السبت، 27 أغسطس 2022

إضاءة على ديوان ابتسام الصمادي

 

إضاءة على ديوان

"والعشق شأنك" للشاعرة ابتسام الصّمادي. سوريا

 

بقلم الروائي. محمد فتحي المقداد

المرأة أمٌّ بطبيعتها؛  فإذا كانت شاعرة فهي وطنٌ،  ابتسام الصمادي وطنٌ تحكيه بكلمات موجوعة،  وعيون مدموعة،  وقلب مُدمىً على وقع لحن جنائزي أوجزته ببيت شعر.  وفي صفحة الإهداء تتضح هوية ديوان شعر "والشوق شأنك"؛  فتقول: "من يليق به الحزن،  يليقُ به الفرح.  الحزن مادة ثمينة،  سترٌ لا نهتكه مع أحد" ص5.

وإذا سألوك عن الشعر، فهل هو تمحورات حول الذات وعواطفها ورغباتها فقط،  بينما عند "ابتسام الصمادي" هو حالة: نيرفانا الصعود لفضاءات واسعة من أغراض  الشعر المبتكرة  المتجددة على كافّة الأصعدة،  اعتبارًا من الموهبة، وإتقان صنعته وفنونه.

لتتواءم مع  هتافات الحرية آملًا  بالوصول من التغيير للسعادة  في مستقبل منشود،  والتحرر من براثن الدكتاتورية العسكرية الغشيمة المقيتة،  رغبة بالوصول إلى ولادة حياة جديدة،  رغم مشقّة الطريق المليئة بالعقبات والمثبطات والموت البطيء بالتجويع والتخويف،  والاعتقال والتغييب في غياهب ظلمات السجون.

وعلى رأي الشاعر الفرنسي "جان كوكتو": "الشاعر لا يطلب الإعجاب أبدا، بل يود أن يصدقه الآخرين". وبذلك تقول  "ابتسام الصمادي": "ما نكتبه اليوم،  ونحن ندرك أنه زلّة قدم في عتمة الضمير" ص10.

وفي زحمة النشر في وسائل  التواصل من السيل الجارف من الكلام المنمق، على أنه شعر. تتساءل الشاعرة ابتسام الصمادي"  بشفافية مطلقة:

"الشعر.. يا للشعر،  كيف يتربص بالصبايا على بوابات المدارس.  داخل الشعر تفتش البنات عن رجل يكتب فيهن ما يتمنين سماعه، داخل الشعر يموت العاشق شوقًا،  عندما يلمح قصيدة تشبه حبيبته" ص8.

" داخل الشعر أنت على نقطة  ساكنة يسميها المتصوفة نفطة الصفر، التي تربط مبتداها بمنتهاها،  ربما هو الزاوية الحادة من مثلث متوازي الحياة والموت"ص9.

"أم هو نقطة الماء التي تفلق الصخر بهدوء شديد،  وتأن مزمن دون  ضجيج الضرب وقساوة الطرق!! " ص9.  رؤية الشاعرة تنبثق من فلسفة عميقة لرؤية الحياة من زوايا مختلفة،  وملاحظة ماوراء الواقع بعين خبيرة،  تمتلك تفوذا سريا على محيطها، كل ذلك سعيا منها للتغيير،  أي أن سلاح الكلمة أقوى ألف مرة من قوة الرصاصة،  تذهب اليد الضاغطة على الزناد وتبقى الكلمة.

المجموعة الشعرية "والشوق شأنك"  جاءت مقسمة إلى ثلاثة أبواب. الباب ضم العديد من القصائد.  وكانت إحداها ذات العنوان الذي احتل الصدارة عنوانًا رئيسًا للمجموعة. 

جميع القصائد تتمحور حول الحب والوطن الموجوع بالخوف، وعلى لسان الشاعرة:

"أنا من بلاد الخوف،  حيطان لها آذان.  وطريدة،  وشريدة البلدان"  ص48.

"وأنا شآم الله فُك رتاجها،  فاجتاحها النمل المميت يصول" ص46.

والشام في عيني "ابتسام الصمادي" يتمثل فيه الكون بأجمعه، ولا تفتأ تستعيد تاربخ مجد بناه الأجداد، وبقولها:

"تتعفّن الدنيا بلا شمس إذا.. انطفأت بيوم، فالشام بديل// لبني أمية في العروق صواهل..  عدّوا الأصائل فالدماء خيول" ص45.

وبتتبع بسيط  لبعض مفردات متفرقة من  النصوص،  نقرأ هوية الديوان: (قاسيونك. أصفاد المنافي. دمعي همى. الدخيل. العواصف. أوجعني. السجن. الحروب. الوحوش. افتش عن صباح. الطاغوت. قطعت يداي. الإرث الخفي. يُحطب. تبت يداه. تهرب بسمتي. أين المصير) هذا أنموذج من دلالات تختزنها الكلمات.

وفي قصيدة "الغريب (أوباما)" تصب الشاعرة  جام غضبها على تردد العالم  الذي يدعي أنه حر.  في الانحياز للإنسان وقيم الحرية والعدالة،  بل انحاز للقتلة والمجرمين. ورغم هذا وذاك تصرخ: "أموية.. تجري الخيول بدمعتي، شآمية..   جرح القطا ببسالتي//حزني الجميل برغم يتم نسيجه،  يبقى شفيفا لا يزعزع هامتي" ص27.

الباب الثاني (باب التغريد)

 وبتعريف الشاعرة له: (قصائد قصيرة جداً (ق ق ج) التغريد فن حديث كانت العرب تسمي أجمل بيت (ببيت القصيد) واليوم هو (التغريد) الفرق أن بيت القصيد يخرج من القصيدة ويعود إليها أما التغريد فإن القصيدة تخرج منه ولا تعود إليه) ص55.

والباب الثالث والأخير:

لا أظنُّ إلا أنها قصائد غاضبة  على غرار قصائد "نزار قباني"." قصائد مغضوب عليها"،  مغضوب عليها من الدكتاتور،  ولكنها تبث الغضب في وجهه،  وتقول له:"إرحل.. نحن  الباقون المتجذرون.. والوطن لنا..".

(نصوص شعرية في زمن أغبر تطعن فيه المنظومة الأخلاقية الجمعية للبشرية، يخرج السؤال الكبير: هل من إبداع يتخطى حدود الہم الخاص ويتمركز في البقاء الأسمى لمخزون حضاري يرقى أن يكون إنسانياً، وكونياً؟!

لا تعجبوا إذا شقت القصيدة ثوبها وخرجت للنثر حافية تدوس على زجاج القوافي والتفاعيل) ص 79.

والنص الأخير في هذا الباب.  خاتمة المجموعة "والشوق شأنك"،  حمل عنوانا صادمًا غاصًا بالغضب، وخيبة الأمل للمُخرجات السيئة القذرة طيلة عقد من الحرب والدمار والقتل والتشريد.

(في البلاد التي تضع صخرة في فمك وتقول: عش

ونضع في عمرك صباها وتقول: مت

فلا أنت بحي ولا أنت بميت

تعطيك المنافي ظلها

فتمنحها شجراً من وجودك

فلا وجود لزيتونك ولا ضوء لزيتك...

خذني الى قارب نجوت فيه

لا شيء يشبهني سواه

يطفو كأنه حي

لكنه غير موصل للحرارة

ولا موصل للحنين

أنا الممزوجة بطاقة من دفق الفراتين

من رحيق الياسمين) ص 87.

وختامًا.  يكبر الشّاعر في عيون الجماهير بانحيازه  لقضايا أمته،  ابتسام الصمادي سنديانة حورانيّة إذا انحنت تُكسَر، صلبة  بصلابة البازلت،  فلو أنها انحنت قليلًا كما انحنى الآخرون،  لكانت تحت  أضواء المناصب التي هجرتها من أجل أن تبقى إنسانة حُرّة.

عمّان. الأردنّ

27/ 8/ 2022

الخميس، 25 أغسطس 2022

إضاءة رواية ميرامار. نجيب محفوظ

إضاءة على رواية 
"ميرامار" للروائي "نجيب محفوظ"

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد
قوَّة الأدب عُمومًا تأتي من مادَّته وموضوعاته التي تُعالج قضايا النّاس، وبما يفتح أمامهم آفاق رُؤاهم المختلفة لمعاينة الزَّوايا المعتمة، أو بمحاكاة المسكوت عنه ليس سهوًا بل قصدًا، وبما يُقدِّم من محاولات  لحلول ربَّما تكون جزئيّة، أو بما يُلامس مشاعرهم وأحاسيسهم.
ومن هذا الباب تأتي رواية "ميرامار" للروائي "نجيب محفوظ" التي صدرت بطبعتها الأولى عام 1967، وتُرجمت للإنجليزيّة 1978. "نجيب محفوظ" المولود 1911 في حي الجماليَّة بالقاهرة. يُعدُّ من أشهر الروائيِّين العرب في العصر الحديث؛ وهو أوَّل عربي يحصل على جائزة "نوبل" في الآداب 1988.
(ووفقًا لما ورد عن الكاتب والباحث "شوقي بدر يوسف" في دراسته لسيميائيَّة العنوان عند نجيب محفوظ فقد جاء عنوان هذه الرواية "ميرامار" من مُفردة واحدة، ترك لها المؤلف مسؤوليَّة تحديد الرؤية وفرض المعنى المبثوث داخل المتن الروائي ومفرداته، وكان التركيز على المكان الذي يُدير من خلاله رؤيته لواقع الحياة الاجتماعيَّة في حياة الشُّخوص والأحداث التي تجري فيه) منقول.
مدينة الإسكندريَّة هي مسرح الحدث الروائيِّ وحركة أبطال رواية "ميرامار"،  من بنسيون "ميرامار" ونفس العمارة لها الاسم مع المقهى. أمّا أصل كلمة "بنسيون" فإنَّها فرنسيَّة تعني النُّزُلْ, عادة ما يكون بيتًا عاديًّا ليس مُصمَّمًا للإيجار، ويقوم صاحبه بتأجيره، وغالبًا ما يُقيم مع المُستأجرين.
والبنسيون المكان الذي جرى فيه معظم الحدث الروائي، واللقاءات والحوارات والسّهرات، مكان جمع شخصيَّات وأبطال الرواية تِباعًا، بتسلسل منطقيٍّ من خلال خمس شخصيَّات، توزَّعت حركتها وتفاعلاتها وانفعالاتها السلبيَّة والإيجابيَّة على خمسة فصول. شخصيات الرِّواية تلتقي على غير موعد مُسبق في بنسيون ميرامار، على الرَّغم من اختلاف أماكنهم ونشاطاتهم وأفكارهم وسلوكيَّاتهم، إلا أنَّ هناك رابطٌ جميع بينهم: دافع البحث عن الأمان والدفء والاستقرار حتّى ولو كان مُؤقَّتًا،  فرارًا وهربًا من ماضٍ غير سعيد، وطلبًا لطيه وإخفائه في غياهب النسيان في مكان هادئ؛ اعتقد الجميع بأنَّ البنسيون هو المكان الذي يُلبِّي طموحاتهم ورغباتهم والرَّاحة.
أمّا فضاء المكان الروائيِّ فهو البنسيون، أو هو بمثابة الفندق، يعدُّ مكانًا مُغلقًا، وذلك حصر الحدث الروائيُّ، وذلك تلبية لكل شخصيّات الرواية التي أرادت الانغلاق على نفسها، والابتعاد عن أماكنها الأصليَّة، ولكلًّ منهم سببه الخاصّ به للقدوم للإقامة في البنسيون. تعتبر الأماكن المغلقة للإقامة المؤقتة للزوَّار والسُيَّاح العرب والأجانب، وكأنّ الكاتب أراد الإشارة بذكاء إلى  عدم الاستقرار في الرِّواية.
ليفتح لهم الروائي"نجيب محفوظ" فضاءً مفتوحًا مثل: (الكورنيش. الحدائق. الأسواق. والمحلات التجاريَّة)، وذلك لاستكمال حيثيَّات الرواية التي لا بدَّ منها بشكل منطقيٍّ للقارئ، ولاستكمال سير خطَّة الرواية بإقناع كأنَّه الحقيقة والواقع أو شبيهه، والمكان الروائي هو فضاء مُصغَّر مُقتطع من الفضاء الاجتماعيِّ الواسع، والذي لا يمكن فرد الحدث الروائي ونثره وتشتيته في أماكن كثيرة. يُشار إلى أنّ نجيب محفوظ عالج مواضيع ذات أهميَّة بالغة تمثَّلت بملاحظاته الدَّقيقة، المُصوَّبة على المتغيِّرات الاجتماعية العميقةـ التي أحدثها مجيء ثورة يوليو 1952م، والانقلاب  الشّامل لحياة الشّعب المصريِّ، والانتقال بهم بقفزة نوعيَّة إلى التفاعل الجماهيريِّ الواسع مع قيادة الرَّئيس "جمال عبد النّاصر"،  وعند مجيء عهد جديد  لا بدَّمن الخاسرين والرّابحين المُستفيدين، والحديث بوضوح مرّة، ومرّات أخرى بالكنايات المُرَمَّزة؛ للتعبير عن أفكار الناس البُسطاء والوجهاء والسياسيِّين، ومشكلاتهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، لكافَّة طبقات المجتمع التي تَلَت الثَّورة.
الفصل الأوَّل:  
بدأ بشخصيَّة "عامر وجدي" العجوز الثمانينيِّ، الصحفيٍّ المُتقاعد فاته قطار الزواج أيَّام شبابه، ولم يتبقَّ له من الأهل والأصدقاء، فذهب لبنسيون "ميرامار" المكان قديم انقطع عنه لخمسة وعشرين عامًا، أراد أن يقضي بقيَّة حياته في هدوء، وهو شخصيَّة محوريَّة، فتداخلات الحدث الروائيِّ عبرت من خلاله، وامتدَّت لتتواصل بالرَّبط مع باقي الأبطال والشخصيَّات صانعة الحدث، وبذلك يكون "عامر وجدي" حكيم الرواية، العقل الواعي المُدرِك لما يدور ضمن دائرته الضيِّقة داخل البنسيون وخارجه، بما يمتلك من خبرات، ولم يبخل بنصائحه الصّادقة للجميع، بلا طلب مصلحة شخصيَّة له، فكان يعرف كلَّ ما يدور ويُحكى وخفايا، لأنَّهم ارتبطوا به، وبما يمتلك من كاريزما فقد كان موضع ثقة الجميع. 
الفصل الثاني:
حسني علام، من الوجهاء في محافظة طنطا. وهو أحد ملاكي الأرض الكبار، ويحوز على مئة فدان ورثها عن أبيه. لجأ للبنسيون تاركًا طبقته الأرستقراطيَّة، للهروب من ذل قريبته التي رفضت الزَّواج منه، عندما وصفه بأنه: شخص غير مُثقَّف، وأن المئة فدَّان التي يملكها باتت في مهبِّ الرِّيح؛ فصدمه الشُّعور الخالِ من الحبِّ الحقيقيِّ والعاطفة. وله أخٌ يعمل سفيرًا لمصر في إيطاليا، وأنَّ أخته زوجة سفير مصر في أثيوبيا. يمتلك سيارة فورد فارهة لاستخدامه الشخصي. بالطبع سهر وخمر ونساء. 
الفصل الثالث:
منصور باهي: مذيع يعمل في محطة راديو الإسكندرية،  جاء من القاهرة يعد ضغط  من أخيه ضابط الشرطة الكبيرة،  بعدما حصلت حملة اعتقالات في القاهرة للحزبيين الوفديين والشيوعيين،  جاء من فوره إلى البنسيون بتوصيه من آخيه إلى صاحبة البنسيون المدام ماريانا. 

الفصل الرابع:
سرحان البحيري: وكيل حسابات شركة الإسكندرية للغزل والنسيج.  كُفّت يده عن العمل في  وظيفته، بعد عملية اختلاس لكميات كبيرة من خيوط  الغزل،  لبيعها في السوق السوداء.  بالتآمر مع المهندس المشرف على المشروع "علي بكير". وعند تنبُّع السبب وراء  لجوء سرحان إلى البنسيون، للبحث عن اقتناص فرصة يربح من ورائها صفقة كبيرة، حلم الثَّراء يسيطر على حياته، كما أنَّ فشله العاطفيّ أثناء دراسته الجامعيَّة، جعله يسعى لتحقيق تجربة حب حقيقي؛ لينسى بها مرارة فشل تجربته العاطفيَّة، وقد تحقَّق له ذلك في شخصيَّة "زهرة". طبيعته الانتهازيَّة غير الجادَّة في أخذ الأمور على محملها الصَّحيح والمنطقيِّ، أفشلت سعيه الحثيث بلهفة وراء الحب، وكان من الممكن أن يُتوج بالزواج، وفقدان زهرة وأشياء ثمينة أخرى.

الفصل الخامس:
عامر وجدي: من الملاحظ أن رواية "ميرامار" افتتحها "عامر وجدي"،  واختتمها "نجيب محفوظ"  يفصلها الخامس ب"عامر وجدي"؛ فهل جاء هذا من قبيل الصدفة؟. 
بالقطع لا أبدًا،  كما تقدم فإن "عامر وجدي" هو الشخصية الثابتة في البنسيون، مع صاحبة البنسيون المدام "ماريانا" اليونانية الأصل،  والتي ارتبطت بشخصيَّات كبيرة ونافذة من مختلف أنحاء مصر.  
"عامر وجدي" العقل الواعي،  حكيم الرواية،  يحتكم إلى عقله  في تصريف شؤونه،  وفيمن يتعامل معه،  بإسداء  النصح والتفكير العقلاني،  يحب الهدوء والرومانسية،  وهو خريج أزهري قديم،  وهذا لك يمنعه من السهر مع النزلاء "ليلة أم كلثوم" من كل شهر ضمن احتفالية الطرب والخمر. 
الشخصيات الثانوية:
*طلبة مرزوق: وكيل سابق لوزارة الأوقاف،  لم يفرد له نجيب محفوظ فصلًا خاصًّا به؛  فكان دوره مُكمِّلًا لأدوار الآخرين، رغم أنَّه تشابكت شخصيَّته بعلاقات في معظم صفحات الرِّواية،  مع الشخصيَّات التي قادت الحدث الروائيِّ. و"طلبة مرزوق" ترك القاهرة للتخلُّص من ذلِّ وعار لحق من مصادرة الثورة لأمواله المنقولة وغير المنقولة، ووضعها تحت الحراسة. وليستجمَّ ويُروَّح عن نفسه بلقاء عشيقته القديمة ذات العيون الزرقاء "ماريانا".
*ماريانا (المدام): صاحبة البنسيون، وهي يونانيَّة الأصل، مات زوجها عنها، وبقيت بعد الثورة تعيش في الإسكندريَّة، ولم تغادر مثلما غادر أكثر الأوربيين مصر. فهي صاحبة شخصية قوية وذكية، إضافة إلى جمالها أيَّام ما كانت في عزِّ شبابها.
*زهرة: بنت ريفيَّة من طنطا، كان والدها يُورِّد للمدام صاحبة البنسيون منتوجاته من الألبان والأجبان والبيض البلدي ، بشكل خاصٍّ للمدام، وبعد وفاته أراد والده وهو جدُّ زهرة تزويجها من رجل يكبرها بكثير وهي ما زالت طفلة، رفضت أمر جدَّها وهربت من قريتها إلى الإسكندريَّة، والتجأت للعمل في البنسيون كخادمة عند مدام ماريانا.
*محمود أبو العبَّاس:  بائع الجرائد الذي يمتلك متجرًا لبيع الكتب والمجلات والجرائد على اختلاف أنواعها، ومن خلال عمله تعرَّف إلى "زهرة"، التي كانت تأتي كلَّ يوم لشراء الجرائد من أجل زبائن البنسيون، وأراد محمود خطبتها، لكنَّها رفضته، لما سمعت رأيه الصَّريح بالمرأة بشكل صريح، أثناء حديث جانبيٍّ له مع صديق له. وشخصيَّة زهرة في الرواية، أدخل نجيب محفوظ شخصيَّة محمود؛ لإضفاء المزيد من الإثارة والتشويق، لإحكام الحبكة حول زهرة بمتانة. 
*دُريَّة: زوجة فوزي الأستاذ الجامعي المعتقل بسبب انتمائه للحزب الشُّيوعي، تزوَّجته عندما كانت طالبة عنده، بينما تجاوزت علاقة الحبِّ التي كانت تجمعها بــ "منصور باهي"، عندما كانا طالبيْن في الجامعة، وبعد اعتقال زوجها فوزي عادت العلاقة مع منصور، الذي كان يتردَّد عليها، ظاهرًا ليتفقَّد أحوالها على اعتبار أنَّهما من نفس التوجُّه السياسيِّ للتيَّار الشُّيوعيِّ. إلى أن وصل الأمر بها طلب الطلاق من زوجها المعتقل، لتتزوَّج من منصور باهي، الذي رفض موضوع وفكرة الارتباط بزواج رفضًا قاطعًا، لتنقلب حالة الحب إلى عداء بينهما وجفاء.  
*عَلِيَّة: البنت المُعلِّمة التي جاءت لتعليم زهرة مبادئ القراءة والكتابة، مقابل أجري ماديِّ تتقاضاه عن عملها هذا مدرس خصوصيِّ، ذات يوم كان الدَّرس في صالة البنسيون، وقد استرقت نظرة ذات معنى من سرحان البحيري الذي التقطها بسرعة خبير مُتمرِّس، وراقبها ذات في اليوم في السُّوق ودعاها لتناول الشَّاي معًا في المقهى، واتَّفقا على الزَّواج، رغم اختلاف أهدافهما، هي تبحث عن زواج، وهو يبحثُ عن علاقة عابرة. أما انتهازيته فقد ذهبت به إلى ثرائها وأموالها التي ستجنيها.
*صفيَّة بركات: بنت متهورة في علاقاتها. كان يعرفها المهندس "علي بكير" وكان يسكن معها، إلى أن بدأت علاقته مع سرحان البحيري، الذي بدوره تعرّف إليها، وأصبح يتردد عليها من حين لآخر، إلى أن أخذها معه إلى البنسيون، ولها دور في تأجيج الغيرة في قلب زهرة، المر الذي أثار العراك لأول مرة مع صفية، وسرحان البحيري، وتدخل فؤاد علام الذي تعرف أيضًا إلى صفية بركات، وضرب سرحان، ومن ثم تدخَّل منصور باهي في العراك.
* رأفت أمين: ظهور عابر في آخر الرواية (ص157) صديق المهندس "علي بكير" التقاه سرحان البحيري في حانة "جورج"، وأثناء حالة السُّكُر الشديد بعد خروجهما من الحانة، وأثناء المشي على الكورنيش: "قل لي في الثورة ما تشاء، لا أنكِر قوَّتها الشَّاملة، ولكنَّ الشَّعب مات بموت الوفد". 
ملاحظة لا بد منها:
عناوين الفصول الخمسة جاءت بأسماء الأبطال الأساسيِّين الأربعة. وهذه لعبة "نجيب محفوظ" الحاذقة في البناء السرديِّ الذي اعتمد على قدرة الأشخاص بقيادة الحدث الروائيِّ باقتدار، وبأداء مُقنِع للقارئ بحيث لا يشعر بالملل،  لطبيعة الحدث الذي سار بتوازن في مسار حافظ على تسارعه في معظم جزئيَّات الرِّواية، بالوصول إلى نهاية طبيعيَّة،  من الممكن وصفها، بأنَّ المُجرم لا بدَّ أن ينال جزاءه، وليس هناك جريمة متكاملة أبدًا،  وأنَّ من يتذاكى على الآخرين،  هناك من أذكى منه يسبقونه بمسافات. 
الخاتمة:
المرأة والثورة يُشعلان الوجود، والمرأة بذاتها جموح ثورة الوجود بأكمله، زهرة وثورة يوليو أشعلتا الخطَّ الروائيَّ، بينما زهرة أشعلت عواطف جميع نزلاء البنسيون منذ لحظة مجيئها، وهو ما شكّل عقدة الذّروة الدراميَّة، لتقرر مدام ماريانا صاحبة البنسيون: "لقد سقط النحس على البنسيون، إني واثقة من ذلك، وعلى زهرة أن تذهب؛ فلتبحث عن رزقها في مكان آخر" ص274. شخصيَّة "زهرة" تُعتَبر هي العمود الفقريِّ للرواية، لأنَّها نقطة تشابكات الحدث والتصعيد في الرواية، وحولها تمحور الحدث ومنها وبسببها انطلق.  
البنسيون كان ملتقى الفشل والهروب من الواقع، وبالبحث عن العوامل النفسيَّة للأبطال تتبدَّى هذه الحقائق واضحة جليَّة في ثنايا رواية "ميرامار". في ليلة رأس السنة عاد طلبة والمدام في حالة سكر شديد، جرَّها من يدها إلى غرفته، بينما "عامر وجدي" يراقب المشهد بتحسُّره على ما فات من شبابه، وفي الصباح كان ينظر إلى طلبة الذي انفجر بالضحك، وقال: "لقد كان فشلًا مُزرياً، حاولنا المستحيل، فعلنا كلَّ ما يُمكن تخيَّله، ولكن بلا فائدة، ولمَّا تجرَدت من ملابسها، تبدَّت كمومياء من شمع مُذاب. فقلت لنفسي: يا للتعاسة. وإذا بآلام الكِلى تنتابها..!!، تصوَّر، وبكت، واتَّهمتني بأنّني أُمثِّل بها" ص280.
وختمت الرواية بمقتَل "سرحان البحيري"  منتحرًا بقطع أوردة يده بموسى حلاقة، بينما اعترف "منصور باهي" بقتله أمام الشرطة بعد أن سلَّم نفسه. إلى أن جاء تقرير الطب الشرعيِّ، بأنَّ موت "سرحان البحيري" ما هو إلَّا انتحار، ولا فائدة من اعترافات "منصور باهي".
ورسالة الرواية واضحة بجلاء: الاختلاف حول ثورة يوليو بين مؤيد ومعارض، لكن الجميع يظهرون التأييد العلنيِّ بسبب الخوف، بينما تحت الستار يتحرك المعارضون لها بالخفاء، والانتهازيون اقتنصوا الفرصة للفوز بالمناصب والمكتسبات والسَّرقات. جاء على لسان "طلبة مزوق" في معرض حديثه بعد مقتل "سرحان البحيري" الذي انقلب على وَفْدِيَّته التاريخيَّة: (أراد أن يقنعني بمنطق غريب، وأكَّد لي أنه لا بديل للثورة، إلَّا واحدًا من اثنين.. الشيوعيين أو الإخوان؛ فظنَّ أنه دفعني إلى ركن مسدود، ثم ضحك ساخرًا مني، وتابع: " بل يوجد بديل ثالث. قلت: ما هو؟. قال "أمريكا: قلت بغيظ: أمريكا تحكمنا؟. قال بهدوء حالم: "عن طريق يمينيين معقولين، لم لا؟") ص 281. 
الرواية بكلِّ المعاني عمل أدبي عظيم، يستحقُّ التوقُّف عنده بالقراءة والتدارُس لاستخلاص وهضم جانب مُهم من مشروع "نجيب محفوظ" الروائيِّ، الذي شكَّلت مَعلَمًا  روائيًّا عربيًّا يُعتَدُّ به على الصعيد العربيِّ والعالميِّ.
عمّان – الأردن
الجمعة ـــا 26\ 8\ 2022

الاثنين، 22 أغسطس 2022

مستويات أدب الثورة السورية

 

مستويات أدب الثورة السوريَّة

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد. سوريا

الثورة السُّوريَّة حالة إشكاليَّة بفرادتها بكافَّة مُعطياتها، وذلك منذ أوَّل هُتاف في سبيل الحُريَّة عام ألفين وإحدى عشر (2011) في منتصف شهر آذار الثَّالث من نفس العام، إلى مُخرجاتها ونهاياتها غير المحسوبة بمأساويَّتها، التي توزّعت على ضفاف الكون أجمع، وليس مُستغربًا لو قلنا: بأنَّ الشَّقاء والخسف والعذاب والخوف الذي نال السُّوريِّين؛ لو وُزِّع على سُكَّان الكوْن لكفاهم أجمع.

فهل فعلًا يستحقُّون كلَّ ذلك..!!؟.

جانب الأدب هو الأهمُّ في مسارات الموت والدمار،  والهجرة والتهجير، والاقتتال الطّائفي والمذهبيِّ، وأياد الميلشيات المحليَّة والغريبة الوافدة من خلف الحدود، والتمويل لآلة القتل كلُّ ذلك لم يكن إلّا حلقة وسخة في سلسلة طويلة من الخيانات والمؤامرات على دروب الشَّيطان، والأيادي السَّوداء تُحرُّك بيادقها على رقعة ذات مُربَّعات سوداء وبيضاء، كما رقعة الشَّطرنج تتَّسع لجميع بيادقها ومعاركهم الطَّاحنة، لتصل إلى النهاية "كِشْ مَلِكْ"، وتُسدَل السِّتارة على كثير من الأسرار التي تُنسى وتموت بموت أصحابها.

ومن حقِّ مُتسائل السُّؤال:

لماذا الأدب هو الأهمُّ، وهل بالفعل هو الأهمَّ في معمعة الحدث السُّوريِّ والعربيِّ؟.

بلا أدنى تردُّدٍ يمكن الجزم بذلك، لأنَّ الأدب بجميع مستوياته من رواية وقصة ومسرح وقصائد: هو السِّجلُّ الواعي الصّادق بتدوين اللَّحظة، وبعد مئات السِّنين يُعيد الماضي إلى ساحة الحدث ساخنًا طازجًا، كما وقع ساعة حدوثه عندما حدث.

وعلى الجانب الآخر يجب أيضًا التوقُّف عند قيمة الأدب، وما قيمته إذا لم يكُن مُنحازًا للقيمة الإنسانيَّة المُجرَّدة، للإنسان كَوْنه إنسانًا ينتمي لهذا الجزء أو الطَّائفة، قيمته كإنسان أغلى وأثمن شيء في الوجود.   

إذا جاز وصف أدب المرحلة بالأدب الثوريِّ، لأنَّه عاين وعاصر ودوَّن ووثَّق: الوجع والدُّموع والموت تحت قصف البراميل والكيماويِّ، والذَّبح والتهجير الجماعيِّ الأبارتيد كما حدث في جنوب أفريقيا العنصرية للعرق الأبيض ضدّ السُّود، بينما في سوريا حدث التهجير الجماعيُّ لفئات من الشَّعب السُّوريِّ كما حدث في (حمص والقُصيْر والزبداني والسيّدة زينب)، وسواها من المناطق الكُرديَّة ضدَّ العنصر العربيِّ في شمال وشرق سوريَّا.

في إحصائيَّة للنتاج الأدبيِّ الثَّوريِّ السُّوري، إنَّما هي مُقاربة حقيقيَّة تتماشى مع واقع شعب سوريَّا، الذي تجاوز عقده الأول بسنة ليبتدئ بالثَّاني، فللمُتأمِّل كم فيها هذه الفترة من أحداث مختلفة من الحكايات وممن شاهدوا وعاينوا وعايشوا؛ فكانوا كشاهد عيان، حملوا قضيّتهم السُّوريَّة مأساة التَّاريخ غير المسبوقة بهمجيَّتها المجنونة.

فعلى صعيد الأعمال الروائيَّة المنشورة منها ورقيًّا وإلكترونيَّا ما يزيد على الخمسمئة عمل روائي، جاء بمستويات سرديَّة نقلت، وسجَّلت الحدث بحذافيره الأمينة، فهو أدب مرحلة، عكس صورة ثابتة على صفحات مقروءة في أنحاء العالم، ومنها ما تُرجِم إلى اللُّغات الأخرى؛ ليحمل القضيَّة السُّوريَّة إلى أحرار العالم.

وعلى الجانب الآخر النقيض للأدب الثَّوريِّ، الذي يُمكن وصفه بأأأدب العِهْر المُؤَيِّد للنِّظام، وهو الذي يجنح للتَّشبيح والتعفيش، والدعوة لقتل وتدمير المُعارضين، كما جاء على لسان "أدونيس" أهمَّ الرُّموز الثقافيَّة السُّوريَّة على السّاحة الأدبيَّة العربيَّة، في مقولات أقلُّ ما توصف بأنَّها طائفيَّة حاقدة، وهذا المنحى من الأدب، هو الذي يقول بفكرة المُؤامرة الكونيَّة على النِّظام.

مساران لكلِّ منهما مُبرِّراته المعقولة وغير المعقولة، والواعية والمُضلِّلة، والإنسانيَّة والجاحدة لقيمة الإنسان، والدّاعية لسحق كلِّ ما يقول: لا.. للدكتاتوريَّة. الأدب يكتسب شرعيَّته من عمق تأثيره في الوعي البشريِّ.

مُقابل الأدب الرَّاسبوتينيِّ التَّشبيحيِّ الدِّيماغوجيِّ القائم على المنفعة والمكاسب، والتبرير لكلِّ أنواع القتل والإجرام، التي قام ويقوم بها النظام وأزلامه منذ أكثر خمسين عامًا، ويرفع شعاره الذهبيِّ: "إلى الأبد..". وكأنَّهم ما خُلقوا إلَّا ليكونوا عبيدًا؛ وليبقوا تحت رحمة البُسطار.

وممَّا سيُؤثَر عن هذه المرحلة من حياة السُّوريِّين الثقافيَّة، التعالي والتَّسامي على الجراح من أجل المُستقبل رغم عدم وضوحه،  والتشبُّث في الحياة من أجل البقاء والإسهام بالفعل الإنسانيِّ. وفتح أدب الثورة خلال الفترة الماضية، أبواب أدب السُّجون والمعتقلات، وأدب اللُّجوء، وأدب القوارب والموت غرقًا في البحار، وأدب البراميل والغازات الكيماويَّة السَّامة، والأدب الاجتماعيِّ بوصفه الدَّقيق لحالات الفقر والجهل والمرض، وكلُّ ذلك جرى بتوافق عالميٍّ لِوأْدِ فكر الثَّورة السُّوريَّة وأدبيَّاته السِّلميَّة، وتشويهه بالقتل والإرهاب المُتلبِّس بلبوس الإسلام الزَّّائف، وإيصال سوريَّة والشَّعب السوريِّ للمرحلة الصُّفريَّة، وما أدَلُّ على ذلك، إلَّا من مُؤشِّرات التضخُّم الاقتصاديِّ، وتهديم جميع البُنى الاقتصاديَّة والخدميَّة للبلد.

وهذا ما جاءت عليه بالتدوين والتَّوثيق أدبيَّات هذه المرحلة، بالوصف الدَّقيق، والتحليل  المنطقيِّ  بواقعيَّته،  من خلال الأعمال الروائيَّة التي أفرزتها طبيعة المرحلة من حياتنا كسوريِّين.

عمّان الأردن

ــــــا 22\ 8\ 2022

 

 

 

 

 

 

 


الأحد، 14 أغسطس 2022

تقديم ل لإيمان الباعوش

تقديم

 

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد. سوريا

 

لم يكن التّاريخ إلّا سجلًّا ناصعًا وثّق صانعيه، وليس صحيحًا أنّه يُكتَب فقط على أبواب الملوك والأمراء والقادة، ولا هم وحدهم صانعوه، بل هو تركة مشتركة ساهمت فيه جميع فئات المجتمع.

وللحقيقة فإنّ معظم المؤرّخين قديمًا لم ينتبهوا لفئات المجتمع كافَّة، جهلًا أم تجاهُلًا منهم، فكلّ ما نقرأ الآن من مواد تاريخية، ما هي إلا تكريس لفكرة القائد صانع النَّصر والأمجاد. بينما الجنود لا يُذكرون ولو بكلمة واحدة، لذرّ الرماد في العيون. رغم أنَّهم حملوا السِّلاح وقاتلوا في الميادين، مُضحِّين بأنفسهم، باذلين  أرواحهم رخيصة في سبيل مبدئهم المُفتَدى.

وفي العصر الحديث انتبه المؤرِّخون للتاريخ الشعبيِّ الذي لم يُكتَب من قبل، ومنهم المُؤرِّخ. "د. قاسم عبده قاسم" من مصر. وفي كتابه "إعادة قراءة التاريخ" سطّر وأطلق فيه تأمّلاته حول القراءة الشعبيّة والدينيّة والروائيّة والسينمائيّة للتاريخ، بل ورؤية الآخر من خلال التاريخ؛ تنظيرًا وتطبيقًا، وقد كان بصيرًا بأنَّ التاريخ -إنتاجًا وقراءةً- لا يمكن أن يخضع لقراءة واحدة أبدًا.

وبهذا المفهوم يكون التَّاريخ ليس حكرًا على الحروب والانتصارات و الانكسارات، بل إن جميع مجالات الحياة يجب تدوينها وتوثيقها لأنَّها جزءٌ لا يتجزَّأ، ومادَّة أصيلة من موادِّ التَّاريخ.

ومن ذلك المنحى هذا البحث الذي بين أيدينا "الفلسفة والطبُّ في الفكر العربيِّ الإسلاميِّ" للباحثة "إيمان الباعوش" من المملكة المغربيَّة. حيث اختارت نموذجًا لهذا العنوان "موفق الدين عبداللطيف البغدادي" من علماء ومؤرِّخي القرن الثالث الهجريِّ. أيَّام الدولة العباسيَّة. فتقول الباحثة في مقدّمة بحثها:

(فبحثنا المعنون بالفلسفة والطب في الفكر العربي الإسلامي، وتحديدا فترة القرن الثالث عشر، أي ما بعد موت الفيلسوف ابن رشد وحكاية أن الفلسفة والعلوم دخلت عصر الانحطاط، ليأتي تلامذته من بعده، ومن أهمهم: البغدادي وابن طملوس، وغيرها من الأسماء الأخرى ذكرها الدكتور محمد بن شريفة في كتابه ابن رشد الحفيد)، وبذلك تتَّضح هويَّة ووجهة البحث بشكل دقيق.

وبالتوقُّف في رحاب عتبة العنوان المُفصِحَة عن مسار الدِّراسة التتبعيّة لتاريخ الطبِّ الذي تتجاذبه الفلسفة قديمًا؛ لنجد أنفسنا نُفكِّر في الرَّابط النَّاظم للموضوعين المتباعدين ظاهرًا. لكن لو عدنا للمنطلق اللَّغويِّ، وعرفنا أنَّ المدلول الحقيقيِّ للفلسفة هو "الحكمة"، والفيلسوفُ حكيمٌ، والطبّ هو تحكيم، والطبيب حكيمٌ، فمن الممكن أن يكون الفيلسوف خبيرًا بتطبيب الأمراض والأوجاع وطرائق معالجتها، وقادر على توصيف حالات وتحوُّلات المرض، وبذلك يكون طبيبًا. ومن هنا يمكننا القول بأنّ: "كلّ فيسلوف طبيب، وليس كلّ طبيب فيسلوف"، وكل فيلسوف حكيم، وهو ما كان مصداقًا للآية الكريمة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .

البحث في حقيقته تاريخيٌّ فصَّل  العلاقة بداية بين الفلسفة والطبِّ، وتطوُّر العلاقة لمستويات ممارسة الفلاسفة لطبِّ الأرواح والنُّفوس، وهذا ما يُعبَر عنه عادة  بالمفهوم المعنويِّ، ومن ثمَّ للانتقال إلى المرحلة الماديّة في معالجة الأبدان.

وبعد عصر الفتوحات الإسلاميَّة للبلدان والأمصار، تتجلَّى قمَّة التجاذب الحضاريِّ بين المسلمين، والأمم الأخرى بالتأثُّر والتأثير. الجوار يفرض شروطه بالقوَّة على الطَّرفين، فمن المستحيل فرض جدران العزلة والتقوقع في وجه الفعل الحضاريِّ، الذي يفرض نفسه بقوَّة حضارته الدَّافعة لنتاجاته وأسبابها للآخر في الجوار.

وجاء البحث تأصيلًا لهذه العلاقة، وهو ما أثبته بمقاربات للمادَّة التاريخيَّة المتناثرة في بطون الكتب القديمة والحديثة، والجهد كبير الذي قامت به الباحثة، وأحسنت في صنع مادَّتها التأريخيَّة، وهي تتشابه في بعض جوانب بحثها مع المستشرقة الألمانيّة "زيغريد هونكة" التي ذكرت في كتابها الشهير "شمس العرب تسطع على الغرب" جوانب من الفعل الحضاريّ العربيِّ الإسلاميِّ، وكذلك مع المفكر "رفاعة الطهطاوي"، الذَّاهب من الشَّرق من مصر إلى فرنسا للدِّراسة، فكان رسول الشَّرق إلى الشَّرق بكتابه "تلخيص الإبريز في تلخيص باريز"، بما نقل ووصف كثيرا من مشاهداته وملاحظاته في حياة الفرنسيِّين، بنيَّة أن التحفيز لتصبح مصر حديثة ومُتقدِّمة، والكتاب يُصنَّف في أدب الرَّحلات، لكنَّه جاء على وصف المستشفيات والوضع الصحيِّ والطبيِّ في مواضع منه، وبشكل دقيق حاذق.

 

عمان. الأردنّ

15/،8/ 2022

 

 

 

الخميس، 11 أغسطس 2022

فضاءات المكان في رواية الملعون المقدس

 

 

فضاءات المكان الروائي

في

رواية) الملعون المقدس) للروائي محمد إقبال حرب. لبنان

 

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

للمكان الروائيِّ أهميَّة مختلفة عند الكاتب الروائيِّ، ولا تتفجَّر الحوادث والمفاجآت وعُقدة مشروعه الروائيِّ، إلَّا في مكان فسيح يتَّسع لرُؤى الكاتب، ويحيط بخياله الجامح بنزوعه السَّرديِّ لاستكمال المشهديَّة حسب مساحات تفكيره، وأدائه بطريقة إدارة فكرته التي يُدندنُ حولها.

فالمكان هو الأرضيَّة الصالحة للبناء السَّرديِّ لأيِّ عمل قصصي قصير أو طويل (رواية). وهو العنصر الذي لا غنى عنه أبدًا مهما علا أو دنا أيّ عمل، كلُّ ذلك تحت ملاءة الزَّمن الروائيِّ. المكان سيرة شخصيَّة لاصقة لمن استوطنه، وأودع فيها ذكرياته.

 

وصف الرواية:

بكلّ وضوح تُعلِن الرواية عن هويَّتها الاجتماعيَّة؛ فالمجتمع صانع الحدث بكافَّة تفاصيله، وهو حاضنة الحدث، وذاكرة مُتجدِّدة على ألسنة أفراده تُعيد وتزيد في جُزئيات الحدث؛ ليصبح قصَّة أخرى مزيدة ومُنقَّحة، لكنَّها بالقطع غير النُّسخة الأصليَّة البِكْر، ومع تقادم الزَّمان يتضخَّم الحدث، ويُعطى هالات أخرى منها البطوليَّة والقُدرات العقليَّة الفائقة و هالات التَّقديس.

رواية "الملعون المقدس" فسيفساء مجتمعات القاع المليء بالتناقضات بين المحافظة والانحرافات، ولكلِّ المجتمعات ثوابتها من الأعراف والتقاليد المُتوارثة والأخلاق والدِّين والإيمان، التي هي بمثابة قوانين تصون الجماعة، بينما إذا تعرَّضت للاختراق من بعض الأفراد، يُنظر إليهم بأنَّهم فاسدون مُنحلّون، عندما تجرّؤوا على خرق قوانين الأنا الأعلى (المجتمع)، المنظومة الاجتماعيَّة بأكملها تثور عليهم من أجل الدِّفاع عن قِيَمهم، وحماية أنفسهم ممَّا سيُلحِق بهم من هؤلاء القلَّة الخارجة عن طوْق الجماعة.

الروائي "محمد إقبال حرب" تلمَّس بحسِّه، وصبره المُتأنِّي زوايا القاع الاجتماعيّة المُظلمة، حاول سبر أغوارها بكلِّ اقتدار وَصْفيٍّ، بتصوير عدسة خبيرة ببواطن الأمور، والذَّهاب بعيدًا لاستبطان دواخل وتهويمات نفوس أبطاله، ليدخل في دائرة التَّحليل النفسيِّ للواقع ودوافعه.

وتأرجح الحدث الروائي ما بين الحالة المثلى من السُّلوك الآدميِّ القويم، الذي يُشار إليه فلسفيًّا بالفضيلة، ونقيضها الرَّذيلة المنحدرة سلوكيًّا وأخلاقيًّا. التناقضات الاجتماعيَّة الصَّارخة قضيَّة قديمة مُتجدِّدة، ناقشها المفكِّرون والمصلحون، ونبَّهوا للأخطار المتولِّدة عنها.

 

فضاءات المكان الروائي:

تعدَّدت الأمكنة التي طرقتها الرواية، كميدان مارس فيه الأبطال نشاطاتهم المختلفة، لتصبح حدثًا روائيًّا يُعتدُّ به، مُتجانسًا في سيْر أحداثه المتوافقة المتناغمة، وكان لوحدة الموضوع الدَّوْر الأكبر والأبرز في جعلها لوحة متكاملة، هنا لا بدَّ من الإشارة إلى خبرة عريقة عند "محمد إقبال حرب"، مُستندة إلى مخزون معرفيٍّ عميق، وقاموس غنيٍّ بالتعابير والمفردات.

من المعلوم أنَّ لكلِّ مكان فضاء، ومساحات أتاحت تحرُّك البطل بفعل ما، لصنع وإنتاج حدث معين، وهذا من ضروريَّات القصِّ والسَّرد الروائيِّ.

وبتتبُّع ظاهرة تعدُّد الأمكنة في رواية "الملعون المقدس"، كان لزامًا إبراز الموضوع كجانب مُهمٍّ، وإعادة تدوير وتجميع المتناثرات في صفحات الرِّواية؛ لتصبح مادَّة واحدة تحمل صفة موضوع متكامل:

1-المملكة العربية السعودية: فضاء مكاني اشتمل على جزء من الحدث الروائي، والمملكة جزء من فضاء جزيرة العرب، وهي جزء من فضاء الشرق الأوسط ومن قارة آسيا ومن العالم أجمع.

*(الرياض): فضاء العاصمة الإدارية تتوزع إلى فضاءات عديدة كالبيوت والفلل والعمارات والأبراج والشوارع والحدائق والمستشفيات والسجون والكباري، غير ذلك.

*(المستشفى): فضاء يفضي إلى فضاءات غرف الانتظار، والعيادات الخارجية، وغرف العمليات، وعنابر المرضى الجماعية، والغرف الفردية، والأجنحة الخاصة، والحمامات والمطابخ، ومرائيب السيارات.

 

 2- لبنان (ضاحية برج حمود):

وفي مثل هذا المقام لا بدَّ من الرُّجوع إلى التاريخ، لمعرفة ملابسات نشوء هذه الضاحية في جنوب بيروت، وكيفيَّة تكوينها الديموغرافي: (تبدل ضمن قطاعات آل ابي اللمع حين قصدها الموارنة منذ بداية القرن السابع عشر وبنوا فيها كنيسة على اسم القديس ضومط ما زالت قائمة حتى اليوم واخضعت مرارا للترميم واعادة البناء. يومها كانت الزراعة هي مصدر العيش الوحيد.

ثم قدم أمير يُدعى حمود أرسلان وبنى فيها، قبل نحو مئتي سنة، منزلًا مُرتفعًا، اعتُبر بُرجًا بالنسبة إلى المنازل التي حَوْله. ومنه أخذت المنطقة اسمها (برج حمود). تغير وجه المنطقة مع وصول أول اللَّاجئين الأرمن إليها هربًا من المجازر التي تعرَّضوا لها على أيدي العثمانيين منذ 1915 وحتى العام 1922 . جاء هؤلاء يحملون مآسي تهجيرهم والفقر الذي خلفهم. نصبوا الخيم أولًا قبل أن يبدؤوا ببناء منازلهم من الخشب والصفيح، وراحوا بعدها يحولونها تدريجيًّا إلى الحجر، ونظَّموا أنفسهم وتساعدوا. بنوا المدارس والكنائس، وبدأت هذه المنطقة تجتذب لبنانيين من الأطراف البعيدة، لاسيما من العائلات الشيعيَّة الجنوبيَّة والبقاعيَّة بحثًا عن حرف جديدة تُكتسَب، وفرص عمل تمنُّوها أفضل.

بدأت العائلات الوافدة تتملك في برج حمود والنبعة، وهي حي من أحيائها، لاسيَّما بين العامين 1946 - 1948 حين لبى عدد من الأرمن الدعوة بالعودة إلى وطنهم الأم. باعوا بعض ما اشتروه إلى أبناء الأطراف من الشِّيعة الذين راحت أعدادهم تتزايد طلبًا للعلم والعمل المفقود في قراهم. بدورهم بنوا مدارسهم والجامع والحُسينيَّة. ولم يأت العام 1975 إلَّا وكانت النبعة وبرج حمود ،كما الكرنتينا وتل الزعتر وبعض اطراف الدكوانة ضاحية بكل تفاصيل ضواحي المدن في العالم الثالث) عن مصادر النت.

ممَّا تقدَّم من هذه النَّبذة التاريخيَّة عن فضاء منطقة برج حمُّود، يبدو أنَّها كانت من فضاء العشوائيَّات على أطراف فضاءات مدينة بيروت.

ومُخرَجات مثل هذه الفضاءات، لا شكَّ أنَّها نتاجات للفقر والعَوَز والجهل، المُفضِيَة جميعها إلى عوالم الجريمة والانحراف والمخدِّرات، كما حدث لـــ"عرقول" بطل رواية "الملعون المقدس" من جريمة تحرُّش واغتصاب من صاحب الدُكَّان المُنحرف، وهكذا انتقل إلى فظاعات منحرفة، مثل زنا المحارم، اعتبارًا من الأخت والبنت، وممَّا تتقزَّز منه الفطرة السَّليمة. كلُّ ذلك جرى في فضاءات من العتمة الرَّاسبة في قاع القاع غير المرئي للعلن، بل كان مُستترًا خاصًّا بممارسيه وضحاياهم، ولم تكن حالة عامة ترتقي بتصنيفها كظاهرة.

 

3-شارع الحمراء وسط بيروت:

وهو فضاء ورد في الرواية كجزء من فضاء وسط بيروت التجاريِّ، المشتمل على العديد من فضاءات المحلَّات التجاريَّة، والمقاهي، والمكاتب، وعيادات الأطبَّاء، والعمارات الشَّاهقة، والعديد من الفضاءات الثقافيَّة كمسرح البيكاديللي الشَّهير، والعديد من دور السِّينما، كما لا ننسى فضاءات النَّوادي الليليَّة (نايت كلوب). وغير ذلك.

 

4-السجن:

فضاء مكاني احتُجِز فيه البطل "عرقول"، فهو شبيه السِّجن. لأنَّ عرقول تعرَّض لخديعة استدرج من خلالها للمجيء، وهي محاولة اختطاف وتغييب واحتجاز للحرية. هذا الفضاء كونه شخصيّ، للانتقام من عرقول، جرى كلُّ ذلك بعيدًا عن أعيُن القانون ورجال الأمن.

-فضاء الحمام في السجن:

والحمام هو جزء صغير أيضا من فضاء مكان الاحتجاز أو الاختطاف.

 

الأماكن الخفيَّة في الرِّواية:

الكاتب افترض أنَّ هناك بديهيَّات معلومة وماثلة في ذهن القارئ، كالمشاهد الخفيَّة المكمِّلة للحدث، وهو نوع من الاستغناء لتجنُّب ملل الإطالة، وكذلك لإشراك القارئ وتوريطه في مُتابعة قراءته بتشويق، ولربطه مباشرة مع النصِّ ليكون شريكًا فيه، وبالتَّالي يستطيع أن يتحدَّث عنه، وربَّما يعتنق ما ذهب إليه من آراء، وبالتَّالي سيدافع كالكاتب عن النصِّ وفكرته. الأمر الذي يحسب لأيِّ نص كرصيد ثمين.

وهناك أيضًا من الأماكن الخفيَّة التي لم يرد ذكرها في الرواية صراحة  وعلنًا، بينما جاءت مُضمرة بدلالة الحدث أو كلمات:

- البيت في لبنان والسعودية.

- أماكن الترفيه واللقاءات.

-أماكن مارس فيه انحرافاته، كالشقق المخصصة لذلك، أو زوايا الشوارع والحدائق المظلمة، واماكن التسوق وشاطئ البحر والبارات.

- السيارة: وهي فضاء مكاني لا غنى له لاستكمال الحدث.

- مكاتب السجان: المكان الذي كان يدير سجنه من خلال تقنيات صوتية ومرئية من فضاء آخر غير فضاء غرفة السجن.

- كلمة القاضي تستدعي فضاء قاعة المحكمة.

- كلمة الفراشة تستدعي الحقول والورود النسيم، والطبيعة من الحبل والشمس وزرقة السماء.

- كلمة السماء تستدعي فضاء واسعا من القمر والشمس والنجوم والمطر والثلج.

- كلمة الكوخ: تستدعي العشوائيات والفقر والاكتظاظ السكاني.

- كلمة المغارة فصاء مفتوح على عوالم مجهولة مثيرة للخوف والرعب، فضاء العتمة والظلام والاشباح.

- البئر كلمة تفتح فضاءات رؤى للماء والعطش.

هذه الطَّائفة من فضاءات الأماكن الخفيَّة، فتحت الرُّؤى لتحفيز الذِّهن للتفاعل سلبًا أو إيجابًا. جاءت هذه الأمثلة على سبيل المثل وليس الحصر؛ فالرواية مليئة بفضاءات مكانيَّة، وكذلك مشاهد خفيَّة. وهي نقطة تُحتَسَب لقدرة الروائيِّ "محمد إقبال حرب" إيصال رسالته الفكريَّة للمتلقي.

 

الخاتمة:

وللتأكيد على الموضوع من بدايته، فإنًّ رواية "الملعون المقدس": هي كتاب عبارة عن فضاء قِرائي ذي مضمون فكريٍّ، احتوى بين دفتيه على فضاءات زمانيَّة ومكانيَّة، مارس فيها الأبطال حكاويهم بحُريَّة وطلاقة، جميعها لا تخرج عن رأي الكاتب، وضمن ترتيباته، والتي من خلالها سطَّر ملحمةً اجتماعيَّة بأعتى قساوتها على النَّفس السويَّة، الحدث السرديِّ كأنَّه مُستنقع قذر خرجت منه كلَّ قذارات البشريَّة المُقرفة والمقزِّزة، أصابني الغثيان أثناء القراءة. معاناتي النفسيَّة كانت كبيرة، فلم تحتمل نفسي ولا عقلي، تعبت أعصابي، كقارئ تأثَّرت بالوصف، فما هي الكاتب "محمد إقبال حرب" كانت أثناء الكتابة؟. لا شكَّ أنَّه عانى مخاضًا صعبًا.

محدودية أبطال الرواية (عرقول - دورين – السجَّان) بأدوارهم الرئيسة، ومن خلالهم جرت تفرعات الحدث السرديِّ بشخوصه الثانويين، وبأحلامهم وآمالهم، وإحباطاتهم، والصدمة النفسية بالانحرافات الأخلاقيَّة والسلوكية، والقتل والإجرام، كلها مُخرجات تربوية فاسدة للحرب اللبنانيَّة على مدار سبعة عشر عامًا، وكذلك الفقر والأوضاع الاقتصادية السيِّئة ساهمت إلى حد كبير بالدفع الحثيث إلى الهاوية والدمار.  

 

عمّان – الأردن

ــــا 11\ 8\ 2022

 

الأربعاء، 10 أغسطس 2022

فراءة أحمد العربي. خلف الباب

 

قراءة في رواية: خلف الباب.

الكاتب: محمد فتحي المقداد.

مخطوط، ب د ف، ٢٠٢٢م.

 

محمد فتحي المقداد روائي سوري مُجد ومتميز، قرأت له ثلاثيته السابقة، الطريق الى الزعتري وفوق الارض ودوامة الاوغاد، حيث رصد واقع اللجوء السوري في الحدود الاردنية السورية، من تداعيات عنف النظام بحق السوريين بعد الثورة السورية التي حصلت في ربيع ٢٠١١م.

هذه روايته الجديدة خلف الباب تعتبر استمرارا لذات المسار ومتابعة لواقع اللاجئين السوريين، بدء من مخيم الزعتري حيث كانوا او استمر بعضهم وحيث اصبحو في بقاع الدنيا بعد مضي احد عشر عاما على الثورة السورية.

خلف الباب رواية تعتمد أسلوب السرد بلغة المتكلم على لسان الشخصية المحورية في الرواية.

 حيث يبدأ متحدثا عن رؤيا أقرب للواقع وهي من صنع الخيال، عن لقاء يحصل بينه وبين أبي ذر الغفاري، يناقشه به حول اسلامه وعبادته لله الواحد قبل لقاء الرسول محمد ص واعلانه الايمان بالاسلام واستمرار حياته مصاحبا للرسول ص. وكيف كان نموذجا للصدع بالحق، واختلافه مع الظالمين، كان قاضيا في الشام، لم يهادن معاوية والي الخليفة عثمان في الشام، واشتكاه إلى الخليفة، الذي نفاه للربذة. فعاش وحيدا مناصرا للحق ومات وحيدا في منفاه، أراد الكاتب مخلق مقارنة بين حكام دمشق عبر التاريخ وان الاستبداد والظلم كان سمتهم الأساسية، في مقارنة مع النظام المستبد السوري…

 اعتمد الكاتب السرد على لسان شخصيته المحورية وكذلك بذات الأسلوب عندما ينتقل منبر السرد الى صديقيّه اللذيّن كان قد التقى بهم في مخيم الزعتري بداية اللجوء، ثم تقطعت بهم السبل، حيث بقي صاحبنا "فطين" في الاردن ومن ثم عاد الى بلدته في حوران، أما أصدقاؤه فقد وصل لجوء أحدهم إلى فرنسا والثاني الى السويد.

يعتمد الكاتب الخلط بين شخصية الكاتب الاساسية محمد فتحي المقداد، والشخصية المحورية للرواية فطين حيث يتحدث فطين عن نفسه أن يعمل على كتابة روايته الرابعة عن مآل من عرفهم في مخيم الزعتري ايام الثورة الاولى وهو منهم، وهذا واقع محمد المقداد ذاته.

كما أن الرواية تعتمد متابعة واقع حياة اصدقاء فطين البعيدين عنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتناوب على منصة السرد هؤلاء الاصدقاء الثلاثة.

يكاد ان يكون واقع الحياة في المخيم كما عاشوه جميعا، محور تواصل الاصدقاء الثلاثة في الرواية، وكأن مرور الزمن لم ينفع في النسيان والتجاوز. نعم عُمر الأسى لا يُنتسى…

لقد كان المخيم الوطن البديل الذي وُجد على عجل للسوريين المظلومين الذين وجدوا انفسهم تحت سيف النظام المجرم الطائفي وحلفائه الطائفيين الإيرانيين والمرتزقة من الميليشيات على الارض والروس من الجو، يقصفون ويقتلون ويدمرون و يجتاحون البلاد كالجراد ويعتقلون ويسرقون، يمتهنون الكرامات ويعتدون على الحرمات في حوْارننا الثائر.

 عندها كان الهروب هو الحل الوحيد المتاح للنجاة بالنفس وبمن بقي حيّا من الاهل، مع متاع قليل لا يسمن ولا يغني…

المخيم لم يكن مكان استراحة ومنتزه، حيز خاوي في الصحراء بما تعني من طقس قاس على الانسان. لقد تبين أن في المخيم تمييز بالتعامل، وأن هناك متحكمين به. البعض اُعطي كرفانات جاهزة في ظروف اكثر راحة للعيش. والبعض وضع في خيم جاهزة، والبعض اعطي خيما وعليه أن يبنيها بنفسه.

مع الزمن تبدأ معالم المخيم بالايضاح، هناك مجتمع صغير جديد تشكل، لكنه يحمل كل ايجابيات المجتمع السابق من حرص وأثره وإكرام ومودة، ويحمل كل سلبيات الحياة السابقة، فهناك عديمي الاخلاق والمنتفعين من نكبات الآخرين. يضاف الى ذلك التمييز بالمعاملة من الإدارة و ممّن نصبوا انفسهم متحدثين عن أهل المخيم، لقد بدأت تظهر السرقات من لوازم المخيم، تُهرّب خارجه وتُباع  لصالح شبكة لصوص منتفعين خارج وداخل المخيم. كما بدأت تظهر النعرات المناطقية والصراعات التي قد تودي بحياة البعض لأسباب تافهة، وبدأت تظهر شبكات المستفيدين من واقع الناس المأساوي ذلك. حيث قام رجل ادعى أنه شيخ وبدأ يفرض حضوره ، لقد رعى زواجات لكثير من الفتيات القاصرات على كهول من الدول الخليجية بعمليات فساد تشبه البيع والشراء لعبيد في سوق النخاسة، الرشاوي للوسطاء، بحيث كانت حياة الكثير من الفتيات المتزوجات اقرب للجحيم. البعض منهن تطلقوا دون الحصول على مؤخر المهر، والبعض انتحرن، والبعض أُودعنّ السجن بسبب احتيال الوسطاء والأزواج الهاربين بعد أن فرغّن عقدهم الجنسية. هذا غير التربص بحياة الناس من بعض الشبان الساقطين اخلاقيا واللصوص، وبدأت تظهر حالات اعتداء جنسي و خطف وطلب فدية، بحيث احس الناس انهم لم يعودوا يحسوا بالامان الذي غادروا بلادهم للحصول عليه. لم تكن ادارة المخيم من الاردنيين تتدخل بما يحصل في المخيم. لعله تواطؤ او ان الكثير لا يشتكون خوفا من الفضيحة في قضايا الاعتداءات الجنسية، ولان الغريم غالبا ما يغيب في الظلام ولا يعرف من هو. ظهر الانتحار لبعض اهل المخيم خاصة الفتيات المعتدى عليهن، وظهر الحمل على بعض الفتيات، وتفاخر البعض بذبح اخواتهم دفاع عن الشرف المدعى. الفاقة تطل برأسها في المخيم، الحياة مستمرة في الحد الأدنى المساوي للجوع. أصبح الهم اليومي للناس انتظار الحصول على الخبز و بانتظار الدخول الى الحمامات العمومية لساعات.

لم يعد للناس أي أفق في المستقبل يفكرون به خارج الحصول على الحاجات الدنيا من اجل الاستمرار بالعيش…

كل ذلك دفع اهل المخيم للتفكير بشكل جدي بالبحث عن بدائل للحياة خارجه.

بالمآلات لم يستطع فطين ان يصبر اكثر، ينظر باتجاه بلدته بصرى، يعاني يحن الى بيته وأرضه وحياته السابقة، يخاف ان يعود، وأن يُنكل به، لكنه يقرر العودة، يصل بلدته يعيش فيها، لكنه يجد بلدا غير البلد والناس غير الناس، النقص في كل شيء، الفاقة تلف حياة الناس، الغربة في الوطن هي احساس بغياب أي مقوم للحياة فيها…

 مازال غريبا ومتألما ومظلوما حتى في بلدته…

اما صديقاه اللذان وصلا الى السويد وفرنسا، وسجلا في مفوضية اللاجئين هناك، فقد احسّوا انهم يحصلون على حقوق كونهم من بني الانسان، اهتمام وسكن وموارد مالية وعلاج، تأهيل للبداية في حياة جديدة، تعلم لغة البلاد وتجهيزهم ليكونوا من بنيتها العاملة المنتجة…

هنا تنتهي الرواية.

في التعقيب عليها نقول:

اننا امام رواية أخرى تتحدث عن تبعات اللجوء السوري، والمظالم التي وقعت على السوريين من خلال استرجاع الحياة داخل مخيم الزعتري، يكشف غطاء عن حقائق عاشها الناس، لنقل عيوب المجتمع الذي كان ضحية القهر والاستبداد والتخلف. وكيف تم اعادة انتاج الاستغلال والظلم على الناس في المخيمات وفق آليات جديدة ومن بشر فاسدين مختلفين عن النظام وأعوانه، وكيف يضطّر الناس للتكيف، حتى لو انخرطوا بالخطأ المعمم ، من يبيع ابنته للزواج المؤقت، من يبيع دينه وأخلاقه ليحصل على اي مكتسب ولو كان تافها، من يعيش على الحرام سرقة وغيرها، طالما أن لا رادع من دولة او اخلاق… وكيف انتقل بعض اللاجئين للعيش في الغرب الاوروبي وانخرطوا في بنيته، وكيف يتم استيعابهم واعطائهم حقوقهم..

الاكثر ايلاما هو أن الوطن لم يعد يريد ابناءه، وان من عاد أو من بقي به يعيش حياة مأساوية على كل المستويات…

مازالت القضية السورية تحتاج لحل يُسقط الاستبداد و يُنصف الناس ويسترد الحقوق ويبني دولة الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية لكل السوريين…

 ولو بعد حين…

 

احمد العربي

٥ . ٨. ٢٠٢٢م.

 

تأملات قرآنية