الأحد، 14 نوفمبر 2021

انتحار الأصنام

 انتحار الأصنام


بقلم محمد فتحي المقداد


‏انتحار الأصنام.. هل ستنتحر الأصنام ذات يوم؟.

كل التطور المادي والتقني الحاصل للبشريّة في الحاضر؛ لم يستطع نزع فكرة عبادة الأصنام من نفوس البشر على الإطلاق. لكن عبدة الأصنام إذا ضاع إلاههم، هل سيصنعونه مُجدّدًا من عجين خبزهم. فإذا جاعوا لن يجرؤوا على التهامه، كما فعل العرب الأوائل. من المتوقّع؛ أن يذبلوا ويموتوا وخوفهم يُجمّد الدماء في عروقهم. وبذلك يكونون قد استكملوا غاية حياتهم للصنم. 

قبل عِقْديْن من الآن، احتفظتُ بصورةٍ اقتطعتُها من جريدة، وهي لتمثال من الحجم الكبير للقائد السوفياتي "جوزيف ستالين"، كانوا يحتفظون به في مستودع خاص لبلدية موسكو، المفارقة التي تبعث على الاستهجان، أن عاملًا للنظافة يعتلي صدر التمثال، وبيده مكنسة، يزيح عنه الغبار والأتربة.  كما أنّ عمالًا بهيئة قناة السويس في مصر بطريق الصدفة، أثناء قيامهم بأعمال الإخلاء للمبنى 1998، عثروا على تمثال نصفي من البرونز، صنع 1963 للرئيس "جمال عبدالناصر" صاحب قرار تأميم القناة، في مخازن المبنى التاريخي لهيئة قناة السويس ببورسعيد. . 

وفي أيام الحرب الأهليّة اللبنانية التي دامت سبعة عشر عامًا، قامت بلدية بيروت بنقل تمثال "رياض الصُّلح"، أو ساحة "عاشور"التي أنشئت في مكان سوق المواشي. كما كانت تسمى قبل ذلك إلى أحد مستودعاتها حفاظًا عليه، بعد استهدافه برصاص الميليشيات المُتصارعة على اللا شيء، فقط كانوا بيادق يتحركون على رقعة الشطرنج بواسطة "الريموت كنترول". وأعيد التمثال إلى موقعه الأصلي في عام 1998، بعد إصرار الأمير السعودي "الوليد بن طلال" على إعادة تمثال جدّه لأمه "رياض الصُّلح" إلى مكانه، أثناء إعادة إعمار وسط بيروت ومشروع "السوليدير". 

بينما في بغداد ودمشق كان الأمر مختلف تماماً، ففي العام 2004إثر سقوط بغداد الثاني على يد قوّات التحالف الدوليّ الإستعماريّ للعراق، وفي ساحة الفردوس، حيث ركّز الإعلام على مشهد الرّافعة التي خلعت تمثال الرّئيس العراقيّ، في حين كانت فرق متخصصة لسرقة الآثار والتحف من متحف بغداد.

أمّا محافظة درعا جنوب سوريا التي انتفضت على ممارسات القمع الممنهج، وانتهاك الحربات وحقوق الإنسان، قامت الجماهير السوريّة الغاضبة بتحطيم التمثال في إحدى أكبر ميادين مدينة درعا. وحذت حذوها باقي المحافظات السورية.

وفي جمهورية مصر العربية، ومع تغير العهود السياسية منذ بداية المرحلة الناصرية 1952، فقد أزيلت معظم تماثيل الرّئيس "جمال عبد الناصر" خلال المرحلة الساداتية، نسبة الرّئيس "أنور السادات" بعد استلامه للجكم 1971بعد وفاة الرئيس السابق. وكان مصير تماثيله الإزالة، وهي التي نُصبت خلال  فترة حكمه إلى عام 1987بعد اغتياله في حادثة المنصة 1981على يد ضابط مصري أثناء استعراض عسكري. وبعد استلام الرّئيس "حسني مبارك" جاءت تماثيله الجديدة لتحلّ مكان سابقتها، إلى أن اقتلعتها رياح التغيير "الربيع العربي" 2011نهاية حكم العسكر، وانتخب للمرّة الأولى رئيس مدني في تاريخ مصر، ليعود العسكر عبر انقلاب الرّئيس "عبدالفتاح السيسي" في 2013. وتجيء المرحلة بتماثيلها الجديدة.      وعند وفاة "كيم إيل سونج" الزعيم الكوري الشمالي، رثاه الشاعر:

"لقد تركت وراءك حاملاً ثقيلاً. عشرة ملايين مواطن، وثلاثون ألف...تمثال".

يقين أنّ لكلّ مرحلة رموزها من تماثيل وشعارات، وألوان من الحكم للعهود الجديدة تُميّزها عن سوابقها، وبشكل عام فالنُخب الحاكمة هي الرابح الدائم، والشُّعوب هي الخاسر الدائم أمام سطوة العسكر، رغم أنها صاحبة القضايا العادلة.

شهادة ابداعية لتوفيق جاد/ رواية بنش مارك

 شهادة إبداعية - عن الروائي والقاص توفيق جاد

قدمت في حفل توقيع روايته (بنش مارك) في ملتقى إربد الثقافي بتاريخ ٢٠/١١/٢٠١٩


بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد

ليس غريبًا أن تكون الموهبة قدَرًا، تبقى كامنةً كبصيص نارٍ تحت الرّماد زمانًا بانتظار فرصتها المُواتية بالظّهور علنًا جليّة كالشّمس في ضُحاها. 

تتملّكني الحيرة عندما يُطلب منّي الكتابة عن صديق. خوفًا من عدم إيفائه تمام حقّه أو جزء منه. ولكن لابدّ من المجازفة. 

المشهد يتّسع بمساحة الرؤية الواضحة أمام موهبة أدبية تأخّرت إلى جاءت في موعدها، وأن تصل مُتأخرًا خير من عدم المجيء، وصديقنا المُحتفى به (توفيق أحمد جاد)، لم يتركه اسمه نهبًا لأعنّة الرّياح تأخذه في اتّجاهات شتّى، بل منحه النصيب الأقوى والأسمى من اسمه بمعانيه، فهو مُوفّق، محمودُ الصّفات، جادٌّ باجتهاده ومثابرته اشتغالًا على نفسه. 

جاءت تجربته الأولى(الصّرير) تتهادى على مسارات خطوط القصّة القصيرة النّابعة من واقع الحياة المُعاش، بأسلوبها المُبسّط المفهوم بيُسر وسهولة مُبتعدة عن التعقيدات المُرمّزة التي تحتاج لكثير من التأويل والتفسير. 

وبعد اجتياز الدرجة الأولى من السُّلّم، لم يتوقف (توفيق جاد) عندها، بل ارتقى درجة أخرى، حاملًا معه روايته الأولى (الغداء الأخير) من وحي الشّتات الفلسطينيّ بتفصيلات وحوادث أصبحت في ذمّة التاريخ، لتنمو الرواية بحدثها السّرديّ مع الجيل الأوّل من أبناء المُهجّرين والنّازحين من ديارهم، من خلال تشابكات الحياة الاجتماعيّة في الأردنّ موطنهم الجديد. 

ومزاوجة ما بين تعالقات ومُخرجات ما حدث للشعب الفلسطينيّ. بمقاربات واقعيّة أضفت مصداقيّة في سرد الحدث الروائيّ. 

وتابع (توفيق جاد) مُخربشًا خواطره على جدار قلبه، وخلاصة مُصفّاة لتجربته الحياتيّة، جاءت على شكل خواطر ومقولات مُثقلة بحمولات الحكمة والنصيحةِ مُوحيةٍ بوعيه العميق، ودرايته في إدارة مفردات كتابه (خربشات). 

ومن صميم عمله على مدار سنوات كمسّاح، ودراسته المساحيّة أيّام شبابه، انتبه لموضوع مهنته؛ لتكون نقطة مرجعيّة رافدة للمشهد الثقافيّ بأبعاده المُتعدّدة، بمنجزه الروائيّ الأنضج تحت عنوان (بنش مارك) وإن كنتُ تمنيّتُ عليه استبدال العنوان باسم عربيّ دالّ على الحدث السرديّ، مثلًا ليكون (حجر مسّاح) أو أي شيء آخر بلسان عربيٍّ مبين. 

و(بنش مارك) هو مصطلح مساحيّ عبارة عن نقطة مركزيّة مرجعيّة للمسّاح يرجع إليه،  كلّما احتاج العمل في محيطها وجوارها. وألقى الضوء على معدّات المساحة وأدواتِها ومصطلحاتِها. 

كما أجاد بنقل المكان وخصوصيّة من مدينة عمّان إلى صفحات مقروءة. الرواية اجتماعيّة  بمفردات أحداثها ما بين الطموحات والآمال، وما تحقّق منها، ومليئة بالوقائع والأحداث المُكتسية بزمانها ومكانها. 

توفيق جاد لم يتوقّف عند حدود نفسه، بل انطلق إلى جواره من خلال العمل التطوّعي العامّ مع منتدى الجياد الثقافي أوّلا،  من ثمّ مع الجمعيّة العربيّة للفكر والثقافة في الرمثا. 

من خلال هذين الصّرحيْن مدّ يده للمواهب الشّابّة، بمحاولة دفعها إلى ميدان الثقافة، وأهم إنجازاته كان كتاب (عتبات صغيرة) أشرف عليه طباعة، بعد ان عمل مسابقتان للهواة، وكان له شرف توثيق الحدث وإخراجه للجمهور بكتاب جميل. 

تتبدّى لنا قفلة الرؤى كما الأرض، باختتام شهادتي هذه عن صديقٍ وفيٍّ مُثابرٍ مُحبٍّ. 

رؤيتي بما عرفتُه، كما السماء الكاشفة لكلّ تفاصيل الجانبِ المضيءِ عند توفيق جاد، ولم تكن ملفّقة هذه المرّة كما شهدتُ سابقًا على العتمة، وهو الذي اهتممتُ به، بعيدًا عن الشخصنة والخصوصيّات. 

تحياتي لكم أحبّتي على كرم المتابعة. دام فضلكم 


إربد ٢٠١٩/١١/٢٠

الجمعة، 12 نوفمبر 2021

بطافة شرفات الشوق خالد الفهد الميّاس

 

لصحيفة آفاق حرة:

 

بطاقة تعريفية بالمجموعة الشعرية

"شرفات الشوق" للشاعر الأردني . د. "خالد الفهد الميّاس"

 

المحرر الثقافي – محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا كتاب "شرفات الشوق" للشاعر. د. "خالد الفهد الميّاس"، وهو ديوان شعريّ، تنوعت مواضيع قصائده ذات النمط الخليليّ "العموديّ" وبعضها الآخر نصوص تفعيلة.

المجموعة متنوّعة القضايا التي عالجتها شعريًّا، وهو ما أغنى المجموعة وأثراها، وما أدلّ ذلك إلّا عن غنى تجربة الشاعر، ورسوخه المتراوح ما بين الموهبة بحسن الأداء، وما بين إتقان صنعة الشعر، والتمكّن من أدواته. وهو ما تجلّى في مقطوعة الغلاف الأخير للكتاب الشفيفة الآسرة: "الشعر في قلبي انكتب// مع كل نبضة خافق مزج الأدب// وتدافعت كلمات أبياتي لترقى فوق أجنحة اللهب// الشعر إحساسي شعوري بهجتي// فرحي وحزني لوعتي// ألمي وآمالي وتبع مودتي// شوقي وأحلامي ودمعة مقلتي// بالشعر أشعر بالحياة// وأسطر الأشواق للقمر الحبيب// وأحش بالأمل القريب// وتدغدغ الأبيات أوردتي وتصنع بسمتي."

أما العنوان الرّئبس للمجموعة، جاء من عنوان لأول نص داخل المجموعة: "شرفات الشوق أحلامي// وصدى الآهات وأوهامي- سلبت أنماطًا من لغتي// وتوارت ألحان كلامي- نغمات العشق يأغنيتي//جارَتْها نغمات هيامي". ص13.

وفي الإهداء الذي كتبه الشاعر، لعلنا ندرك شيئا من رسالته للقارئ: "إلى كل الذين يبحثون عن الحقيقة بموضوعية تامة، ويعترفون بالحق في هذا العالم الغامض، ويتذوقون جمال الشعر ويشعرون بجلاله، أهدي " شرفات الشوق " مشفوعا بمحبتي وتقديري لمن يقرأ حرفي ويتدبره"  ص7.

 

وللمتصفِّح للكتاب يجد أن "شرفات الشوق" شرفات الوجدانيات تترابط مشاعره وأحاسيسه مع ثنائية الوطن والمرأة عند الشاعر. ومن نص"أنت الحبيب"، نتوقّف منه مايلي:" شِعرًا كتبتُكَ يا نبض الشرايين// نورًا رأيتُكَ في كل الأحايين- أنتَ الحبيب الذي ما زلتُ أعشقُهُ// دون الخلائق عشقًا كالمجانين" ص24.

وعلى شرفة الوطن، نقف على تلّ إربد وتنسّم عبيرها الآصيل، ونتفرّس تقاطيع عرارها وشاعرها الأوّل "مصطفى وهبي التل"، وهو يتأمل الأردن من تل إربد، ليرى سفح "شيحان" في الجنوب، وفي ذلك يتماثل الشاعر خالد المياس مع عرار في رؤيته للوطن في نص:" سهول إربد": "سهول إربد يا صاح الهوى// مذ كان وَهبي، وكان الحب يُشجيها – قد كان زينها شيح وقيصوم// واخضرّ مُزدهيًا خُبّيزُ واديها – وعانق التلَّ من دُحنون ديرتنا// حمراء شمّاء ماءُ الحصن يرويها- وزغردت من بنات السهل فارعة// غرّاء تسبي سواد الليل عاليها - والإربديات في دبكاتها انتظمت// تحدو بأغنية تحلو معاميها- عرار شاعرها يشدو بأبحره// يُعطّر الجو شعرا في مغانيها" ص20. وهذا النص محاكاة حقيقية للنفس الشعري لعرار شاعر الأردن.

ومن شرفات الشوق نطلُ على شرفة المرأة، هي قاموس اللهفة والأشواق، والحب والحياة، ومن نص"لم يبق إلا أنت سيدتي" اقتباس يوضح الرؤية لشرفة المرأة: "لم يبق إلا أنت سيدتي هنا// ترقى سويدائي وتسكن في دمي// وتعانق الجوزاء فوق الأنجم// من عينك انبلج القمر// وتفتح الدحنون من خديك في سَمْت السَّحر// لم يبق إلا أنت سيدة مبجلة لها فكر.. قرار" ص53.

كل الشرفات تتقابل للشاعر، لينظرها جميعا بأعين وبنظرة واحدة، وبُفرّق بينها في أشعاره؛ فتعالى كل شرفة بأشواقها، وجميعها متاحة للشاعر كالضرورة الشعرية؛ فيجوز له ما لا يجوز لغيره. وبتتبع عنوانات المجموعة نجدها تذهب في ربوع وطن وبيئة الشاعر الأردن، فتتجلى الربوع ما بين شمال وجنوب، وتخرج بعيدًا برؤاها إلى ديار العروبة على حد سواء. كما نلحظ أن كثيرا من تراكيب وجمل وتشابيه لغة القصائد من بيئة المحلية، فكما كان الشاعر "عرار" هو لسان الأردن والناطق، لوخظ أن شاعرنا "المياس" اقتفى آثار إمامه الإربدي "، ".

 

عمّان – الأردن

11/ 11/ 2021

تقديم (خبايا المرايا) رائد العمري

 

تقديم

الروائي محمد فتحي المقداد

ليست المشكلة أن تكتب؛ فالأهمّ لماذا تكتب ؟ ولمن تكتُب ؟ تساؤلات مشروعة تكتسب أهميّتها لدى المُتلقّي، وربّما تثير تساؤلًا أعمق، ما الجدوى من الكتابة في ظلّ ثورة تدفّق المعلومات في عصر وسائل التواصل الاجتماعيّ بلا ضوابط ولا موانع؟ الثورة التي خلطت الأوراق، فضاع الحابِلُ بحُجّة النابِلُ. يُكتَب الكثير بِغَثِّه وسمينه، وأقلّ القليل هو المُعتَبَر والهادف والأرقى؛ ليتصدّر المشهد برمّته بجدارة.

"خبايا المرايا" هل الخبايا هي خفايا؟ ربّما يجنح خيال القارئ ومن باب التطفّل أو حب المعرفة للبحث عن كُنه وطبيعة المخبوء. [خَبَايَا (اسم) جمع خَبيّة أو خبيئة أو الخُبْأَةُ، وهي مؤنَّث خَبِيء: شيء مستور أو مُخْفى, لا يعرف خبايا السِّياسة، وخبايا الأَرْض: كنوزها أو معادنها وما في بطنها من موارد الزّرع، وفي الحديث الشريف: "اطلبوا الرزقَ في خَبايا الأرض". وخبايا القلب: ما يُكِنُّه من مشاعر وأحاسيس، وخبايا النُّفوس: أسرارها وخفاياها وأعماقها). أمّا الخفايا هي: ما خَفَى الشيءَ: أَظهرهُ واستخرجه، وفي الحديث النبوي: "أَنّه كان يُخْفِي صوته بآمين" أي يُظهِر صوته..//خَفيّة:(اسم)، الجمع : خفايا]"المصدر معجم المعاني الإلكتروني". والخفايا لا تكون معروفة بل مجهولة وغير مقصودة.

بينما الخبايا مُخبّأة ومخفيّة بمكان ما بفعل فاعل، وتكون معروفة لدى من خبأها في الغالب، ومعروفة ومعروف مغزاها، ولإخفائها أسباب ربّما تكون مُعلنة أو ستبقى طيًّا للسرَّ والكتمان، لحين زوال أسباب المنع، ويبقى الزَّمن هو الكفيل بافتضاض الأسرار، والانتظار سيّد الموقف إجمالًا.

إشكاليّة العنوان الأخرى كلمة "مرايا"؛ فالمرايا تعكس ما يقع على سطحها، ويُعتَقد بأنّه نقلٌ وانعكاس صادق، بلا كذب ولا رُتوشات مُجمّلة للصورة، تعكس الصورة كما هي بلا كذب ولا مُواربة، ولا تعدو أن تكون شاهدة صدق إذا ما استُدعِيتْ للإدلاء بشهادتها، وربّما تتحوّل شاهد زور إذا ما تمّ تغيير أبعادها وزواياها العاكسة.

إشكالية الأنا والآخر: لعلّ الإشكاليّ: هو المختلف عن السّائد والمألوف، ربّما ببعضه أو أجمعِه.. يتقارب أو يتباعد، وذلك يأتي استجابة لفكرة الكاتب التي أرادها، وإيمانه بالطريقة والأسلوب الخاصّ به. وفي "خبايا المرايا"  تتأجّج إبداعات الأديب "رائد العمري"، مُنطلِقًا من دواعي رؤيته "للأنا" للتعبير عن ذاته، و"الأنا الأعلى"؛ محيطه الاجتماعيّ القريب والبعيد، يُخاطِبَه بلسان الأنا، والتورية بضمير الغائب، على محامل نصوص أدبيَّة، تحمل هُويَّة القصّة القصيرة جدًا (ق.ق.ج) في القسم الأول من كتابه "خبايا المرايا"، وفي الثاني جاءت ومضات عميقة المعنى بدلالة توقيعاتٍ مُحكمَةٍ بانتقاء كلماتها بعناية فائقة، كلّ ذلك؛ جاء على بساطٍ مُزركَشٍ بألوان الطيف، التي شكّلت ظاهرة في نصوصه، باستخدام جميع الألوان، ورغم تكرار بعضها، لكنّها لم تفقد فعاليّتها بتوليد معنى جديد، وإيصال الرِّسالة بيُسر وسهولة.

صعوبة هذا اللّون الأدبيّ جديد التشكّل استسهل الكثير خوض غماره، لكنّه بحاجة لخبرة أديبٍ مُتمّرسٍ مُتمكّنٍ من أدواته بإجادة انتقاء المُفرَدَة الضرورة. قادرٍ على الاختزال غير المُخلّ والمُجحِف بحقٍّ المعنى الداخليّ والخارجيّ للنصّ، وتناغم موسيقى المفردات؛ ليتعشّقها القارئ، وهو ما وجدتُه عند الأديب "رائد العمري".

عمّان - الأردن

11/ 11/ 2021

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2021

بطاقة هجرة البلانفورد

 

لصحيفة آفاق حرة

 

بطاقة تعريفية بكتاب

"هجرة البلاندفورد" للأديبة الأرتيرية "فاطمة الموسى"

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

المقدمة:

الدماء جاءت مع أول لحظة لميلاد البشرية، وبدأت علاقة القوي والضعيف تتبدّى، القوي ظالم، والضعيف والمُستضف يقع عليه ظلم وجبروت الظالم. بلادنا العربية وفي مرحلة ما بعد الاستعمار الأوربيّ، لم تنعُم بالهدوء والاستقرار، ولم يتحقّق شيء من شعارات العدالة والمساواة، ولم يُحترم قانون ولا دستور ولا مواطن.

فالأنظمة العسكريّة أقامت لنفسها دكتاتوريّات، مؤسّسة على أساس متين من الأجهزة الأمنية السرية والعلنية، لتدوس ببساطيرها كل القيم والمبادئ، ونقض العهود والوعود والمبادئ. فالنتيجة سجون ومعتقلات، ونشأت ثقافة الخوف على نطافات اجتماعيّة واسعة، صبغت حياتها، بعدم الثقة في أحد وإن كان قريبًا مُقرّبًا، أو رفيق درب النضال، وانسدّت كافة آفاق الحياة في الأوطان، وأظلمت دروبها، لكن الحياة عزيزة، فكانت دروب الهجرة والتهجير واللجوء، هي السّالكة والمفتوحة أمام الجماهير. والأدباء والكتّاب والشعراء ينتمون للحياة برؤاهم، وهم أشدّ إحساسًا بعمق وهول المأساة، وبالتوقّف أمام نموذج لهذه الطائفة، نتوقف ونحطّ رحالنا في رحاب ديوان "هجرة البلاندفور " للشاعرة الأرتيريّة "فاطمة الموسى"، المُقيمة في ألمانيا كلاجئة، هجرت بيتها وأهلها ومدينتها "أسمرة" و أرتيريا، لتحتسي لواعج أحزانها، وحنينها وأشواقها، فكان القلم والكلمة والقصيدة، مُتنفّسها الوحيد، لتتنسّم صباحات ومساءات "أسمرة"، وتُعاقر ذكرياتها، فلا عيش هنيء  ببُعادها عن مسقط رأسها.

 

العنوان:

بالتوقف في رحاب العنوان "هجرة البلاندفورد" المكوّن من كلمتي *"هجرة" ومن الهجرات العربيّة الساميّة من الجزيرة العربية، إلى الهجرة النبوية الشريفة، إلى موسم الهجرة إلى الشمال، إلى هجرة البلانفورد، ولن تكون آخر الهجرات. والهجرة: الترك والمغادرة للمكان، إلى هجرة الذنوب والمعاصي والعادات السيّئة.

*"البلانفورد" اسم غريب، وتزول الغرابة حينما نعلم أنّه طائرمهاجر موسمي، ومن التقديم للكتاب نقتبس: "طل البلانفورد على النافذة صغير بحجم البراءة كبير بحجم وطن مهاجر لي وقفة يلفها الشوق ويحيط بها الشوك أنتظرك هناك عند عتبات الميناء الباردة أرتق ثوب صبري بالمنى ليلي صار ضحى بلون تلك الأمسيات تجدني واقفة أعانق أحلامي". ص8.

 

ستلهمت عنون الديوان (هجرة البلانفورد) وهو من الطيور التي توجد بإرتريا وجعلته رمزاً للمهاجرين لأنها هي نفسها كانت من المهاجرين قسريا بسبب الحروب الإرترية الإثيوبية". ص9.

وللتوضيح وتأكيد والمعلومة، كان لا بد من اللجوء"للعم جوجل: "قبرة بلانفورد (الاسم العلمي: Calandrella blanfordi)، طائر من الجواثم الصغيرة من فصيلة القبرات. تتواجد في الشمال الشرقي من أفريقيا وشبة الجزيرة العربية وقد سميت على عالم الحيوان الإنجليزي وليم توماس بلانفورد، في السابق كانت هذه الفصيلة مدرجة ضمن قبرة قصيرة الأصابع أو قبرة حمراء الرأس لكن حاليا تعامل كنوع منفصل. في بعض الأحيان تشمل هذه الأنواع قبرة إرلنجر). عن موقع الويكبيديا

وللعنوان إيحاءات نستنتج منها على سبيل المثال لا الحصر: تشابه حالة الهجرة بين الطيور والإنسان، يتلاقى نزوع الإنسان للحرية مع الطائر المحلق بحرية متجاوزًا الحواجز والحدود والموانع الطبيعية والمصطنعة، كلاهما يسعى للبقاء والتشبّق بالحياة. كما أن العنوان "هجرة البلاندفورد" هو عنوان لنص داخل الكتاب. ولدهشة هذا العنوان ودلالاته الإيحائية، فرض على الأديبة "فاطمة الموسى"، لتتخذ منه عن عنوانًا رئيسًا للمجموعة.

 

وصف الكتاب:

من خلال مطالعة الكتاب، تبيّنت هويته الأدبيّة، وهو من أجناس الأدب النثري، وبما اصطلح عليه "قصيدة النثر"، والتي لا تزال مثار خلاف بين النقّاد والشعراء بين أخذ وردٍّ بحجج مقنعة وغير مقنعة.

وكما أنّ هناك ما اصطلح عليه ب"أدب القضية الفلسطينية"، فنحن هنا أيضًا أمام أدب "القضيّة الأرتيريّة" في هذه المجموعة الشعرية النثرية، تناولت القضايا الوطنية الأرتيرية، والتهجير واللجوء، ولواعج الشوق والحنين، والأحلام والآمال والطموحات، كل ذلك تمازج فيه الروحي مع الذاتي للشاعرة فاطمة. على محمل لغوي سلس، سهل التناول وفهم مراميه وأهدافه، وبأبعاد إنسانية بملامح شاملة للبشر جميعًا.

وهذا ما يمكن ملاحظته، رغم تباعد المسافات بين بلد الإقامة والمنشا للشاعرة، لكنها جسرت البعد بأحساسيها، ومن نجيع قلمها، بما أثبته في مجموعتها، وما تراه وراء الحدود هناك في مخيمات اللاجئين. وهي أيضًا مدافعة عن الشعراء الأحرار المكممين، والأقلام الحرة في نص (الشاعر والخفافيش) حيث أنها تعتبر حرية التعبير ليست بجريمة: "شاعرنا لا يجيد الصمت بعد الترهيب، ولا حياكة لغة الكذب، والتملق بعد الجلد، والوعيد، والتهديد. كتب ... ثم شكل صورا ورموزا تبرق".

 

أثر التهجير على الأدب:

بمتابعة بسيطة لبعض نصوص المجموعة النثرية "هجرة البلاندفورد" نرى الآثار النفسيّة والروحيّة على الأديب الإنسان المُنحاز لقضاياه الوطنية؛ في نص:

أ‌-     نص (رنين الحنين):" تبوح الروح وللذكرى حنين/ تنادي: لعل الشوق من الهواجر يشتكين/ تدق نواقيس الغياب ، تطول أصقاع اليباب/ ولا دواء ولا معين/ منهك القوى في فيافي الظما ، يكون الشراب رفيق النجاة/ تناجي النجوم وتخفي الشجون/ في ثنايا وطيات القمر" ص. ١١

ب‌-  (القربان): "تنادي الأرض في روحي، کظمآن بحرمان إلام القهر في ظلي ؟! وفيم الابن سجاني ؟!/ وورد الشمر يغشاه ظلوم هذ أركاني يغيب الخير والبشرى ويبقى الظلم يغشاني لماذا القلب ملتاعاً ؟! ومخزونا بهجران ؟! يغيب النور عن عيني وأبنائي بفرقان" ص١٢

 ج- نص (ثورة رجل): "

لبلاد النسيـان. صرت رجـلاً أدمن الترحـال من بلد إلى بلد بحار، غارقا في ضباب لندن. أحتسى فنجان قهوة مرة بالشام. مشرد في باريس. راحل لبرلين. مهاجر لمدريـد أحارب طواحين طيفك الفاتن في أشبي لية ولشبونـة وحتى الإسكندرية" ص16

 

الخاتمة:

وبهذا نستطيع وصف مجموعة "هجرة البلانفورد" بأنه أدب واقعي، كونه استقى مادّته النثرية، ذات الموسيقى الداخلية للنصوص من الحياة ومعطياتها، وبلغة سهلة التناول للقارئ، ومواضيعها ذات البعد الاجتماعي والإنساني، كما أن الوطن ومفرداته كانت نسيجًا مُتكاملًا على نهج عميق بصدقه، المشحون بالشوق والحنين. وتتشابه النوستالوجيا بكافة أشكالها في مثل حالة "فاطمة الموسى" مع كل المهجرين في العالم، لا فرق بينهما إلا بكثرة الهموم التي يتشاركونها.

عمّان – الأردنّ

5/ 11/ 2021

 

 

بطاقة سفينة بروكرست

 

لصحيفة آفاق حرة

بطاقة تعريفية بالمجموعة القصصية "سفينة بروكرست" للأديب الأردني " علي محمد الخريشة".

 

المحرر الثقافي – الروائي محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثاً مجموعة القصة القصيرة "سفينة بروكرست" للآديب الأردني "علي محمد الخريشة"، احتوت على ثمانية عشر نصًا بديعا، جميعها ذات محتوى مليء بالترميز للابتعاد عن التشخيص والمباشرة، بصيرة الدرب بعمق تأنّيها على اللحظة، لتجعل القارئ يتملّى بوظيفتها الرساليّة، بأبعاد فكرية دالّة على سعة اطلاع ودراية وخبرة في الحياة.

غرابة العنوان"سفينة بروكرست" خاصّة الكلمة الثانية منه، "بروكرست" ولن يتّضح المعنى الدقيق للكلمة، إلّا باللّجوء "للعم جوجل"، فكان الجواب كالآتي: " بروكرست شخصية من المثيلوجيا اليونانية، حيث كان حداداً وقاطع طريق من أتيكا، كان يهاجم الناس ويقوم بمطّ أجسادهم أو قطع أرجلهم؛ لتتانسب مع أطوال أجسامهم مع سريره حديدي. يطلق لفظ البروكرستية: أي النزعة إلى "فرض قوالب" على الأشياء (الأشخاص أو الأفكار..) أو إلى الحقائق أو تشويه المعطيات؛ لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق".

وبتتبّع عناوين نصوص المجموعة، نجد أن نصّا كان قد اتّخذ منه القاص"علي الخريشة" ليكون عنوانًا رئيسًا للمجموعة. كما أن جمال السرد في هذا النصّ الذي جرت أحداثه على متن سفينة مُبحرة إلى وجهتها، القبطان يشكو من ثقل الأحمال التي تنوء بها السفينة، التي تكاد تتهاوي، فأمر جنوده بنصب الميزان، في محاولة للتخلص من الحمولات الزائدة، بالقوة خضع جميع المسافرين للارتقاء على الميزان، وقبل ذلك تخلصوا من ملابسهم، وقس شعورهم الزائدة، حتى امتلأت الحمامات بفضلاتهم، بينما الطبيب،*سكينه لم تتوقف في قص قطعة توازي الوزن الزائد عند صاحبه، وللسيطرة على الجرح، تُصبّ فوقه ماء البحر، ويُكبس بالملح. بعد انتهاء العملية، خرج القبطان ذي الوزن الثقيل على الجميع، وشكرهم على الاستجابة الضروريّة للتخلص من الأحمال الزائدة، والتضحية من أجله.

باسقاط رسالة النص على الواقع المؤلم الغارق بالظلم والدكتاتورية، والأمجاد التي تبنى على تعاسة الجماهير. ويتوافق ذلك ليكون نص "التمثال" رافدًا أساسيًا للنص السابق، كل دكتاتور ومتسلط، لا بد من وجود المنتفعين والطفيليين والانتهازيين من ذوي استغلال المواقف، وتجييرها لمصلحتهم، وإطفاء كل شمعة أو فكرة، هم أعداء العمل والنجاح.

النصوص ليس بينها أي رابط سوى أنها قصص قصيرة. في كل قصة نجد أسلوبًا، وفكرة مختلفة، ونهاية غير متوقعة، دهشة الخاتمة بمفارقتها الانزياحيّة عن اليهل المألوف والمطروق، إلى مساحة فكرة تولّد شهوة التساؤلات لدى القارئ.

وما هو سرّ السفّاح الذي يقتل الفتيات في أعياد ميلادهن؟

ولماذا يسرق الشموع بعد كلّ جريمة؟

وما قصة المغارة التي تضاعف كل شيء فيها.

وكيف تتخيل نهاية العالم على ظهرة سفينة تجري في البحر، لتلك السفينة قوانين صارمة، وغريبة؛ فحين تسمعها لن تتمنى أن تكون من ركابها.

وأين اختفت لوسي؟

وهل سيتمكن المخلص من تخليص العالم من تلك الوحوش الغريبة؟ وماذا حدث لطبيب الأسنان، وصديقه عند المنعطف الأخير.

وما حكاية المدينة التي تتشابه منازلها بطريقة عجيبة، وغريبة، ولماذا لا يشعلون الأضواء فيها؟

أخيرًا: تعتبر مجموعة "سفينة بروكرست" نصوصًا قصصية قصيرة، متقنة السبك السردي، بتسلسل منطقيّ لا يترك مجالًا للهروب، بينما لغتها سلسة سهلة تبدأ بمقدمة سليمة، لتأتي النتائج على شاكلتها صحيحة. ولعلّ انتقاء العبارة بعناية، تنمّ عن موهبة تفجّرت لدى "علي الخريشة" بدقّة متناهية، وصبر عليها كثيرًا حتى خرجت بأبهى حلّة أدبيّة، ويبدو أن طبيب الأسنان تعلم الصبر والدقة وإتقان عمله، وهو ما انعكس على هوايته الأدبية.

 

عمّان – الأردنّ

7/11/ ٢٠٢١

 

 

 

 

 

الحكواتي. أقصوصة

الحكواتي

(أقصوصة)

 

بفلم – محمد فتحي المقداد

 

 

الحكواتي على غير عادته توقّف فجأة عن الاسترسال في حديثه. لمح ذاك الرّجل القابع في الزاوية شبه المُعتِمة، كوجه ذاك التمثال المُنتصب في ميدان العاصمة الرّئيس، بإطلالته العُلويّة من فوق القاعدة الرُّخاميّة العالية بمشهدية نانوراميّة.

خطوط وجهه العميقة حفرها النحّات بعمق جراحات وعذابات الحكواتي مع أبطاله. عينا الرّجل ما زالتا مُصوّبتَيْن إلى فم الحكواتي. الحكواتي مُجهَدٌ من أثر  معارك جسّاس والزّير، حاول إزاحة تراكُم نظرات زبائن المقهى جميعًا عن شفتيْه، تثاءب على غير عادته، وضع كفّه اليُمنى على فمه، بحركة من أصابعه، دفع بالعوائق المُتراكمة إلى جوفه.

فطن بأنّ الجميع صامتون بانتظار إكمال المشهد، وأعينهم تتركُز  نظراتها في وجهه، من جديد مسح وجنتيْه وحول أنفه ومحيط فمه، وآثار تعرّق جبينه. اعتدل في جلسته، وأصلح طُربوشه الأحمر ذي الشربوشة السوداء المتناغمة بحركاتها المنفعلة بفعل اهتزاز رأسه مع نهاية كلّ عبارة حارّة إذا حمي الوطيس.

وتنحنح بصوت مسموع في أرجاء صالة المقهى، وضرب بعصاه الرّفيعة على طاولته، نظّارته ثابتة على رأس أنفه، لكنّ عيناه تنظران من خارج الإطار إلى صفحات الكتاب العتيق ذي الورق الأصفر، استأنف سرده في القسم المخصص لهذه الأمسية من السيرة الهُلاليّة، وابتدأ قوله: "يا سادة.. يا كرام...إلخ".

تذكّر حدّة نظرات التمثال الجامدة والمُحدّقة في وجوه العابرين جميعًا بلا استثناء، استعاد تفاصيل مروره في نفس المكان؛ تلعثُم لسانه نبّه جمهور المُستمعين لشيء ما، أوخلل خفيّ على إثره اجتمعت كلّها في لحظة واحدة، شعر بثقل نظراتهم في وجهه، كان على وشك أن يصرخ فيهم: "كفى.. كفى.. أرجوكم". أدركته صحوة نفسه في اللحظة الأخيرة، توقّف، كأنه حرّك لسانه في فمه بكلام، لم يسمعه إلا هو: "ما الذي جرى لي، كأنّني جُننتُ..!!".

كلام زوجته  حينما حدّثته في الليلة الماضية شتّت تركيزه الآن، وبدّد طاقته، وهي تحكي نقلًا عن قريبتها التي تسكنُ في الضاحية الراقية على أطراف العاصمة، في زيارة لها بمناسبة نجاح ابنتها.

كلماتها ما فتئت تقرع سمعه.. عندما قرع بعصاه الطاولة: "شاب اختفى منذ أسبوع، قيل: "أنه أشار بإصبعه الوسطى إلى وجه التمثال في ليلة باردة بامتياز، وهبوب الريح منعت الناس من الخروج إلّا للضرورة القُصوى، حتّى رجال الرّصد والمُراقبة  على أطراف السّاحة الواسعة، أغلقوا عليهم باب مكتبهم، مُتحلّقين حول مدفأة المازوت، ومصّاصات المتّة في أفواههم برتشفون شرابها الدّافىء".

حديثها الطويل عن زيارتها استغرق السّهرة كاملة، يستمع لها باهتمام، سألها: "ومن الذي أخبرهم إذًا عن الشاب؟".

دوّامة من الصمت غيّبته تفكيرًا في متاهاتها، ولم يعِ شيئًا من إجابتها: قالوا: "هناك كاميرات مراقبة داخل عيني التمثال".

اعتذر من زبائن المقهى، وغادر قبل انتهاء موعده عند ختام المشهد كما هو معتاد في كلّ سهرة. تأفّفٌ، وضجرٌ، وقرقرة النراجيل سيطرت، ودخانها لم يتوقّف صدوره من أفواههم.

 

عمّان – الأردن

9/ 11/ 2021


تأملات قرآنية