الأحد، 4 مايو 2025

اقتصاد (ق. ق. ج)

 اقتصاد (ق. ق. ج)


✍️. محمد فتحي المقداد


ورث لافتة من عهد أبيه التاجر، رُفعت في مُناسبات وطنيّة وقوميّة. لم يطرأ أيّ تعديل عليها، منذ أوّل عيد للجلاء في سوريا، إلى آخر مُناسبة جلاء هذه الأيّام، وعند سُقوط النّظام قبل أشهُر قليلة. 

بقيت فترة على واجهة محلّه التجاريّ العريق والشّهير. طُلّاب المدرسة يقرؤونها بصوت جماعيٍّ صباحًا ومساء، أثناء عبورهم الشّارع الرّئيس من وإلى المدرسة: "نُهنِّى القيادة الحكيمة بهذه المناسبة المُباركة".

-تصفيق وصفير-

مُصِوِّر ناشئٌ وثّق بعدسته اللّحظة التاريخيّة. أحد الهُواة عرض مبلغًا مُحترمًا لشرائها.

نباهة (ق. ق. ج)

 نباهة (ق.ق.ج)


✍️: محمد فتحي المقداد


المدير العامّ بعد أن كوَّعَ؛ خصَّص مكانًا للصلاة. كثّف عدد الكاميرات، لمراقبة الزوايا المُتوارية، والمُحتَملة لاِخْتباء الفُلُول؛ فانتفخت جُيوبه، ولم تتسع لزيادة دخله اليوميّ.

....

مصطلح تكويع، ومن كوّع الواحد من البشر، استخدم حديثا بعد سقوط النظام في سوريا. وهو يشير للذين انقلبوا مع النظام الجديد.

بائع خردوات (قصة قصيرة جدا )

بائع خُرداوات على الرّصيف. يبدو عليه السَّأم والملل من حركات أصابعه على شاشة هاتفه النقّال. عيناه حائرتان بحركات سريعة باتّجاهات متعاكسة.

لفت اِنْتباهي أشكال النظّارات  العديدة المعروضة على البسطة. لم ألحظ حركة شفتَيْه لردّ التحيّة، عدوى لا مبالاته أصابتني.

بصَمْتٍ قررّتُ شراء ثلاث نظَّارات قاتمة العدسات. دفعتُ ثمنها بلا نقاشٍ ولا اِعْتراضٍ. ومضيْتُ.

اِنْتظرتُ عَتْمةَ اللَّيلِ، وفي خَلَوةٍ مُحصَّنةٍ عن المُتلصِّصين. جمعتُ النظَّارات فَوْق بعضها، أنفي لم يشْكُ من ثقلها عندما لَبِسْتُهنَّ. وخرجتُ أتحسَّسُ طريقي بعصا العُمْيان؛ لأتفقَّد مُحيط الدَّار؛ إذْ سمعتُ حركاتٍ مُريبةٍ.

.... 

كتب. أستاذ أحمد الغماز

لم يبادرني الشك يوما في قدرة الروائي محمد المقداد، بأدواته السردية في التعامل مع اليومي والعادي والمألوف لدى العامة، إلى إعادة صياغته بأدب آسر يلفت الملتقى إلى ما لا يراه، تماما كالمخرج السينمائي الذي يحول (الكلام) إلى صورة. كان كل شيء عاديا لغاية النهايات. 

في القصة شخصية مركزية ( بائع النظارات) العجوز، وشخصية السارد الذي اشتغل على الفعل المضارع في حركة الحدث ( انتظرت، شاهدت، اشتريت الخ...) لكن لماذا لم يعمد محمد إلى استخدام تقنية الراوي العليم، الذي يتحدث عن الآخر بصفته يعرف كل شيء؟

أرى أن النهايات التي خطط لها القاص، لا يمكن أن يصلح لها الا الراوي ( الأنا) ولماذا ليلا - برغم النظارات الثلاث - أمسك بعصا الأعمى ليتلمس طريقه؟ هذه هي المفارقة التي قصدها محمد، أن الطريق برغم كل شيء ما زال معتما، وتأويلات أخرى - أرى كقارئ - أنها جاءت للمنهج النفسي الذاتي للكاتب والمتلقي.

.... 

رد. محمد فتحي المقداد 

احمد الغماز مشهدية النص استوعبت الحالة المتفاعلة في نفسي ككاتب. كما تفضلت حضرتك. وكما جاءت قراءتك الواعية للنص وملاحقة صورة البائع. النظارات. عتمة الليل الزمن المغاير، واستخدام حاسة السمع إذا انعدمت حاسة البصر خلف النظارات الثلاث.. لتنوب عنها عصى العميان.. تحياتي لك وتقديري صديقي العزيز دمت متألقا على الدوام..

.... 

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته 

تحية طيبة استاذ محمد  لقد مررت بالقصة وأثارت فضولي واستوقفتني كلماتك الجميلة وارتايت أن اكتب لك مقطوعة متواضعة نقدية ..فهل تسمح أن انشرها  ..مع التقدير والاحترام لمقامكم الكريم 

النقد الأدبي لقصة "بائع النظارات"  للروائي لمحمد فتحي المقداد  

المقدمة 

قصة "بائع النظارات" للكاتب محمد فتحي المقداد تُعدُّ نموذجًا للسرد القصصي المكثف، الذي يعتمد على التكثيف اللغوي والإيحاء الرمزي لطرح رؤية نقدية تجاه الواقع المعاصر. تندرج القصة ضمن الأدب الوجودي الذي يرصد العزلة واللامبالاة في المجتمعات الحديثة، مستخدمةً تقنيات سردية حديثة كالانزياح والانزياح الزمني والمونولوج الداخلي. في هذا التحليل، سنناقش البنية السردية، والأبعاد الرمزية، واللغة، ووظيفة الشخصيات، وفقًا لمنهج النقد الأدبي الحديث.  

1. البنية السردية والتقنيات الحديثة

تعتمد القصة على سرد ذاتي من منظور الراوي العليم الذي يمتزج وعيه بوعي الشخصية الرئيسية (البائع)، مما يُحدث تأثيرًا نفسيًا عميقًا. نلاحظ الانزياح الزمني في الانتقال من المشهد اليومي (الرصيف) إلى اللحظة الليلية الغامضة، مما يخلق إحساسًا بالقلق الوجودي.  


- الانزياح المكاني.

 يتحول المكان من الرصيف (الفضاء العام) إلى "خلوة محصنة" (الفضاء الخاص)، مما يعكس ثنائية العلانية والسرية، والظاهر والخفِي.  

- المونولوج الداخلي.

-  نلمحه في جملة "أنفي لم يشكُ من ثقلها"، التي تكشف عن انفصال الشخصية عن جسدها، وكأنها تراقب نفسها من الخارج، وهو أسلوب شائع في أدب العبث.  


2. الأبعاد الرمزية والدلالات

تتحول النظارات في القصة من أداة بصرية إلى رمز متعدد الدلالات:  


- العمى الرمزي.. العدسات القاتمة تشير إلى رفض الرؤية الواضحة أو الهروب من الواقع، بينما عصا العميان تعكس محاولة فاشلة للتكيف مع عالم غامض.  

- الخردة واللامبالاة: بائع الخردوات يمثل الإنسان المعاصر الذي تحوّل إلى كائن سلبي، تُستهلك حياته في المادة التافهة (الهاتف النقال، البضاعة عديمة القيمة).  

- العتمة والليل

-  يُستخدم الظلام كرمز للجهل أو اللاوعي الجمعي، بينما "الحركات المريبة" تلمح إلى مخاوف مكبوتة أو تهديدات غير مرئية.  

3. اللغة والأسلوب 

تمتاز القصة بأسلوب مقتضب يعتمد على الجمل القصيرة والفعلية ("دفعتُ ثمنها بلا نقاش")، مما يعكس جفاف المشاعر وتبلد الشخصيات. نلاحظ أيضًا:  


- التكرار: تكرار "النظارات" و"الحركات" يُحدث تأثيرًا تراكميًا يُشير إلى الهوس أو الرتابة.  

- المفارقة: السرد البارد لموقف غريب (شراء نظارات دون حاجة) يخلق مفارقة وجودية تُذكرنا بأعمال كافكا.  

- الانزياح الدلالي: كلمة "عدوى" تُستخدم مجازيًا لوصف انتقال اللامبالاة، مما يعكس تشيؤ العلاقات الإنسانية.  


4. الشخصيات والعلاقات

- البائع: شخصية مسطحة (Flat Character) بلا ملامح واضحة، تعكس التماهي مع الجمود. سكوته وحركاته الآلية تُجسّد أزمة الهوية في المجتمع الاستهلاكي.  

- الراوي.. يتسم بالانفصال، فهو يشتري النظارات دون حاجة، وكأنه يشارك في طقس عبثي. تحوُّله إلى "أعمى" طوعًا يُثير تساؤلات حول حرية الاختيار والقدر.  


5. السياق الاجتماعي والنقدي

يمكن قراءة القصة كنقد لمجتمع ما بعد الحداثة، حيث:  

- الاستهلاك: شراء النظارات دون سبب يُهاجم ثقافة الاستهلاك العبثي.  

- العزلة: انكفاء الشخصيات في عوالمها (الهاتف، الخلوة) يعكس تفكك الروابط الاجتماعية.  

- الرقابة والخوف "المتلصصون" و"الحركات المريبة" ترمز إلى مجتمع مراقَب تسوده паранойا الجماعية.  


 الخاتمة

"بائع النظارات" قصة تحمل رؤية نقدية حادة للواقع المعاصر عبر اقتصاد لغوي وانزياحات رمزية عميقة. تنجح في توظيف التقنيات السردية الحديثة (الانزياح، التكثيف، المفارقة) لطرح أسئلة وجودية حول المعنى والهوية في عالم مُفرغ من الإنسانية. ومع ذلك، يُمكن أن يُنتقد غموضُها المفرط أحيانًا، والذي قد يُضعف التواصل مع القارئ العادي.  


هذه القصة تذكرنا بأدباء مثل "صموئيل بيكيت" في عبثيتها، و"نجيب محفوظ" في نقدها الاجتماعي، مما يجعلها نموذجًا متميزًا للقصة القصيرة الحديثة في الأدب العربي. 

بقلم الناقد عدنان الدوسري . العراق

.... 

الثلاثاء، 29 أبريل 2025

سوريا التحديات

 فجر الحرية (بتوقيت بُصرى)


سوريا على صفيح ساخن، وتحديات المرحلة الجديدة بين العدالة الانتقالية بحق الرموز والفلول التي تورطت بالقتل، وتلطخت يالدماء. وبين السلم الأهلي والاجتماعي لبث الطمأنينة والأمان، وتثبيت أركان الحكم الذي بدا أنه على رأس أولويات المرحلة. حيث هو صمام الأمان لتثبيت دعائم السلم الأهلي، لدفع عجلة الحياة والخدمات الضرورية، والنمو الاقتصادي، تمهيدا إعادة الإعمار.


✍️- في مقابل هذه التحديات، هناك الثورة المُضادة من أيتام النظام البائد، وأتباع الأحزاب القديمة والحديدة، والهيئات الثورية من جماعات الإئتلاف وباقي منصات التفاوض.


✍️- والخطر الأعظم من المسلحين من بقايا النظام، والمسلحين الذين كانوا معارضين بكافة أطيافهم وتشكيلاتهم وانتماءاتهم.


✍️- الحرامية والسراقين وأباطرة تجارة المخدرات والسلاح.


جميع هؤلاء وغيرهم وممن على شاكلتهم فقد تضررت مصالحهم. بوجود دولة قوية تحافظ سوريا دولة واحدة قوية، في ظل جهاز قضائي مستقل، يمتلك سلطة القانون على جميع السوريين بلا استثناء.

سوريا لجميع السوريين.. وطن واحد يجمعنا.. مصلحة سوريا هي سقف الشعب السوري وخياره الوحيد.

الروائي. محمد فتحي المقداد

... 

رد. مفلح شحادة. أبو اسامة. منتدى حوران

... 

حين تخطّ الأقلام الصادقة كلماتها عن "فجر الحرية"، خاصةً حين يكون بتوقيت بُصرى الشام، فإنها لا تكتب مجرد حروف، بل ترسم خريطةً نابضة لحاضر سوريا ومستقبلها، بمزيج مدهش من الألم والأمل.

كلمات الروائي محمد فتحي المقداد جاءت وكأنها إعلان عن ولادة مرحلة جديدة، مرحلة تتأرجح على خيط رفيع بين مطرقة العدالة الانتقالية وسندان السلم الأهلي. منشوره لا يطرح مجرد تحليل سياسي جاف، بل يمنحنا بانوراما كاملة عن الصراع الأبدي بين بناء الدولة وهدمها، بين العقل الراجح وغريزة الانتقام، بين مصلحة الوطن وأهواء المصالح الضيقة.


التأمل الأول: العدالة الانتقالية أم السلم الأهلي؟


في كل تحوّل مصيري تمر به الأمم الخارجة من أتون الحروب، تكون المعادلة الأصعب:


كيف نوازن بين حق الضحايا في القصاص والإنصاف، وبين حاجة الوطن الجريحة إلى لملمة أطرافه المتناثرة، وبث الطمأنينة في نفوس أبنائه؟

أشار الأستاذ محمد المقداد بذكاء إلى أن "تثبيت أركان الحكم" هو الأولوية. ليس حبًا بالسلطة، بل لأن غياب الدولة هو بوابة الفوضى والخراب. لا عدالة بلا دولة، ولا سلم بلا قضاء عادل قوي مستقل.


التأمل الثاني: أيتام النظام والثورة المضادة


هنا يضعنا المنشور أمام تحدٍ خطير، قد يبدو مستترًا ولكنه أعنف مما نتصور:


الذين فقدوا امتيازاتهم ومصالحهم، من رموز النظام البائد، والأحزاب التقليدية البالية، ومنصات المساومة، لن يقفوا مكتوفي الأيدي.

هم اليوم الثورة المضادة الجديدة، التي تُدير حربًا خفية شرسة، أخطر من أي قتال مكشوف.

هؤلاء يعلمون أن قيام دولة قوية عادلة يعني نهايتهم، ولهذا لا يدخرون وسيلة لإجهاض هذا الميلاد الجديد.


التأمل الثالث: المسلحون، المافيات، وسماسرة الدم


في كل حروب العالم، يظهر فئة من الانتهازيين الذين يجعلون من الألم سوقًا للربح، ومن الفوضى فرصة لجمع الثروات:


تجار السلاح،


أباطرة المخدرات،


سماسرة الدم والمعابر،


عصابات النهب والسرقة باسم الثورة أحيانًا وباسم المعارضة طورًا آخر.

كلمات المقداد تحذرنا من هؤلاء، فهم العدو الأشرس لأي مشروع وطني حقيقي. إنهم أخطر من الطغاة أنفسهم لأنهم يتلونون بلون المرحلة، ويتقمصون دور الضحايا حين يكونون هم في الحقيقة الذئاب التي تنهش لحم الوطن.


الانطباع العام:


حين تتلمس نبرة النص، تدرك أن الكاتب يكتب من قلبه لا من قلمه فقط. هناك توق شديد لرؤية سوريا وقد خرجت من لعنتها الطويلة، لا إلى انتقام أعمى ولا إلى مصالح فئوية ضيقة، بل إلى وطن يتسع للجميع، وطن لا يحتكر فيه أحد الحياة ولا القرار.


الرسائل العميقة خلف السطور:


أن بناء دولة قوية يبدأ بالقضاء العادل النزيه، لا بالمحاكمات الانتقائية ولا بعمليات انتقامية تستنسخ المآسي.


أن المشروع الوطني الحقيقي لا يقوم إلا على السلم الأهلي، بعيدًا عن منطق "الغالب والمغلوب".


أن الأعداء الحقيقيين للنهضة هم "أصحاب المصالح القذرة" ممن لا وطن لهم إلا جيوبهم، ولا ولاء لهم إلا لسلطتهم الشخصية.


قراءة في العنوان "فجر الحرية (بتوقيت بُصرى)"


اختيار بُصرى الشام ليس عبثًا. بُصرى التي كانت عبر التاريخ بوابة الحضارة والثقافة والنهضة، تعود هنا كرمز للانبعاث السوري الجديد. وكأن الروائي المقداد يهمس لنا:


"كما أشرقت الحضارات من بُصرى يومًا، فسيشرق فجر الحرية منها من جديد."


ختامًا:


أيها الأديب الجميل محمد فتحي المقداد، لقد كتبت شهادة ميلاد لسوريا أخرى. سوريا لا يحكمها الحقد، ولا تديرها الأحقاد، بل تصنعها العدالة، ويرعاها السلم، ويتوجها الأمل.

نصك هو نداء لكل السوريين: أن يحموا هذا الفجر من الخفافيش، وأن يجعلوا مصلحة سوريا فوق كل الولاءات الضيقة. فكما قلت بصدق نادر:


"مصلحة سوريا هي سقف الشعب السوري وخياره الوحيد."


ومن عندي أقول:

ليكن هذا السقف عاليًا، لا تلوثه صفقات السياسة ولا تسقطه رياح الكراهية.

الأربعاء، 23 أبريل 2025

قراءة في مسرحية أحمد عبدالله

 مسرحية "أحمد عبدالله" قصة الأديب والمسرحي أحمد أبو حليوة.

.....

بالأمس على مسرح مديرية ثقافة إربد. عرضت المسرحيةةالتراجيدية المونودراما  "أحمد عبدالله" وهي السيرة والقصة الشخصية للأديب أحمد أبو حليوة. وهو أيضاً من كتبها وأخرجها ومثّلها. باقتدار من خلال موهبة لا تخفى على المتابع.

البعد الإنساني بمساره المأساوي في حياة الطفل أحمد عبدالله. الذي تربى بداية على يدي جدته، كون أمه مطلقة وتزوجت، ووالده مقيم بين دمشق وبيروت في رحلة الكفاح في سبيل الوطن الفلسطيني المغتصب.

عجز الجدة بعد ان وصلت للثمانين من العمر، لم يكن من تكليف ابنة عمها (ثريا) الأرملة بتربية أحمد مع أولادها الخمسة. ثلاثة عشر عامًا وهي في حضانتها.

وبما بلغ أحمد سن دخول المدرسة، ذهبت إلى مدير المدرسة تترجاه وتبكي، كي يقبله طالبا مستمعا. كون أحمد مكتوم النفوس (غير مسجل في دائرة السجل المدني) ولا يمتلك أوراق رسمية.

تعرض أحمد لحريق شوْه جسمه ووصل إلى وجهه. وليبقى مشوها حتى هذه اللحظة، ورفض العروض العديدة لإجراء عمليات تجميل. آثر البقاء على حاله وهيئته التي ارتضاها، يعيش سلامه الداخلي المتصالح  مع ذاته.

... 

مفاصل مهمة في العرض المسرحي:


*الجدة ماتت وما زال مفتاح البيت معلقا في رقبتها حتى وفاتها.


*حينما طلبت منه أمه المربية (ثريا) الذهاب للبحث عن أمه وبإصرار، كي يجدها ويراها، هنا وقف أمام نفسه ليجد نفسه وحيدا، وظن أنها ستتخلى عنه. ليتيين له أن الأمؤ غير تماما،


*حينما ذهب لرؤية أمه للمرة الأولى بعد خمسة عشر عامًا، جارتها تدق الياب، وتصيح: "افتحي يا أم غرام". أحمد يدخل في حالة صراع نفسي ياحثا من جديد عن ذاته: "إذن أمي لا تعترف بي".


* موت أخيه الذي تربى معه "نوفان" كان علامة فاصلة في حياة أحمد الصغير. حينها شعر بموت داخلي.


العرض استمر لأكثر من ساعة ونصف، على مجموعة مشاهد وفصول. ببساطة شديدة أحمد أبو حليوة. إنسان طافح بشفافيته، متألق بجرأته وهو يحكي عن نفسه بطريقة لا يستطيعها الكثير من البشر.

...

بعد انتهاء العرض المسرحي:


محمد فتحي المقداد مع الأديب أحمد أبو حليوة


أوقات السرقة (مقالة)

 أوقات السرقة المُفضَّلة

بقلم. محمد فتحي المقداد


يقولون: (اللَّيل ستَّار العُيوب)، و السَّرقة ليلًا على رأي من قال: (لا من شاف, ولا من درى)، بتساؤل بسيط ومشروع وبلا حرج: هل فعلًا بأنَّ اللَّيل هو الوقت المِثاليُّ للسرَّاقين والحراميَّة، لممارسة فعاليَّاتهم؟. والدَّافع لهكذا سؤال، عندما ظهرت حالات السَّرقة جهارًا نهارًا في عزِّ الظَّهيرة، ولا أحد يعترض سبيلهم أو إيقافهم أو منعهم. 

إذ سهَّل الأمر على الحراميَّة والسرَّاقين أيَّة مهمة سيقومون بها، من الاِحْتياطات التقليديَّة المعروفة على مدار التَّاريخ، من التخفِّي والتخوُّف والحذر والتنكُّر. وفي مقام آخر قيل: (موتُ الكلاب فرجٌ للحراميَّة), حين نفقت الكلاب وتناقصت أعدادها خاصَّة في المُدن، التي اقتصرت تربية الكلاب على أصحاب الهوايات، وأصحاب المناصب وذوي رؤوس الأموال والعائلات ذات المستوى الماديِّ العالي؛ فأصبحت موضة وفدت إلينا من بلاد الأجانب، يمشون وكلبهم مربوط بسلسلة ويمشي أمامهم بمسافة، بقدر ما يسمح به طول  السلسلة ما بين المتر إلى متريْن. 

وافتقاد المناطق النائية لكلاب الحراسة في كثير من المواقع والبيوت والممتلكات، ليأتي دور التقدُّم التقني والحضاري، لتأخذ كاميرات المُراقبة المُثبَّتة في الزوايا الخفيَّة والظَّاهرة، والمرتبطة بالهواتف النقَّالة وأجهزة الكمبيوتر، ليتمكَّن أصحاب الأعمال من مراقبة أعمالهم وأرزاقهم عن بُعد على مدار السَّاعة، ومهما تخفَّى الحرامي فإنَّ الكاميرات تُسجِّل كلَّ حركة تلتقطها في مداها المُجدي. وتحتفظ بما تلتقطه ويمكن الرَّجوع إليه عند الضَّرورة إذا ما دعت الحاجة لذلك.

ـــــا 22\ 4\ 2025

السبت، 12 أبريل 2025

فراءة. في رواية ياسمين سومري. سمر الديك

 قراءة في رواية 

"ياسمين سومري" للكاتبة السورية "سمر الديك". 


بقلم. محمد فتحي المقداد


رواية "ياسمين سومري" من الأعمال الروائية التي بعد الحرب السورية الطويلة، وهي تنتمي لجيل روايات تتسم بوصف واقع الحرب ومآسيه، وفي المشاهد الأولى من الرواية، كانت من خلال ما شاهدته عبر النافذة وشرفة بيتها، وفي عود على بدء، يلاحظ هناك وقت الحدث الروائي، ووقت آخر هو وقت الكتابة، الذي استمدت "سمر الديك" منه قصة رواياتها، والتي استعادتها من مخزون ذاكرتها، وفي سرديتها ااروائية المختلفة زمنا تباعد عن وقت ولحظة وقوع الحدث ومشاهداتها، جعلت القارئ يستشعر طبيعة مخزونات ألمها الداخلية، وتُجدّد استعادة الأيام الأولى للثورة السورية ٢٠١١. واستطاعت إعادة تقديم ما مضى بكافة إشكالياته لتضعه على طاولة البحث والتفكير.

وفي الفصل الأول سرجت قصة الأسرة الصغيرة وتفاصيلها بما اعتبر استهلالا معقولا للوصول إلى بؤرة الحدث المُشكل لخطوط الرواية العريضة، ولم تُغفل طبيعة الصراع بجايته داخل الأسرة، بين بطلتها الزوجة (هيفاء)، وبين أخت زوجها البنت غير المتزوجة (سوسن)، التي لم تخف الغيرة والحسد لهيفاء زوجة أخيها المهندس (عصام)، وهذا شيء طبيعي بالحدوث داخل الأسر والعائلات،

ومع بداية الفصل الثاني الذي فاجأ القارئ، بالانتقال السريع من داخل الأسرة الصغيرة إلى موضوع المظاهرات وأصوات المظاهرات بالهتافات المناهضة للنظام، وجاء الرد بالرصاص الحي، وما نتج عنه من سيلان الدماء والقتل. وسقوط الشهداء الذي نادوا بالحرية. وفي اقتباس من الرواية حكت على لسان إعلام النظام: (كانت المدينة التي تسكن فيها عائلة هيفاء، آمنةً خالية من الإرهابيين والرجال الملثمين الغرباء، ولم تزحف عليها جيوش المؤامرة الكونية الكبرى التي بدأت فصولها المسرحية تعرض على الشعب السوري والعالم بأجمعه، لتبرير أعمالهم الشنيعة) ص٢٦.

عند هذه النقطة لا بد من التوقف بمتابعة الرواية الحكومية التي أطلقت على المطالب الشعبية الواسعة، بأنهم عصابات إرهابية خارجة عن القانون، وبهذا التوصيف يحق للدولة قتالهم واستئصالهم. وهو ما جر البلاد إلى بحار من الدم والدموع. 

وتتابع الرواية حتى النهاية في مسارات الخوف والقلق والموت والدمار، والهروب إلى الملاذات الآمنة طلبا للنجاة. وما تبع ذلك من مآسي اللجوء إلى دول الجوار، وأوروبا وأمريكا، هذه المخرجات الأليمة للحرب الظالمة الني شنها النظام على الشعب السوري.

ومن غُرفتها فتحت "هيفاء" بطلة الرواية نافذة غرفتها لتكون شاهد عيان، لتنقل ما تراه يقينًا:

*(فتحت نافذة الغرفة لتجد ذبول شجرة الياسمين بسبب أن هناك من اقتلعها من جذرها) ص١٣. 

*(ونظرت إلى الحديقة، فإذا برجل غريب قد قام بزراعة شجرة ياسمين جديدة مكان الشجرة القديمة التي قلعها المجهول، فالتفت إليها مبتسماً، فاخترقت بسمته هذه شغاف قلبها ، ثم أدار وجهه وغادر مختفياً عن أنظارها وهي تلاحقه بنظرات تجهل كنهها.) ص٢١/ ٢٢.

حقيقة لم توضح طبيعة الشخص الذي اقتلع الشجرة، والأسباب الذي جعلته يدخل حديقة البيت المُسوّرة، وهي طبيعة المدن التي تمتاز بالأسوار والأبواب، الإنسان العادي لا يستطيع دخولها إلا بعد فتحها له.

*وفي موضع آخر بعد أزاحت ستارة النافذة لمتابعة الحدث: (قبل أن تغلق النافذة، شاهدت رجلاً ينزف بغزارة، يقوم ويسقط، والرصاص ينهال عليه بلا رحمة، ما إن سقط على الأرض، حتى نظر إلى الشرفة التي كانت خلفها هيفاء، رمقها بنظرة عتاب أوجعت قلبها، واستخرج من جيب قميصه الممزق والملطخ بالدماء، زهرة ياسمين لوث بياضها دمه الحار، ولوح لها بها، وسقط بلا حراك). ص٢٥. 

عادت هيفاء لتحليل الحدث بعد أن لوّح لها الرجل بعرق الياسمين: (تفكر في الرجل الذي سقط ميتًا، وهو يُلوّح لها بزهرة ياسمين، وسرعان ما تذكرته، إنه ذلك الرجل الذي أعاد شجرة الياسمين المقطوعة إلى مكانها، وهو رجل الياسمين؛ فأطلقت عليه رجل الياسمين) ص٢٦.

كما بقيت هوية الرجل مجهولة، وهو الذي زرع شجرة الياسمين بدل التي اقتلعها آخر أيضًا مجهول، وكأنما أرادت الكاتبة إبقاء القارئ متابعًا، متمسكًا كتجذر الشجرة بالأرض، وااتي قطعت هي إشارة لمن سقط شهيدًا. 

أخيرًا فإن هذه الرواية تعتبر سجلا حافلا وثق جزءا هاما من حياة الشعب السوري بصدق وأمانة، لتبقى وثيقة قدمها شاهد عيان للأجيال القادمة بلا غش وتزييف للحقائق. وبأن الثورات يقوم بها الفقراء، وحين تنتصر، يموتون، ليبقى المنافقون يتسلطون على الرقاب، يخرج المنافقون، والتافهون، من شقوق الأرض، ويصبحون أبطالاً حقيقيين، دائما تُسرَق الثورات، ويتحول أبطالها المُزيّفون إلى رجال يمسكون بقبضة من حديد رقاب الشعب.


١٢/٤/٢٠٢٥

 


تأملات قرآنية