الأربعاء، 23 فبراير 2022

تقديم وقالت الصفحات

 (وقالت الصفحات) للمفكر والكاتب والمترجم محمد زعل السلوم.. سينشر في استنابول.. ألف مبارك..

وكان لي شرف كتابة تقديم للكتاب.. كما قمت بتنسيقه ومراجعته وإعداده للطباعة

=======


تقديم


الروائي – محمد فتحي المقداد


العالم يحتاج لإيقاظه من غفوته، وإنارة دربه بعض الرّجال المُميّزين الثّوريّين، وهم يحملون أقلامهم، ويثبّتون أفكارهم ورؤاهم على صفحة الكون، كأمثال  الكاتب والمحلّل السياسيّ (محمد زعل السّلّوم)، وفي كتابه الذي بين يديّ (وقالت الصّفحات)، وقفتُ على رؤى، وأبعاد فكريّة مستندة إلى وقائع تاريخيّة، وجغرافيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، جاءت ضمن سياق مقالات تحمل عناوين بدلالات عميقة السّبر  في أغوار الواقع المؤلم في سوريّة، وتداعيات مرعبة بمخرجات الحرب القذرة الأخيرة، التي قادها نظام أسد على الشّعب منذ مجيئه مع الفريق الطائفيّ المُتستّر تحت ستار القوميّة في عام 1963.

وحسب عالم الاجتماع الفرنسيّ (غوستاف لوبون): (فإنّ عقليّة الجماهير تتميّز بالسطحيّة، والضّعف في المُحاجّة العقليّة، وضعف قدرة الحوار المنطقي. وأمّا عواطف الجماهير وأخلاقيّاتها، تتميّز بسرعة الانفعال، وسرعة التأثّر والسّذاجة العقليّة، وإمّا تكون مُعقّدة أو بسيطة، وأيضًا تكون مُتعصّبة مُستبدّة).

من هذا المُنطلق رأى (محمد السّلّوم) الكاتب والمُترجم، أن يُثبت في مقالاته أن الحقائق بإسقاطاتها التاريخيّة، وتطبيقها من خلال نظريّته على نهج دكتاتوريّ، حين اختلفت جماهير الشّعب السّوريّ ما بين مُؤيّد، ومعارض، وحائر في المنطقة الرماديّة. فإذا فقد الأمل من حالة التذبذب، فقد كتب وأرّخ، وأظهر، وأبان، ونفض غبار الأيّام عن كثير من المجهول والمخفي، والمسكوت عنه من الأكثريّة الصّامتة، مقابل أن تكون على قيد حياة فقط. وعلى رأي من يقول: (كُنّا عايشين). 

محمد السّلّوم بجرأته أراد أن يكون منبرًا، يعلو صوته ليُخاطب العالم في الحاضر والمستقبل. ومرآة نظيفة صافية تعكس دواخله بشفافيّة الباحث عن الحقيقة، من خلال معطيات، ووثائق، وإحصاءات، وحوادث، ووقائع، بنظرة خبيرة صنعت مما تقدّم تقاطعات، ربّما فسّرت أشياء غامضة بلا أثر دالّ على شيء من دروبها.           

كلّ ما كُتب هو جزء بسيط جدًا من الحقيقة، وما قالته الصّفحات وأثبتته إنّما هو خط بسيط في سبيل الباحثين عن الحق.

وعلى رأي الشاعر (محمود درويش): (ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشّهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل. لا أعلم من باع الوطن، ولكنّي رأيتُ من دفع الثّمن). ستبقى سوريّة هي هي..!! وإن جار الزّمان عليها، ولكنّها كبوة.. وستنهض من جديد، ولا شيء يدوم.  وختامًا فإنّ في التّاريخ عبرة. ومنهاج. على اعتبار أن كتاب (وقالت الصّفحات) سيكون هو التاريخ مٌستقبلًا.


الأردن  - عمّان

ـــــا 22 \ 2 \ 2020

الأربعاء، 16 فبراير 2022

قراءة رواية جدائل الصبر

 قراءة على رواية (جدائل الصبر) الأديبة الروائية إيمان كريمين (1)


 بقلم - محمد فتحي المقداد


جاءت الرواية بعناوين فرعية لكل مقطع، العنوان الرئيس الجديلة الأولى إلى أن وصلت إلى ثمان وعشرين جديلة. وتوقفتُ عند هذا الرقم، لأتذكر أن الجدائل جاءت بعدد أيام شهر شباط الذين نعيشه الآن، فهو مقدمة لحياة جديدة من الربيع، وانتهاء المنخفضات الجوية الباردة، وحياة الشتاء، لننطلق من جديد.

أبتدئ بعبارة الكاتبة (لم يكن قراري خاطئاً أبداً)، أقتطعها من سياقها لتوظيفها في سياق آخر، بأنها أحسنت إذا كتبت، وإذ اختارت أفكارها بعناية وتنسيق، بلغة واضحة مفهومة، متسلسلة لا تستعصي على القارئ، فتدقّ أبواب فكره لتدخل بلا استئذان، وهي تجبرني على الدخول إلى عالم الجدائل، والصبر معاً. 

فالجدائل هي نمط حياة كان، لأمهاتنا وجدّاتنا، وهنّ يعصمن شعور رؤوسهن لظروف الحياة القاهرة التي عشناها، مصبوغة بصفة نبي الله أيوب عليه السلام. قساوة العيش، وانتزاع لقمتهم بالقوة من فم الطبيعة بإصرار وتصميم على الاستمرار في الحياة، والتكيف مع المحيط الجغرافي، وتكييفه كي يتناسب معهم، ويستفيدوا من أدنى إمكانية لتحسينه مهما كانت.

*** 

الجدائل الخمس الأولى، لكل منها عنوان ذي دلالة، جاءت على التوالي، (رائحة الغياب ومذاق الألم)، (تقاسيم الأقدار بخطى الأسفار)، (سكون يتبعه أنين الرحيل)، (غياهب الهذيان)، (سطور ثائرة)، لتتخذ الكاتبة من هذه العناوين، مدخلاً مناسباً للدخول إلى عالم الرواية، فكانت كلها مقدمة، فتحت الأفق أمام أبطالها لسرد الحكاية من أولها، باستمرار وبلا انقطاع. 

صحفيّةٌ اسمها (دنيا)، كانت مسافرة من عمّان العاصمة إلى مدينة إربد عروس الشمال، لإجراء تحقيق صحفي عن قضية ما، وجهت إليها (مجدولين) سؤالا عن موعد وصول الحافلة، والوقت الذي تستغرقه الرحلة، وجلست في كرسي منفرد، منعزلة عن العالم، منكبّة على أوراقها وهي تكتب، عندما تأخذ استراحة تتأمل الطبيعة على جانب الطريق، وتعود إلى سكب أفكارها الساخنة على الورقة. تشاء الظروف أن تموت مجدولين خلال الرحلة، وعلى اعتبار أن دنيا تجاورها في الكرسي المزدوج المقابل، وكانت قد بنتْ معها علاقة سريعة، مثلما كانت النهاية سريعة ومفاجئة. فوجدت من حقها بعد أن قامت لإسعافها، أن تحتفظ بأوراق مجدولين، لتعود وتروي قصّتها لنا على متن جدائل الصبر، وتأثرها العميق بما حصل معها بمحض الصدفة الخالصة، وما نتج عن ذلك من صدمة شعورية لها، وانعزالها إلى حين حتى استطاعت الخروج للحياة من جديد.

*** 

اختارت الكاتبة (دنيا – مجدولين)، لينوبا عنها في سرد أيام الطفولة و أحلامها البريئة، بآمالها وطموحاتها المتوردة في ذهنيْهما عن عالم المستقبل، ورسم السعادة من البقايا، واسترسال في سحب حبال الذاكرة عن الطفولة و المدينة، حينما عبّرت الكاتبة عن ذلك، (الأماكن بداخلنا تجسد حالات إنسانية تسمح لنا بالسير في زوايا ذاكرتها)، فللأماكن ذاكرتها الجاذبة بقوة لمن تشبّع بها، وأحسّ بها في أعماق نفسه، (فالأماكن حينما يهجرها ساكنيها، تصبح كمدينة أشباح، تتراقص أطياف الراحلين على أبوابها)، لتعرّج على جبل اللويبدة حيث نشأـ هناك، ووعيت كل تفاصيل نموّه خارج وسط البلد عمّان، واستشهدت بقصدية الشاعر حيدر محمود (أرختْ عمّان جدائلها فوق الكتفيْن)، و مقطع من قصيدة للشاعر عمر أبو الهيجا، يخدم سياق السرد.  

*** 

و في الجديلتيْن التاسعة و العاشرة، يتجذر مفهوم التجذر المكاني، عند إيمان كريمين على لسان (دنيا)؛ ليلقي الضوء على مفهوم الأصالة و المعاصرة، و التوفيق ما بين رؤية الوالد المعلم التي تأثرت بها حدّ التشبّع، وبين الحبيب الزوج، الذي أطلقت عليه سيّد الغياب, فصارت على شفا جرف غياب الإنسانية و الفضائل، بما جاء على لسان الوالد بعبارات عميقة الدلالة، أعتقد أنها ستكون عامود السرد الروائي لجدائل الصبر: (أخشى على الوطن من الديمقراطية، عندما يمارسها الجهلاء أو المرتزقة)، تساؤل مفصلي في حياتنا العربية، كشعوب هل نحن جديرون بالحرية و الديمقراطية، أم لا زلنا في طور التكوين الجنيني لثقافة الديمقراطية، ونحتاج إلى أشواط من المِران عليها، وكذلك تابع الوالد (فالإنسانية أصبحت كلمات يتلاعب بها الكثيرون، ولكن عند العقل تتكشف الأنياب، وتنغرس في جسد الفضائل). 

*** 

وفي الجديلة العاشرة، حكايتي مع الزمن، تتوقف (دنيا) أمام (سيد الغياب)، فهي متشبثة متجذرة بالوطن، وهو يريد الهجرة إلى إيطاليا، ليجد فرصة أفضل من أجل الفن، فهو ناقم على وضعه، والوضع المحيط به بشكل عام، (أريد أن أصل إلى العالمية، ولن أصلها طالما بقيت مكبلاً بقيود كثيرة تفرضها على طبيعة التفكير العربي وجموده)، ويتابع (الفنان الحقيقي يسلك مسالك الانفتاح و الحرية الفكرية التعبيرية، لم أر هنا سوى النقد الهدّام، والتقليل من الذات، و الخوض في فلسفة الحلال والحرام، وما يجوز ومالا يجوز). بينما تجيبه (دنيا) بصراحة تامة لا مواربة فيها، يا سيّد الغياب، (بإمكانك الوصول للعالمية، من خلال التمسك بهويتك المستقلة غير التقليدية، فعندما تنسلخ عن جذورك، ستصبح بلا هوية متجذرة تُسندُ فنّك، أخشى عليك من الانصهار في عالم غريب عنك وعن أصولك)، فضلت هي البقاء متجذرة بينما هو هاجر، وتقول: (اكتشفتُ أنني على صواب، عندما عرفتُ أنه قام بالارتباط بامرأة تمتلك أكبر صالات العرض في فينيسيا). ومن أراد بلوغ غايته ومهما كانت الوسيلة، فهو بعيد عن كلام دنيا، يريد الوصول فقط، مهما كان الثمن.

نعم هو لا يفكر إلا في نفسه، وتختم: لم يكن قراري خاطئاً أبداً. 


... يتبع بعون الله ... 

عمّان \ الأردن 

16 \ 2 \ 2016

الأحد، 13 فبراير 2022

البنى الاجتماعية الخطرة في المثلث المقلوب

 البُنى الاجتماعيّة الخطرة

في رواية المثلث المقلوب

للروائي\ محمد ارفيفان عوادين


بقلم - محمد فتحي المقداد


هناك بُنى اجتماعيّة تُشكّل في تكوينها خطرًا على البُنى المماثلة الأخرى المشتركة معها في حيّز جغرافيّ واحد.

وجاءت نتيجة التمازج العرقي والطائفي والمذهبي؛ ليبدأ صراع التاريخ مع الجغرافيا، صراعٌ من أجل التاريخ وعلى التاريخ نفسه بأثر رجعيٍّ، فلا شكّ لدينا مطلقًا بعبثيّته القاتلة لجسور العيش، والتعايش المشترك.

حيث تأتي لعنة الجغرافيا كفصل جديد في إسدال الستارة على مأساويّة المشهد الدراميّ الخارج من وعلى سياق نسيج الديمغرافيّة السكانيّة، وراحت تمارس جنونها المُفتَعل بأجندة(بروبغاندا) تعزف سيمفونيّة قذرة، أبدعتها عقول مريضة، استحوذت على نفوس هزيلة؛ فاستعرضت عضلاتها، وهي تضغط باصبعها على الزّناد، لتقتل ذكريات وأيّام كانت مليئة حُبًّا وعيْشَا.

بهذه المقدمة أستهلُّ إضاءتي على رواية المثلث المقلوب، التي عادت لتذكّرنا من جديد بعقد التسعينيّات من القرن الماضي، ومأساة البوسنة والهرسك وما حدث فيها من فظائع يندى لها جبين الإنسانية، فتمزقت البلاد إلى كونتونات متناحرة متدابرة، فالصّرب والكروات والمسلمون كانوا نسيجًا أساسيًّا في تشكيل الاتحاد اليوغسلافي الذي تفكك إثر انهيار الاتحاد السوفييتي القادم عبر بوابة (برادنبيرج)، عندما فتحت جُزئيْ مدينة برلين. وفي هذا الصّدد يقول الروائي العوّادين: "لوحةٌ ورديةٌ في بَاحَتها عديدٌ من المكوناتِ، تشكل مثلثاً أبعادُه الصَرْبُ, والكُرواتُ, والبوشناقُ, زاهرةً بحياتِها الآمنة تَنظُرُ إلى غدٍ جميلٍ، لكنَّ الغدَ القادمَ كان إعصاراً هائِلاً، مُدمِراً على شعبِ البوسنةِ".

وفي فصل (المذبحة) يقول العوّادين: "في الجَهةِ الشَّرقيةِ مِنْ جمهوريةِ البوسنةِ والهرسك. حدثَ  بِجوانبها اقتتالٌ بين مُكّوِّناتِ سُكَانِها من الصِرْبِ والبوشناق". ويُذكّرنا بأسماء (رادوفان كاراجيتش\رادكو ميلاديتش) زرعت الرّعب والخوف في النفوس، هذه القيادات الصربيّة التي رقصت على دمار وجثث الأبرياء والمقابر الجماعيّة الكثيرة. فيقول العوّادين: "مُنْذُ بَدْءِ الخَليقةِ، وهبوُط آدم إلى الأرضِ, وفي حينهِ حَدَثتْ أَولُ جريمةٍ بَيْنَ أبناءِ البَشَرِيَّةِ، هناكَ أَجْهزَ قابيلُ على هابيل, وهي أعظمُ جريمةٍ في الأرضِ بعد الشِّركِ بالله".

وما حدث من اغتصابات جماعية للبوسنيّات في (سراييفو وسربرنتشا موستار) كبرى المدن البوسنيّة. يقول العوّادين: "الأسيراتُ البوشناقياتُ يَتَلذذونَ على أجْسادِهِنَّ الحزينة، لكنْ كُرْهاً فُرِضَ عَليهنَّ من الأقوياءِ".

ويقول أيضًا: "بعدَ أنْ مارَسَ جنودُهم عملياتِ الاغتصابِ بحقِ المعتقلاتِ، فرضوا عليهِنَّ حِصاراً فترةً زمنيةً بعيداً عن لجانِ تَقَصِّي الحقائِق، كَيْ لا يُفْتَضَحُ أمرُهُم، وَكَيْ تنتهي فترةُ حَمْلِهِنَّ".

ذاكرة العوّادين ما زالت تخرج من مكنوناتها المليئة بالكثير، أثارت تساؤلات ربّما لو قيلت أو فكّرنا بها لكانت كُفرًا وتجديفًا، بقولي: " ما هو الوطن؟، فهل هو الحجارة والتراب والسهول والجبار والبحار و الأنهار؟"

أعتقد أنّ هذا هو الجانب الماديّ من الوطن، وهو ما نطلق عليه (الجغرافيا). 

وأجزم بأنّه لاقيمة لكلّ هذا إذا كان خُلُوًّا من المشاعر والأحاسيس، والآمال والطموحات المشتركة لمجموعات بشرية، فهي التي تُشكّل الجانب الوضيء المُشرق للجغرافيا في صنع مشاهد وبطولات وبنيان وأفكار وفنون وثقافات متعددة المناهل. 

وأدلّل على ما تقدّم بمقولة للروائي العوّادين: "وَدَّعونَا .. لكنَّنا لَمْ نُوَدِّعَهم،لأنَّهم غَادَرُونا أبرياءَ على مصاطِبِ التاريخِ المَوْبوءة".

فصيغة المثلث المقلوب جاءت مصوغة على عدّة نظريّات، وأتوقّف عند نظرية مثلث الجمال عند المرأة متمثّلًا بقاعدة المثلث العريضة الممتدّة ما بين كتفيْها وينتهي برأسه المقلوب عند خصرها النحيل، وهذا ما عبّرت عنه الرواية من وصف سرديّ دقيق لمايا حبيبة وليد.

وما دامت بُنية مفردة البُنى، فتكون الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمعات، وكان لأسرة(وليد، وسندس،) النصيب الأوفر في قاعدة المثلث بالوصف في رواية المثلث المقلوب، بينما أسرة (مايا) رغم أن الفترة الزمنية الأطول من حياة وليد بطل الرواية لم تحظ بتعريفنا بطبيعة حياتها، وهو من سكن معهم. وهذا مثلث آخر للبُنى الأسريّة المسالمة المتناقضة بتكوينها مع البُنى الخطرة التي رفعت راية الفكر الأسود. 

وتبقى رواية المثلث المقلوب علامة شاهدة على ذكرى مؤلمة للإنسانية جمعاء، وهي تشدّ خيوط ذاكرتنا إلى تلك الحقبة المظلمة في حياة شعب كان آمنًا، فلمّا تحرّكت الأحقاد التاريخيّة النتنة قلبت الحياة إلى جحيم.


عمّان - الأردن

ــــا 12\2\2018

بحث المكان الروائي

 ● - خاتمة البحث:

"يتناثر في الأماكن التي احتضنتنا دفق المشاعر، وأبجديّات العشق، ويشيع الهوى في طرقاتها، وتحتشد لحظات الفرح والحنين في كلّ الأركان والحنايا، وتحفظ علينا علينا نسج وإيقاع الحياة، وتؤجّج مكامن لقاءات الأحبّة وحكايات العمر على فطرتها".*(1) 

من الأهميّة القصوى أن يُشكّل المكان وفضاءاته في وعينا الجانب الأعظم؛ لتأثيره البالغ في تأثيث ذكراتنا وحياتنا التي ارتبطت بكلّ جزئيّاتها به، فكان هو بحدّ ذاته ذاكرة استقّرت في ذاكرتنا. فالمكان ذاكرة، وذاكرة الفرد جزء من ذاكرة المكان. 

"أوّل الصّرخات الثلاثة تكون في أوّل مكان عند فضّ الظّلمات، ولكل منّا صرخته ومكانه، وهذه الصّرخة هي التي تُشكّل علاقتنا الوثيقة بالمكان، فمهما ارتحلنا تبقى الأماكن التي ألفناها سابقَا تحتلّ زاوية من أنفسنا، نشتاق إليها، فنتخيّل صورتها التي نستحضرها من سجلّ الذّاكرة". *(2) 

"فالأماكن تحرقُ أشواقنا إليها، فهي مسقط الرأس ومدارج وملاعب الصّبا، وفيها تُختَزن الذكريات بحلوها ومُرّها، وبذلك تجعلنا نحثّ رواحلنا نحوها من أقاصي الدّنيا، حتّى نُنيخها في رحابها، ونقول: سقى الله أيّام زمان". *(3)

وقد كان للمكان وفضاءاته الحيّز الأكبر في الأعمال الروائيّة، وهي تُعتَبر العمود الفقري للسّرد الروائيّ، ومن المكان تنطلق الحكاية الأولى على محمل الذّاكرة، وحول المكان تُنسج الذكريات والأساطير؛ ليصبح بالتّالي ذاكرة تحمل سمات المكان، وتحتلّ ذاكرتنا.

والحنين والشّوق للمكان يحرق القلوب للعودة إليه، وهو ما اصطلحت العرب عليه بـ (الأبابة)، ومعجميًّا فإن الأبابة: "داءٌ يُصيب الغريب، وهو شدّة حنينه إلى وطنه".*(4)، وهو المعادل الحقيقي للمصطلح الغربي (نوستالوجيا).

"المكان لا يكون منعزلًا عن باقي عناصر السّرد الروائيّ بل يدخل في علاقات متعدّدة مع الممكوّنات الحكائيّة الأخرى للسّرد، كالشخصيّات والأحداث والرّؤى السرديّة، وعبر هذه العلاقات المركبّة يلعب المكان دوره النصّي داخل السّرد".*(5)

وعلى اعتبار أنّ الدّراسة هذه كانت مُنصبّة حوال رواية(يسعون حسيسها) للروائيّ الأردنيّ (أيمن العتوم)، فقد نسجها أدبيّا بطريقة سرديّة رائقة وسهلة، على لسان صديق الطبيب السوريّ (إياد أسعد) ذو الاتّجاه الإسلامي الأيديولوجي، عندما اعتقل في سورية في العام 1980، إبّان الصّراع الدمويّ المسلّح بين النّظام والمعارضة، مما انعكس على الوضع عامّة بمزيد من إحكام القبضة الأمنيّة على جميع مفاصل الحياة، والإجراءات الخاصّة المستندة إلى قانون الطّوارئ، وقانون الأحكام العُرفيّة.

فكانت سوريّة بكامل رقعتها الجغرافيّة فضاءً أوليًّا كبير احتوى على فضاءات كثيرة، منها المدينة والقرية والمدرسة والجامعة والمستشفى والشّارع والسّجن، هذه الأجزاء هي فضاءات مُصغّرة، تعيش فيها مجتمعات مصغّرة.

"فالمجتمع نظام، يجمع الأشخاص، بعلاقات ترابطيّة، أو تشاركيّة؛ ليحتمل المجتمع التعايش للمجموعات، التي لا تنسجم في رؤيتها مع المنظور الكُلّي للمجتمع، كي نعيد النّظر بمفهوم المجتمع" *(6)

وجاءت رواية يسمعون حسيسها كأنموذج واضح في أدب السّجون، بدأ في الغرب وسار قطاره ليُشكّل ملمحًا مميّزًا للدكتاتوريات العربيّة. وهناك العديد من الروايات التي صدرت خلال الأعوام الأخيرة، وتعتبر رواية (جمهورية كأنّ) للروائيّ (يوسف زيدان) التي صدرت حديثًا، وتحكي قصّة ثورة يناير في جمهوريّة مصر، وتتقزّز النفس الإنسانيّة من الانتهاكات المهينة للكرامة والشّرف، وممارسات همجيّة للأجهزة الأمنيّة لم يفعلها العدوّ المحتلّ في أهل البلاد. 

"أدب لم يزل تحت الأرض، ولم يخرج بعد إلى النور، وهـو أدب السجون. هذا الأدب لم يزل أبطاله في الغياهب المختلفة، ويتوقّع أن يكون له شأنًا، لو قيّض له من يجاهدون في سبيل جمعه وتدوينه... ولو كنتم تعلمون مقدار الخسارة، التي سيُمنى بها الأدب الإسلاميّ خاصّة، والفكر الإسلاميّ عامّة، لضياع أدب السجون، لقاتلتم بأظفاركم وأسنانكم للحصـول عليه أو على بعضه؛ فليحرص كلّ كاتب على البحث عنــــــه والوصول إلى مظانّه، والحصول عليه وتوثيقه، فهذا الأدب هو الوثيقة الحقيقيّة الوحيدة الباقية للتّاريخ، من حياة هذا التاريخ". *(7)   

                                           

كما أن رواية (القوقعة) للروائي السّوريّ (مصطفى خليفة)، كانت يوميّات سجين في تدمر، وكما توضّح الرواية أن بطلها هو مسيحيّ سوريّ، اعتُقل في المطار أثناء عودته إلى الوطن، بعد بعثة دراسيّة للإخراج المسرحيّ، ومكث في السّجن ثلاثة عشر عامًا.   

وتعتبر أيضّا رواية سورية (الرّحيل إلى المجهول – لآرام كرابيت)، رواية يوميّات سجين في تدمر. وهي تجربة كاتبها ويوميّاته في السّجون السّورية. نحن الآن أمام نموذجين للروايات. 

أوّلًا: من سجّل تجربته في السّجون السوريّة كما في روايتيْ (القوقعة و الرّحيل إلى المجهول) وكاتباها هما من الاتّجاه العلمانيّ. 

ثانيًا:  من سجّل تجربة غيره ووثّقها، كما في روايتيْ (يسمعون حسيسها و مذكّرات سجينة)، وهما من وجهة نظر كتّاب من الاتّجاه الإسلامي.

اللّافت للنظر أن كلا  النموذجين كانا صادقيْن متشابهين بوصف الحياة في السّجون السوريّة على وجه الخصوص، ونقل أمين، ويتشابهان حدّ التّطابق، وكما أنهما يلعبان على وتر العاطفة التي تتهيج بالدّموع، واعتصار القلوب ألمًا على حياة هؤلاء البشر خلال الفترة التي أكلتها غياهب السّجون من حياتهم.

وفي مرحلة لاحقة تزامنت مع الرّبيع العربيّ اعتبارًا من العام 2010، وما رافق هذا الحدث الكبير في حياة الشّعوب العربيّة، استتبع ذلك ظهور كتابات روائية جديدة منها على سبيل المثال والتي جاءت في فترة لاحقة من الحدث، وفي نفس سياق أدب السّجون، (جمهوريّة كأنّ- للروائي يوسف زيدان\ مصر)، (الموت عمل شاقّ- للروائيّ مصطفى خليفة\ سوريّة)، (الطّريق إلى الزعتري – للروائي محمد فتحي المقداد\ سوريّة)، (48 ساعة في خان شيخون – للشاعر محمد عبدالستّار طكو\ سوريّة).

ــــــــــــــــــــــــــ  

(1)*كتاب (أدبيّات المكان وذاكرته) تأليف الدكتور سلطان المعاني. ص11 

(2)* كتاب (مقالات ملفّقة) تأليف الروائيّ محمد فتحي المقداد. ص102

(3)* كتاب (مقالات ملفّقة) تأليف الروائيّ محمد فتحي المقداد. ص104

(4)* المعجم الوسيط.

(5)* من محاضرة للنّاقد أحمد علي القمّاز ألقاها في منتدى البيت العربي الثّقافي في عمّان 11\2\2019، حول فضاءات المكان عند نجيب محفوظ، نموذجًا (ثرثرة فوق النّيل).

(6)* من دراسة حول (المجتمعات المصّغرة في رواية دوّامة الأوغاد \محمد فتحي المقداد) للنّاقد والشّاعر عبدالرّحيم جداية – نقلًا عن جريدة الدستور 13\2\2017.

(7)* من تقديم الدكتور محمد الحسناوي لرواية (مذكّرات سجينة – لمحمد عادل فارس)

الخميس، 10 فبراير 2022

بطاقة/مقاصد القصائد. سلطان الخضور

 


 

بطاقة تعريفية بكتاب

"مقاصد القصائد" د. سلطان الخضور

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا كتاب "مقاصد القصائد" للدكتور "سلطان الخضور"، ومن مطالعة العنوان يقود القارئ بداية إلى أنه يبحث في دلالات ومقاصد القصائد المختارة، وهي موضوع الدراسات النقدية، التي عالجت القصائد؛ فشرحت بعضًا من غموضها، واستشفاف خلفيّات الشُعراء من خلال الغوص في المنهج النفسيّ لهم، والمستنبط من علم النفس الذي يعتبر جزءًا من الطبّ، بشقّيْه العُضويّ والنفسيّ.

حيث أن الطبّ النفسي هو الأصعب تشخيصًا لكثرة أعراضه المُتعالقة بأشياء قريبة وبعيدة ومجهولة. وعلى هذا جاءت رؤية الكتاب للولوج إلى الأعماق والمناطق المُظلمة، لاستبطان دواخل وتهويمات شعراء أصيبوا بمسٍّ من جنّ عبقر؛ فتجشّم الصعاب في مسعاه للوصول إلى محطة معقولة حسب رأيه، وفي هذا الصدد يقول: (إنها محاولة لسبر أعماق هذا النوع من النقد، علنا نستطيع من خلال ما قمنا به عمليا من دراسات عن طريق عمليات الربط والتفكيك والتحليل، من المساهمة ولو بالقليل في هذا المجال، وتقديم صورة نقدية لنماذج من نتاجات زملائنا المبدعين الذين تكن لهم كل احترام وتقدير). ص١٧. وبهذا تتبيّن معالم الأسس التي بنى عليها طريقته في دراسة النصوص.

وقبل ذلك قال في نصيحة موجهة لمن تصدى للدراسات النقدية على مختلف  أنواعها وانتماءاتها: (الاول الناقد أن يبحث عن الحقيقة، وأن يسعى إلى التقييم بهدف التقويم، وأن يستخدم الكلمات والعبارات المناسبة للنقد بعيداً عن الانتقاد) ص3.

وقد أفصح د. الخضور عن هدفه من هذا الكتاب، بشرح مُقتَضب مفيد، شارحًا رؤيته لتوضيح هوية الكتاب: (المؤلف في قراءاته التي وردت في هذا الكتاب، إلى التركيز على النقد الأدبي النفسي، لسبب بسيط وهو شعوره بافتقار الساحة النقدية العربية لهذا النوع من النقد؛ سعياً منه لتقعيده في المكان الذي يليق به كنوع من الأدب النقدي الذي يمكن للنقاد الركون إليه والاعتداد به، حيث يعتبر هذا النوع من النقد من طرق النقد التي تعتمد على تحليل النص الأدبي، وعلاقة الكاتب بالنص من الناحية النفسية، ودراسة مدى تأثير بيئة الشاعر ومزاجه العام على ما أنتجه من نص أو نصوص، ساعين إلى تدعيم الفكرة التي نتطرق لها بفقرة أو فقرات من النصوص ذات العلاقة الواردة - في هذا الكتاب) ص ١٦.

وربّما يكون هناك دراسات أدبية تعتمد منهج التحليل النفسي للنصوص الأدبية، وعاى الأغلب أنها لم تصلنا، وفي ظل سهولة الحصول على المواضيع المختلفة من شبكة الأنترنت، وعلى الأغلب أن المعالجات الأدبيّة ستبقى وجهات نظر تصيب وتُخطئ. لكن الأمر يتعلق بثقافة الكاتب الناقد الواسعة، ليستطيع الإلمام بجوانب أكثر، ليكون عمله إضافة حقيقية لنا سبق من دراسات، وهو ما نلمسه عند. د. سلطان الخضور.

وبملاحظة بسيطة تبيّن أن الكتاب "مقاصد القصائد"؛ فقد قام المؤلف بتوزيع كتابه على فصلين اثنين، خصص الفصل الأول منه للحديث عن شعراء محليين من الأردن، أما الفصل الثاني فقد احتوى على دراسة لشعراء عرب من خارج الأردن.

وقد جنح المؤلف في هذا الكتاب إلى تجنب القولبة والنمذجة الجاهزة في النقد، إلا أنه اجتهد) في المزج بين المذهب التفكيكيّ والتحليليّ ورؤاه الخاصّة بكلّ موضوع، من أجل استحداث صورة نقدية تعيد نثر النظم الشعري، بهدف جعل النصوص أكمل يسيراً وأكثر وضوحاً للمرسل والمتلقي على حد سواء، ولم يشأ أن يسحب نموذجا نقدياً على نموذج نقدي آخر، بل كان التفكير في الكيفية لكل حالة على حدة.

يعتبر الكتاب سِفرًا عربيًا وثّق مجموعة مما انتقى مؤلفه، وراق لذائقته الأدبية الرفيعة، فقد أحسن بتوثيقها ونشرها ورقيًا. لتكون جزءًا تكميليًا لجهود النّقاد على الساحة العربيّة.

 

عمان. الأردن

٩/٢/٢٠٢٢

 

الجمعة، 4 فبراير 2022

مدارات القلق عند عبدالرحيم جداية

 مدارات القلق 

عند الشاعر عبدالرحيم جداية.. 


بقلم/ محمد فتحي المقداد 

في العام ١٩٤٨ نشر الكاتب الأمريكي (ديل كارنيجي) كتابه الشهير (دع القلق وابدأ الحياة)، وفيه تصوّراته الكثيرة والعديدة لحالات وقصص القلق، وهو محاولة ودعوة لنبذ القلق، ومعالجة اسبابه ونتائجه.

وكما هو معلوم أصبح القلق ظاهرة عامة لدى كافّة المجتمعات الإنسانيّة.

فالقلق من عقبات الحياة ومصاعبها، والمستقبل غير الواضح، وسيطرة الماديّة على منحيات وتفاصيل حياة البشر صغيرها وكبيرة. 

كلّ ذلك كان على حساب الخواء الرّوحيّ، وانحسار القيم الإيمانيّة على الصعيد العالميّ.

***


الشّاعر والناقد عبدالرحيم جداية، أصدر ديوانه الأخير (قلق أنا)، وللقارئ المتتبّع تبرير ذلك لشاعر ومثقّف بحجم عبدالرحيم ، ومن الممكن تصنيف قلقه تحت يافطة القلق الإبداعيّ. 

ومثل عبدالرحيم الدّؤوب المجتهد القائم على أوراقه وأقلامه وكتبه، وأدواته اللّازمة لصنعته الشعريّة. قابضًا على ناصيتها بإحكام خبيرٍ مُتمكّنٍ.

وقد تنوّعت أداءاته الشعريّة الفصيحة ما بين العموديّ والتفعيلة والنثر، عندما طرق أبواب بحورها جميعًا، لم يترك حتّى شواردها الغامضة غير المطروقة منها.

***


ديوان (قلق أنا) عنوان مأخوذ من عنوان قصيدة احتلّت الصدارة، توقّفتُ كثيرًا أمام العنوان. وربّما تحفّظتُ إزاءه بشيء من التوجّس متسائلًا:

- كيف لشاعر أن يفصح عن مكنون مخزونه الهائل من القلق؟. 

أعتقد وبلا تردّد: أنّ الشاعر مرآة عاكسة لمحيطه الغارق في متاهات من قلق العيش الصّعب، وقضايا الوجود واللّاوجود، ومقارعة التحدّيات اليوميّة، اعتبارًا من الأسرة الدائرة الأولى للمجتمع.. وانطلاقًا إلى أبناء العشيرة، والقبيلة، والأمة. 

أجزم أنُ: (عبدالرحيم جداية) قلق بهموم كبيرة أرّقته ليل نهار. كثيرًا ما استبدّت بفراشِه حتى جعلته يُجافيه. 

***


وبالعودة للقصيدة (قلق أنا):

- (ستقول سنبلة الحقول لأختها: قلق هو). 

لم يكتف بقلقه الذاتي، وكأني بامرئ القيس عندما (وقف واستوقف.. وبكى واستبكى)، وهنا حديث سنابل الخير، وهي تشير إلى قلق الشاعر  الطافح كما الحقول بسنابلها. 

- (وتقول ثمّ سحابةٌ لسحابةٍ مرتْ من هنا: قد كان يرتجف الخريف على يديْه، قلق يُساورني عليه). 

وهذا المقطع نفس سابقه، ولكنه أضاف فكرة ارتجاف خريف المحيط بالشاعر وهز في قمة عطائه الإبداعيّ. 

- (حتى اليمامة غادرت أغصانه، مذ كان يسكنه الأرق). 

وهذا جاء جواب كلمة الخريف فيما سبق.  وإذا تساءلنا: ولماذا تغادر اليمامة أغصانه؟ 

- (قلق يساورني، وأشكّ أن الثلج أبيض، وأشك أن الليل أسود). 

ذات الشاعر تحكي كلماته قلقه وشكوكه في المُسلّمات غير القابلة للتأويل أبدًا، الشكّ الناتج عن حالات القلق. 

- (وأشكّ في قلقي؛ إذا ناجيتني). 

المناجاة تغلب عليها صبغة الكلام الداخلي في النفس.. والمناجاة تكون لله في جوف اللّيل الآخر.. وللحبيبة.. وللوجود.. والشاعر هنا يشكّ بقلق إذا ناجته حبيبته. 

-( ويمدّني صمتي بموّال أسيرْ، وأمدّه كذبًا؛ فيقول لي: قلق بساور قلبك المحتلّ يا ولدي). 

الصمت المتفكر الواعي حالة أخرى للشاعر، يستنطقها.. ويستنطق دواخله بخيالات هلامية قلقة.

- (وما عرف الغرق، ماكان يغريني القلق). 

ليأتي الجواب بوضوح في نهاية القصيدة (قلق أنا) في خاتمة بديعة الصنع: 

- (هل كلن يغريني الوصول إلى مفاتن وجهها.. كي أستريح على بقايا قلبها؟). 

- (فالخوف سلطانٌ وقلبي دربها، لكنّ بعض مخاوفي.. غلبتها). 

القصيدة العنوان (قلق أنا) أبدعت في تنوير القارئ، ولفت انتباهه لبواطن النفس الإنسانية، وما يعتريها من خوف وقلق وهواجس وشكوك ويأس وإحباط. وهو الجانب المظلم من أي شخص، ولا يحب البوح به. إلا الشاعر عبدالرحيم.. لإعطائنا درسًا في علم النفس، وهي خلاصة خبرته ودراساته المعمقة في مجالات كثيرة. 

- (وأعدتُ جمع المستحيل؛ لأحترق..!!). 

وهاهو يعود ليخبرنا بما كان يعتمل في نفسه احتراقًا على واقعنا الذي لا يسرّ إلّا عدوّ. 

القصيدة ذات النّمط القصصيّ السرديّ، على شكل ومضات وشذرات، مميّزَة بحوارياتها ذات المونولوجات الداخليّة.. وديالوجاتها الخارجيّة.. حرفيّتها التقنيّة عالية. 


عمّان / الأردن

٤ / ٢ / ٢٠٢٠

الخميس، 3 فبراير 2022

شهادة ملفقة. بقلم عبدالرحيم جداية

 شهادة ملفقة

عندما ولد محمد فتحي المقداد في بصرى الشام أقسم أهل بصرى بأن الحارث ملك الأنباط فرح لمولده.. وأعدت الموائد وأقيمت الأفراح.. ذلك ما حدثتني به الحاجة منيفة جدته لأبيه التي التقيتها خارجة من الحمامات الرومانية هناك متوجهة لصلاة العصر في مسجد بصرى.

وبعد الصلاة وحلقة الذكر قامت إحدى المتفقهات بتذكير النساء بقيمة استشارة الزوج حتى في خروجها للمسجد .. وقبل أن يؤذن شيخ المسجد لصلاة المغرب سألت الحاجة منيفة زوجها أن يأذن لها بصلاة المغرب في المسجد.. تفاجأ الحاج محمد من سؤلها وهي العجوز التي تطوف بيوت القرية ومسجدها.. ومن هول المفاجأة قال لها الحاج محمد «صلي بالمسجد الأموي» فضحكت بصرى كلها من تلك الدعابة.


فتحي المقداد.. هكذا أحب أن أناديه وأحيانا أناديه بكنيته «أبو هاشم» ولكن لم يخطر ببالي أن أناديه البصراوي مع أني أناديه كثيرا بالحوراني وهو الذي يصر دائما أن ينادي «أستاذ» ربما لأني علمت الصبيان في المدارس وأدبتهم وربيتهم حتى أصبحوا بمقام أبنائي ومع هذا يناديني «أبو حمزة» وأحياني يناديني بالحوراني فكلانا ننتسب لهذه الأرض الطيبة التي كان شيخها ومفتيها أحد جدودي الشيخ عبدالرحمن الطيبي الذي سكن طفس.

سادتي القضاة ها أنا أتقدم لكم بشهادة ملفقة حول موكلي الذي ذرع الأرض في ليبيا والإمارات واستقر به المقام في الكرك بعد أن خط طريقه إلى الزعتري برواية تفتح مغاليق الحكاية لكن أم الخنافس تمثلت أحد أحلامة وامتشقت قلمه لترسم نفسها مجتمعا مصغرا عن المجتمع السوري في رواية لاقت نصيبها من الحضور الثقافي حيث كانت إربد «الداية» التي تلقت روايته في حفل توقيع بهيج في جاليري أرب آرت فتملحت روايته ما أن أبصرت النور بكلمات ومداخلات وشهادات إبداعية ودراسات نقدية لم يداخلها التلفيق ولا التزوير بل نبعت حبا وفرحا في قلوب حورانية فرحت بوالدة فارس وروائي مع أن العرب كانت تفرح لولادة فارس أو شاعر في القبيلة وكانت القبائل تفتخر بشعرائعها حتى أن قريشا كانت ترى نفسها أقل شأنا إذ لم يكن فيهم شاعر فحل حتى ولد عمر ابن أبي ربيعة يوم مقتل عمر بن الخطاب.. فقالت العرب: «أي حق رفع وأي باطل رفع» من وقتها ونحن نحتفل بحوران بولادة روائي.

درعا التي احتفلت بالعديد من الشعراء لم تحتفل إلا بالمقداد روائيا ومحمد الحفري إبن قرية (معرية) الصغيرة في القنيطرة على حدود الجولان التي اتخذتها قوات الأمم المتحدة مقرا لها ولم يذكرها التاريخ ولم تعرفها الجغرافيا لولا ذلك العلم الذي رفرف فاستوحى منه الروائي السوري الحوراني محمد الحفري رواية العلم التي لم أقرأها بعد رغم حث فتحي المقداد لي على قراءتها لكني لم أفعل بعد وأنا الذي زرت سعسع والقنيطرة والمعرية وشاهدت السياج العازل البسيط الذي يفصل بين السهل والجبل فهل كنت شاهدا على العتمة حينذاك.. والسؤال يلاحقني ما الذي منعك أن تخترق السياج وتقبل العلم الذي قبله محمد الحفري.

كيف لي أن أكون شاهدا رغم الدعوة الالهية بقوله تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» فهل نحن الأمة الوسطا الذي ذكرها رب العزة في محكم تنزيلة  .. ومع هذا كيف لي أن أشهد الزور وأنا لم أر أو أسمع إلا القليل..فهل تقبلون شهادي سادتي القضاة وهنا أتذكر الحديث الشريف «القضاة ثلاث واحد في الجنة وإثنان في النار» وقد ورد في القرآن «شاهد من أهله وشاهد من أهلها» فلست يوسف وليس هو يوسف وليس بيننا امرأة العزيز لألفق شهادة رائعة كما لفقها فتحي المقداد القاص والروائي والكاتب والباحث في مقالاته مجمعا اللغة والتاريخ والسياسة والدين في أسلوب جديد طور فيه المقالة لتلبس ثوب الجدة والابداع كما ألبس الحريري ثوب التجديد في مقاماته والجاحظ في كتاب البخلاء.


شهادة ابداعية/بقلم - الشاعر و الناقد عبدالرحيم جداية

تأملات قرآنية