الاثنين، 11 يوليو 2022

الطريق الى الزعتري. سماهر بأقلامهم

 الطريق إلى الزعتري


بقلم. سماهر السيايدة

غابت ملامح ديارنا كلها.. وها أنا أُسدل الستارة على مرحلة صعبة أصبحت ذكريات، وأقف على ناصية قبري  ذلك الذي أسير إليه بقدمي وبإرادة مني، فهل سيكون مُخيم الزعتري، هو قبري ونهايتي...؟؟..!!


رواية جميلة كُتبت بأنامل ذهبية للكاتب الكبير محمد فتحي مقدادي.... في البداية قرأت منشور لصديق على موقع التواصل  الإجتماعي الفيس بوك بأن هنالك رواية تحمل اسم الطريق إلى الزعتري ولأنني أكتب في نفس الموضوع في  روايتي الجديدة أردت الحصول عليها، وبمساعدة الكاتب طالب الفراية ولمعرفته بالكاتب والذي يعمل في الكرك  حصلت عليها..... رواية تحمل بين طياتها الوجع السوري، ستبكي حتماً وأنت تقلب أوراقها..... كُتبت بلغة بسيطة جميلة قريبة إلينا حيث إنها تحمل الكثير من الأمثال الشعبية التي تصف حالنا حيث استطاع الكاتب توظيفها بطريقة جميلة جدا .... أبو فندي تلك الشخصية التي تأسُرك بالرواية فتتمنى أن تكون شخصيته حقيقية تلتقي بها، على الرغم بأنها تمثل الرجل السوري بشجاعته وصبره وتحمله....... أبو فندي الذي دفن خاتمه تحت شجرة الزيتون حينما غادر وطنه متجهاً إلى مخيم الزعتري هل سيعود يوماً ليُخرج خاتمه أتمنى ذلك.....  أبو فندي  وقف على أبواب مخيم الزعتري ووقفت الكلمات هنالك وانتهت الرواية وحتماً كانت الغصة تتسرب إليك كاتبنا، هذا إن لم تشاكسك منذ البداية كما صادقتني منذ الصفحة الأولى من روايتك وهى غصة مقرونة بالحزن على الوضع السوري..... أتمنى أن يكون توقيع الجزء الثاني في سوريا حينما تشرق فرحة النصر فيها...... أستاذي لقد تجاوزت حدود الإبداع وكتبت بروح الصدق والإنسانية بروح الكاتب الذي عايش الوضع بكل تفاصيلة فما أصعب أن يروي الكاتب قصة وطنه المسلوب......

..... 

كتب الاستاذ محمد مدالله العساسفة/ اضاءة على رواية الطريق الى الزعتري

======== 

الطريق الى الزعتري 

رواية من أدب اللجوء السوري للروائي السوري المقيم في محافظة الكرك محمد فتحي المقداد.

رواية تلخص غربة شعب في وطن وغربة وطن خارج ترابه .

تبدأ حكاية  الغربتين ببدايتين : بداية كبت وبداية صمت .بداية كبت تمارسها كل الأنظمة العربية ، وبداية صمت تستمريها كل الشعوب العربية المتالفة مع السلطة الأبوية الغاشمة.

وأكثر العازفين على لعبة الكبت  الأنظمة حاملة لواء الثورية، بحجة المؤامرة على ثوراتهم والعدو الخارجي والإعداد للمعركة المصيرية مع اليهود . فانجبت ثوراتهم غربة بعد غربة .غربة تنازع القيم الورقية للثورة مع المخرج الفعلي للثوار . لكل منا زعتريه لان كل العرب يعيشون غربة في أوطانهم . نعيش غربة الحاضر بين ما يجب أن يكون وبين الواقع الفعلي من الامتهان الداخلي لقيم العدالة والحرية والمساواة وغربة الامتهان العالمي لكرامتنا ومستقبلنا وامالنا .

تصلح هذه الرواية أن تكون رواية لكل منا فقط بتغيير كلمة الزعتري في العنوان وابدالها بالموقع الذي يتلاءم مع كل منا .

فقبل كل خطوة باتجاه الزعتري تختبيء عصابات من الاوغاد الذين يجدون أنفسهم ومستقبلهم في غرس اسباب الفتنة وأسباب الغربة واسباب خراب الاوطان وشتات الخلق .

الاوغاد اول خطوه باتجاه المجهول .

في النهاية كل الشكر للكاتب السوري محمد فتحي المقداد على توثيقه الادبي لهجرة ودمار شعب وبلد .

-------    


الوفي ابو الحسام اسعد الله اوقاتك بكل الخير.

لا استطيع وصف ما يدور في ذهني اثناء مطالعتي لإضاءتك القيمة التي فتحت افاقا جديدة لروايتي الطريق الى الزعتري. 

الظروف القاهرة التي ألجأت الناس الى ترك بيوتهم وممتلكاتهم، وطلب الأمان والنجاة بأرواحهم وأبنائهم، كانت كلها أسبابا للجوء الى مخيم الزعتري، الطي يعد ملاذا امنا، حيث بامكان المرء النوم بملء عينيه باطمئنان، ولا يساوره الخوف والقلق من مجيء الطائرة ليلا واثناء النوم لترمي عليهم حممها من البراميل، فلا مقارنة بين هكذا وضع وبين الزعتري الذي كان على الرغم من ظروف العيش الصعبة فيه، فهو يعتبر جنة اذا ما قورن هناك فيما وراء الحدود. 

ومن حسن الطالع كان المعاملة الحسنة والاحتضان  من الاخوة الاردنيين مما خفف كثيرا من مأساة اللجوء.

وستبقى رواية الطريق الى الزعتري نقلا امينا وصادقا لما رأيت وشاهدته يقينا. تاركا للزمن الحكم على هذه المرحلة، واعادة تقييمها بالبحث والدراسات الاكاديمية. 

دمت ودام مدادك النابض بالحياة والأمل. تحياتي.

....

(( محطاتٌ اعتبارية، على " الطريق إلى الزّعَتْري " ))

بقلم. زياد صلاح 


إذا ما اتفقنا -  وعلى غير عادتنا في هذا الإقليم المشتعل  -  على أن الأسلوب ، هو  السلوك النظري المقروء للكاتب . وأنه لا ينفصل بحالٍ عن سلوكه العمليِّ المنظور ، فإننا ولا  بدَّ  أن نمدّ أيدينا لنطرق ذلك الباب الذي سندخل منه إلى فضاء معجمٍ جديد ؛ مقتفين ما ينجم من آثارٍ حسيةٍ ، وفكريةٍ ، ونفسيةٍ ، عن انعكاس  خصائص  اللجوء -  كوجودٍ  سالب -  على  النتاج الإبداعي لروائيٍّ كادحٍ ومكافح ٍمثل محمد المقداد. ولا سيما في رواية "الطريق إلى الزعتري" التي تعمّد - مشكوراً - أن يضع في مقدمتها مقولة "طاغور" الشهيرة ، عن كون الزمن ، هو أشرف النقاد. 

كيف لا، وهو الذي كان، وما زال، وسيظل ، أكثر عدلاً من أن يمرّ بأحدنا دون الآخر . فجميعنا نذهب إلى محطة الغد ، في قطارٍ واحد. 


أنْ تحمِل إحساسك الثقيل بما يحدث، متجاوزاً به الحدود التي أضحت تفصل - بفضل (الخلاف) على أسماء الأشياء، وعلى نحوٍ مفجع - بين مرحلتين متباينتين من عمرك المفرّغ قسراً من محتواه، وحياتك المجرّدة من معناها بالإكراه.  

أن لا تجد مكاناً تحت الشمس التي خلقها الله من أجلنا جميعاً، لتقف فيه وتقول شيئاً عما تفكر فيه.. قبل أن يسلمك التعب إلى رصيفٍ افتراضي، محاذٍ لشارعٍ عربيٍّ، تبحث فيه الفوضى عن نفسها، فتجدها بسهولةٍ مفرطة. 

 ثم يغلبك النعاس فتنام، كطائر الفلامنجو، واقفاً على ساقٍ واحدةٍ، داخل فسحة الكلامِ عن حياةٍ يفضل عنها الممات ؛ أولها ظلمٌ وآخرها ظلام. 

أن تكون عاجزاُ حتى عن أن تحزن .. 

ومتروكاً مثل محاربٍ قديم، على هامش الاهتمام بما يعنيك من أفكارٍ جدّ مؤرقةٍ ، وأحلامٍ شبه محترقة..

أن تكون مقيّداً بفضيلة الصمت على ما تكابده خارج المجال الحيوي الطبيعي لوجودك .

ونازفاً دماً ممزوجاً بمغزى هذا الوجود الحالِم، في عالمٍ أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه أكثر من ظالم .

أن تكون أنت، ولكن ، ليس خارج مدى رماية بنادق الأشقاء الأعداء.

أن تكون أنت ، ولكن ، بعيداً حتى عن أطراف أصابعك المرتعشة من شدّة برد اللايقين ..

أن تكون أنت ، ولكن في غيابك .. !!

تلك هي اللعبة غير المسلية، التي كان عليك أن تموت أكثر من مرّة، حتى تتقنها، فيصفق لك الآخرون ، وهم يبتسمون بشفاهٍ مستعارةٍ ، ولسببٍ آخر، ربما يكون أكثر أو أقل أثارة.

أعود ، كقارىءٍ غير مهادن، بصحبتك إلى الوراء.. إلى حرب تشرين على وجه التحديد. وألتقي في حضورك ( بالعم كسينجر ) - كما تسميه في معرض الرواية - وهو يشعل سيجاراً كوبياً ملفوفاً بأصابع بنات الجار الأصغر اللدود، اللواتي يغسلن قلوبهن بمياه الكاريبي الساحر، عند شروق الشمس.. فأرى الدخان وهو يتطاير في فضاء النص، وأقرأ في السطور، وفيما بينها، عن الكيفية التي تتحول بها أرض الواقع، إلى مسرحٍ سياسيٍّ مفتوح .

ها نحن نعيش مجدداً في ظل تلك السياسة القديمة الجديدة، القائمة على المساهمة في إشعال نار الثورات، حتى يطهو عليها " الكبار" ما قد أعدوه وراء الكواليس من صفقات.. فما إن تنضج كما يجب، حتى يعمدوا إلى إخماد تلك النار. يحدث ذلك، قبل أن نعود - وباتجاهٍ معاكس- إلى المستقبل الذي نأمل أن لا يتحول - في غفلةٍ منا .. أو رغماً عنا - إلى ماضٍ جديد.

لكن الحاضر الذي نعيش فيه الآن، مترنّمين بمقطوعاتٍ مؤثرةٍ جداً، تعزفها اوركسترا المدافع العمياء.. إنما يقع، مثل كل الأشياء الآيلة للسقوط من حولنا؛ على حافة الهاوية.  


كل الطرقات لها نهايات - ( يا ابن الضاد ، والمقداد ) - ما عدا الطريق إلى المخيّم..

فالمخيّم، ليس نهايةَ المطاف .. بل هو بدايةٌ " نموذجية " للمأساة التي تقع خارج اللغة.. قبل أن تعيد اللغة تشكيلها من خلالنا، ومن جديد.. 

أما اللجوء، فهو تجربةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ وقاسية، تجري في مختبرٍ بل جدران ؛ سقفه السماء، وكل ما فيه خاضعٌ لمراقبة الأقمار الصناعية، وشروط  العراء. 

إنها تجربةٌ استثنائية، ينفصل فيها الإنسان حتى عن نفسه، وفاءً لكونه لاجئاً ..

ففي الصحراء، قد يجد الفرد اسماً آخر للحلم، هو السراب..

وفيها، تتراجع صور الأشياء.. ينهدم الجدار.. تختفي النافذة.. وينتفي الباب ..


ويأتي الكاتب بمعنىً مغاير لحياته، مستدعياً الكثير من الألفاظ لأول مرّة، كي يطرّز بها مساحة الورق .. فيبدو هذا مظهراً ملائماً ، للجوهر الذي يتعهده ذلك المعنى المتاخم..

إنه يرسم صورة إحساسه المستجد والسالب بالأشياء ..

فما كان قد كان ، وهو الآن ، ابنُ لحظته الراهنة ، وتوأمُ صورته المرهونة .. صورة يظهرّها المعتدون على حقه في الوجود، بملح البارود.. ولحظةٌ من اللحظات التي تقطر من بين أصابع الزمن ، وهو يصعد بخفةٍ وحرفةٍ ، على سطح مكانٍ يكتظّ  بما لا يلزم .. ويعجّ  بدخان النيران التي أشعلتها مجدداً، نظرية السلطة القاهرة، في الذهن العربي المعاصر .

صحيح  أن ثمة شمساً واحدةً تشرق على قصور الأثرياء، وخيام اللاجئين .. لكنها أيضاً، هي ذاتها التي تكشف عن هذا الفرق الفادح فيما بينهما.. ثم إن الوقائع لها طريقٌ آخر غير طريق الأحلام .. علينا أن لا نكذّب ذلك، حتى لا نضطر يوماً لأن ندفع ثمن تصديقه.

ها نحن نعاين وسائل الاتصال الحديثة ، وهي تتقدم من كل الجهات، لتقتحم عالم الرواية، كما تفعل في الواقع المعاش.. فيصبح الشخص معزولاً حتى عن أقرب الناس إليه، ويمسي رهينةً لما يعتقد أنه أحد أهم مظاهر الحرية النسبية التي يتمتع بها كإنسان .

فيما يتحول الحدث ، أنى كان ، إلى صورةٍ مصغّرةٍ  لفكرة العالم المفتوح من حوله ، على كل الاحتمالات ، والمآلات .. من رغيف الخبز وحتى القمر ..

هل كان على الكاتب أن يظلَّ مخلصاً  للواقع الذي جعله يُخرج الأحلام الكبيرة - داخل روايته - من الجامع ، لتمشي على أقدام أصحابها، وإلى جانبه، في عرض الشارع ؟!

وهل ظهرت شخصية " المحامي" في هذه الرواية ، لتضطلع بمهمة الدفاع عما يعتقده الكاتب صحيحاً ، فيما يتعلق بالحكم على الأحداث الجارية، ودونما حسابٍ لما سيتقاضاه من أتعاب ؟!

إن قلب "الاستاذ " الذي رقص طرباً في صدره ، بعد أن أذن له الراوي بذلك ، قد يحمل إحدى دلالات التفريق بين ما هو خطأ وما هو صحيح ، ولكن ، ليس بمعزلٍ عن سلطة  من يقترفون الأخطاء تحت عنوان احتكارهم  للصواب .  وذلك  ما نشهده  عبر  الأحداث الدراماتيكية  التي وردت  في سياق الرواية .. دون  أن تحرفه  عن مساره ، نحو  ايٍّ من  الآراء الملتبسة ، أو الأهواء العمياء.  


 نحن نقرأ كاتباً جنوبياً قد يخطىء عامداً في عد أصابعه ، لكي يختبر نفسه التي ربما يختلف معها يوماً من أجلنا ، أو حتى من أجلها. 

وليس من الانصاف، أن لا نقرّ بمقدرته الأدبية التلقائية، على المعاينة غير المباشرة، لموقفنا النظري مما يكتب ، ولو  من باب الرؤى النقدية الانطباعية ، حيال ما يطرحه علينا من  أفكارٍ نشفق عليه من كونها تنطق بألسنةٍ من نار. 

لقد كان من الصعب على الكاتب " محمد المقداد " أن ينهي هذه الحكاية الدامية ،  التي بدأتْ بأقصى درجات خيبة الأمل ، بما هو عكس ذلك تماماً. فليس هنالك من روائيّ يمكن  أن يعمد إلى إدارة الظهر ـ بالإحساس والفكر - لواقعٍ معقّد ، بات يمارس سلطته الجائرة ، على الخيال المسالم ، ويفرض عليه إقامةً جبريةً ، في  مكانٍ معزولٍ  ، على هامش النصّ .. هناك ، في أرياف القلب ، وضواحي النفس.    

علماً بأن كاتبنا وصاحبنا هو ابن البيئة الاجتماعية والثقافية المحاصرة بسلطة الحزب الواحد.   

فالحوار - فوق تلك الرقعة من الأرض - حلم.. والتعدد أمل.. والحرية أمنية.. والأمان خيال..

فهل كنت أيها المطارد في شوارع المدن الخلفية، بحاجةٍ إلى كارثةٍ كبرى كهذه ، حتى تمارس فعل  الكتابة على هذا  النحو الصارخ ..  خارج حدود  الوطن ، وعلى  العين الثاقبة  في وجه الزمن؟!

أتراك من قبل، تتكلم بصوت العقل، عما يمكن لمثل هذه الأسئلة أن تفعله، بعد موته ؟؟

لا بد أنك سألت دمشق عن الحرية الحمراء، بينما هي تبكيك .. فتسيل دموعها من عينيك ..

لست وحدك فيما تريده وتعنيه.. بيد أنك ربما تغدو  مكبّلاً بطريقة فهم الآخرين لطريقتك في التعبير عن ذلك.

رغم أنك قد تكون أكثرهم وضوحاً ..!!   

لكن، انتظر .. ودعنا لا نختلف - أولاً - على معنى الوضوح .

وهل المروية هي ابنةٌ شرعيةٌ لوضوح راويها .. أم هي صورةٌ مطابقةٌ لنزف جروحه ؟؟

أم أن الصدق له رأيٌ آخر فيما تعتقد أنت، بأنه الأجدى والأجدر أن يُروى ؟؟

لم تكن مع نفسك ضد الآخر .. ولم تجعل منها نداً له . 

لقد أردت التأكيد ، على تعريف المنفى ، على لسان المهاجرين إلى ما وراء الأشياء ..

ثم جاء المثقفون ، المدجّجون بأسلحتهم الشفاهية ، لكي يجعلوك  تعيد تعريفه من جديد ، بما يتوافق مع ضرورة وجودهم وخصوصيته ، في صلب مشروعك الروائي القائم بالأساس، على المواجهة والمجابهة، لا على الاستكانة والاستسلام.

كان عليك - كمن هم على ما أنت عليه - أن تحاكم مرحلةً سابقة، تبعاً لما يحدث في الحاضر .

لكن الحاضر مراوغٌ يا صديقي .

إنه ثعلب الوقت الرمادي.

وأنت شابٌ طيبٌ ؛ مثلك.

فلا تقل لي بأنك واحدٌ لا غير، حتى لا تضطرني لأن أبكي كثيراً، قبل أن أضحك أكثر ..!!


لدينا هنا، أعني : ( هناك )..  معضلةٌ كبرى تدعى سورية ( غير المفيدة ) ..!!

مطلوب منها، أن تنجب حلاًّ غير عادلٍ لها، تحت القصف الأعمى، وفي ظل هيئة الأمم المغيبة عن كل ما يحدث في هذه المنطقة المستهدفة بالفعل، من احتلالٍ غاشمٍ ، وإحلالٍ ناقم.


قد عرفنا، أن دم الثوار تعرفه فرنسا .. فماذا عن الدب الروسي المتوحش يا صديقي ؟!

رغم أن سماء سوريا المحتلة كأرضها ، قد تحمل الكثير من غيوم العبر .. ولكن ،،  ليس بالضرورة أن يهطل الجواب عن هذا السؤال، فوق رؤوسنا، على شكل مطر .


وليس هنالك ما هو أقسى من أن تمسي الحقيقةُ حبلى بالباطل !!

لا بل هنالك ما هو أقسى من ذلك :

أن يكون المشفى هو المنفى.. وتكون القابلةُ ، هي الدنيا الزائلة .


أما زلت كأحد شخوص روايتك ؛ مطمئناً للجبهة الداخلية ؟

يا أخي ، لست وحدك من تكتب الروايات .. ثم تخاف على ما أودعته فيها، من لصٍّ محترفٍ ومخادعٍ، اسمه النسيان ..

فالمخبرون يفعلون ذلك أيضاً .

أنت تكتب عنهم ، وهم يكتبون عنك . 

ومن الظلم أن نزعم ، بأن هذه هي عين العدل، التي ينظر بها المتلقّي إلى الأشياء، فيراها؛ ولكن، ليس كما هي ، بل كما تصورها  له العاطفة العربية الجارفة.

فقل لي بربك، عن أي سكونٍ يمكن أن نتكلم بفصاحة ، حينما تهب علينا ، ومن كل الجهات، مثل هذه العاصفة !! 


أنت تقول ، وقبل  أن تصل  بنا إلى منتصف الرواية ، التي أتمنى  لها أن تستيقظ في نور الصدور ، لا أن تنام في ظلام الأدراج :

( عاد " أبو فندي" من غيبوته  ) ..

ثم إنك جعلتنا نرى زوجته الجميلة التي وصفتها بالحورية، وهي تذهب لتعدّ له طعام الغداء، فيما هو يسترجع خطاب الرئيس.. كمن يتفرج على فيلمٍ غير مشوّق، للمرّة الثانية، على أمل أن تتغير فيه الأحداث - عند الإعادة - إلى ما هو أفضل ..!! 

فلا تلم القارىء، إن وقف على شاطىء البحر الذي تستدرجه تلك الحورية السورية، بدلالٍ ودهاءٍ .. فيمثل أمامنا، داخل النص - بإذنٍ منك - - ومن أجل عينيها - مثل ماردٍ من ماء .

صحيح أن ذلك البحر يمتد خارج لغة السرد، ولكنه ليس بمنأى عن المشهد الذي نتحدث عنه. 

فهل أنت على يقينٍ مما نقرأه لك.. ونسمعه منك .. ونراه نيابة عنك ؟!

علينا أن نعترف، بأن الليل صار أطول، في تلك البلاد المنكوبة .. لكن الشمس، ليست كائناً حياً، حتى تتعرض، مثل ذلك الرجل الذي كان يقف بانتظارنا، عند بوابة أحد الفصول ، إلى غيبوبة .


وردةٌ من ياسمين الشام، لك منك .. ولنا أن نرى، ماذا ستفعل بها وبنا بعد قليل ..!!

صمتك أيضاً، كجدولٍ من ماءٍ ترويه.. أما تلك الزهرة الطافيةُ على سطحه، فيصعب أن نتصور بأنها ليست أرقّ وأجمل ما فيه.

وعلى ضفة نهرٍ متخيّلٍ كذلك البحر، هنالك خيمةٌ منصوبةٌ فوق كومةٍ من رماد .

لقد دفعت كغيرك، حصتك "العادلة" من ضريبة هذه الحرب الجائرة . ولم تقبض بيدك، إلا على فكرة خروجك من الجنة التي استحالت بعد كل ما ألمّ بها من خرابٍ مقيمٍ، إلى جحيم .

ترى ، أي مصيرٍ هذا الذي يدفع أبناء بردى والفرات، تحت وقع احتفالهم - رغم كل شيءٍ -بالحياة، لاجتراح نهرٍ نظريٍّ يجري الهوينا في وداي الخيال..؟!

كان عليك أن تكتب عنهم .. وكان على كلٍّ منهم أن يعيش في ذاكرة زوجته المخلصة كما تشاء.. أعني : كما تحس ، وترى ، وتعايش ..

والمرأة تعشق التفاصيل.. إلا أن الكرْم الذي كانت تحرسه الثعالب احترق. ولم يعد مجدياً أن نتساءل : هل صاحبه كريمٌ ، أم معتقلٌ  ، أم خائفٌ ، أم بخيل !!!

وحش اليأس يكاد يفترس حَمَلَ الأمل ..  وزوجان حائران، يعودان إلى ماضيهما معاً ، حيث يتبادلان هناك ، أمام ناظريك، أجمل القبل ..

أنت سمحت وأتحت لهما أن يفعلا ذلك ، وليس بين السطور. أليس كذلك ؟  كأنك كنت تبحث عما تقوله عنهما في كتابك المشحون بطاقة خطابك عن الفكر المقموع، والثورة المصادرة .

كتابٌ بورقٍ أصفر ترتاح له العين.. وغلافٍ أزرق، تأنس له الروح ..

في الفصل الثالث من هذا الكتاب، يتابع " المحامي" تدوين مذكراته بحرصٍ شديد..

وانت تقول - بوصفك الراوي العليم - :  " كأن القدر كلّفه بذلك "  

لكنك تعرف جيداً، أن من أوعز له بأن يفعل كل ما فعل، هو ذلك الكاتب المجرّب، الذي يشغل وظيفة المدير العام لدائرة السرد العالي.. والذي يصعب أن نقول - بعد كل ما قلت - بأنه ليس أنت. 


فهل تعمّدت أن تطعم الأذن الكثير من الكلمات.. حتى تستحي العين من القليل من الصور.. ؟! 

أم أنك تمشي على ذلك الطريق الممدود باتجاه الحدود، ممسكاً بيد القارىء ، حتى يظن في لحظةٍ ما، أنه هو الذي يمسك بيدك . 

ربما أنك الآن تبتسم. 

ولكن ..!!

من قال أنه لا يقوم بذلك، حين تكتب، وهو يراقب ما تفعله من أجله، وأجل الأدب؛ عن كثب؟!

نحن ندرك بأنك لم تختزل الحياةَ في مظاهرة .. ولا أيامَ الأسبوع في جمعةٍ عابرة ..

لكن سورية ، التي ما زالت تبحث في يقينك عن معنى الحرية ، سوف تبقى في مكانها هناك، حيث تركها المبعدون عنها، مثلك، قسراً. وسوف يظل لوجودها معنىً واحدٌ هو :

إن تلك الرقعة المباركة من الأرض، لا تقبل القسمةَ من غير باقٍ - مهما كان- إلا على نفسها. 


لقد قال لك نفرٌ من الأقزام الذين يتقمصّون ، منذ حين ، أدوار الكبار :

خذ حريتك المصغرّة ، واذهب لتلعب بها كما يلعب الطفل بدميته، خارج حدود الوطن.

فأدرت ظهرك مكرهاً ، لما أطلقه الباحثون عن غدٍ أفضل، من أسئلةٍ وطنيةٍ مشروعة.. بعد أن رأيت بأم عينيك، كيف أن الجواب الوحيد عن كل تلك الأسئلة، كان هو الدم.


في مذكرات المحامي - أما زلت تذكرها ؟ - تكتب البداية نفسها - كما أوحيت لها - وكما هو حال النهاية ..

وفيها أيضاً، تشرق درعا كشمسٍ جنوبية، على كامل التراب السوري المضمّخ بدماء الأبرياء، والأشقياء، والشعراء الذين كانوا يخلطون الشعر بالعطر.. فصاروا يمزجون الحلم بالدم .. 

بل إنها تغدو كمعادلٍ موضوعي للنهاية ذاتها .. وكأنك تضع أصبعك على نقطةٍ ما في محيط دائرة الصراع الدموي الذي ما انفك يعيد انتاج نفسه من جديد.. مثل كلّ شيءٍ في بلادنا، ومنذ ألف عامٍ ويزيد.. 

في حين يتزايد عدد الرافضين لأن يبقى الحال على ما هو عليه. 

ولكنك تعلن مبكراً ، بأن أشياءَ كثيرةً تحدث من تحت الطاولة.

لقد دعوتنا باسم  تاريخنا الحديث ، لنتناول طعام العشاء ما بعد الأخير ، على مائدة الجغرافيا التي تأخذ شكل الهلال الخصيب.. فاكتشفنا لاحقاً، بأنك كنت تحلم بالعودة إلى الجزيرة العربية. لا لشيء، إلا لتنظر إلى ذلك الهلال الأخضر من هناك .. علك تراه أكثر وضوحاً ، كما أنا الآن، وعن قربٍ يشبه الحب، أراك .

كان من الواضح أن الحب، يختبىء وراء خوفك عليه، من الاحتراق في أتون الحرب.

وكنت أنت تساعده في ذلك ، وكأنك سجّانٌ يهرّب المشاعر والمواقف النبيلة، من سجينٍ إلى آخر ، فيما بين الصفحات ..

أرجو أن تعذرني على هذا التعبير الصادم والصادق، فقد جف ما في قرية ( مَوج ) من ماءٍ على الورق الذي كتبت عنها مطولاً عليه.. 

في حين، أن الكثير من الناس، وكما وصفتهم على لسان أحد الشخوص، باتوا يذهبون إلى غاياتهم المتحولة، وحتى المؤجلة ، بدافعٍ من غريزة القطيع . 

فأي سخريةٍ مريرةٍ، تلك التي يستحيل الدافع فيها إلى مانع !!

وأي حلمٍ متضوَّرٍ ، ذلك الذي ينهش في تفسيره من شدّة الجوع ..!!

دعني أتخيل بأنك تقول لي : لا تنسَ بأن طعام الكاتب هو الكلام .


إنني أعرف مثلك، بأن الشرطةَ السرّيةَ والجهرية، ما برحت تحاصر مفهومك الجليّ للحرية.. ووعيك التام بشروطها المرجعية ..

ولكنك دفعت، كما أسلفنا، جزءاً من ثمنٍ باهض، لشيءٍ نادرٍ في بلادنا، يُدعى : التغيير .

سامحني لأني ذكّرتك بالحصار، الذي لا بد وأن يستدعي إلى ذهنك ظلمة المُعتَقَل، ولعنة غرفة التحقيق، التي تُرسم فيها مصائرُ الناس على نحوٍ مفجعٍ، ومقززٍ ، ومرتَجَل..  


في مشهدٍ إضافي مقترح، يتشكّل خارج الرواية.. هنالك شابٌ يودّع خطيبته وراء عربةٍ عسكريةٍ نصف محترقة ، ويخطف منها قبلةً من نار . 

حتى أسراب الحمام، طارت فزعةً من أصوات القنابل.. وانسحبت من فضاء الرواية، إلى الفضاء الخارجي ، بعيداً عما يفعله البشر بأنفسهم . 

أما أشجار الكينا الحزينة، فهي تتابع ما يجري من حولها، بقلقٍ مصفرٍّ كالورق..   

لكن النتائج المأساوية السوداء، أضحت تحتقر أسبابها الدفينة.. 


وفي لحظةٍ فارقة، من عمر هذه الأزمة المستحكمة، حمل الكثيرون البنادق، لكي يدافعوا بها عن أنفسهم، ويتصدوا  لمن يريد أن يطلق النار على ما في رؤوسهم من أفكار.


يا الله ، ما أصعب أن تكون سوريا، أبعد مما تبدو عليه بكثير ..!!

لكنها شؤون الحياة .. وتصاريف الزمن .. 

وكما في عبارة الشاعر " محمود درويش " التي ختمتَ بها روايتك الموجعة المفجعة:

" كلُّ أرضٍ تُنبت الحبَّ وطن "


لقد سلَكْتَ بنا الطريق إلى مخيم الزعتري ، على صعوبته، ووعورته، وخطورته، بلغةٍ سلسلةٍ مطواعة، وأسلوبٍ مباشرٍ خالٍ من أي مظهرٍ من مظاهر التعقيد .. 

وحينما وصلنا إلى هناك ، كان علينا، أن ننظر إلينا ، ملياً، حتى نراك ..

هكذا يبدأ بنهايته الكلام .. فطوبى لك يا صديقي وأنت ما زلت كما أنت.. وسلامٌ على من كانت دائماً ، وستبقى أبداً، هي الشام . 


(( محطاتٌ اعتبارية، على " الطريق إلى الزّعَتْري " ))

بقلم زياد صلاح. عمان


إذا ما اتفقنا -  وعلى غير عادتنا في هذا الإقليم المشتعل  -  على أن الأسلوب ، هو  السلوك النظري المقروء للكاتب . وأنه لا ينفصل بحالٍ عن سلوكه العمليِّ المنظور ، فإننا ولا  بدَّ  أن نمدّ أيدينا لنطرق ذلك الباب الذي سندخل منه إلى فضاء معجمٍ جديد ؛ مقتفين ما ينجم من آثارٍ حسيةٍ ، وفكريةٍ ، ونفسيةٍ ، عن انعكاس  خصائص  اللجوء -  كوجودٍ  سالب -  على  النتاج الإبداعي لروائيٍّ كادحٍ ومكافح ٍمثل محمد المقداد. ولا سيما في رواية "الطريق إلى الزعتري" التي تعمّد - مشكوراً - أن يضع في مقدمتها مقولة "طاغور" الشهيرة ، عن كون الزمن ، هو أشرف النقاد. 

كيف لا، وهو الذي كان، وما زال، وسيظل ، أكثر عدلاً من أن يمرّ بأحدنا دون الآخر . فجميعنا نذهب إلى محطة الغد ، في قطارٍ واحد. 


أنْ تحمِل إحساسك الثقيل بما يحدث، متجاوزاً به الحدود التي أضحت تفصل - بفضل (الخلاف) على أسماء الأشياء، وعلى نحوٍ مفجع - بين مرحلتين متباينتين من عمرك المفرّغ قسراً من محتواه، وحياتك المجرّدة من معناها بالإكراه.  

أن لا تجد مكاناً تحت الشمس التي خلقها الله من أجلنا جميعاً، لتقف فيه وتقول شيئاً عما تفكر فيه.. قبل أن يسلمك التعب إلى رصيفٍ افتراضي، محاذٍ لشارعٍ عربيٍّ، تبحث فيه الفوضى عن نفسها، فتجدها بسهولةٍ مفرطة. 

 ثم يغلبك النعاس فتنام، كطائر الفلامنجو، واقفاً على ساقٍ واحدةٍ، داخل فسحة الكلامِ عن حياةٍ يفضل عنها الممات ؛ أولها ظلمٌ وآخرها ظلام. 

أن تكون عاجزاُ حتى عن أن تحزن .. 

ومتروكاً مثل محاربٍ قديم، على هامش الاهتمام بما يعنيك من أفكارٍ جدّ مؤرقةٍ ، وأحلامٍ شبه محترقة..

أن تكون مقيّداً بفضيلة الصمت على ما تكابده خارج المجال الحيوي الطبيعي لوجودك .

ونازفاً دماً ممزوجاً بمغزى هذا الوجود الحالِم، في عالمٍ أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه أكثر من ظالم .

أن تكون أنت، ولكن ، ليس خارج مدى رماية بنادق الأشقاء الأعداء.

أن تكون أنت ، ولكن ، بعيداً حتى عن أطراف أصابعك المرتعشة من شدّة برد اللايقين ..

أن تكون أنت ، ولكن في غيابك .. !!

تلك هي اللعبة غير المسلية، التي كان عليك أن تموت أكثر من مرّة، حتى تتقنها، فيصفق لك الآخرون ، وهم يبتسمون بشفاهٍ مستعارةٍ ، ولسببٍ آخر، ربما يكون أكثر أو أقل أثارة.

أعود ، كقارىءٍ غير مهادن، بصحبتك إلى الوراء.. إلى حرب تشرين على وجه التحديد. وألتقي في حضورك ( بالعم كسينجر ) - كما تسميه في معرض الرواية - وهو يشعل سيجاراً كوبياً ملفوفاً بأصابع بنات الجار الأصغر اللدود، اللواتي يغسلن قلوبهن بمياه الكاريبي الساحر، عند شروق الشمس.. فأرى الدخان وهو يتطاير في فضاء النص، وأقرأ في السطور، وفيما بينها، عن الكيفية التي تتحول بها أرض الواقع، إلى مسرحٍ سياسيٍّ مفتوح .

ها نحن نعيش مجدداً في ظل تلك السياسة القديمة الجديدة، القائمة على المساهمة في إشعال نار الثورات، حتى يطهو عليها " الكبار" ما قد أعدوه وراء الكواليس من صفقات.. فما إن تنضج كما يجب، حتى يعمدوا إلى إخماد تلك النار. يحدث ذلك، قبل أن نعود - وباتجاهٍ معاكس- إلى المستقبل الذي نأمل أن لا يتحول - في غفلةٍ منا .. أو رغماً عنا - إلى ماضٍ جديد.

لكن الحاضر الذي نعيش فيه الآن، مترنّمين بمقطوعاتٍ مؤثرةٍ جداً، تعزفها اوركسترا المدافع العمياء.. إنما يقع، مثل كل الأشياء الآيلة للسقوط من حولنا؛ على حافة الهاوية.  


كل الطرقات لها نهايات - ( يا ابن الضاد ، والمقداد ) - ما عدا الطريق إلى المخيّم..

فالمخيّم، ليس نهايةَ المطاف .. بل هو بدايةٌ " نموذجية " للمأساة التي تقع خارج اللغة.. قبل أن تعيد اللغة تشكيلها من خلالنا، ومن جديد.. 

أما اللجوء، فهو تجربةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ وقاسية، تجري في مختبرٍ بل جدران ؛ سقفه السماء، وكل ما فيه خاضعٌ لمراقبة الأقمار الصناعية، وشروط  العراء. 

إنها تجربةٌ استثنائية، ينفصل فيها الإنسان حتى عن نفسه، وفاءً لكونه لاجئاً ..

ففي الصحراء، قد يجد الفرد اسماً آخر للحلم، هو السراب..

وفيها، تتراجع صور الأشياء.. ينهدم الجدار.. تختفي النافذة.. وينتفي الباب ..


ويأتي الكاتب بمعنىً مغاير لحياته، مستدعياً الكثير من الألفاظ لأول مرّة، كي يطرّز بها مساحة الورق .. فيبدو هذا مظهراً ملائماً ، للجوهر الذي يتعهده ذلك المعنى المتاخم..

إنه يرسم صورة إحساسه المستجد والسالب بالأشياء ..

فما كان قد كان ، وهو الآن ، ابنُ لحظته الراهنة ، وتوأمُ صورته المرهونة .. صورة يظهرّها المعتدون على حقه في الوجود، بملح البارود.. ولحظةٌ من اللحظات التي تقطر من بين أصابع الزمن ، وهو يصعد بخفةٍ وحرفةٍ ، على سطح مكانٍ يكتظّ  بما لا يلزم .. ويعجّ  بدخان النيران التي أشعلتها مجدداً، نظرية السلطة القاهرة، في الذهن العربي المعاصر .

صحيح  أن ثمة شمساً واحدةً تشرق على قصور الأثرياء، وخيام اللاجئين .. لكنها أيضاً، هي ذاتها التي تكشف عن هذا الفرق الفادح فيما بينهما.. ثم إن الوقائع لها طريقٌ آخر غير طريق الأحلام .. علينا أن لا نكذّب ذلك، حتى لا نضطر يوماً لأن ندفع ثمن تصديقه.

ها نحن نعاين وسائل الاتصال الحديثة ، وهي تتقدم من كل الجهات، لتقتحم عالم الرواية، كما تفعل في الواقع المعاش.. فيصبح الشخص معزولاً حتى عن أقرب الناس إليه، ويمسي رهينةً لما يعتقد أنه أحد أهم مظاهر الحرية النسبية التي يتمتع بها كإنسان .

فيما يتحول الحدث ، أنى كان ، إلى صورةٍ مصغّرةٍ  لفكرة العالم المفتوح من حوله ، على كل الاحتمالات ، والمآلات .. من رغيف الخبز وحتى القمر ..

هل كان على الكاتب أن يظلَّ مخلصاً  للواقع الذي جعله يُخرج الأحلام الكبيرة - داخل روايته - من الجامع ، لتمشي على أقدام أصحابها، وإلى جانبه، في عرض الشارع ؟!

وهل ظهرت شخصية " المحامي" في هذه الرواية ، لتضطلع بمهمة الدفاع عما يعتقده الكاتب صحيحاً ، فيما يتعلق بالحكم على الأحداث الجارية، ودونما حسابٍ لما سيتقاضاه من أتعاب ؟!

إن قلب "الاستاذ " الذي رقص طرباً في صدره ، بعد أن أذن له الراوي بذلك ، قد يحمل إحدى دلالات التفريق بين ما هو خطأ وما هو صحيح ، ولكن ، ليس بمعزلٍ عن سلطة  من يقترفون الأخطاء تحت عنوان احتكارهم  للصواب .  وذلك  ما نشهده  عبر  الأحداث الدراماتيكية  التي وردت  في سياق الرواية .. دون  أن تحرفه  عن مساره ، نحو  ايٍّ من  الآراء الملتبسة ، أو الأهواء العمياء.  


 نحن نقرأ كاتباً جنوبياً قد يخطىء عامداً في عد أصابعه ، لكي يختبر نفسه التي ربما يختلف معها يوماً من أجلنا ، أو حتى من أجلها. 

وليس من الانصاف، أن لا نقرّ بمقدرته الأدبية التلقائية، على المعاينة غير المباشرة، لموقفنا النظري مما يكتب ، ولو  من باب الرؤى النقدية الانطباعية ، حيال ما يطرحه علينا من  أفكارٍ نشفق عليه من كونها تنطق بألسنةٍ من نار. 

لقد كان من الصعب على الكاتب " محمد المقداد " أن ينهي هذه الحكاية الدامية ،  التي بدأتْ بأقصى درجات خيبة الأمل ، بما هو عكس ذلك تماماً. فليس هنالك من روائيّ يمكن  أن يعمد إلى إدارة الظهر ـ بالإحساس والفكر - لواقعٍ معقّد ، بات يمارس سلطته الجائرة ، على الخيال المسالم ، ويفرض عليه إقامةً جبريةً ، في  مكانٍ معزولٍ  ، على هامش النصّ .. هناك ، في أرياف القلب ، وضواحي النفس.    

علماً بأن كاتبنا وصاحبنا هو ابن البيئة الاجتماعية والثقافية المحاصرة بسلطة الحزب الواحد.   

فالحوار - فوق تلك الرقعة من الأرض - حلم.. والتعدد أمل.. والحرية أمنية.. والأمان خيال..

فهل كنت أيها المطارد في شوارع المدن الخلفية، بحاجةٍ إلى كارثةٍ كبرى كهذه ، حتى تمارس فعل  الكتابة على هذا  النحو الصارخ ..  خارج حدود  الوطن ، وعلى  العين الثاقبة  في وجه الزمن؟!

أتراك من قبل، تتكلم بصوت العقل، عما يمكن لمثل هذه الأسئلة أن تفعله، بعد موته ؟؟

لا بد أنك سألت دمشق عن الحرية الحمراء، بينما هي تبكيك .. فتسيل دموعها من عينيك ..

لست وحدك فيما تريده وتعنيه.. بيد أنك ربما تغدو  مكبّلاً بطريقة فهم الآخرين لطريقتك في التعبير عن ذلك.

رغم أنك قد تكون أكثرهم وضوحاً ..!!   

لكن، انتظر .. ودعنا لا نختلف - أولاً - على معنى الوضوح .

وهل المروية هي ابنةٌ شرعيةٌ لوضوح راويها .. أم هي صورةٌ مطابقةٌ لنزف جروحه ؟؟

أم أن الصدق له رأيٌ آخر فيما تعتقد أنت، بأنه الأجدى والأجدر أن يُروى ؟؟

لم تكن مع نفسك ضد الآخر .. ولم تجعل منها نداً له . 

لقد أردت التأكيد ، على تعريف المنفى ، على لسان المهاجرين إلى ما وراء الأشياء ..

ثم جاء المثقفون ، المدجّجون بأسلحتهم الشفاهية ، لكي يجعلوك  تعيد تعريفه من جديد ، بما يتوافق مع ضرورة وجودهم وخصوصيته ، في صلب مشروعك الروائي القائم بالأساس، على المواجهة والمجابهة، لا على الاستكانة والاستسلام.

كان عليك - كمن هم على ما أنت عليه - أن تحاكم مرحلةً سابقة، تبعاً لما يحدث في الحاضر .

لكن الحاضر مراوغٌ يا صديقي .

إنه ثعلب الوقت الرمادي.

وأنت شابٌ طيبٌ ؛ مثلك.

فلا تقل لي بأنك واحدٌ لا غير، حتى لا تضطرني لأن أبكي كثيراً، قبل أن أضحك أكثر ..!!


لدينا هنا، أعني : ( هناك )..  معضلةٌ كبرى تدعى سورية ( غير المفيدة ) ..!!

مطلوب منها، أن تنجب حلاًّ غير عادلٍ لها، تحت القصف الأعمى، وفي ظل هيئة الأمم المغيبة عن كل ما يحدث في هذه المنطقة المستهدفة بالفعل، من احتلالٍ غاشمٍ ، وإحلالٍ ناقم.


قد عرفنا، أن دم الثوار تعرفه فرنسا .. فماذا عن الدب الروسي المتوحش يا صديقي ؟!

رغم أن سماء سوريا المحتلة كأرضها ، قد تحمل الكثير من غيوم العبر .. ولكن ،،  ليس بالضرورة أن يهطل الجواب عن هذا السؤال، فوق رؤوسنا، على شكل مطر .


وليس هنالك ما هو أقسى من أن تمسي الحقيقةُ حبلى بالباطل !!

لا بل هنالك ما هو أقسى من ذلك :

أن يكون المشفى هو المنفى.. وتكون القابلةُ ، هي الدنيا الزائلة .


أما زلت كأحد شخوص روايتك ؛ مطمئناً للجبهة الداخلية ؟

يا أخي ، لست وحدك من تكتب الروايات .. ثم تخاف على ما أودعته فيها، من لصٍّ محترفٍ ومخادعٍ، اسمه النسيان ..

فالمخبرون يفعلون ذلك أيضاً .

أنت تكتب عنهم ، وهم يكتبون عنك . 

ومن الظلم أن نزعم ، بأن هذه هي عين العدل، التي ينظر بها المتلقّي إلى الأشياء، فيراها؛ ولكن، ليس كما هي ، بل كما تصورها  له العاطفة العربية الجارفة.

فقل لي بربك، عن أي سكونٍ يمكن أن نتكلم بفصاحة ، حينما تهب علينا ، ومن كل الجهات، مثل هذه العاصفة !! 


أنت تقول ، وقبل  أن تصل  بنا إلى منتصف الرواية ، التي أتمنى  لها أن تستيقظ في نور الصدور ، لا أن تنام في ظلام الأدراج :

( عاد " أبو فندي" من غيبوته  ) ..

ثم إنك جعلتنا نرى زوجته الجميلة التي وصفتها بالحورية، وهي تذهب لتعدّ له طعام الغداء، فيما هو يسترجع خطاب الرئيس.. كمن يتفرج على فيلمٍ غير مشوّق، للمرّة الثانية، على أمل أن تتغير فيه الأحداث - عند الإعادة - إلى ما هو أفضل ..!! 

فلا تلم القارىء، إن وقف على شاطىء البحر الذي تستدرجه تلك الحورية السورية، بدلالٍ ودهاءٍ .. فيمثل أمامنا، داخل النص - بإذنٍ منك - - ومن أجل عينيها - مثل ماردٍ من ماء .

صحيح أن ذلك البحر يمتد خارج لغة السرد، ولكنه ليس بمنأى عن المشهد الذي نتحدث عنه. 

فهل أنت على يقينٍ مما نقرأه لك.. ونسمعه منك .. ونراه نيابة عنك ؟!

علينا أن نعترف، بأن الليل صار أطول، في تلك البلاد المنكوبة .. لكن الشمس، ليست كائناً حياً، حتى تتعرض، مثل ذلك الرجل الذي كان يقف بانتظارنا، عند بوابة أحد الفصول ، إلى غيبوبة .


وردةٌ من ياسمين الشام، لك منك .. ولنا أن نرى، ماذا ستفعل بها وبنا بعد قليل ..!!

صمتك أيضاً، كجدولٍ من ماءٍ ترويه.. أما تلك الزهرة الطافيةُ على سطحه، فيصعب أن نتصور بأنها ليست أرقّ وأجمل ما فيه.

وعلى ضفة نهرٍ متخيّلٍ كذلك البحر، هنالك خيمةٌ منصوبةٌ فوق كومةٍ من رماد .

لقد دفعت كغيرك، حصتك "العادلة" من ضريبة هذه الحرب الجائرة . ولم تقبض بيدك، إلا على فكرة خروجك من الجنة التي استحالت بعد كل ما ألمّ بها من خرابٍ مقيمٍ، إلى جحيم .

ترى ، أي مصيرٍ هذا الذي يدفع أبناء بردى والفرات، تحت وقع احتفالهم - رغم كل شيءٍ -بالحياة، لاجتراح نهرٍ نظريٍّ يجري الهوينا في وداي الخيال..؟!

كان عليك أن تكتب عنهم .. وكان على كلٍّ منهم أن يعيش في ذاكرة زوجته المخلصة كما تشاء.. أعني : كما تحس ، وترى ، وتعايش ..

والمرأة تعشق التفاصيل.. إلا أن الكرْم الذي كانت تحرسه الثعالب احترق. ولم يعد مجدياً أن نتساءل : هل صاحبه كريمٌ ، أم معتقلٌ  ، أم خائفٌ ، أم بخيل !!!

وحش اليأس يكاد يفترس حَمَلَ الأمل ..  وزوجان حائران، يعودان إلى ماضيهما معاً ، حيث يتبادلان هناك ، أمام ناظريك، أجمل القبل ..

أنت سمحت وأتحت لهما أن يفعلا ذلك ، وليس بين السطور. أليس كذلك ؟  كأنك كنت تبحث عما تقوله عنهما في كتابك المشحون بطاقة خطابك عن الفكر المقموع، والثورة المصادرة .

كتابٌ بورقٍ أصفر ترتاح له العين.. وغلافٍ أزرق، تأنس له الروح ..

في الفصل الثالث من هذا الكتاب، يتابع " المحامي" تدوين مذكراته بحرصٍ شديد..

وانت تقول - بوصفك الراوي العليم - :  " كأن القدر كلّفه بذلك "  

لكنك تعرف جيداً، أن من أوعز له بأن يفعل كل ما فعل، هو ذلك الكاتب المجرّب، الذي يشغل وظيفة المدير العام لدائرة السرد العالي.. والذي يصعب أن نقول - بعد كل ما قلت - بأنه ليس أنت. 


فهل تعمّدت أن تطعم الأذن الكثير من الكلمات.. حتى تستحي العين من القليل من الصور.. ؟! 

أم أنك تمشي على ذلك الطريق الممدود باتجاه الحدود، ممسكاً بيد القارىء ، حتى يظن في لحظةٍ ما، أنه هو الذي يمسك بيدك . 

ربما أنك الآن تبتسم. 

ولكن ..!!

من قال أنه لا يقوم بذلك، حين تكتب، وهو يراقب ما تفعله من أجله، وأجل الأدب؛ عن كثب؟!

نحن ندرك بأنك لم تختزل الحياةَ في مظاهرة .. ولا أيامَ الأسبوع في جمعةٍ عابرة ..

لكن سورية ، التي ما زالت تبحث في يقينك عن معنى الحرية ، سوف تبقى في مكانها هناك، حيث تركها المبعدون عنها، مثلك، قسراً. وسوف يظل لوجودها معنىً واحدٌ هو :

إن تلك الرقعة المباركة من الأرض، لا تقبل القسمةَ من غير باقٍ - مهما كان- إلا على نفسها. 


لقد قال لك نفرٌ من الأقزام الذين يتقمصّون ، منذ حين ، أدوار الكبار :

خذ حريتك المصغرّة ، واذهب لتلعب بها كما يلعب الطفل بدميته، خارج حدود الوطن.

فأدرت ظهرك مكرهاً ، لما أطلقه الباحثون عن غدٍ أفضل، من أسئلةٍ وطنيةٍ مشروعة.. بعد أن رأيت بأم عينيك، كيف أن الجواب الوحيد عن كل تلك الأسئلة، كان هو الدم.


في مذكرات المحامي - أما زلت تذكرها ؟ - تكتب البداية نفسها - كما أوحيت لها - وكما هو حال النهاية ..

وفيها أيضاً، تشرق درعا كشمسٍ جنوبية، على كامل التراب السوري المضمّخ بدماء الأبرياء، والأشقياء، والشعراء الذين كانوا يخلطون الشعر بالعطر.. فصاروا يمزجون الحلم بالدم .. 

بل إنها تغدو كمعادلٍ موضوعي للنهاية ذاتها .. وكأنك تضع أصبعك على نقطةٍ ما في محيط دائرة الصراع الدموي الذي ما انفك يعيد انتاج نفسه من جديد.. مثل كلّ شيءٍ في بلادنا، ومنذ ألف عامٍ ويزيد.. 

في حين يتزايد عدد الرافضين لأن يبقى الحال على ما هو عليه. 

ولكنك تعلن مبكراً ، بأن أشياءَ كثيرةً تحدث من تحت الطاولة.

لقد دعوتنا باسم  تاريخنا الحديث ، لنتناول طعام العشاء ما بعد الأخير ، على مائدة الجغرافيا التي تأخذ شكل الهلال الخصيب.. فاكتشفنا لاحقاً، بأنك كنت تحلم بالعودة إلى الجزيرة العربية. لا لشيء، إلا لتنظر إلى ذلك الهلال الأخضر من هناك .. علك تراه أكثر وضوحاً ، كما أنا الآن، وعن قربٍ يشبه الحب، أراك .

كان من الواضح أن الحب، يختبىء وراء خوفك عليه، من الاحتراق في أتون الحرب.

وكنت أنت تساعده في ذلك ، وكأنك سجّانٌ يهرّب المشاعر والمواقف النبيلة، من سجينٍ إلى آخر ، فيما بين الصفحات ..

أرجو أن تعذرني على هذا التعبير الصادم والصادق، فقد جف ما في قرية ( مَوج ) من ماءٍ على الورق الذي كتبت عنها مطولاً عليه.. 

في حين، أن الكثير من الناس، وكما وصفتهم على لسان أحد الشخوص، باتوا يذهبون إلى غاياتهم المتحولة، وحتى المؤجلة ، بدافعٍ من غريزة القطيع . 

فأي سخريةٍ مريرةٍ، تلك التي يستحيل الدافع فيها إلى مانع !!

وأي حلمٍ متضوَّرٍ ، ذلك الذي ينهش في تفسيره من شدّة الجوع ..!!

دعني أتخيل بأنك تقول لي : لا تنسَ بأن طعام الكاتب هو الكلام .


إنني أعرف مثلك، بأن الشرطةَ السرّيةَ والجهرية، ما برحت تحاصر مفهومك الجليّ للحرية.. ووعيك التام بشروطها المرجعية ..

ولكنك دفعت، كما أسلفنا، جزءاً من ثمنٍ باهض، لشيءٍ نادرٍ في بلادنا، يُدعى : التغيير .

سامحني لأني ذكّرتك بالحصار، الذي لا بد وأن يستدعي إلى ذهنك ظلمة المُعتَقَل، ولعنة غرفة التحقيق، التي تُرسم فيها مصائرُ الناس على نحوٍ مفجعٍ، ومقززٍ ، ومرتَجَل..  


في مشهدٍ إضافي مقترح، يتشكّل خارج الرواية.. هنالك شابٌ يودّع خطيبته وراء عربةٍ عسكريةٍ نصف محترقة ، ويخطف منها قبلةً من نار . 

حتى أسراب الحمام، طارت فزعةً من أصوات القنابل.. وانسحبت من فضاء الرواية، إلى الفضاء الخارجي ، بعيداً عما يفعله البشر بأنفسهم . 

أما أشجار الكينا الحزينة، فهي تتابع ما يجري من حولها، بقلقٍ مصفرٍّ كالورق..   

لكن النتائج المأساوية السوداء، أضحت تحتقر أسبابها الدفينة.. 


وفي لحظةٍ فارقة، من عمر هذه الأزمة المستحكمة، حمل الكثيرون البنادق، لكي يدافعوا بها عن أنفسهم، ويتصدوا  لمن يريد أن يطلق النار على ما في رؤوسهم من أفكار.


يا الله ، ما أصعب أن تكون سوريا، أبعد مما تبدو عليه بكثير ..!!

لكنها شؤون الحياة .. وتصاريف الزمن .. 

وكما في عبارة الشاعر " محمود درويش " التي ختمتَ بها روايتك الموجعة المفجعة:

" كلُّ أرضٍ تُنبت الحبَّ وطن "


لقد سلَكْتَ بنا الطريق إلى مخيم الزعتري ، على صعوبته، ووعورته، وخطورته، بلغةٍ سلسلةٍ مطواعة، وأسلوبٍ مباشرٍ خالٍ من أي مظهرٍ من مظاهر التعقيد .. 

وحينما وصلنا إلى هناك ، كان علينا، أن ننظر إلينا ، ملياً، حتى نراك ..

هكذا يبدأ بنهايته الكلام .. فطوبى لك يا صديقي وأنت ما زلت كما أنت.. وسلامٌ على من كانت دائماً ، وستبقى أبداً، هي الشام .

.....

(( محطاتٌ اعتبارية، على " الطريق إلى الزّعَتْري " ))

بقلم /زياد صلاح

إذا ما اتفقنا -  وعلى غير عادتنا في هذا الإقليم المشتعل  -  على أن الأسلوب ، هو  السلوك النظري المقروء للكاتب . وأنه لا ينفصل بحالٍ عن سلوكه العمليِّ المنظور ، فإننا ولا  بدَّ  أن نمدّ أيدينا لنطرق ذلك الباب الذي سندخل منه إلى فضاء معجمٍ جديد ؛ مقتفين ما ينجم من آثارٍ حسيةٍ ، وفكريةٍ ، ونفسيةٍ ، عن انعكاس  خصائص  اللجوء -  كوجودٍ  سالب -  على  النتاج الإبداعي لروائيٍّ كادحٍ ومكافح ٍمثل محمد المقداد. ولا سيما في رواية "الطريق إلى الزعتري" التي تعمّد - مشكوراً - أن يضع في مقدمتها مقولة "طاغور" الشهيرة ، عن كون الزمن ، هو أشرف النقاد. 

كيف لا، وهو الذي كان، وما زال، وسيظل ، أكثر عدلاً من أن يمرّ بأحدنا دون الآخر . فجميعنا نذهب إلى محطة الغد ، في قطارٍ واحد. 


أنْ تحمِل إحساسك الثقيل بما يحدث، متجاوزاً به الحدود التي أضحت تفصل - بفضل (الخلاف) على أسماء الأشياء، وعلى نحوٍ مفجع - بين مرحلتين متباينتين من عمرك المفرّغ قسراً من محتواه، وحياتك المجرّدة من معناها بالإكراه.  

أن لا تجد مكاناً تحت الشمس التي خلقها الله من أجلنا جميعاً، لتقف فيه وتقول شيئاً عما تفكر فيه.. قبل أن يسلمك التعب إلى رصيفٍ افتراضي، محاذٍ لشارعٍ عربيٍّ، تبحث فيه الفوضى عن نفسها، فتجدها بسهولةٍ مفرطة. 

 ثم يغلبك النعاس فتنام، كطائر الفلامنجو، واقفاً على ساقٍ واحدةٍ، داخل فسحة الكلامِ عن حياةٍ يفضل عنها الممات ؛ أولها ظلمٌ وآخرها ظلام. 

أن تكون عاجزاُ حتى عن أن تحزن .. 

ومتروكاً مثل محاربٍ قديم، على هامش الاهتمام بما يعنيك من أفكارٍ جدّ مؤرقةٍ ، وأحلامٍ شبه محترقة..

أن تكون مقيّداً بفضيلة الصمت على ما تكابده خارج المجال الحيوي الطبيعي لوجودك .

ونازفاً دماً ممزوجاً بمغزى هذا الوجود الحالِم، في عالمٍ أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه أكثر من ظالم .

أن تكون أنت، ولكن ، ليس خارج مدى رماية بنادق الأشقاء الأعداء.

أن تكون أنت ، ولكن ، بعيداً حتى عن أطراف أصابعك المرتعشة من شدّة برد اللايقين ..

أن تكون أنت ، ولكن في غيابك .. !!

تلك هي اللعبة غير المسلية، التي كان عليك أن تموت أكثر من مرّة، حتى تتقنها، فيصفق لك الآخرون ، وهم يبتسمون بشفاهٍ مستعارةٍ ، ولسببٍ آخر، ربما يكون أكثر أو أقل أثارة.

أعود ، كقارىءٍ غير مهادن، بصحبتك إلى الوراء.. إلى حرب تشرين على وجه التحديد. وألتقي في حضورك ( بالعم كسينجر ) - كما تسميه في معرض الرواية - وهو يشعل سيجاراً كوبياً ملفوفاً بأصابع بنات الجار الأصغر اللدود، اللواتي يغسلن قلوبهن بمياه الكاريبي الساحر، عند شروق الشمس.. فأرى الدخان وهو يتطاير في فضاء النص، وأقرأ في السطور، وفيما بينها، عن الكيفية التي تتحول بها أرض الواقع، إلى مسرحٍ سياسيٍّ مفتوح .

ها نحن نعيش مجدداً في ظل تلك السياسة القديمة الجديدة، القائمة على المساهمة في إشعال نار الثورات، حتى يطهو عليها " الكبار" ما قد أعدوه وراء الكواليس من صفقات.. فما إن تنضج كما يجب، حتى يعمدوا إلى إخماد تلك النار. يحدث ذلك، قبل أن نعود - وباتجاهٍ معاكس- إلى المستقبل الذي نأمل أن لا يتحول - في غفلةٍ منا .. أو رغماً عنا - إلى ماضٍ جديد.

لكن الحاضر الذي نعيش فيه الآن، مترنّمين بمقطوعاتٍ مؤثرةٍ جداً، تعزفها اوركسترا المدافع العمياء.. إنما يقع، مثل كل الأشياء الآيلة للسقوط من حولنا؛ على حافة الهاوية.  


كل الطرقات لها نهايات - ( يا ابن الضاد ، والمقداد ) - ما عدا الطريق إلى المخيّم..

فالمخيّم، ليس نهايةَ المطاف .. بل هو بدايةٌ " نموذجية " للمأساة التي تقع خارج اللغة.. قبل أن تعيد اللغة تشكيلها من خلالنا، ومن جديد.. 

أما اللجوء، فهو تجربةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ وقاسية، تجري في مختبرٍ بل جدران ؛ سقفه السماء، وكل ما فيه خاضعٌ لمراقبة الأقمار الصناعية، وشروط  العراء. 

إنها تجربةٌ استثنائية، ينفصل فيها الإنسان حتى عن نفسه، وفاءً لكونه لاجئاً ..

ففي الصحراء، قد يجد الفرد اسماً آخر للحلم، هو السراب..

وفيها، تتراجع صور الأشياء.. ينهدم الجدار.. تختفي النافذة.. وينتفي الباب ..


ويأتي الكاتب بمعنىً مغاير لحياته، مستدعياً الكثير من الألفاظ لأول مرّة، كي يطرّز بها مساحة الورق .. فيبدو هذا مظهراً ملائماً ، للجوهر الذي يتعهده ذلك المعنى المتاخم..

إنه يرسم صورة إحساسه المستجد والسالب بالأشياء ..

فما كان قد كان ، وهو الآن ، ابنُ لحظته الراهنة ، وتوأمُ صورته المرهونة .. صورة يظهرّها المعتدون على حقه في الوجود، بملح البارود.. ولحظةٌ من اللحظات التي تقطر من بين أصابع الزمن ، وهو يصعد بخفةٍ وحرفةٍ ، على سطح مكانٍ يكتظّ  بما لا يلزم .. ويعجّ  بدخان النيران التي أشعلتها مجدداً، نظرية السلطة القاهرة، في الذهن العربي المعاصر .

صحيح  أن ثمة شمساً واحدةً تشرق على قصور الأثرياء، وخيام اللاجئين .. لكنها أيضاً، هي ذاتها التي تكشف عن هذا الفرق الفادح فيما بينهما.. ثم إن الوقائع لها طريقٌ آخر غير طريق الأحلام .. علينا أن لا نكذّب ذلك، حتى لا نضطر يوماً لأن ندفع ثمن تصديقه.

ها نحن نعاين وسائل الاتصال الحديثة ، وهي تتقدم من كل الجهات، لتقتحم عالم الرواية، كما تفعل في الواقع المعاش.. فيصبح الشخص معزولاً حتى عن أقرب الناس إليه، ويمسي رهينةً لما يعتقد أنه أحد أهم مظاهر الحرية النسبية التي يتمتع بها كإنسان .

فيما يتحول الحدث ، أنى كان ، إلى صورةٍ مصغّرةٍ  لفكرة العالم المفتوح من حوله ، على كل الاحتمالات ، والمآلات .. من رغيف الخبز وحتى القمر ..

هل كان على الكاتب أن يظلَّ مخلصاً  للواقع الذي جعله يُخرج الأحلام الكبيرة - داخل روايته - من الجامع ، لتمشي على أقدام أصحابها، وإلى جانبه، في عرض الشارع ؟!

وهل ظهرت شخصية " المحامي" في هذه الرواية ، لتضطلع بمهمة الدفاع عما يعتقده الكاتب صحيحاً ، فيما يتعلق بالحكم على الأحداث الجارية، ودونما حسابٍ لما سيتقاضاه من أتعاب ؟!

إن قلب "الاستاذ " الذي رقص طرباً في صدره ، بعد أن أذن له الراوي بذلك ، قد يحمل إحدى دلالات التفريق بين ما هو خطأ وما هو صحيح ، ولكن ، ليس بمعزلٍ عن سلطة  من يقترفون الأخطاء تحت عنوان احتكارهم  للصواب .  وذلك  ما نشهده  عبر  الأحداث الدراماتيكية  التي وردت  في سياق الرواية .. دون  أن تحرفه  عن مساره ، نحو  ايٍّ من  الآراء الملتبسة ، أو الأهواء العمياء.  


 نحن نقرأ كاتباً جنوبياً قد يخطىء عامداً في عد أصابعه ، لكي يختبر نفسه التي ربما يختلف معها يوماً من أجلنا ، أو حتى من أجلها. 

وليس من الانصاف، أن لا نقرّ بمقدرته الأدبية التلقائية، على المعاينة غير المباشرة، لموقفنا النظري مما يكتب ، ولو  من باب الرؤى النقدية الانطباعية ، حيال ما يطرحه علينا من  أفكارٍ نشفق عليه من كونها تنطق بألسنةٍ من نار. 

لقد كان من الصعب على الكاتب " محمد المقداد " أن ينهي هذه الحكاية الدامية ،  التي بدأتْ بأقصى درجات خيبة الأمل ، بما هو عكس ذلك تماماً. فليس هنالك من روائيّ يمكن  أن يعمد إلى إدارة الظهر ـ بالإحساس والفكر - لواقعٍ معقّد ، بات يمارس سلطته الجائرة ، على الخيال المسالم ، ويفرض عليه إقامةً جبريةً ، في  مكانٍ معزولٍ  ، على هامش النصّ .. هناك ، في أرياف القلب ، وضواحي النفس.    

علماً بأن كاتبنا وصاحبنا هو ابن البيئة الاجتماعية والثقافية المحاصرة بسلطة الحزب الواحد.   

فالحوار - فوق تلك الرقعة من الأرض - حلم.. والتعدد أمل.. والحرية أمنية.. والأمان خيال..

فهل كنت أيها المطارد في شوارع المدن الخلفية، بحاجةٍ إلى كارثةٍ كبرى كهذه ، حتى تمارس فعل  الكتابة على هذا  النحو الصارخ ..  خارج حدود  الوطن ، وعلى  العين الثاقبة  في وجه الزمن؟!

أتراك من قبل، تتكلم بصوت العقل، عما يمكن لمثل هذه الأسئلة أن تفعله، بعد موته ؟؟

لا بد أنك سألت دمشق عن الحرية الحمراء، بينما هي تبكيك .. فتسيل دموعها من عينيك ..

لست وحدك فيما تريده وتعنيه.. بيد أنك ربما تغدو  مكبّلاً بطريقة فهم الآخرين لطريقتك في التعبير عن ذلك.

رغم أنك قد تكون أكثرهم وضوحاً ..!!   

لكن، انتظر .. ودعنا لا نختلف - أولاً - على معنى الوضوح .

وهل المروية هي ابنةٌ شرعيةٌ لوضوح راويها .. أم هي صورةٌ مطابقةٌ لنزف جروحه ؟؟

أم أن الصدق له رأيٌ آخر فيما تعتقد أنت، بأنه الأجدى والأجدر أن يُروى ؟؟

لم تكن مع نفسك ضد الآخر .. ولم تجعل منها نداً له . 

لقد أردت التأكيد ، على تعريف المنفى ، على لسان المهاجرين إلى ما وراء الأشياء ..

ثم جاء المثقفون ، المدجّجون بأسلحتهم الشفاهية ، لكي يجعلوك  تعيد تعريفه من جديد ، بما يتوافق مع ضرورة وجودهم وخصوصيته ، في صلب مشروعك الروائي القائم بالأساس، على المواجهة والمجابهة، لا على الاستكانة والاستسلام.

كان عليك - كمن هم على ما أنت عليه - أن تحاكم مرحلةً سابقة، تبعاً لما يحدث في الحاضر .

لكن الحاضر مراوغٌ يا صديقي .

إنه ثعلب الوقت الرمادي.

وأنت شابٌ طيبٌ ؛ مثلك.

فلا تقل لي بأنك واحدٌ لا غير، حتى لا تضطرني لأن أبكي كثيراً، قبل أن أضحك أكثر ..!!


لدينا هنا، أعني : ( هناك )..  معضلةٌ كبرى تدعى سورية ( غير المفيدة ) ..!!

مطلوب منها، أن تنجب حلاًّ غير عادلٍ لها، تحت القصف الأعمى، وفي ظل هيئة الأمم المغيبة عن كل ما يحدث في هذه المنطقة المستهدفة بالفعل، من احتلالٍ غاشمٍ ، وإحلالٍ ناقم.


قد عرفنا، أن دم الثوار تعرفه فرنسا .. فماذا عن الدب الروسي المتوحش يا صديقي ؟!

رغم أن سماء سوريا المحتلة كأرضها ، قد تحمل الكثير من غيوم العبر .. ولكن ،،  ليس بالضرورة أن يهطل الجواب عن هذا السؤال، فوق رؤوسنا، على شكل مطر .


وليس هنالك ما هو أقسى من أن تمسي الحقيقةُ حبلى بالباطل !!

لا بل هنالك ما هو أقسى من ذلك :

أن يكون المشفى هو المنفى.. وتكون القابلةُ ، هي الدنيا الزائلة .


أما زلت كأحد شخوص روايتك ؛ مطمئناً للجبهة الداخلية ؟

يا أخي ، لست وحدك من تكتب الروايات .. ثم تخاف على ما أودعته فيها، من لصٍّ محترفٍ ومخادعٍ، اسمه النسيان ..

فالمخبرون يفعلون ذلك أيضاً .

أنت تكتب عنهم ، وهم يكتبون عنك . 

ومن الظلم أن نزعم ، بأن هذه هي عين العدل، التي ينظر بها المتلقّي إلى الأشياء، فيراها؛ ولكن، ليس كما هي ، بل كما تصورها  له العاطفة العربية الجارفة.

فقل لي بربك، عن أي سكونٍ يمكن أن نتكلم بفصاحة ، حينما تهب علينا ، ومن كل الجهات، مثل هذه العاصفة !! 


أنت تقول ، وقبل  أن تصل  بنا إلى منتصف الرواية ، التي أتمنى  لها أن تستيقظ في نور الصدور ، لا أن تنام في ظلام الأدراج :

( عاد " أبو فندي" من غيبوته  ) ..

ثم إنك جعلتنا نرى زوجته الجميلة التي وصفتها بالحورية، وهي تذهب لتعدّ له طعام الغداء، فيما هو يسترجع خطاب الرئيس.. كمن يتفرج على فيلمٍ غير مشوّق، للمرّة الثانية، على أمل أن تتغير فيه الأحداث - عند الإعادة - إلى ما هو أفضل ..!! 

فلا تلم القارىء، إن وقف على شاطىء البحر الذي تستدرجه تلك الحورية السورية، بدلالٍ ودهاءٍ .. فيمثل أمامنا، داخل النص - بإذنٍ منك - - ومن أجل عينيها - مثل ماردٍ من ماء .

صحيح أن ذلك البحر يمتد خارج لغة السرد، ولكنه ليس بمنأى عن المشهد الذي نتحدث عنه. 

فهل أنت على يقينٍ مما نقرأه لك.. ونسمعه منك .. ونراه نيابة عنك ؟!

علينا أن نعترف، بأن الليل صار أطول، في تلك البلاد المنكوبة .. لكن الشمس، ليست كائناً حياً، حتى تتعرض، مثل ذلك الرجل الذي كان يقف بانتظارنا، عند بوابة أحد الفصول ، إلى غيبوبة .


وردةٌ من ياسمين الشام، لك منك .. ولنا أن نرى، ماذا ستفعل بها وبنا بعد قليل ..!!

صمتك أيضاً، كجدولٍ من ماءٍ ترويه.. أما تلك الزهرة الطافيةُ على سطحه، فيصعب أن نتصور بأنها ليست أرقّ وأجمل ما فيه.

وعلى ضفة نهرٍ متخيّلٍ كذلك البحر، هنالك خيمةٌ منصوبةٌ فوق كومةٍ من رماد .

لقد دفعت كغيرك، حصتك "العادلة" من ضريبة هذه الحرب الجائرة . ولم تقبض بيدك، إلا على فكرة خروجك من الجنة التي استحالت بعد كل ما ألمّ بها من خرابٍ مقيمٍ، إلى جحيم .

ترى ، أي مصيرٍ هذا الذي يدفع أبناء بردى والفرات، تحت وقع احتفالهم - رغم كل شيءٍ -بالحياة، لاجتراح نهرٍ نظريٍّ يجري الهوينا في وداي الخيال..؟!

كان عليك أن تكتب عنهم .. وكان على كلٍّ منهم أن يعيش في ذاكرة زوجته المخلصة كما تشاء.. أعني : كما تحس ، وترى ، وتعايش ..

والمرأة تعشق التفاصيل.. إلا أن الكرْم الذي كانت تحرسه الثعالب احترق. ولم يعد مجدياً أن نتساءل : هل صاحبه كريمٌ ، أم معتقلٌ  ، أم خائفٌ ، أم بخيل !!!

وحش اليأس يكاد يفترس حَمَلَ الأمل ..  وزوجان حائران، يعودان إلى ماضيهما معاً ، حيث يتبادلان هناك ، أمام ناظريك، أجمل القبل ..

أنت سمحت وأتحت لهما أن يفعلا ذلك ، وليس بين السطور. أليس كذلك ؟  كأنك كنت تبحث عما تقوله عنهما في كتابك المشحون بطاقة خطابك عن الفكر المقموع، والثورة المصادرة .

كتابٌ بورقٍ أصفر ترتاح له العين.. وغلافٍ أزرق، تأنس له الروح ..

في الفصل الثالث من هذا الكتاب، يتابع " المحامي" تدوين مذكراته بحرصٍ شديد..

وانت تقول - بوصفك الراوي العليم - :  " كأن القدر كلّفه بذلك "  

لكنك تعرف جيداً، أن من أوعز له بأن يفعل كل ما فعل، هو ذلك الكاتب المجرّب، الذي يشغل وظيفة المدير العام لدائرة السرد العالي.. والذي يصعب أن نقول - بعد كل ما قلت - بأنه ليس أنت. 


فهل تعمّدت أن تطعم الأذن الكثير من الكلمات.. حتى تستحي العين من القليل من الصور.. ؟! 

أم أنك تمشي على ذلك الطريق الممدود باتجاه الحدود، ممسكاً بيد القارىء ، حتى يظن في لحظةٍ ما، أنه هو الذي يمسك بيدك . 

ربما أنك الآن تبتسم. 

ولكن ..!!

من قال أنه لا يقوم بذلك، حين تكتب، وهو يراقب ما تفعله من أجله، وأجل الأدب؛ عن كثب؟!

نحن ندرك بأنك لم تختزل الحياةَ في مظاهرة .. ولا أيامَ الأسبوع في جمعةٍ عابرة ..

لكن سورية ، التي ما زالت تبحث في يقينك عن معنى الحرية ، سوف تبقى في مكانها هناك، حيث تركها المبعدون عنها، مثلك، قسراً. وسوف يظل لوجودها معنىً واحدٌ هو :

إن تلك الرقعة المباركة من الأرض، لا تقبل القسمةَ من غير باقٍ - مهما كان- إلا على نفسها. 


لقد قال لك نفرٌ من الأقزام الذين يتقمصّون ، منذ حين ، أدوار الكبار :

خذ حريتك المصغرّة ، واذهب لتلعب بها كما يلعب الطفل بدميته، خارج حدود الوطن.

فأدرت ظهرك مكرهاً ، لما أطلقه الباحثون عن غدٍ أفضل، من أسئلةٍ وطنيةٍ مشروعة.. بعد أن رأيت بأم عينيك، كيف أن الجواب الوحيد عن كل تلك الأسئلة، كان هو الدم.


في مذكرات المحامي - أما زلت تذكرها ؟ - تكتب البداية نفسها - كما أوحيت لها - وكما هو حال النهاية ..

وفيها أيضاً، تشرق درعا كشمسٍ جنوبية، على كامل التراب السوري المضمّخ بدماء الأبرياء، والأشقياء، والشعراء الذين كانوا يخلطون الشعر بالعطر.. فصاروا يمزجون الحلم بالدم .. 

بل إنها تغدو كمعادلٍ موضوعي للنهاية ذاتها .. وكأنك تضع أصبعك على نقطةٍ ما في محيط دائرة الصراع الدموي الذي ما انفك يعيد انتاج نفسه من جديد.. مثل كلّ شيءٍ في بلادنا، ومنذ ألف عامٍ ويزيد.. 

في حين يتزايد عدد الرافضين لأن يبقى الحال على ما هو عليه. 

ولكنك تعلن مبكراً ، بأن أشياءَ كثيرةً تحدث من تحت الطاولة.

لقد دعوتنا باسم  تاريخنا الحديث ، لنتناول طعام العشاء ما بعد الأخير ، على مائدة الجغرافيا التي تأخذ شكل الهلال الخصيب.. فاكتشفنا لاحقاً، بأنك كنت تحلم بالعودة إلى الجزيرة العربية. لا لشيء، إلا لتنظر إلى ذلك الهلال الأخضر من هناك .. علك تراه أكثر وضوحاً ، كما أنا الآن، وعن قربٍ يشبه الحب، أراك .

كان من الواضح أن الحب، يختبىء وراء خوفك عليه، من الاحتراق في أتون الحرب.

وكنت أنت تساعده في ذلك ، وكأنك سجّانٌ يهرّب المشاعر والمواقف النبيلة، من سجينٍ إلى آخر ، فيما بين الصفحات ..

أرجو أن تعذرني على هذا التعبير الصادم والصادق، فقد جف ما في قرية ( مَوج ) من ماءٍ على الورق الذي كتبت عنها مطولاً عليه.. 

في حين، أن الكثير من الناس، وكما وصفتهم على لسان أحد الشخوص، باتوا يذهبون إلى غاياتهم المتحولة، وحتى المؤجلة ، بدافعٍ من غريزة القطيع . 

فأي سخريةٍ مريرةٍ، تلك التي يستحيل الدافع فيها إلى مانع !!

وأي حلمٍ متضوَّرٍ ، ذلك الذي ينهش في تفسيره من شدّة الجوع ..!!

دعني أتخيل بأنك تقول لي : لا تنسَ بأن طعام الكاتب هو الكلام .


إنني أعرف مثلك، بأن الشرطةَ السرّيةَ والجهرية، ما برحت تحاصر مفهومك الجليّ للحرية.. ووعيك التام بشروطها المرجعية ..

ولكنك دفعت، كما أسلفنا، جزءاً من ثمنٍ باهض، لشيءٍ نادرٍ في بلادنا، يُدعى : التغيير .

سامحني لأني ذكّرتك بالحصار، الذي لا بد وأن يستدعي إلى ذهنك ظلمة المُعتَقَل، ولعنة غرفة التحقيق، التي تُرسم فيها مصائرُ الناس على نحوٍ مفجعٍ، ومقززٍ ، ومرتَجَل..  


في مشهدٍ إضافي مقترح، يتشكّل خارج الرواية.. هنالك شابٌ يودّع خطيبته وراء عربةٍ عسكريةٍ نصف محترقة ، ويخطف منها قبلةً من نار . 

حتى أسراب الحمام، طارت فزعةً من أصوات القنابل.. وانسحبت من فضاء الرواية، إلى الفضاء الخارجي ، بعيداً عما يفعله البشر بأنفسهم . 

أما أشجار الكينا الحزينة، فهي تتابع ما يجري من حولها، بقلقٍ مصفرٍّ كالورق..   

لكن النتائج المأساوية السوداء، أضحت تحتقر أسبابها الدفينة.. 


وفي لحظةٍ فارقة، من عمر هذه الأزمة المستحكمة، حمل الكثيرون البنادق، لكي يدافعوا بها عن أنفسهم، ويتصدوا  لمن يريد أن يطلق النار على ما في رؤوسهم من أفكار.


يا الله ، ما أصعب أن تكون سوريا، أبعد مما تبدو عليه بكثير ..!!

لكنها شؤون الحياة .. وتصاريف الزمن .. 

وكما في عبارة الشاعر " محمود درويش " التي ختمتَ بها روايتك الموجعة المفجعة:

" كلُّ أرضٍ تُنبت الحبَّ وطن "


لقد سلَكْتَ بنا الطريق إلى مخيم الزعتري ، على صعوبته، ووعورته، وخطورته، بلغةٍ سلسلةٍ مطواعة، وأسلوبٍ مباشرٍ خالٍ من أي مظهرٍ من مظاهر التعقيد .. 

وحينما وصلنا إلى هناك ، كان علينا، أن ننظر إلينا ، ملياً، حتى نراك ..

هكذا يبدأ بنهايته الكلام .. فطوبى لك يا صديقي وأنت ما زلت كما أنت.. وسلامٌ على من كانت دائماً ، وستبقى أبداً، هي الشام . 


(( محطاتٌ اعتبارية، على " الطريق إلى الزّعَتْري " ))


إذا ما اتفقنا -  وعلى غير عادتنا في هذا الإقليم المشتعل  -  على أن الأسلوب ، هو  السلوك النظري المقروء للكاتب . وأنه لا ينفصل بحالٍ عن سلوكه العمليِّ المنظور ، فإننا ولا  بدَّ  أن نمدّ أيدينا لنطرق ذلك الباب الذي سندخل منه إلى فضاء معجمٍ جديد ؛ مقتفين ما ينجم من آثارٍ حسيةٍ ، وفكريةٍ ، ونفسيةٍ ، عن انعكاس  خصائص  اللجوء -  كوجودٍ  سالب -  على  النتاج الإبداعي لروائيٍّ كادحٍ ومكافح ٍمثل محمد المقداد. ولا سيما في رواية "الطريق إلى الزعتري" التي تعمّد - مشكوراً - أن يضع في مقدمتها مقولة "طاغور" الشهيرة ، عن كون الزمن ، هو أشرف النقاد. 

كيف لا، وهو الذي كان، وما زال، وسيظل ، أكثر عدلاً من أن يمرّ بأحدنا دون الآخر . فجميعنا نذهب إلى محطة الغد ، في قطارٍ واحد. 


أنْ تحمِل إحساسك الثقيل بما يحدث، متجاوزاً به الحدود التي أضحت تفصل - بفضل (الخلاف) على أسماء الأشياء، وعلى نحوٍ مفجع - بين مرحلتين متباينتين من عمرك المفرّغ قسراً من محتواه، وحياتك المجرّدة من معناها بالإكراه.  

أن لا تجد مكاناً تحت الشمس التي خلقها الله من أجلنا جميعاً، لتقف فيه وتقول شيئاً عما تفكر فيه.. قبل أن يسلمك التعب إلى رصيفٍ افتراضي، محاذٍ لشارعٍ عربيٍّ، تبحث فيه الفوضى عن نفسها، فتجدها بسهولةٍ مفرطة. 

 ثم يغلبك النعاس فتنام، كطائر الفلامنجو، واقفاً على ساقٍ واحدةٍ، داخل فسحة الكلامِ عن حياةٍ يفضل عنها الممات ؛ أولها ظلمٌ وآخرها ظلام. 

أن تكون عاجزاُ حتى عن أن تحزن .. 

ومتروكاً مثل محاربٍ قديم، على هامش الاهتمام بما يعنيك من أفكارٍ جدّ مؤرقةٍ ، وأحلامٍ شبه محترقة..

أن تكون مقيّداً بفضيلة الصمت على ما تكابده خارج المجال الحيوي الطبيعي لوجودك .

ونازفاً دماً ممزوجاً بمغزى هذا الوجود الحالِم، في عالمٍ أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه أكثر من ظالم .

أن تكون أنت، ولكن ، ليس خارج مدى رماية بنادق الأشقاء الأعداء.

أن تكون أنت ، ولكن ، بعيداً حتى عن أطراف أصابعك المرتعشة من شدّة برد اللايقين ..

أن تكون أنت ، ولكن في غيابك .. !!

تلك هي اللعبة غير المسلية، التي كان عليك أن تموت أكثر من مرّة، حتى تتقنها، فيصفق لك الآخرون ، وهم يبتسمون بشفاهٍ مستعارةٍ ، ولسببٍ آخر، ربما يكون أكثر أو أقل أثارة.

أعود ، كقارىءٍ غير مهادن، بصحبتك إلى الوراء.. إلى حرب تشرين على وجه التحديد. وألتقي في حضورك ( بالعم كسينجر ) - كما تسميه في معرض الرواية - وهو يشعل سيجاراً كوبياً ملفوفاً بأصابع بنات الجار الأصغر اللدود، اللواتي يغسلن قلوبهن بمياه الكاريبي الساحر، عند شروق الشمس.. فأرى الدخان وهو يتطاير في فضاء النص، وأقرأ في السطور، وفيما بينها، عن الكيفية التي تتحول بها أرض الواقع، إلى مسرحٍ سياسيٍّ مفتوح .

ها نحن نعيش مجدداً في ظل تلك السياسة القديمة الجديدة، القائمة على المساهمة في إشعال نار الثورات، حتى يطهو عليها " الكبار" ما قد أعدوه وراء الكواليس من صفقات.. فما إن تنضج كما يجب، حتى يعمدوا إلى إخماد تلك النار. يحدث ذلك، قبل أن نعود - وباتجاهٍ معاكس- إلى المستقبل الذي نأمل أن لا يتحول - في غفلةٍ منا .. أو رغماً عنا - إلى ماضٍ جديد.

لكن الحاضر الذي نعيش فيه الآن، مترنّمين بمقطوعاتٍ مؤثرةٍ جداً، تعزفها اوركسترا المدافع العمياء.. إنما يقع، مثل كل الأشياء الآيلة للسقوط من حولنا؛ على حافة الهاوية.  


كل الطرقات لها نهايات - ( يا ابن الضاد ، والمقداد ) - ما عدا الطريق إلى المخيّم..

فالمخيّم، ليس نهايةَ المطاف .. بل هو بدايةٌ " نموذجية " للمأساة التي تقع خارج اللغة.. قبل أن تعيد اللغة تشكيلها من خلالنا، ومن جديد.. 

أما اللجوء، فهو تجربةٌ إنسانيةٌ عميقةٌ وقاسية، تجري في مختبرٍ بل جدران ؛ سقفه السماء، وكل ما فيه خاضعٌ لمراقبة الأقمار الصناعية، وشروط  العراء. 

إنها تجربةٌ استثنائية، ينفصل فيها الإنسان حتى عن نفسه، وفاءً لكونه لاجئاً ..

ففي الصحراء، قد يجد الفرد اسماً آخر للحلم، هو السراب..

وفيها، تتراجع صور الأشياء.. ينهدم الجدار.. تختفي النافذة.. وينتفي الباب ..


ويأتي الكاتب بمعنىً مغاير لحياته، مستدعياً الكثير من الألفاظ لأول مرّة، كي يطرّز بها مساحة الورق .. فيبدو هذا مظهراً ملائماً ، للجوهر الذي يتعهده ذلك المعنى المتاخم..

إنه يرسم صورة إحساسه المستجد والسالب بالأشياء ..

فما كان قد كان ، وهو الآن ، ابنُ لحظته الراهنة ، وتوأمُ صورته المرهونة .. صورة يظهرّها المعتدون على حقه في الوجود، بملح البارود.. ولحظةٌ من اللحظات التي تقطر من بين أصابع الزمن ، وهو يصعد بخفةٍ وحرفةٍ ، على سطح مكانٍ يكتظّ  بما لا يلزم .. ويعجّ  بدخان النيران التي أشعلتها مجدداً، نظرية السلطة القاهرة، في الذهن العربي المعاصر .

صحيح  أن ثمة شمساً واحدةً تشرق على قصور الأثرياء، وخيام اللاجئين .. لكنها أيضاً، هي ذاتها التي تكشف عن هذا الفرق الفادح فيما بينهما.. ثم إن الوقائع لها طريقٌ آخر غير طريق الأحلام .. علينا أن لا نكذّب ذلك، حتى لا نضطر يوماً لأن ندفع ثمن تصديقه.

ها نحن نعاين وسائل الاتصال الحديثة ، وهي تتقدم من كل الجهات، لتقتحم عالم الرواية، كما تفعل في الواقع المعاش.. فيصبح الشخص معزولاً حتى عن أقرب الناس إليه، ويمسي رهينةً لما يعتقد أنه أحد أهم مظاهر الحرية النسبية التي يتمتع بها كإنسان .

فيما يتحول الحدث ، أنى كان ، إلى صورةٍ مصغّرةٍ  لفكرة العالم المفتوح من حوله ، على كل الاحتمالات ، والمآلات .. من رغيف الخبز وحتى القمر ..

هل كان على الكاتب أن يظلَّ مخلصاً  للواقع الذي جعله يُخرج الأحلام الكبيرة - داخل روايته - من الجامع ، لتمشي على أقدام أصحابها، وإلى جانبه، في عرض الشارع ؟!

وهل ظهرت شخصية " المحامي" في هذه الرواية ، لتضطلع بمهمة الدفاع عما يعتقده الكاتب صحيحاً ، فيما يتعلق بالحكم على الأحداث الجارية، ودونما حسابٍ لما سيتقاضاه من أتعاب ؟!

إن قلب "الاستاذ " الذي رقص طرباً في صدره ، بعد أن أذن له الراوي بذلك ، قد يحمل إحدى دلالات التفريق بين ما هو خطأ وما هو صحيح ، ولكن ، ليس بمعزلٍ عن سلطة  من يقترفون الأخطاء تحت عنوان احتكارهم  للصواب .  وذلك  ما نشهده  عبر  الأحداث الدراماتيكية  التي وردت  في سياق الرواية .. دون  أن تحرفه  عن مساره ، نحو  ايٍّ من  الآراء الملتبسة ، أو الأهواء العمياء.  


 نحن نقرأ كاتباً جنوبياً قد يخطىء عامداً في عد أصابعه ، لكي يختبر نفسه التي ربما يختلف معها يوماً من أجلنا ، أو حتى من أجلها. 

وليس من الانصاف، أن لا نقرّ بمقدرته الأدبية التلقائية، على المعاينة غير المباشرة، لموقفنا النظري مما يكتب ، ولو  من باب الرؤى النقدية الانطباعية ، حيال ما يطرحه علينا من  أفكارٍ نشفق عليه من كونها تنطق بألسنةٍ من نار. 

لقد كان من الصعب على الكاتب " محمد المقداد " أن ينهي هذه الحكاية الدامية ،  التي بدأتْ بأقصى درجات خيبة الأمل ، بما هو عكس ذلك تماماً. فليس هنالك من روائيّ يمكن  أن يعمد إلى إدارة الظهر ـ بالإحساس والفكر - لواقعٍ معقّد ، بات يمارس سلطته الجائرة ، على الخيال المسالم ، ويفرض عليه إقامةً جبريةً ، في  مكانٍ معزولٍ  ، على هامش النصّ .. هناك ، في أرياف القلب ، وضواحي النفس.    

علماً بأن كاتبنا وصاحبنا هو ابن البيئة الاجتماعية والثقافية المحاصرة بسلطة الحزب الواحد.   

فالحوار - فوق تلك الرقعة من الأرض - حلم.. والتعدد أمل.. والحرية أمنية.. والأمان خيال..

فهل كنت أيها المطارد في شوارع المدن الخلفية، بحاجةٍ إلى كارثةٍ كبرى كهذه ، حتى تمارس فعل  الكتابة على هذا  النحو الصارخ ..  خارج حدود  الوطن ، وعلى  العين الثاقبة  في وجه الزمن؟!

أتراك من قبل، تتكلم بصوت العقل، عما يمكن لمثل هذه الأسئلة أن تفعله، بعد موته ؟؟

لا بد أنك سألت دمشق عن الحرية الحمراء، بينما هي تبكيك .. فتسيل دموعها من عينيك ..

لست وحدك فيما تريده وتعنيه.. بيد أنك ربما تغدو  مكبّلاً بطريقة فهم الآخرين لطريقتك في التعبير عن ذلك.

رغم أنك قد تكون أكثرهم وضوحاً ..!!   

لكن، انتظر .. ودعنا لا نختلف - أولاً - على معنى الوضوح .

وهل المروية هي ابنةٌ شرعيةٌ لوضوح راويها .. أم هي صورةٌ مطابقةٌ لنزف جروحه ؟؟

أم أن الصدق له رأيٌ آخر فيما تعتقد أنت، بأنه الأجدى والأجدر أن يُروى ؟؟

لم تكن مع نفسك ضد الآخر .. ولم تجعل منها نداً له . 

لقد أردت التأكيد ، على تعريف المنفى ، على لسان المهاجرين إلى ما وراء الأشياء ..

ثم جاء المثقفون ، المدجّجون بأسلحتهم الشفاهية ، لكي يجعلوك  تعيد تعريفه من جديد ، بما يتوافق مع ضرورة وجودهم وخصوصيته ، في صلب مشروعك الروائي القائم بالأساس، على المواجهة والمجابهة، لا على الاستكانة والاستسلام.

كان عليك - كمن هم على ما أنت عليه - أن تحاكم مرحلةً سابقة، تبعاً لما يحدث في الحاضر .

لكن الحاضر مراوغٌ يا صديقي .

إنه ثعلب الوقت الرمادي.

وأنت شابٌ طيبٌ ؛ مثلك.

فلا تقل لي بأنك واحدٌ لا غير، حتى لا تضطرني لأن أبكي كثيراً، قبل أن أضحك أكثر ..!!


لدينا هنا، أعني : ( هناك )..  معضلةٌ كبرى تدعى سورية ( غير المفيدة ) ..!!

مطلوب منها، أن تنجب حلاًّ غير عادلٍ لها، تحت القصف الأعمى، وفي ظل هيئة الأمم المغيبة عن كل ما يحدث في هذه المنطقة المستهدفة بالفعل، من احتلالٍ غاشمٍ ، وإحلالٍ ناقم.


قد عرفنا، أن دم الثوار تعرفه فرنسا .. فماذا عن الدب الروسي المتوحش يا صديقي ؟!

رغم أن سماء سوريا المحتلة كأرضها ، قد تحمل الكثير من غيوم العبر .. ولكن ،،  ليس بالضرورة أن يهطل الجواب عن هذا السؤال، فوق رؤوسنا، على شكل مطر .


وليس هنالك ما هو أقسى من أن تمسي الحقيقةُ حبلى بالباطل !!

لا بل هنالك ما هو أقسى من ذلك :

أن يكون المشفى هو المنفى.. وتكون القابلةُ ، هي الدنيا الزائلة .


أما زلت كأحد شخوص روايتك ؛ مطمئناً للجبهة الداخلية ؟

يا أخي ، لست وحدك من تكتب الروايات .. ثم تخاف على ما أودعته فيها، من لصٍّ محترفٍ ومخادعٍ، اسمه النسيان ..

فالمخبرون يفعلون ذلك أيضاً .

أنت تكتب عنهم ، وهم يكتبون عنك . 

ومن الظلم أن نزعم ، بأن هذه هي عين العدل، التي ينظر بها المتلقّي إلى الأشياء، فيراها؛ ولكن، ليس كما هي ، بل كما تصورها  له العاطفة العربية الجارفة.

فقل لي بربك، عن أي سكونٍ يمكن أن نتكلم بفصاحة ، حينما تهب علينا ، ومن كل الجهات، مثل هذه العاصفة !! 


أنت تقول ، وقبل  أن تصل  بنا إلى منتصف الرواية ، التي أتمنى  لها أن تستيقظ في نور الصدور ، لا أن تنام في ظلام الأدراج :

( عاد " أبو فندي" من غيبوته  ) ..

ثم إنك جعلتنا نرى زوجته الجميلة التي وصفتها بالحورية، وهي تذهب لتعدّ له طعام الغداء، فيما هو يسترجع خطاب الرئيس.. كمن يتفرج على فيلمٍ غير مشوّق، للمرّة الثانية، على أمل أن تتغير فيه الأحداث - عند الإعادة - إلى ما هو أفضل ..!! 

فلا تلم القارىء، إن وقف على شاطىء البحر الذي تستدرجه تلك الحورية السورية، بدلالٍ ودهاءٍ .. فيمثل أمامنا، داخل النص - بإذنٍ منك - - ومن أجل عينيها - مثل ماردٍ من ماء .

صحيح أن ذلك البحر يمتد خارج لغة السرد، ولكنه ليس بمنأى عن المشهد الذي نتحدث عنه. 

فهل أنت على يقينٍ مما نقرأه لك.. ونسمعه منك .. ونراه نيابة عنك ؟!

علينا أن نعترف، بأن الليل صار أطول، في تلك البلاد المنكوبة .. لكن الشمس، ليست كائناً حياً، حتى تتعرض، مثل ذلك الرجل الذي كان يقف بانتظارنا، عند بوابة أحد الفصول ، إلى غيبوبة .


وردةٌ من ياسمين الشام، لك منك .. ولنا أن نرى، ماذا ستفعل بها وبنا بعد قليل ..!!

صمتك أيضاً، كجدولٍ من ماءٍ ترويه.. أما تلك الزهرة الطافيةُ على سطحه، فيصعب أن نتصور بأنها ليست أرقّ وأجمل ما فيه.

وعلى ضفة نهرٍ متخيّلٍ كذلك البحر، هنالك خيمةٌ منصوبةٌ فوق كومةٍ من رماد .

لقد دفعت كغيرك، حصتك "العادلة" من ضريبة هذه الحرب الجائرة . ولم تقبض بيدك، إلا على فكرة خروجك من الجنة التي استحالت بعد كل ما ألمّ بها من خرابٍ مقيمٍ، إلى جحيم .

ترى ، أي مصيرٍ هذا الذي يدفع أبناء بردى والفرات، تحت وقع احتفالهم - رغم كل شيءٍ -بالحياة، لاجتراح نهرٍ نظريٍّ يجري الهوينا في وداي الخيال..؟!

كان عليك أن تكتب عنهم .. وكان على كلٍّ منهم أن يعيش في ذاكرة زوجته المخلصة كما تشاء.. أعني : كما تحس ، وترى ، وتعايش ..

والمرأة تعشق التفاصيل.. إلا أن الكرْم الذي كانت تحرسه الثعالب احترق. ولم يعد مجدياً أن نتساءل : هل صاحبه كريمٌ ، أم معتقلٌ  ، أم خائفٌ ، أم بخيل !!!

وحش اليأس يكاد يفترس حَمَلَ الأمل ..  وزوجان حائران، يعودان إلى ماضيهما معاً ، حيث يتبادلان هناك ، أمام ناظريك، أجمل القبل ..

أنت سمحت وأتحت لهما أن يفعلا ذلك ، وليس بين السطور. أليس كذلك ؟  كأنك كنت تبحث عما تقوله عنهما في كتابك المشحون بطاقة خطابك عن الفكر المقموع، والثورة المصادرة .

كتابٌ بورقٍ أصفر ترتاح له العين.. وغلافٍ أزرق، تأنس له الروح ..

في الفصل الثالث من هذا الكتاب، يتابع " المحامي" تدوين مذكراته بحرصٍ شديد..

وانت تقول - بوصفك الراوي العليم - :  " كأن القدر كلّفه بذلك "  

لكنك تعرف جيداً، أن من أوعز له بأن يفعل كل ما فعل، هو ذلك الكاتب المجرّب، الذي يشغل وظيفة المدير العام لدائرة السرد العالي.. والذي يصعب أن نقول - بعد كل ما قلت - بأنه ليس أنت. 


فهل تعمّدت أن تطعم الأذن الكثير من الكلمات.. حتى تستحي العين من القليل من الصور.. ؟! 

أم أنك تمشي على ذلك الطريق الممدود باتجاه الحدود، ممسكاً بيد القارىء ، حتى يظن في لحظةٍ ما، أنه هو الذي يمسك بيدك . 

ربما أنك الآن تبتسم. 

ولكن ..!!

من قال أنه لا يقوم بذلك، حين تكتب، وهو يراقب ما تفعله من أجله، وأجل الأدب؛ عن كثب؟!

نحن ندرك بأنك لم تختزل الحياةَ في مظاهرة .. ولا أيامَ الأسبوع في جمعةٍ عابرة ..

لكن سورية ، التي ما زالت تبحث في يقينك عن معنى الحرية ، سوف تبقى في مكانها هناك، حيث تركها المبعدون عنها، مثلك، قسراً. وسوف يظل لوجودها معنىً واحدٌ هو :

إن تلك الرقعة المباركة من الأرض، لا تقبل القسمةَ من غير باقٍ - مهما كان- إلا على نفسها. 


لقد قال لك نفرٌ من الأقزام الذين يتقمصّون ، منذ حين ، أدوار الكبار :

خذ حريتك المصغرّة ، واذهب لتلعب بها كما يلعب الطفل بدميته، خارج حدود الوطن.

فأدرت ظهرك مكرهاً ، لما أطلقه الباحثون عن غدٍ أفضل، من أسئلةٍ وطنيةٍ مشروعة.. بعد أن رأيت بأم عينيك، كيف أن الجواب الوحيد عن كل تلك الأسئلة، كان هو الدم.


في مذكرات المحامي - أما زلت تذكرها ؟ - تكتب البداية نفسها - كما أوحيت لها - وكما هو حال النهاية ..

وفيها أيضاً، تشرق درعا كشمسٍ جنوبية، على كامل التراب السوري المضمّخ بدماء الأبرياء، والأشقياء، والشعراء الذين كانوا يخلطون الشعر بالعطر.. فصاروا يمزجون الحلم بالدم .. 

بل إنها تغدو كمعادلٍ موضوعي للنهاية ذاتها .. وكأنك تضع أصبعك على نقطةٍ ما في محيط دائرة الصراع الدموي الذي ما انفك يعيد انتاج نفسه من جديد.. مثل كلّ شيءٍ في بلادنا، ومنذ ألف عامٍ ويزيد.. 

في حين يتزايد عدد الرافضين لأن يبقى الحال على ما هو عليه. 

ولكنك تعلن مبكراً ، بأن أشياءَ كثيرةً تحدث من تحت الطاولة.

لقد دعوتنا باسم  تاريخنا الحديث ، لنتناول طعام العشاء ما بعد الأخير ، على مائدة الجغرافيا التي تأخذ شكل الهلال الخصيب.. فاكتشفنا لاحقاً، بأنك كنت تحلم بالعودة إلى الجزيرة العربية. لا لشيء، إلا لتنظر إلى ذلك الهلال الأخضر من هناك .. علك تراه أكثر وضوحاً ، كما أنا الآن، وعن قربٍ يشبه الحب، أراك .

كان من الواضح أن الحب، يختبىء وراء خوفك عليه، من الاحتراق في أتون الحرب.

وكنت أنت تساعده في ذلك ، وكأنك سجّانٌ يهرّب المشاعر والمواقف النبيلة، من سجينٍ إلى آخر ، فيما بين الصفحات ..

أرجو أن تعذرني على هذا التعبير الصادم والصادق، فقد جف ما في قرية ( مَوج ) من ماءٍ على الورق الذي كتبت عنها مطولاً عليه.. 

في حين، أن الكثير من الناس، وكما وصفتهم على لسان أحد الشخوص، باتوا يذهبون إلى غاياتهم المتحولة، وحتى المؤجلة ، بدافعٍ من غريزة القطيع . 

فأي سخريةٍ مريرةٍ، تلك التي يستحيل الدافع فيها إلى مانع !!

وأي حلمٍ متضوَّرٍ ، ذلك الذي ينهش في تفسيره من شدّة الجوع ..!!

دعني أتخيل بأنك تقول لي : لا تنسَ بأن طعام الكاتب هو الكلام .


إنني أعرف مثلك، بأن الشرطةَ السرّيةَ والجهرية، ما برحت تحاصر مفهومك الجليّ للحرية.. ووعيك التام بشروطها المرجعية ..

ولكنك دفعت، كما أسلفنا، جزءاً من ثمنٍ باهض، لشيءٍ نادرٍ في بلادنا، يُدعى : التغيير .

سامحني لأني ذكّرتك بالحصار، الذي لا بد وأن يستدعي إلى ذهنك ظلمة المُعتَقَل، ولعنة غرفة التحقيق، التي تُرسم فيها مصائرُ الناس على نحوٍ مفجعٍ، ومقززٍ ، ومرتَجَل..  


في مشهدٍ إضافي مقترح، يتشكّل خارج الرواية.. هنالك شابٌ يودّع خطيبته وراء عربةٍ عسكريةٍ نصف محترقة ، ويخطف منها قبلةً من نار . 

حتى أسراب الحمام، طارت فزعةً من أصوات القنابل.. وانسحبت من فضاء الرواية، إلى الفضاء الخارجي ، بعيداً عما يفعله البشر بأنفسهم . 

أما أشجار الكينا الحزينة، فهي تتابع ما يجري من حولها، بقلقٍ مصفرٍّ كالورق..   

لكن النتائج المأساوية السوداء، أضحت تحتقر أسبابها الدفينة.. 


وفي لحظةٍ فارقة، من عمر هذه الأزمة المستحكمة، حمل الكثيرون البنادق، لكي يدافعوا بها عن أنفسهم، ويتصدوا  لمن يريد أن يطلق النار على ما في رؤوسهم من أفكار.


يا الله ، ما أصعب أن تكون سوريا، أبعد مما تبدو عليه بكثير ..!!

لكنها شؤون الحياة .. وتصاريف الزمن .. 

وكما في عبارة الشاعر " محمود درويش " التي ختمتَ بها روايتك الموجعة المفجعة:

" كلُّ أرضٍ تُنبت الحبَّ وطن "


لقد سلَكْتَ بنا الطريق إلى مخيم الزعتري ، على صعوبته، ووعورته، وخطورته، بلغةٍ سلسلةٍ مطواعة، وأسلوبٍ مباشرٍ خالٍ من أي مظهرٍ من مظاهر التعقيد .. 

وحينما وصلنا إلى هناك ، كان علينا، أن ننظر إلينا ، ملياً، حتى نراك ..

هكذا يبدأ بنهايته الكلام .. فطوبى لك يا صديقي وأنت ما زلت كما أنت.. وسلامٌ على من كانت دائماً ، وستبقى أبداً، هي الشام .

... 

الأحد، 10 يوليو 2022

أهمية القراءة (تحقيق مجلة العربي الكويتية)

 

      

-نظرتك تجاه واقع القراءة في العالم العربي ؟

-ماذا يقرأ شباب اليوم؟

-هل هناك ميل الشباب إلى قراءة الادب اليوم وما الاجناس الادبية الأكثر قراءة لديه؟

-هل الشباب العربي قادر على الاسهام لتنمية الوعي المجتمعي من خلال ما يكتب؟

-ألا ترى أن تفاعل الشباب العربي مع الادب الرقمي(الفيسبوك) على وجه الخصوص أسهم في يقظة الادب بمنحى آخر مغاير تماما لما كان من قبل؟.

الأسئلة (هشام أزكيض. المغرب)

.......

 

 

كتب الروائي السوريّ: محمد فتحي المقداد

 لا حياة.. ولا حضارة بلا قراءة. القراءة أسُّ المعرفة الأساسيّ، من غير المُتصوَّر، وجميع تجليات الحياة البشرية تنبثق من عباءة القراءة حتمًا. 

لو توقّفنا أمام تساؤل. لماذا نقرأ؟. سيأتي الجواب: نقرأ لنتعلم، ونقرأ لنعيش، ونقرأ لنتعايش، ونقرأ لنبني. ولذلك كانت كلمة الوحي الأولى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومرحلة القراءة والتعلُّم هو المرحلة الأهمًّ في حياة  أيّ إنسان في كلّ زمان ومكان.

خلال السنوات الأخيرة، لاحظنا النموّ المتسارع بشكل جُنونيٍّ في وسائل التواصل الاجتماعيّ، هذا الانتشار غير المدروس والمخطط له بعناية، وفي ظلّ غياب أجهزة توعوية، وخطط اجتماعيّة وفكرية في دُولنا؛ حدث انفلات طوليٍّ وعرْضيٍّ؛ فبدل استفادتنا ولو بشكل جُزئيٍّ من التقدُّم التقنيِّ، كانت وبالًا على بنيتنا الاجتماعيَّة الهشَّة أصلًا؛ بتفتيت وتهريء منظومات المجتمع القِيَميَّمة، بل بتعهير قِيَمِه الدينيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة.

وعلى وجه  التحديد فقد قيل: (أنّ العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون)، فإذا كان نصيب من الصحّة أو عدم ثُبوت هذه المقولة.

فعلى العموم فإنّ نسبة القراءة في الوقت الحاضر قليلة رغم تيسير سُبُلها.

من خلال متابعاتي لما يُكتَب ويُنشَر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ لوحظ أن من يكتب الشعر فإنه ذهب للومضة ذات الجملة الواحدة أو الاثنتين، وكذلك شعر الهايكو. وأما من يكتب القصة فقد ظهر لون ال (ق.ق.ج). حتى ظهر مصطلح (النوفاتيلا) الرواية الصغيرة. وللقُرَّاء فيما يذهبون إلى مجالاتهم التي يرغبونها، وميولهم النفسية والعاطفية، وتتسم هذه الموجه التمحور حول الذات والعواطف المحمومة المُغرَقَة برغبات الجسد.

ربَّما يصحُّ وصف حالتنا مع وسائل التواصل بأنّها سهّلت سُبُل القراءة ووسائلها، لكنّها بشكل دقيق إنّها مختصر المختصر، وبذلك هي فاقدة لعمقها المعرفي والروحيِّ والأدبيِّ، ولا تصنع أديبًا حقيقيًّا بثقافة موسوعيَّة ومتخصِّصة في مجال أدبيٍّ مُعيَّن، ويصنع رُؤاه وفق منظوره المتميِّز.  

الروائي محمد فتحي المقداد.سوريا

السبت، 9 يوليو 2022

الكتابة والمنفى

 

 

 

الكتابة والمنفى

ندوة عبر الزووم لمؤسسة أفرا في المغرب

(10\7\2022)

 

مقدَّمة:

إشكاليَّة الوطن والمنفى تتجلى قسوة وكراهة على المنفيِّ من بلده لأيِّ سبب كان، تبدأ القضيَّة بالإبعاد وتبعاتها، ابتداء من المكان الذي سيذهب إليه، وقضايا المعيشة اليوميَّة، والأمن على النّفس، وقضّية التقييد بقوانين جديدة للمجتمع الذي ذهب إليه، وقضيَّة الاندماج التي تُذيب مع الوقت وهج القضيَّة الأساسيَّة التي من أجلها خرج من بلده مُكرَهًا.  فالمنفى ليس بقعة غريبة فحسب، إنما هو مكان يتعذر فيه ممارسة الانتماء.

يُخرِّب المنفى قدرة الانتماء، ويحول دون ظهور تلك الفكرة البرَّاقة التي تجتذب الإنسان، ولطالما وقع تعارض، بل انفـصـام، بين المنفي والمكان الذي رحل أو ارتحل إليه، وندر أن تكلَّلت محاولات المنفيِّين بالنجاح في إعادة تشكيل ذواتهم حسب مقتضيات المنفى وشروطه. ومن الصواب أن يوصف ذلك بأنه (شقاء أخلاقي).

تعريف المنفي:

حسب رأي "د. عبدالله إبراهيم" في الكتاب الذي حرّرهُ الموسوم "الكتابة والمنفى". والكتاب مواضيع حول أدب المنفى لمجموعة من الكُتَّاب العرب. الصّادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت.

·       المنفيُّ هو من اقتلع من المكان الذي ولد فيه، وأخفق في مد جسور الاندماج مع المكان الذي أصبح فيه، فحياته متوترة، ومـصـيـره ملتبس، وهو يتـأكـل بـاسـتـمـرار ، ولا يلبث أن ينطفئ بالمعنى المبـاشـر لـيـتـوهج، مـرة أخـرى ، بالمعنى الرمزي .

·       المنفي: ذات بشرية واعية لكنها ممزقة، هتكت عذريتها، وخربت سويتها الطبيعية، فلا سبيل إلى إعادة تشكيلها في كينونة منسجمة مع نفسها أو مع العالم.

·       ولطالما اتقد المنفيون حماسة أول عهدهم بالمنافي، إنما لم يعوا أنهم رسوا في منطقة مبهمة لا تخوم لها.

·       فمن اختار المنفى فقد راودته الآمال العراض لإجراء تحويل جذري في نمط حياته ، واختياراته ، ومن دفع إليه قسرا وجده ضربا من الانتقام الفظيع الذي لا سبيل إلى الاقتصاص منه.

·       لكن المعرفة بالمنفى سرعان ما تراكمت خلال القرن العشرين، وارتسمت معالمها الثقافية؛ فراودت بعض المنفيين أحلام وردية بعـالـم جـديـد ينبثق من أحـشـاء عـالـم عـتـيـق لا يقبل الاختلاف، ولا يعترف بالمغايرة، ولا يوفر أسباب الشراكة في الحقوق، لكن  ولادته تعسرت، ثم تأخرت، وحينما ظهرا أخيرا جاء هشا لا طاقة له بقبول الغرباء، وحـمـايـتـهـم ، ناهيك عن الدفاع عنهم ، فكان من المنفيين من قبل التواطؤ فوجد فيه خلاصا مؤقتا لمحو التجارب المريرة التي ذاقها في وطنه، وفيهم من وقع أسـيـر الإغراءات المذهلة للعزلة، ومنهم من أراد الاكـتـفـاء بتحسين أحواله، أو خوض مغامرة، أو ملامسة عـالـم آخـر ، لكن مجمل هذه الدوافع المتداخلة ما لبثت أن غدت جزءا من الاستراتيجية التي يمارسها المنفى ضد من ينتسب إليه ، وهي الانغلاق على من يكون فيه ، ووضعه تحت طائلة انتظار دائم ، فانتهى الأمر بالمنفيين إلى غير ما صبوا إليه، فقد أصبح المنفي اختيارا غامضا يختلف عما كان يتوقع منه ، لمن أراده أو أجبر عليه، فتمخض عن كل ذلك شعور مركب من الآمال والإخفاقات، ومن الإقدام والتردد، ومن الاندماج والعزلة، ومن الاطمئنان والخوف، ومن النبـذ والاشـتـيـاق، فكان أن تلاشت الفكرة البراقة التي اجتذبت المنفيين للعيش في عالم أمن يخلو من مخاوف الأوطان ، إذ نشـأت غـيـرها في المكان الجديد ، وسواء تعايش المرء مع هذه أو تلك ، فإن إحساسه المربع بفقدان مكانه أورثه شكا بأنه خارج الدائرة الحميمة للانتماء البشري .

جواز السَّفر:

هو الأداة الضروريَّة التي تجعل الاعتراف بالإنسان كإنسان، لا يكفي أن تقول أنا الشاعر المشهور، أو الصحفي، أو الروائي، أو الفيلسوف. حتّى ولو كنت من كُنتَ، إلَّا إذا أبرزت وثيقة جواز السّفر التي هي الدليل على أنّكَ أنتَ أنتَ بالفعل، ومصداقيَتها أكثر من مصداقيَّة حاملها.

وفي كتاب "حوارات المنفيِّين" ، لبرتليت بريشت (بريخت) الذ ي كان معارضًا للنظام "هتلر" الشمولي. وفي فقرة لافتة. حول فكرة حول "جوازات السَّفر"

·       (جواز السَّفر يجب أن يكون حقيقيًّا، كي يُسمَح لحامله بدخول بلد ما,

·        (جواز السَّفر أثمن جزء في الإنسان؛ فلا يصنع نفسه بالسُّهولة التي يُصنع بها الإنسان، فالإنسان يُمكن أن يُصنّع في أيِّ مكان وبكلِّ رُعونة، وبدو سبب معقول).

·       (غير أنَّ جواز السَّفر ليس كذلك أبدًا، لذلك يُعتَرف به عندما يكون جيِّدًا، في حين لا يُعترف بالإنسان مهما كان جيِّدًا)

·       (يمكننا القول أنّ الإنسان ما هو إلّا حامل آليٌّ للجواز، إذ يُدَسُّ في جيبه، كما تودَع الوثائق والمًستندات الثَّمينة في الخزانة الحديديَّة، التي لا قيمة لها  سوى أنَّها تحوي أشياء ثمينة).

·       يُمكن للمرء أن يدَّعي بأنَّ الإنسان ضروريٌّ للجواز بمعنى من المعاني).

·       (الجواز هو الشيء الأساسيُّ، وعليكَ أن تخلع قُبَّعتكَ احترامًا له، ولكن بدون أن يكون هناك إنسان تابع لا يُمكن أن يُحقِّق وجوده، أو قُل لا يُحقِّق وجوده كاملًا).   

الكتابة والمنفى:

وتأدى عن ذلك ضرب من الكتابة، هي كتابة المنفى، وفي اللُّبِّ منها أدب المنفى، ومادَّتها مزيج من الاغتراب والنفور؛ لأنها تراوح في منطقة الانتماء المزدوج إلى هويتين متباينتين، ثم  في الوقت نفسه، عدم إمكانية الانتماء لأي منهما، لكنها كتابة كاشفة تقوم على فرضية تفكيك الهوية الواحدة، وتقترح هوية رمادية مركبة من عناصر كثيرة.

وبهذه الصفـة تعـدُّ كتابة المنفى عابرة للحدود الثقافية، والجغرافية، والتاريخية، والدينية، وهي تُخفي في طياتها إشكالية خلافية، كونها تتشكل عبر رؤية نافذة، ومنظور حادٍّ لا يعرف التواطؤ, فكتابة المنفى تتعالى على التسطيح، وتتضمن قسوة صريحة من التشريح المباشر لأوضاع المنفي، وعلى حد سواء، لكل من الجماعة التي اقتلع منها، والجماعة الحاضنة له، لكنها تنأى بنفسها عن الكراهية، والتعصب، والغلو، وتتخطَّى المكان الأهمُّ في حياة أيّ إنسان، ألا وهو مُسقط الرأس، ومراتع الطُّفولة، وستبقى ماثلة بدقائق تفاصيلها، ومن الصَّعب نسيانها تمامًا مهما تقدَّم العمر، ومهما  اِدلهمّت الخُطوب على الإنسان، وهي الأماكن الأحبّ إلى قلبه، شعور عميق بالرّاحة عند استعادة ذكراها.

في حديث لي مع الصديق الفلسطينيِّ الأصل، السّوريّ الموطن، الأديب والكاتب "راكان حسين": وصف نفسه بأن لاجئ "سُوبَّر"، منذ بداية تفتّح وعيه بدأت الهجرة على دروب المنافي، من فلسطين بعد حرب حزيران 1967 إلى سوريا في مدينة "المزيريب" محافظة درعا، ومن ثمّ في رحلة إلى أستراليا لسنوات طويلة، ليستقرّ به التِّرحال من أقصى جُنوب الكرة الأرضيَّة، إلى أقصى الشّمال ليحطّ برِحَالِه في ألمانيا.

لا شكّ أنّا رحلة حافلة بالمشاقّ والمتاعب، وكأنّ التشرّد قدره، يا إلهي..!! كم هو حجم المعاناة والمُقاساة والمُكابدة والحنين الضّائع على دروب اليأس، ولكن يبدو أنّ معطيات أقوى، ما زالت تنتصر للبقاء. 

تذكّرتُ صديقي هذا أثناء قراءاتي كتاب "مدن ورجال ومتاهات"، وهو مقالات أدبيّة للشاعر العراقي "عبد الوهّاب البيّاتي"، جاء كتدوينة لمذكرات، وهو جزء من سيرة ذاتيّة، ومحطة من محطّات الكاتب خلال ترحاله من العواصم العربيّة ما بين دمشق وبيروت والقاهرة وعمّان، المحّطات الأكثر كان تواجدًا فيها، إضافة إلى العواصم الأوروبيّة، وغيرها في قارّات العالم.

الدكتاتوريّات العسكريّة في بلادنا العسكريّة خاصّة ذات الحكم الجمهوريّ، والنهج الثوريّ، التي ضيّقت على شعوبها، فأحصت عليهم أنفاسهم، وفتحت أبواب السّجون والمُعتقلات، وتحريم الحريّات العامّة، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان على كافّة الصُّعُد والمُستويات. 

الاحتلال الصُّهيوني لفلسطين ساهم بخلق مشكلات للشعب الفلسطينيّ، ولدول الجوار التي فتحت أبوابها لهم للعيش في ملاذات آمنة. ومنذ أواخر العام 2010 وبداية 2011، كانت البداية لربيع عربيّ دامٍ ارتدّت الأنظمة على إرادات الشّعوب، فقامت بالهجوم الهمجي المُضادُّ، واستخدام جميع وسائل العنف، وفي غياب القوانين والدساتير الضّامنة، ارتُكبَت الفظائع التي لا يتصّورها عقل بشريّ على الإطلاق، وأعظم المجازر الخارجة على كلّ مألوف، وهذا يتطابق مع رؤية عبد الوهاب البياتي: " في العالم الثالث بالذَّات لم تعُدْ الأوطـان تُوفِّر أيَّ طقسٍ أو مناخٍ رُوحيٍّ وماديٍّ للمُثقَّف والكاتب، ولهذا؛ فإنَّه يظلُّ يَعُضُّ قيده، وينقُر قُضبان قفصه حتَّى يموت".

فجاءت مُخرجات هكذا أوضاع شاذّة؛ لتصنع أعظم موجة تشريد وتهجير على مساحات الوطن العربيّ بين شرقه وغربه، وتكون هذه الموجة امتدادًا طبيعيًّا لما قامت به إسرائيل من طرد للفلسطينييّن من وطنهم، وفي هذا الصّدد، وصف الصّديق المُفكّر والباحث والأديب "محمد زعل السّلوم" نفسه: بأنّه "مُشرّد البوسفور"، وهذا ممّا جاء به من خلال عمل روائيٍّ حمل هذا العنوان. والمنفى عند البيّاتي: استبدال القيود بالقيود والمنافي بالمنافي حتى يموت ويكتشف الإنسان وهو ينفي نفسـه أو ينفى أنه مقبل على ربيع الإنسان ولكنه يكتشف بعـد وهـلـة أنـه وقع في منفى جديد لا يقل قسوة عن منفاه السابق".

برؤيته العميقة وإحساسه القائم على وعيٍ تامٍّ عند البيّاتي. فيقول: "يتجاوز الشَّاعر حـدود آخر منفى لـه على الأرض، الأرض يطلق صيحة هي أشبه بصيحة الإنسان الذي واجه الطوفان في الملحمة البابليّة القديمة"، وفي ذلك تساوى عندي الليل والنّهار. أنا المنفيُّ بداية داخل روحي، ومن ثمّ خارج الوطن، وتعادل النّور والظّلمة في معطيات حياتي التالية، لم يعُد الألم والسّعادة يفترقان تباعُدًا؛ فأصبحت كلُّ المنافي وطنًا فقط أجل البقاء، سأبقى أتنفّس هواءه، وأملأ بطني بخبزه، وأتجوَّل في ربوعه حتّى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

ويكتسب الوطن الأول في وجدان عبد الوهاب البيّاتي أهميّة أخرى، وبرؤية مليئة بالمرارة والأسى: "وعندما يبدأ الإنسان في منفاه الأول (الوطن) يخدع نفسـه، فينظر إلى ساعته بين الحين والآخر، ويُحصي كـل الساعات، ويعُـدُّ الأيَّام والشُّهور والسَّنوات؛ علـى أمـل أن تُشرِق شمسُ الله على ربيع مملكة الإنسان".

وفي هذا الاقتباس تتضح كيفيّة تفكير البيّاتي بفلسفة الأمر، بنظرته المُختلفة عن محيطه الاجتماعيِّ وأترابه، لا شكّ أنّها رؤية شاعر، ربّما تأتي نبوءة على محامل كلماته: " منذ صرختي الأولى، وأنا في يَدِ القابلـة، شعرتُ برمـاح النُّـور تطعنُ عيني، وبريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ تهُبُّ على المدينـة الـتي وُلـدتُ فيها. أحسسـتُ عنـد ذاك أنّـني في اللَّامكـان واللَّازمـان، أو أنَّـني جئتُ قبل البداية أو قبل النهاية؛ فنظرتُ فيما بعد إلى وجهـي في المرآة؛ فأحسستُ أنَّ لون عيني الأخـرى، الـتي كنتُ أحملها في زمن آخر سبق لي أن وُلـدتُ فيـه، أو زمـن آخـر سأولدُ فيه. حرَّكـتُ أصـابـع يـدي؛ فقبضتُ على الرِّيـح والمطـر، وعلى حجارة القمر، التي كان رُوَّاد الفضـاء لم يحملوهـا بعـد إلى أرضنا؛ فقلتُ: مـن أيـن لي بهـذه الأحجـار؟، وظننتُ أنَّهـا أحـجـار أرضيَّة، ولكنَّني علمتُ بعد سنوات طويلة: أنَّهـا كـانـت مـن أرض القمر، أو مـن كـوكـب آخـر، وقلتُ لنفسـي: مـن أيـن لي بهـذه الحجارة؟ وحاول شِعْري أن يكتشفَ الكوكبَ الذي جاءت منه هذه الحجارة اللَّا إِلَهِيَّة، ولكنـَّني لم أستطع أن أكتشـفَ هـذا السِـرَّ حتَّى الآن، أحيانًا أحسُّ، وبـدون تَعَالٍ أو غـُرور إنَّـنـي ولـدتُ في نهاية هذا العالم، ولكنّـي أحـسُّ في الوقت نفسـه أنَّـنـي وُلـدتُ في بدايته؛ فمن جاء بي إلى هنا..!!؟".

 فالطّريد في وطنه بلا ضمانات حقوقيّة يُحاول البقاء في وجه العاصفة، ولا بدَّ للغزال أن يتعب؛ ليأتي الصيّاد فيجده في قبضته وفي مرمى نيرانه القاتلة؛ فإذا استطاع النّهوض والهروب. ونحن بين أمرين كلاهما مُرْ، ولا نعدو كَبالِعِ السِّكِّين على الحدّيْن، إمّا البقاء مصحوبًا بالخوف والقلق، أو بالقبول بشروط المنفى.

فماذا يعني الوطن.. الذي أحببناه؟، وجذور أرواحنا ما زالت هناك مغروسة في تربته؛ فهل كُنّا في أكذوبة واهمة سرقت قُلوبنا..!!؟.  

 

ــــــــــا 14\ 1\ 2022

 

 

الاثنين، 4 يوليو 2022

البعد الإنساني رواية أنا مربم


 

المرجعيّة الإنسانيّة

في رواية "أنا مريم" للروائيّة "عنان محروس"

 

بقلم. الروائي محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

المرجعيّة أُسٌّ من أسُس الحياة البشريّة، سِمة لكلّ شخصٍ، وما فَعَل، وما حَدَث له، وأحدَثَ فيما بينه وبين خاصّة نفسه، أو بتفاعله الإيجابيّ أو السلبيّ، وما ينتج من ردود الفعل المُعاكسة.

تتعدّد محاور المرجعيّة بتعدُّد الموضوعات والدُّروب والمآلات والنوايا والمقاصد، وللمتوقّف في رحاب النقطة المرجعيّة متأمِّلًا، بسهولة يكتشف ما ذهبتُ إليه بإرساء فكرة المرجعيّة وإطلاقها كعنوان عريض للبشر على مختلف منابتهم وانتماءاتهم.

بهذا المدخل المُبسّط الذي يُعتبر مدخلًا صالحًا للولوج إلى عوالم رواية "أنا مريم" المُنتمية لمرجعيّتها الواقعيّة الاجتماعيّة ببعدها الإنسانيّ، الذي سيطر على مفاصل الحدث الروائيّ، ومُحدّداته المُتشعّبة في تفاصيل حياة أبطالها، ومُخرجاتٍ مختلفة كنتائج سليمة مُتوقّعة سلفًا، وذلك للتشابه الكبير الحاصل في مُعطيات الحياة البشريّة عُمومًا، مع اختلاف الخصوصيّة بكثير أو قليل بين كلّ حالة وأخرى.

حيث اتّخذت الرواية مسارات سرديّة اعتنت بالتحليل الاجتماعي، ودراسة وتجسيد الحياة الإنسانية للفرد والمجتمع المحيط، من خلال تعالقات مُترابطة بتشابكاتها المُعقّدة، من الصّعوبة بمكان فصل إحداها عن الأخرى. 

الواقعية الاجتماعيّة في الأدب أصبحت مذهبًا نقديًا منذ عصور سابقة، و(تعتبر أحد أشكال التوجه الواقعي، وقد كان ظهورها بمثابة رد على انتشار الرومانسية، والشاعرية، والمثالية في أوروبا، وهدفت الواقعية الاجتماعية إلى توظيف كل ما يعبر عن الحقيقة والواقع في الأدب، وتجنب استخدام اللغة التصويرية، والتشبيهات، والاستعارات، كما تمتاز الواقعية الاجتماعية أنها تتجنب تزيين اللغة).

وقد ذكر الأستاذ "مفيد نجم": (أثبتت الرواية الواقعية أنها الاتجاه الجمالي الأكثر ديمومة وانفتاحا على التجدد والتطور طوال ما يزيد على ثلاثة قرون من تاريخها الحافل. قابلية هذه الرواية للتطور من داخل فضائها السردي والحكائي بنية وتقنيات ومنظورا سرديا، هو الذي منحها هذه القدرة على الاستمرارية والتجدد، عبر هذا التعاقب الذي عرفته، من الواقعية الطبيعية إلى الواقعية الاجتماعية والواقعية الاشتراكية، وصولا إلى الواقعية السحرية، التي تعدّ الإضافة المهمة التي جاءت من خارج حدود القارة الأوروبية).

 

العنوان:

جاء العنوان بصيغة الجملة الإسميّة الخبرية المُكوّنة من كلمتين، عبارة هما عن مبتدأ وخبر، فالكلمة الأولى ضمير المتكلّم "أنا"، والكلمة الثانية "مريم" غير المُعرّفة بأداة التعريف "أل". يتبادر للذهن أنّ المُتحدّثة ما دامت تحكي اسمها الذي هو بطاقة تعريفها التي أتت مُنكّرة، التنكير مطلق باتساع دلالاته المُتشابهة مع مثل هذه الحالة. بينما التعريف يكون على حالة مُعينةّ بالضبط.

فالاسم دلالة على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث. فكلمة "مريم" منطلق للحدث الروائي بكافّة تعرّجاته. وبذلك تكون ازدواجية الاسم في مثل خصوص هذه الحالة، لتكون إعلان بطاقة الاسم، وفاعل قاد الحدث الروائي. جملة اسمية جاءت بدلالتها كعنوان لتفرد أجنحتها لتدخل في تفاصيل الفعل والعامل النفسية ومؤثراتها، وبذلك يكون العنوان خير من حكى المحتوى السردي، الذي كان بدوره تفسيرًا منطقيا متوافقًا حدّ التطابق مع دلالات العنوان بدقّة حاذقة وذكيّة.

 

شخصيَّات الرّواية:

السِّياق العامّ للرِّواية يوضّح بشكلٍ جليٍّ: أنّ رواية "أنا مريم" امتداد سرديٌّ طبيعيٌّ لرواية سابقة لــ"عنان محروس" "خُلق إنسانًا"، رغم أنَّ الحدث في رواية أنا مريم مكتمل بذاته، ولكن وردت بعض الإشارات المرجعيَّة الدّّالة على الارتباط الحدث بما سَبَق، وجاء إكمالًا وضَّح الكثير من القضايا التي كانت عالقةً مُؤجَّلةً، خاصَّة النّهايات حيث لم تأت رواية خُلق إنسانًا، لأنّها توقَّفت عند حدٍّ مُعيَّن.

شخصيَّتان رئيستان قادتا الحدث الروائي بأكمله، وامتدَّتا لاستكمال النتيجة المنطقيَّة لحكاية النِّهايات النّاطقة بلسان البدايات. (آدم مريم) هما هاتان الشَّخصيَّان الرَّئيستان، فمن خلالهما توالد الحدث السَّرديُّ بتسلسله المنطقيِّ بتراتُباتٍ دقيقة، لم تجعل العقدة لتنفلت في ذهن القارئ، وكذلك انبثقت شخصيّات ثانويَّة جاءت كضرورة لتأثيث السَّرد بشكلٍ معقول.

ففي رواية "أنا مريم" لوحظ أنّ الرواية لم تكُن مزدحمة بشخصيَّات كثيرة العدد ممَّا سهَّل خدمة فكرة الرِّواية، وجلَّى بوضوح رسالتها. (آدم ومريم) و (سالم السّائق) والراهبة (كاترينا وأختها)، و (هدى) صديقة مريم  من أيام الدراسة، وعند الذهاب لمصحة الأمراض العقلية ظهرت (شخصية الدكتور فهد) والممرضة المغربيَّة الجنسيّة (هند)، ومدير البنك ( شريف)، والموظف في دار النشر (أمين)، والمحامي (سلَّام) صديق لمريم من أيّام الراسة الجامعية، كان مستشارها القانونيِّ.

بين يدي الرواية:

رواية " أنا مريم" جاءت كخاتمة لنهايات غير سعيدة لاستكمال سيرة "آدم" الشَّخصيَّة التي كانت المحور الأساسيّ للرواية "خلق إنسانًا" التي ابتدأت بسرد طفولته المُعذّبة في ظلِّ بلد مثل لبنان، مزَّقته الحرب الأهلية على امتداد ما يقارب العقدين، طفل التقطته امرأة فاجرة فشغّلته في أعمال قاسية، ما حدث له من تحرُّش وصل إلى درجة الاعتداء عليه، والآثار النفسية التي انسحبت على باقي حياته والآثار النفسيَّة، ومن ثم الهروب من جحيم المرأة التي كان يعتقد أنّها أمّه، ليلتقطه (عماد) شيخ جامع في أحد أحياء بيروت، ويأخذه ليتبنّاه ويعلمه من مكارم الأخلاق وحفظ القرآن، ومتابعة دراسته ليتخرج بشهادة جامعيّة، ويدفعه للعمل في دار نشر، التي يملكها شخص مسيحي نبيل وهو أبو البنت مريم، وسرعان ما يحدث الحبُّ بين مريم وآدم،

وتتكلّل العلاقة بالزواج بين شخصين من ديانتيْن مُختلفتيْن على الرَّغم من معارضة البعض لمثل هذا الزَّواج، يموت الأبوان ويبقى الزوجان (آدم ومريم)، آدم يعود لانحرافات القديمة التي حفرت مساربها في أعماق أعماقه، إلى عالم الخمر والنِّساء، ويترك محبوبته التي عشقها في فترة سابقة تُصارع أحلامها وخيباتها المفاجئة وغير المُتوقًّعة، أن تُحبَّ إنسانًا وتُعطيه كلَّ ما تملك من ثروة ودار النّشر، وتُصدَم بخيانته للأمانة وخيانته الزوجيَّة لها.

رواية "أنا مريم" تستكمل الحدث بمرض آدم العقلي وانفصام الشخصيّة، وإيداعه في مصحّة نفسيّة، وتضحية الزَّوجة "مريم" بالغالي والنَّفيس من أجل شفائه، وتقع في عجز ماديِّ، ممَّا حدا بالدكتور "فهد" لمساومتها ومُراودتها عن نفسها، لمّا تعثَّرت أمورها الماليَّة في سداد مستحقَّات العلاج، وكذلك "شريف" مدير البنك حاول ابتزازها بسبب عدم الإيفاء بتسديد ديونها المُترتّبة عليها للبنك، والموظَّف "أمين" كذلك كان له دور وطموحه في الوصول إليها.     

خروج "آدم" من المصحَّة، لتتبيَّن علاقته المشبوهة بالممرضة "هند" التي تعمل في المصحّة، ولتعلم مريم فيما بعد أن زوجها "آدم" لم يكُن مريضًا أبدًا، إنَّما كان مُتمارضًا، وأنّه لم يكن يتعاطى أيّة مُهدِّئات، بل كانت الممرضة تعطيه المكملات الغذائية من المقويات والفيتامينات، لتستمر علاقته بها خروجه، ويتبيّن كذلك أنّ "آدم" سلبها مُدّخراتها من المال.

بعد عودة آدم للبيت رغم الحالة النفسيَّة للزوجة "مريم" فقد حدث بينهما وعلى مضض لقاء زوجي وحيد، أثمر عن حمل لم يتبيَّن حدوثه، إلّا بعد شهرين، حيث حدثت مستجدات متسارعة حدّ الانهيار المُريع. اختفى آدم الزوج، وهروب مريم والاختفاء عند صديقتها القديسة "كاترينا"، ومن ثمّ موت المحامي "سلام" في أميركا، وانهيار أحلام مريم بالسفر إلى أمريكا، ومن موت مريم بعد ولادتها مباشرة، وتترك طفلها بلا أمٍّ ولا أب، تتركه لمصير مجهول كمصير والده آدم، يختفي الطفل الوليد، عندما أخذته امرأة من على جانب الطريق من المكان الذي وضعته فيه الراهبة "كاترينا" لأنها لم تكن لتقوى على تربيته والقيام بنفقاته الكثيرة.

الخاتمة:

من المجهول إلى المجهول، تمتد العذابات لتستحوذ على حياة المظلومين المسحوقين في أسفل القاع الاجتماعيِّ، تنتهي الحروب، وتنسحب بآثارها المُدمِّرة على المستقبل، فتصبغه بالبؤس والفقر والانحراف.

رواية "خلق إنسانًا" ورواية "أنا مريم"، هما رواية واحدة تُمثِّل تراجيديا اجتماعيَّة تقطر أسىً وحُزنًا على أناس لم يكن لهم ذنب إلّا أنهم بشر، أحاطت بهم نار من كلّ اتجاه فكانوا حطبًا ووقودًا لها، تتشابه المآسي بمعطياتها، وتتجدَّد الآلام في نفوس القراء، وتصلهم  الرِّسالة الإنسانيَّة المؤثّرة، وأسباب الشّقاء الطويلة التي تستغرق أعمارًا، وتُفني أجيالًا.

 

 

عمّان الأردن

ــــا 10\ 7\ 2022

 

 

تأملات قرآنية