلي مع الحجارة، وتبكي مع الشوارع، وتتحسس النصال المغروسة في جسد مدينة كانت يومًا "عاصمة"، فإذا بها اليوم مجرد هامش في ذاكرة وطن يتآكل.
"بصرى الشام" ليست مدينة... بل سؤال مفتوح
منذ العنوان، نُساق إلى مأزق مزدوج: "الجغرافيا المقتولة" و"الهويّات القاتلة". هذه ليست استعارات شعرية، بل توصيفات ميدانية دقيقة لأعطاب الواقع، تُعلن أن الفجيعة لم تَعُد في احتلال الأرض فقط، بل في احتلال الذاكرة، وفي هندسة الطوائف والحدود على مقاس الخرائط المصمّمة في غرف المفاوضات لا في قلوب السكان.
بصرى الشام، كما يرسمها المقداد، ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي خلاصة لمسار تاريخي انهار. هي المدينة التي اغتيلت جغرافيًا، فانعكس موت المكان على الأحياء، لا كأجساد، بل كهويات تمشي على عكّاز الطائفة، وتحمل في جيبها خنجر العشيرة، وعلم الفخذ، وختم "البيان العائلي".
الجغرافيا المقتولة: حين تصبح الأرض قفصًا لا جناحًا
ما فعله الاستعمار في سايكس بيكو كان تمزيقًا للامتداد الروحي قبل الجغرافي. فصلوا "بصرى" عن عمقها، فخسرت المدينة دورها كمفترق ثقافي، وتحولت إلى ضاحية منسية على هامش الخريطة السورية. لم تكن هذه مجرد إعادة توزيع إداري، بل "تجريف رمزي"، نُزعت فيه المدينة من ذاتها، لتغدو شرفة تطل على الفراغ.
في هذا الموت الجغرافي، تولد العزلة، ويذبل الحوار، ويتحول الساكن إلى حارس حدود، لا مواطنًا في مدينة حيّة. فتصبح "النافذة الوحيدة غربًا" كناية عن اختناق لا خلاص له، وعن شعور وجودي بالحصار.
الهويّات القاتلة: من تلوين النسيج إلى تمزيق القماشة
يُحاكي المقداد الهوية كما لو كانت كائناً متحولاً، تارة مزيّنة بالتعدد، وتارة متورمة في أحادية قاتلة. التعدد كان عطر المدينة: مسيحيون ومسلمون، سنة وشيعة، مهاجرون وجيران، عاشوا بتآلف "ما قبل العقيدة"، فكان الانتماء أولًا للمكان، لا للمذهب.
لكن حين تقرر السلطة أن تستثمر في "الخوف"، تصبح الهوية سلاحًا. وهكذا، ما إن قامت الثورة الإيرانية، حتى بدأت أول شرارة لاستدعاء الطائفة من تحت الرماد، تمهيدًا لحرق البيوت المشتركة. إنها لحظة تاريخية تُشبه حفلة جنائزية تُعلن فيها "الهويّة" خيانة المكان الذي احتضنها، لصالح خطاب المظلومية، وشهوة القوة، وتوهُّم الخلاص عبر الاصطفاف.
وحين انفجرت الثورة السورية، انفجرت معها خطوط التماس، ليس فقط بين طوائف، بل داخل الطائفة الواحدة، داخل العشيرة، داخل البيت الواحد. "فُقدت بوصلة الانتماء"، وصار الدم هو اللغة الجديدة. لا تجاور، بل تحصن. لا تسامح، بل شكّ دائم. وتحولت المدينة إلى ساحة تصفية حسابات، حيث لا رابح إلا الغياب.
الطائفة كظل طويل للدولة: حين تتجسد السياسة في الجسد الطائفي
الخطير في نص المقداد أنه لا يُدين الطائفة لذاتها، بل يحلل كيف تم توظيفها سياسيًا وأمنيًا. شيعة بصرى لم يولدوا قتلة، لكنهم حين التحموا بجهاز القمع، تماهوا معه حتى النخاع. إنها ليست خيانة، بل انزلاق جماعي في فخّ الخوف، والتحالف مع الدولة ضد الجار الذي كان يومًا رفيق الطفولة.
حين تنتهي الطائفة تبدأ العشيرة... وتبدأ مأساة أخرى
حتى بعد التحرير، وبعد انكفاء الطائفي، لا يعود النقاء. بل تبدأ مرحلة جديدة من التشظي: تفكك الطيف السنّي نفسه إلى ولاءات فخذية، وانزياحات عشائرية، تتناحر على صدارة العدم. في لحظة فارقة، تتحول "الهوية" إلى مرآة مكسورة، يرى كل فخذ فيها صورة مضخمة عن ذاته، حتى يكاد يظن أنه المدينة كلها.
وهكذا تُذبح بصرى مرة أخرى، ولكن بسكين مختلفة.
وسائل التواصل الاجتماعي: من منبر إلى منشار
في مفارقة حديثة، يشير المقداد إلى أن الميديا الجديدة التي يُفترض بها أن تُقرب المسافات لعبت دورًا عكسيًا. بدلاً من أن تُوحّد العائلات، مزقتها أكثر، فكل حساب بات منصة إعلان ولاء، وكل تعليق صار بيان حرب. لم تعد بصرى تُدار بالحكمة، بل بالإعجابات، وبمن يرفع صوته أكثر.
ما بعد الجغرافيا والهوية: هل من خلاص؟
النص لا ينتهي بنبوءة سوداء، بل يترك فتحة في جدار الألم. لا خلاص بلا "حب"، يقول المقداد. ولا بناء دون هدف جامع، أو "عقد وطني جديد"، يعترف بالألم، دون أن يُكرّسه. هذا النص يُشبه نشيد وداع لمدينة تُدفن كل يوم، لكنه أيضًا صرخة ميلاد، لمدينة يمكن أن تقوم من ركامها إذا تذكرت أنها كانت يومًا عاصمة للحضارة لا ساحة للدم.
خاتمة: بصرى الشام... مرآة وطن أكبر
بصرى في هذا النص ليست فقط مدينة جنوبية. إنها تمثيل مصغّر لسوريا كلها، بل للوطن العربي الممزق بين الحدود والهويات. نص المقداد يعلو فوق الجغرافيا، ليكتب عن "الخسارة الوجودية" حين يصبح الانتماء لعشيرة أهم من الانتماء لوطن، وحين تصبح الهويّة بندقية.
فهل نجرؤ على حلم جديد؟
هل نملك شجاعة الاعتراف بأننا كلنا "بصرى الشام"، وأننا كلنا مشردون في خرائطنا، مقتولون بهوياتنا، بانتظار وطن يولد من جديد؟
.............

تأملات قرآنية