الثلاثاء، 8 يونيو 2021

لعبة الحواس. نائل العدوان

 

لعبة الحوّاس

قراءة في رواية "كأنه الموت" للروائي "نايل العدوان"


بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

المقدمة:

   الزمن الروائيّ الذي استغرق رواية "كأنّه الموت" هو خمسة عشرة دقيقة، وهو لحظة الاحتضار، والخمسة عشرة دقيقة توزّعت على خمسة عشر فصلًا، ابتدأت بالفصل الأول بعنوان "الدَّقيقة الخامسة عشرة" لتنتهي الرواية بفصلها الأخير "الدقيقة صفر".

   وكأنّنا أمام المعادلة الصفريّة للحياة على امتداداتها مهما طالت أو قصُرَت سنواتها؛ وعند "الدّقيقة صفر" تنتفي قيمة ما بينهما؛ فتتساوى "الدقيقة الخامسة عشرة" مع "الدقيقة صفر" في كامل قِيَمِها حِسابيًّا، وكأنّ شيئًا لم يكُن، كمن دخل من باب، وخرج من الآخر المُقابل له.

   و(المجموع الصُّفريُّ: مجموعٌ ثابتٌ، حيث أنَّ مجموع الفوائد والخسائر لجميع اللّاعبين، هي نفس القيمة من المال، وفي النظريّة الاقتصاديّة، يوصف المجموع الصُّفريِّ: بأنّه الحالة التي يكون فيها ربح أو خسارة مشارك ما، مُساويًا بالضبط إلى مجموع الخسائر أو المكاسب للمشاركين الآخرين) مصدر  ويكبيديا.

  قبل اجتياز الفصل الأوّل "الدقيقة الخامسة عشرة" تصوّرتُ حالة البطل في غرفة العناية الحثيثة. المُسجّى في حالة موتٍ سريريٍّ، لكنّه حواسّه تشتغل بشكل فعّال، وكأنّ بريق الآية الكريمة: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36، يُنير أوّل فصل، ليتواصل بنشر نوره حتّى آخر صفحة في الرّواية.

كان من اللّافت دور الحوّاس فعّالًا بقوّة في مُجريات الحدث الروائيّ، بتقنيّة ماهرة أجاد قيادتها الروائي "نايل العدوان"، وكأنّها تتمَاهَى بِقَصَر المساحة الزمنيّة للرواية مع رواية "إحدى عشرة دقيقة" للروائي البُرتغالي "باولو كويللو"، وهي من الروايات القصيرة، ولتزيد رواية "كأنّه الموت" بفارقٍ زمنيٍّ مدّته أربع دقائق؛ لتصبح مساحة الحدث الروائيِّ عند "نايل العدوان"، ضِعْف مساحة الأولى، بالطبع لا ننسى ملاحظةً: أنّ مَوْضُوعيْ الرِّوايتيْن مُختلفان تمامًا، لكنّهما اشتركتا بمسمّى الدّقائق المعدودة.

   فضاءات الرواية القائمة على فكرة الموت، الفكرة المحوريّة التي دارت وحامت حولها جميع الأحداث، تتعادل في موضوعها مع رواية "الموت عمل شاقّ" للروائي السُّوريّ "خالد خليفة"، مثلما هي الحياةُ عملٌ شاقٌّ.

العنوان:

   منذ قراءة أول كلمة "كأنّه" في عنوان الرواية، كأنّها عَصَا طبلٍ تقرعه بقوّة لاستنفار الأحاسيس لشيء مُهمٍّ، وتأخذه إلى دائرة الترقُّب الحَذِر، وقبل التقاط أنفاسه للاستعداد لما بعد ذلك، ليصطدم من فوره بكلمة "الموت"، الإشكاليّة العُظمى في حياة البشر.

   "كأنّه الموت" يُحيلنا امتداد العنوان في أنساغ الرّواية ومساربها؛ ليضعَنا أمام حالة الغيبوبة، التي أصابت "عادل" بطل الرواية، وعلى ضوء التصوّرات الناتجة؛ فإنّ سرديَّة "كأنّه الموت" بالفعل ما حدث فيها؛ شبيه الموت تمامًا. 

   أمّا كلمة "كأنّه" هي أيضًا حرف مُشبّهٌ بالفعل من حيث تصنيفها الإعْرابيِّ؛ فلم ترتَقِ لأن تكون فِعلًا حادثًّا، بل اِرْتَضت لنفسها أن تبقى وصيفة وشبيهة الفعل، وتسير في ركابه، وعلى هامشه. قدرُها النحويّ جعلها هكذا باقية إلى أن يرِثَ الله الأرض ومن عليها.

 

أشكالية الموت والحياة:

"الموت حقيقة لم يحسن التعبير عنها، خفية إلا على الميت نفسه، تنفتح كوة في السماء، ثقب أبيض يُشعُّ ضوءً باهرًا، يخلق كَوْنًا من الكواكب الملوَّنة، تسبح في أفلاك راقصة، عندها تغدو كلُّ الأشياء فوق الأرض مُتشابهة، تسكن الأنفاس، وينكشف الغطاء عن بصري ليصير حديدًا، تتفجر بعدها الذاكرة كبركان هائج، ثم تكتنز العيون بسحر وتُشرق عدة شموس في آن واحد" كأنه الموت/ص12.

بالفعل الموت حقيقة كما الحياة بأكملها، وهو ولادة تشبه ولادة مولود جديد، يستقبلونه بالبهجة والسرور، وهو يبكي على فراق ما ألف من دفء واحتضان، مشاعرنا عندما تحسّ بالفقد عند مغادرة أحدنا، ويتوافق هذا المعنى مع ما ورد في حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت ابنه إبراهيم: "وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون".

و"عندما تسكن الأنفاس وينكشف الغطاء عن بصري ليصير حديدا" كأنه الموت/ص12. تنَاصٌّ مُتطابقٌ تمامًا مع الآية الكريمة: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) سورة ق/آية22.

   والموت هو المُعادل بتوازيه مع الحياة، وبه يكتمل كمال العدل الإلهيِّ، بموت الجميع عندما تحينُ آجالهم؛ فلا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون. فلسفة الموت أنّه لا يتركُ أحدًا، والشّعوب والأمم جميعها تحتفي بالموت بطقوس خاصّة بها، منها المألوف والغريب غير المألوف. 

   رغم التناقض فيما بين الحياة والموت، لكنّ الموت هو حياة أخرى، وهو ليس نهاية، إنّما هو بداية. كما بداية ميلاد الإنسان في هذه الدّنيا. 

 

دور الحواس في الرواية:

 

*حاسّة السّمع:

   في حالة الغيبوبة الموصوفة طبيًّا بالموت السّريريِّ؛ بتوقّفٍ كاملٍ لكافّة وظائف الجسم الحيويَّة، مع بقاء الجملة العصبيّة المُنبّهة للحواس شغّالة، ولا تتعطّل معظمها، وتتجمّد إلّا بعد ساعات من توقّف القلب عن العمل، وصمت الأنفاس.

فقد ورد في بداية الرواية: "أصواتٌ عديدةٌ تمخر عباب رأسي، صوت أمّي أقربهم لذاكرتي، صوت يقلب موازين عقلي وهي توقظني صباحًا: عادل! قُمْ لقد تأخَّرتَ عن الصَّلاة، يختلط صوتها بصوت الأذان، يلثَغُ المُؤذِّن بحرف الرَّاء؛ فتصبح غَيْنًا، المُؤذِّن الذي يحبُّ البُكاء عند صلاة الفجر يجتهد بتجويد القرآن، يعلو صوته في أوَّل الأذان، لكنه يخفضه في النهاية" كأنه الموت\ص12. حاسّة السّمع تقتنص من عوالم الذكريات، مُنتخبة منها الأحبّ والأقرب للقلب، صوت الأمّ بنَبراتِه التي لا تُنسى، حتّى في حالة الإشراف على الموت. والصوت لزوم حاسّة السّمع، هي المُختصّة بتفسيره بحركاته وسكناته، وارتفاعه وانخفاضه، وتحليل نبرته الجادّة أم الهازلة، وفهم المآل منه، وتحديد نوعه أهو صوت إنسان أم حيوان أم الطبيعة.

"ثمّة أيضًا صوت زمجرةٍ مخيفةٍ لحيوانٍ لا تظهر ملامحه. رعدٌ يهزُّ أوصالي؛ فأستفرغ، لكنّني لا أستيقظُ من رقدتي. هدوءٌ غريب يصيبني بعد ذلك، تقفز الذكريات في رأسي كحشرات صيفيَّةٍ، تتمايز لتكون الأحداث بتراتبيَّةٍ عجيبةٍ، كيف قدر لي أن أفرزها كُلًّا على حِدَة؟". كأنّه الموت\ص12.  ثمّ تتطوّر حالة السّمع: ثمّ "تغنج الممرضة ثم تحك ردفها بساق الطبيب، الذي تبدو عليه الإثارة واضحة" كأنّه الموت\ص15.

*حاسّة الشمّ:

" زفير الممرِّضة فوق رأسي يُشعرني بوهن وقلَّة حيلة، تختلطُ رائحةُ عطرها بروائح المحاليل الطبيَّة التي اِتِّصلت بأوردة يدي، كم أوَدُّ أنْ أقولَ لها إنَّه عطرٌ يكتم الأنفاس، ويدعو للتقيُّؤ". كأنّه الموت\ص13.

في هذا الفقرة من الرواية، تبدو الرّوائح ومُستقبلاتها. تتبدّى حاسّة الشمّ باستقبال الرّسائل من المحيط القريب، فضاء غرفة العناية المُركّزة. ثم بعد ذلك رائحة الأدوات الجراحيّة: "أتلف المرض جزءا كبيرا من تلافيف دماغي، رائحة مشارط الأطباء لا تُفارق أنفي" كأنّه الموت\ص18

حاسّة البصر:

*"هل تُدرك الممرضة أنّي أراها جيِّدًا؟". كأنّه الموت\ص14

*"ينتشر الضوء في الغرفة عند الصباح، يتسايل بإغراء فوق الجدران فيشعرني بالنعاس، لكنني لا أنام، عيوني تحجرت في انقباض واحد، أتسلى بانسكاب الضوء فيها، الضوء هو الشيء الوحيد الذي يبقيني سعيدا هذه الأيام، تتكدس في حدبته عدة ألوان، أختار منها الأجمل، الأخضر دائمًا يطغى على باقي الألوان التي استطيع مزجها ورؤيتها على حقيقتها". كأنّه الموت\ص14.

*" تقول الممرضة، ثم تُعدل قناع الأوكسجين من فوق أنفي دون أن تنظر إلى عيني المسلطتين نحو الفراغ" كأنّه الموت\ص15.

*"حكيم، ما حدث بيننا كان خطأ جسيمًا، كيف سمحت بهذا أن يحدث؟. - ما الذي تتفوهين به؟ ألم تستمتعي بذلك؟ إنها لحظات جميلة يجب أن نسرقها، انظري إليه. ويؤشر الطبيب بأصبعه باتجاهي ثم يردف: حال الجميع في نهاية المطاف، الحياة أقصر من أن نلوم أنفسنا على تعقيدها، فلنعش ونسرق كل متعة، فنحن لا نعلم ما هذا هو القادم".  كأنّه الموت\ص17.

تقنية دراكولا والزومبي في الرواية:

هذا التكنيك الذي ذهبت إليه رواية "كأنّه الموت"، كما في كلّ واقع إنسانيّ لتعكس طبيعة العلاقات العاديّة ببساطتها، والمُعقّدة عندما يتغلّب الطمع والجشع والأنانيّة. فقد أحسن الروائي "نائل العدوان" في نسج حياة الأسرة الأولى والأخويْن "أبو عادل" الرّاضي بقسمته ولم ينازع أخيه "رشيد" على تركة وإرثٍ. طمع رشيد جعله يستحوذ على كلّ شيء. لتنعكس العلاقات الإنسانية وتغيير مجراها عن طبيعته، فموت أخيه وزوجته، وتشريد البنت التي تزوّجت في بلد بعيدة. عندما تحول "رشيد" إلى زومبي، ممّا دفع عادل الفنّان إلى حرامي مُحترف والانتماء إلى عصابة، ثمّ تكلّل انحرافه ليكون قاتلًا، ويدخل السّجن بتهمة قتل عمّه، تعطُّش دراكولي للانتقام، فلا ثقافته ولا عمله كعازف موسيقا، استطاعا أن يُخلّصاه من نقمته المكبوتة ودوافعه لقتل عمّه.

   بينما الثّقافة تغيير حقيقيّ للحياة، وتجنح بصاحبها إلى التسامي والتسامح، وتتناقضُ كُليًّا مع اقتراف جريمة القتل عن سابق الإصرار والترصُّد، والسّرقة الموصوفة، والتي اِتَّخذَ منها مهنة، بينما بقي يتخفّى خلف ستار عزفه على العود.

   وبثّ المشاعر الإيجابيّة فيمن يستمع لعزفه. مفارقة بين فكر لم يستطع تخليص صاحبه من سُلوك شائن، مُفترق عكس الاتّجاهات الفكريّة والثقافيّة.

   (نعود لتكنيك الزومبي ودراكولا، هذا التكنيك رغم أنه ارتكز على بداية مبعثها  المجتمع، إلا أنّه استخدم كأداة غيَّرت شكل الرمزيّة فلم تعد الرمزية لفظية بل تحولت إلى صورة حية مجسدة، ومثيرة للمشاعر المتناقضة، وقد تكون منفرة أو مخيفة، وتجسيد الصورة المنفرة للغرائز البشعة، وكشف الزيف والكذب في العلاقات، وتعرية الإنسان من كافة أقنعة الخداع) منقول.

ختامًا:

   بشكل حقيقي فإنّ الزّمن الروائيّ الحقيقيّ تجلّى في الدقيقة الخامسة عشرة، وفي الدقيقة الصّفر، وما بينهما من الزمن الدّقائق الذي تشعّبت فيه أحداث الرِّواية، جاءت تتهادى على محمل الذكريات المنبثقة، بعد مدّ الخيوط بجميع الاتّجاهات؛ لتفكيك العقدة التي ابتدأت بها الرّواية، وتتوزَّع على كامل مساحة الرواية، التي تعود في خاتمتها الدَّقيقة الصُّفْر؛ لتنطبق على الدقيقة الخامسة عشر.. افتتاحيَّة الرِّواية.

   بعد منتصف الرواية تَسارَع الحدث الروائيّ، ليكونَ مُتعجِّلًا، خاصّة: وأنّ القاتل "عادل" حُكم بالمُؤبَّد مدى الحياة، ولم تَنَل هذه الفترة بمساحتها الكبيرة من عمره، إلّا على بضع صفحات قليلة.

ومن حنكة الكاتب رغم كلّ الوصف للموت وحالاته، إلّا أنَّ البطل "عادل" قام من قبره، وعاد للحياة، على طريقة "الفلاش باك"، وكأنّه أراد أن يقول للقارئ، أنّ البطل لو مات لما كانت الرّواية، وبعودته للحياة اِسْتطاعَ اِسْترجاع ما حصل له بطريقة فريدة.

   السَّرْدُ ممتعٌ بجاذبيّته، على محمل ذائقة أدبيَّة تجلّت فيها موهبة الروائيِّ "نائل العدوان"، بتسلسل هادئ، وبوضوحٍ تامٍّ، وكأنّه أراد أن يُشير للفساد الإداريِّ، بأنّه موتٌ حتميٌّ للطَّاقات والمواهب الوطنيّة، وليس كأنّه الموت، كما حاول العنوان الإيهام. بالطبع لم تكن القراءة إلّا لجانب صغير من رواية "كأنّه الموت".

   ولو تتبَّعنا خطاباتها، وفضاءاتها، ومآلات تفسير فلسفتها، لمَا اتَّسع لنا المقام في مثل هذه العُجالة المُتعجّلة.

عمّان – الأردن

8\ 6\ 20121


الجمعة، 4 يونيو 2021

صيغ خطاب توفيق جاد

 

 

 

صيَغُ الخطابِ الأدبيِّ

في كتابات الأديب  توفيق جاد

 

 

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

 

   لكلّ كاتبٍ اِنْتهاجُ أسلوبٍ كتابيٍّ مُناسب خاصٍّ به؛ ناضحٍ بدواخله المليئة بكنوزٍ تراكميَّةٍ زاخرة بمعارفه وخبراته المُكتسبة على مدار سنواتٍ طويلة، وتلعب الذّاكرة دورها الإيجابيِّ في استحضار  ما يريده الكاتب في الوقت الذي يريد؛ لصناعة نسَقٍ يتّسم بسماتٍ تحمل في طيّاتها روحه.

   ومن خلال مُتابعتي لكتابات الأديب "توفيق جاد" في القصّة والرواية والخواطر. فقد بُنيَت على سرديَّةٍ قائمةٍ على التفكير الهادئ، والهادف إلى تأسيس خطاب عامٍّ وخاصٍّ على محمل من أنساق اللّغة، بمعالم سهلة واضحة، ومميِّزاتٍ فنيَّة بأبعاد جماليَّة.

   حاولتُ تتبّع نماذجَ لخطاب النَصِّ الأدبيّ عند "توفيق جاد"؛ لتبيان ذلك وإيضاحِه بشكلٍ جليٍّ. ولا أظن أنّ الوقت يُتيح لي أخذ نماذج مُختلفة من كتاباته القصصيَّة والروائيَّة والخواطر؛ لتسليط الضوء عليها. وتجلِيَتِها. بل أكتفي بأخذ النماذج من أعماله الروائيّة الثلاث: "الغداء الأخير". و"بنش مارك". و"فلبْس".

 

 

 *أولًا: سنحطّ الرِّحال في رحاب رواية (الغداء الأخير)

 

1- خطاب الخوف والرعب من الحرب وويلاتها، جاء ذلك في أوّل فقرة من رواية الغداء الأخير.

 يقول:"أصابني الذهول من ذلك المنظر المرعب، وأنا أقف على تلك الصخور في حارتي الجبلية.. اشتعال النيران والتهامها للحديد والصخور، زاد من لهيب حزيران الحارق.. نار تشتعل وقلب ينفطر.. منظر لم أعهده من قبل، بدأت الحرب تستعر في قلوبنا قبل استعارها في ميدان المعركة، لتطفئ كل شمعة أمل كنا نعيش عليها أو نحلم بها". ص7.

وتبدو مفردات الخطاب (الذهول، المرعب، اشتعال النيران، حزيران الحارق، بدأت الحرب تستعر، ميدان المعركة، تطفئ كل شمعة أمل). صريحة القول في رسالتها للمتلقي.

 

2- الخطاب العاطفي: "يوم.. وبينما صالح يتناول طعام إفطاره، رفع بصره قليلاً رأى على الطاولة المقابلة له، فتاة تسترق النظر إليه على استحياء، لفت نظره جمال ورقة هذه الفتاة بابتسامتها الخجولة المرتسمة على محياها.. أطرق حياء.. لكنه ما لبث أن عاود النظر إليها.. لم يستطع تجاهل هذا الوجه الملائكي وتلك الابتسامة الرقيقة.. شدّته إليها.. أرسل لها ابتسامة لطيفة.. بادلته الابتسامة.. وغضت من بصرها.. تابعت تناول طعام إفطارها ببطء شديد ورقة ظاهرة، وكأنها ترسم لوحة فنية لفتاة فاتنة، ليتمتع ويسعد بمراقبتها". ص24 الغداء الأخير.

وبملاحظة بسيطة لدلالات العاطفة في هذه الفقرة:"فتاة تسترق النظر، ابتسامتها الخجولة، عاود النظر إليها، الوجه الملائكي، فتاة فاتنة". وجاء الخطاب العاطفي بعد فترة من الهدوء والاستقرار بعد الحرب.

 

3- خطاب الحنين إلى الديار، على إثر  التهجير القسريّ على محمل الذكريات:"سرح والدها بفكره، عائداً إلى سنوات خلت.. عاد بذاكرته إلى فلسطين.. طوى فكره سنوات من عمره بثوان معدودة . استذكر يوم كان يعمل مقاولاً، وكيف أن حياته كانت سعيدة هانئة.. لم يكن يضنّ على أسرته الصغيرة بشيء.. جاء الاحتلال، تدهورت حالته المادية، فقد انقطع عن العمل، هو من الناس الذين هجروا إلى عمان" ص٦١/الغداء الأخير.

ملامح هذا الخطاب (فلسطين، كان يعمل مقاولا، جاء الاحتلال، تدهورت حالته المادية، انقطع العمل، هجروا إلى عمان). مفردات تعني بإيحاءاتها الكثير والكثير بالنسبة للقضية الفلسطينية، ومخرجات الاحتلال باغتصاب الأراضي وتدمير البيوت والتهجير القسري.

 

4- خطاب قضايا الشباب والانحراف: "أما عواد فقد تعرف إلى بعض الشباب الذين لا عمل لديهم إلا تجارة المخدرات والسرقة والإجرام.. يجلب الكثير من المال مدعياً بأنه يعمل مع رجل ثري، هذا الرجل الثري يشفق عليه ويمده بالمال الوفير - كما كان يدعي". ص١٢٦/الغداء الأخير.

بتتبع مفردات هذا الخطاب: "شباب لا عمل لديهم، تجارة المخدرات، السرقة، الإجرام، يدعي". بوضوح تام فقد أشّرت الكلمات على طبيعة الخطاب.

 

5- الخطاب الإنساني:

"بعد صدور حكم المحكمة، والذي أثبت نسب فالح الصغير، واعتراف جده به وبنسبه.. اتصلت ياسمين بعبدالله، وأعلمته بما جرى؛ فما كان منه إلا أن طلب منها عنوان عمها لزيارته والمباركة.. اتصلت بصديقتها سجى.. أخبرتها بقرار المحكمة.. أخبرتها بأن الدنيا لا تسعها من شدة فرحها.. بدأت تبث شجونها. - فقالت: اليوم.. أشعر بأنني وولدي بعثنا من جديد.. أصبحنا أحراراً.. أرى نفسي كطائر الحب الذي تلون بزاهي الألوان.. فتح له باب القفص الذي شجن فيه". ص164/الغداء الأخير.

هنا نتوقف أمام قضية كبيرة طريقتها الرواية، منها زواج المحارم. والزواج العُرفي أي بدون تثبيت واقعة الزواج في المحكمة، بعد موت زوجها تبين أنّ الزوجة حامل؛ لتتحمل أعباء التُّهم والطعن بشرفها، وفي هذا الخطاب تكتمل فرحتها مع ابنها بإثبات نسبه إلى أبيه المُتوفّى قبل أن يراه. والمفردات الدالة على الخطاب الإنساني: "صدور حكم المحكمة، أثبت نسب فالح، بعثنا من جديد، أصبحنا أحرارًا".

 

٠٠*٠٠

 

 

 

 

 

 

ثانيًا: سنكون في رحاب رواية (بنش مارك):

 

1- خطاب خصوصية الأم:

"أمسكت بيد أمي.. اتجهنا إلى غرفتي.. بدأت أُهوّن عليها، علّها تهدأ بالًا.. آلمني وضعها.. احترت ماذا سأفعل.. قبلت منها الرأس واليدين.. ضمتني إلى صدرها الحنون.. كدت أغفو على صدرها لولا أن فكرة داهمت عقلي.. رفعت رأسي وابتسامة تطمئن أمي أرسمها على شفتي". ص5/بنش مارك

مفردات هذا الخطاب المشيرة لمنحى الخطاب:"يد أمي، قبلت منها الرأي واليدين، صمتني إلى صدرها الحنون، أغفو على صدرها".

 

2- الخطاب التراثي، واستحضار الناقة وعنترة:

"أتخيلني أمسك بخطام ناقة حمراء كالتي أمهرها عنترة بن شداد لابنة عمه عبلة.. مزينة ومجللة بكل جميل وزاهٍ.. شددت بالخطام إلى الأسفل.. ناخت الناقة معلنة امتثالها لتنفيذ أوامري.. اعتليت أعلى سنامها كفارس مقدام.. سحبت الخطام إلى الأعلى هذه المرة.. نهضت واقفة وكأنها جبل شاهق.. يطاول السحب علواً وارتفاعاً". ص23/بنش مارك.

دلالات الخطاب بالمفردات: "خطام ناقة، عنترة، عبلة، ناخت، سنام، فارس".

 

3- خطاب تاريخ العلوم، وتسليط الضوء على علم المساحة:

"المساحة علم بدأت أستمتع وأنا أتعرف عليه وعلى تاريخه.. وكما قرأت بأن أقدم من كتب عنه هو المؤرخ الإغريقي اليوناني (هيروديت) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.. رحالة أجار الكتابة والوصف الدقيق للأماكن التي زارها.." ص48/بنش مارك.

وفي في هذه الفقرة وما بعدها أورد "توفيق جاد" نبذة تاريخية سلطت الضوء عن علم المساحة، وهو تخصصه الذي عمل به في حياته العملية والوظيفية إلى مرحلة التقاعد.

 

4- خطاب الأماكن في عمّان:

"جلسنا نتناول حلوياتنا.. نرقب الساحة الهاشمية من الجهة الجنوبية للجبل.. كما أننا استمتعنا برؤية الناس والسيارات، جبل التاج، جبل الجوفة، مكتبة أمانة العاصمة.. تراكم البيوت الذي بدا عشوائياً رغم أنه منظم ومرتب.. لوحة أبدعها خالقها". ص128/بنش مارك.

الرواية حافلة بوصفيّة دقيقة كدليل يشرح لزائر المدينة أو السائح. وفي هذه الفقرة تدليل على الموضوع:"الساحة الهاشمية، جبل التاج، جبل الجوفة، مكتبة أمانة عمّان".

 

5- خطاب الصحة والمرض والموت:

"ألم شديد ومفاجئ أصاب أمي في بطنها بعد أن أدت صلاة المغرب.. نقلناها بسرعة إلى أحد المستشفيات.. بعد إجراء بعض الفحوصات، أقر الطبيب إجراء عملية عاجلة لها.. ما تُسمى (الزايدة) أصابها التهاب شديد.. وقّع والدي على الموافقة لإجراء العملية.. وقفنا ننتظر انتهاء العملية، والقلق يساورنا جميعاً.. نلهج إلى الله بأن تخرج والدتي بسلام وأمان.. ساعة من الزمن مضت وكأنها شهور.. ننظر إلى باب غرفة العمليات.. نندفع نحو أي خارج منه.. نسأله عن أمي.. لا نستقبل أي إجابة.. بعد أن كدنا أن ننهار". ص177/بنش مارك.

"ألم شديد، البطن، المستشفيات، الفحوصات، الطبيب، عملية جراحية، الزائدة".

 

ختامًا:

   من خلال النماذج المختارة لمناقشة موضوع "صيغ الخطاب الأدبي" عند "توفيق جاد" . يتبيّن للقارئ غِنى المادّة الروائيّة بتعدّد مُستويات الخطاب، المُفضية إلى فضاءات معرفيّة كثيرة لدى الكاتب، وثقافة متشعبة أراد توثيقها وترتيبها في سرديّته الروائية، التي تستوعب مثل هذه التوجّهات وغيرها، لتكوين قاعدة معرفيّة تُغذي ذهنية القارئ، ويستفيد منها طلاب الدراسات الأنثربولوجية. وتعتبر شاهدًا أمينًا على مرحلة زمنية أصبحت من الماضي.

   كما أن صيغ الخطاب جاءت في مساقات اجتماعيّة إصلاحيّة، مؤشّرة لمواطن الخلل، تتراوح بين عوالم الواقع والخيال، مليئة بالآمال والأحلام برؤية العين الناقدة للماضي والحاضر، ناظرة إلى مستقبل مشرق.

   كما أنّ صيغ الخطاب كانت وجهًا لوجه بشكل مباشر فيما أرادت من رسائلها. ورواية "فلبس" بموضوعها الفريد عن مهنة الحلاقين ووصفها لدقائق المهنة، لم تبتعد كثيرًا بصيغ خطاباتها المتعددة الأشكال والألوان عند "توفيق جاد"، وتكون إضافة أخرى في رصيده الأدبي.

 

عمان- الأردن

5/ 6/ 2021

الأربعاء، 2 يونيو 2021

تجليات الفكرة عند خضر الماغوط

 

 

 

تجليات الفكرة ما بين التلميح والتصريح

قراءة في نصوص ساخرة

للأديب خضر الماغوط

 

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

 

المقدمة:

هناك فرقٌ كبير بين الكاتب المهموم والمهجوس بأفكار تستند إلى قضايا كبيرة وعظيمة، وبين من يريد اللّهاث وراء تسويق نفسه، أو بعض الأفكار التافهة والمأجورة ليسترزق منها، تحت شعار ثقافيّ.

وهذا المنحى لا بدّ من ملاحظته وتوثيقه بالقراءات التتَبُعيَّة النّاقدة الجادّة، خاصّة عندما تَتَّسِم بالمصداقيّة والحياديّة.

"خضر الماغوط" كاتبٌ وأديبٌ سوريٌّ قائمٌ، على صناعة نصوصٍ قصصيَّةٍ جادّة. متميّزة بأفكارها التجديديّة الذكيّة بإشاراتها ذات الدلالات العميقة، البعيدة بمراميها النّاقدة بطريقة فريدة تُؤشُّر بوضوح لمواطن الخلل بفنيّة عالية. ذات بُعدٍ إصلاحيٍّ. بعيدًا عن تهييج وإثارة الفوضى عند القارئ.

فالسُّخرية؛ وإن ارتبطت دلالاتها بالهُزْءِ والضّحكِ والتحقير، إلا أن "خضر الماغوط" أتقنها بذكاء، وفطنة شـديدين لا يتوفَّران إلّا فـي كاتبٍ حاذقٍ واعٍ كـ"خضر الماغوط"، وعلى مَحمَلٍ ما بين المثاليّة التي يُنشدها للارتقاء، والواقع المُتأصِّل بِهُمومه الكبيرة والكثيرة، ورُؤيته للخَلَل بعيدًا عن ضَجيج البروباغاندا الإعلاميَّة الرسميَّة، ومُحاولتِه إضاءة شمعة بدَلَ لعن الظلام، وملامستهما بشفافيّة حاذِرَةٍ مُحذِّرَةٍ.

والوصف هنا لكتابات "خضر الماغوط" ليس من طريق السّخرية الهازئة من الآخرين بتعالٍ فقط، بل جاءت باصرةً ناقدةً جريئةً؛ مُحمّلةً بإشاراتٍ ناطقةٍ مُؤشّرةٍ على حدَثٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ واقتصاديٍّ، في محاولة اِخْتراق تابوهات مرفوضٌ، وممنوعٌ الاقترابُ منها بأيِّ شكلٍ كان.

..*..

   البروباغندا: بوسائلها الإعلاميَّة، ودورها في إعادة تشكيل رُؤَى، وتوجّهات الناس عُمومًا. والجريدة جزءٌ لا يتجزَّأ من منظومة إعلاميّة متكاملة، وهي الوسيلة المقروءة الصَّادرة صباحَ، كلَّ يومٍ يسعى إليها المُواطن، بينما هناك جُيوش جرَّارة على مُستوى الجُمهوريَّة من كُتّاب المقالات، والأعمدة اليوميَّة الثَابتة، ومُدراء التحرير، والمُحرِّرين، والمُصوِّرين، والمُراسلين، وعُمَّال الطِّباعة والنقل. جميعهم يعملون على مدار السّاعة لإخراج الجريدة، مع توافر كافّة الإمكانات الماديّة والمعنويّة لهم.

   وفي بلادنا فإنّ الصحافة الحُكوميّة مُتكَلِّسة ومُتَخَشِّبَة، ضمن مسارات مرسومة بدقّة، ذات خطوط حمراء، لا يمكن الاقتراب منها، أو تجاوزها قيْد أُنمُلة. وفي عِنْوانَيْ (مرونة ثقافية) و(الدولار) اللَّذان تجمَعَهُما مُفردةُ الجريدة.

    *النص الأوَّل: "مرونة ثقافيّة": (رئيسُ تحرير الجريدة، الذي كان يُحاضرُ، مفتخراً بقيمةِ جريدتهِ. ثارتْ ثائرتُهُ غضَباً، عندما قيل له: لا فائدة منها.

ولكي يبرهنَ ماذا يمكن أنْ يستفادَ من جريدته، نهضَ واقفاً، وراح يلفُّ أوراقها حتى صارت كالعصا... ثمَّ ضربَ بها ذبابةً كانت تقفُ على الحائط).

الوقوف أمام الحقيقة مباشرة مُحرجٌ. وهذا رئيس التحرير بكلّ تأكيد كاذب بالمطلق، يكذب على نفسه أوّلًا، ويحاول تسويق كذبه على الآخرين، وهو يتوقّع منهم المدح والتصفيق له، لكن المفاجأة بتعبير صادم (قيل له: لا فائدة منها)، ومادام جاء فعل القول بصيغة المجهول، ربّما يكون مثلًا من شخص مُتنفّذ بيد مقاليد الأمور، لتحقير وتهزيء رئيس التحرير، وإمّا من شخص عادي تجرّأ لكشف الكذب. إلى أنّ البرهنة صدمت المتلقِّي، وكما قيل: "تمخّض الجمل؛ فوَلَد فأرًا"، مدير التحرير، شكّل الجريدة على شكل عصا، ليضرب بها ذّبابة. أليس النصّ يأخذنا إلى فكرة دونكيشوت وصراعه مع طواحين الهواء.

 

   *النص الثاني: "الدولار":  (كنَّا نلتقي في حارات المدينة القديمة، أنا وصديقتي؛ فنجلس على المقاعد الحجريَّة في ساحاتِها وشوارعِها، ودائماً كنتُ أفرشُ لها أوراقَ الجريدة فوقَ المَقعدِ حتَّى لا تتغبَّرَ ثيابُها. الآن صارت تلك المقاعدُ تَراني وحيداً كئيبًا، وكأنِّي بها تشمُتُ بوحدتي وكآبتي؛ فأكادُ أنْ أصرخَ ملء صوتي: أيَّتُها المقاعدُ اللَّئيمة، لقد ارتفعَ سعرُ الجريدة).

   النصُّ جاء على لسان الرّاوي الموازي للكاتب، بمحاكاة داخليّة على محمل الذّاكرة للماضي. بمحاولة أنسنة الأشياء الجامدة، واستنطاقها في محاولة للخروج من مأزق الصّراع الداخليِّ للخلاص من الهمّ القاتل. (المقاعد تراني وحيدًا كئيبًا)، (أيّتها المقاعد اللّئيمة). ودليل أنّه لم يعُد يشتري الجريدة لارتفاع ثمنها. بالتالي لم يفترشها كالمعتاد سابقًا.

..*..

 

   لُغة الإشارة كمصطلح يُستخدم من الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصّة، كالأصمّ، والأبكم. وتستخدم على نطاقات واسعة في الجيوش عامّة، وعند بعض التنظيمات الإرهابيّة والإجراميّة وأجهزة المُخابرات السريّة والتجسس عُمومًا.

   كما أن تعبيرات الجسد لها لغة مفهومة كتعابير الوجه، وباقي أجزاء الجسم بحركات إيحائيّة، لها دلالاتها، تُفسّر كعلامات رضا أو غضب أو تنكّر أو تخفّي.

 

   *النصّ الثالث:  (آخرُ الأخبار): (قرب بيتي، يسكنُ جارٌ أخرس، يستوقفني دائماً حينما يراني في الشَّارع، يريدُ أنْ يعرفَ شيئاً عن الوضع الرَّاهن، ويبدأُ الحديثُ بيننا بلغةِ الإشارةِ بالأصابع، التي تعلَّمْتُ منهُ شيئاً منها؛ فيشيرُ بأصابِعه، وأشيرُ بأصابعي. الغريبُ في هذا الموضوع، أنَّ الحديثَ بلغةِ الإشارةِ حول الوضعِ الرَّاهنْ. لم يكنْ يحتاجُ سوى إلى استخدامِ... الإصبعْ الوسطى فقط).

  في هذا النصّ يُفسّر حالة شائعة، وبشكلٍ طبيعيٍّ ضمن العلاقات التواصليّة الاجتماعيّة، في مفرداتها ودقائقها. وبالتأكيد مرّتين على كلمة (الوضع الرّاهن)، وهو الهمّ المُشترك بين فئات النّاس المختلفة، بما فيه من تحدّيات تستدعي المُتابعة من الجميع، لمعرفة ما يدور في محيطهم، ولغة الإشارة في هذه الحالة، للإفلات من الرّقابة الدّائمة من المُخبرين والأجهزة، وقال النصّ ما أراد له كاتبه الذي صمتَ، وأفلَتَ عِقَال كلماته، وأطلق لها العنان؛ لتقول ما يتحرّج منه بشكل طبيعيّ.

..*..

 

   ثيمة الحذاء كانت الخيط النّاظم، لثلاثة نصوص (الحافي، حفلٌ ديمقراطيٌّ، اللِّقاء). (الحافي) عنوانٌ دالٌّ على إنسان ذي قدَم حافيةٍ، والقدَمُ لزومُها الحذاء، ومفهوم الحذاء يختلف تمامًا بتقاطعاته مع العنوان الآخر (حفل ديمقراطي).

   ثيمة الحذاء جمعت النقيضَيْن الماديّ "الحذاء" والمعنويّ "حفل"، وبِتَتبُّع هذه الثِّيمة في النَصَّيْن، لإماطة اللِّثام عن هذا الرّبط الذكيّ.

 

*النص الرابع: (الحافي): (عندما كنتُ شاباً، صنعوا مني عاملاً ماهراً في رصف وتعبيد الطرقات. فقد عملتُ في رصف الشعارات والمهرجانات في الطريق القومي، وفي رصف المحاضرات والندوات في الطريق الاشتراكي، وفي رصف التصفيق والهتافات في الطريق الوطني. ليتني من يومها عملت في رصف الطريق إلى بيتي.. على الأقل كان حذائي الوحيد لم يهترئ).

   دلالة الزمن السَرديِّ للنصِّ في الماضي، تبيّن ذلك في أوَّل كلمتين (عندما كنتُ). مفارقةٌ غير منتظرة مليئة بالأسف والندم (ليتني)، التي تحمل أمنية ضاعت، لو اِسْتُثمِرَت في وقتها؛ لكانت نافعة (ليتني من يومها عملت في رصف الطريق إلى بيتي).

   الطَّريق المُمهَّد السَّهل صار أمنيةً أغفلَها، من اِحْترَق بوهْجِ أضواء البروباغاندا المُبهرة. الجاذبة لدروب الشُّهرة، ولإرضاء غرور الكثير ممَّن سلكُوا دُروبها بحكم الوظيفة، أو من المُتسَلِّقين الاِنْتهازيِّين. بائعو الشّعارات الرنانة.. هم أنفسهم بائعو الأوهام والأضاليل للشعوب المسكينة.

 

*النص الخامس: (حفل ديمقراطي): (كما سقطتْ فردةٌ منْ حذاء سندريلا، على الدرج في حفلِ الأمير.. أيضاً سقطتْ فكرة من صديقي المفكِّر، على مسمع من لا يقبلون الرأي الآخر. ومن يومها، يبحثون عنه، لمطابقة أحذيتهم على أفكاره).

   وفي الحفلِ الديمقراطيِّ إعادةُ تدويرٍ لمادَّة تاريخيَّة "سندريلا والأمير" من خلال نصّ أدبيِّ، اِشْتَغَل على تقاطُعات قادها "خضر الماغوط" بحِرَفيّة عالية؛ لتطبيقها في مجال الحِوَار الواخز الناخز باتِّجاهِه الإجباريّ الوحيد، غير المُؤمِن بطبيعته التكوينيّة بالتعايش مع الرأي الآخر، ومن غير الوارِد قَطعًا السَّماح للرأي الآخر بالظهور؛ لتأتي قفلةُ النصِّ مُدهشةً بمفارقتِها الصّادمة (ومن يومها، يبحثون عنه، لمطابقة أحذيتهم على أفكاره).

   الحوارُ.. فكرٌ يُقابِل فِكرًا، أمّا أن يُقابل الفكر بالحذاء، هنا تتجلّى قمّة رفض سماع الآخر أو الإنصات له، أو ارتفاع صوته. كما أن الأسى يقطر من العنوان (حفل ديمقراطي)

 

*النص السادس: (اللقاء): (قُبيلَ موعد اللقاء، صرتُ كالتلميذ الصغير الذي يستذكرُ دروسه غيباً. كنت أسترجع في ذهني كلمات الحب التي سأقولها لها، وأتخيلُ الكلام الجميل الذي ستقوله لي. جاءت في الموعد المحدد تشكو من علَّةٍ في حذائها، ومضى اللقاء العاطفي في الحديث... عن رداءة صِنع الأحذية).

   العنوان (اللقاء) عنوان يذهب بنا إما إلى لقاء بعد غياب في سفر بعيد، أو لقاء عاطفيٍّ مُرتقَب منَّا في هذا النصِّ الذي بين أيدينا. وجاء أيضًا كما سابقيْه على مَحمَل الذَّاكرة.

   نصّ متأرجحٌ بين العاطفة وبين الحاجات الماديّة للإنسان، التي تمدُّ الحياة البشريَّة بأسباب السّعادة أو التعاسة. والحاجات الماديّة بوفرتها طريقٌ للرَّفاه، والاستمتاع والاِسْتِلذاذ بمُعطيات الحياة، وُصولًا إلى قِمّتها العُظمى.

ذهابنا لهذا المنحى، هو موضوع الحذاء الذي اِسْتحال سببًا لمُشكلة إخماد العواطف، والمشاعر المُنطَفِئة من ضيق الحذاء. هبوطٌ من القِمَّة إلى قاع القاع. هبوطُ الأحاسيس المُرتبكة؛ لِتسقرَّ عند الحذاء.

..*..

 

*النص السابع: (البهلوان): (طفَحَ الكَيْلُ بصبر القُبَّعة على سُلوك الرَّأس الذي يعتمرها، إنهُ يخلعها وينحني لهذا ولذاك، ثم يعتمرها، ثم يخلعها لينحني من جديد،... فلا تستقرُّ بها الحال. -لقد أتعبتني وأرهقتني أيُّها الرأسُ المنافق؟. قال الرأسُ مُبرِّراً: إنّها سياسة ذيل الكلب يا سيّدتي).

   (البهلوان) عنوان لافت بشدّة لدلالاته الدقيقة، على الكذب والدّجل من رجال السوداء، واقترانهم بقول الكاتب بـ(إنها سياسة ذيل الكلب يا سيّدتي). وهي إشارة ذكيّة للتذكير باِعْوجاج ذيل الكلب خَلْقِيًّا، وهو ما استقرَّ في الذاكرة الشعبيَّة: (ذيل الكلب أعوج، لو وضع مئة سنة في القالب.. سيبقى أعوجًا)، وهو تعبير دامِغٌ للميؤوس من تعديل سُلوكيّاته إطلاقًا. وهي حال السياسة والسياسيّين.

 

*النصّ الثامن: (الحرب):  (قبل الحرب، كنت أحلم بأن أكون في بستانٍ مع حبيبتي، يرافقنا الكلبُ المنزلي الذي أعتني به، وبطبيعة الكلاب عندما تكون سعيدةً، سَيَهُزُّ الكلبُ بذيلَه عندما سيراني أسرق منها قبلةً بعد قبلةٍ. صارت الحربُ، فاحتَرَقَ الحلمُ بالبستان والحبيبة. وبقي الكلبُ مقطوع الذيل).

   الحروب ولعناتُها على الحياة.. بمخرجاتها القذرة، تفرض نفسها بقوّة السلاح وراء إصرار المُتحاربين على تحقيق نصر مُكلل بالدماء. لا يحمل إلا شارات المنتصرين.. وأي نصر سيكون بين أبناء الوطن الواحد. لا شكّ أنه قهر.

   الحرب أقوى من الحياة بمعطيات عواطفها وأحلامها. تأتي على شيء فتُدمّره. وبقي ذيل الكلب المقطوع، من معطيات حكاية لم تكتمل على وقع طبول الحرب، واحتراق البستان والأحلام، وموت الحياة.

   وفي (الحرب) فإنّ الأحلام، والحبيبة، والبستان، والمنزل، وكلب الحراسة؛ لهي دلائل الحياة، وبألم حارق يقول الكاتب: (صارت الحربُ، فاحتَرَقَ الحلمُ). حكاية الحرب وموت الأحلام.. موت الحياة).

 

*ختامًا:

   لا شكَّ أنَّ النُّصوص الثمانية أنّها ذات أبعاد إصلاحيَّة، بحمولتها الجريئة النّاقدة المُشيرة إلى مواطن الخَلل وما أكثرها.

   ومن خلال تصنيف النصوص من خلال القاسم المُشترك لكلٍّ منها، تبيّن أن فكرة الجريدة استحوذت على النصّيْن: (مرونة ثقافيَّة، الدُّولار). وفكرة الحذاء سيطرت على ثلاثة نصوص: (الحافي، حفل ديمقراطي، اللقاء)، ولغة الإشارة أخذت نص: (آخر الأخبار)، وذيْل الكلب كذلك أخذ نصيبه من النّصين: (البهلوان، الحرب).

   وهذه الأفكار (الجريدة، الحذاء، لغة الإشارة، ذيل الكلب) ما هي إلّا إشارات تلميحيَّة، أو تصريحيّة؛ للإفصاح عن رسالتها الرمزيّة، وهي تؤشِّرُ لتقاطعات ومُفارقات لها الأثر الكبير في حياة عمومًا.

   وتكمن حكمة "خضر الماغوط" في عمق فهمه، ودقّة مُلاحظته للواقع، والانطلاق من موقعه ككاتب ومفكِّر، لقول كلمته المُنبّهة، الكفيلة بلفت الانتباه إذا صادفت قلبًا واعٍ، وأُذُنٍ صاغية، وإرادة التغيّير.

الأردنّ – عمّان

ـــــا 2\ 6\ 2021

 

الجمعة، 30 أبريل 2021

الفكرة بين الإسراف والتقتير

 

الفكرة بين الإسراف والتقتير

(20)

بقلم محمد فتحي المقداد

 

   كلّ شيء بحاجة إلى تدبيرٍ وحساباتٍ، بلا إسرافٍ ولا تَقْتيرٍ في مجالات الحياة المُختلفة، والمَيْل للوَسَطِيَّة؛ فإنّ خير الأمور أوسطها، لكنّ الوضع مع الأفكار؛ أعتقدُ أنَّ الأمرَ مختلفٌ تَمامًا.

   أيَّةُ فكرة لها مساراتٍ ودروب عديدة وشتّى، ومُتنوّعة الأشكال والرُّؤى، والكاتب صاحب الفكرة، إذا أراد تنفيذها، سيحشد لها كافّة إمكاناته، ومهاراته الذّاتيَّة، وينسحب الأمر وُصولّا إلى لحظة التنفيذ، أي الكتابة، لتتجلَّى خبرة الكاتب من مخزوناته المكنونة والمُكتسبة، واللّغة ومُفرداتها أساس التنفيذ ومُنتهاه.   

   كُلّما أسْرَفَ الكاتبُ، فلن يُكتب من المُسرفين المُبذّرين عند الله، ولن يكون بأعين النّاس وخاصّة القُرّاء منهم، إلّا ذلك المُبدع، الشّجاع في الولوج في دهاليز اللّغة، لعمل أحفوريّاته العميقة، لنبش الجواهر واللآلئ، ليُطرّز بها مدارات  فكرته، التي تحوّلت إلى نص أدبيٍّ، سوء كان شاعرًا أم قاصًّا أم رَوَائِيًا أم بمقالته الأدبيّة الجادّة والسّاخرة، أو الفكريّة ذات الطّابع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإصلاحي.

القصد ليس إلّا تقديم وجبة ثقافيّة دسمة، مفيدة للقارئ، وتجعله يعيش الحالة ليصبح شريكًا للكاتب في مشروع فكرته، وبما أثار عنه من رؤى مُوَلَّدَة وتَساؤُلات، تذهب به إلى البحث عن المساحات الفارغة فيما قرأ، التي تركها الكاتب عن قصديّة أو خلاف ذلك، واستنباط رُؤًى جديدة رافدة دافعة إلى المُقدّمة للفكرة، وهو ما يُعتبر رصيدًا ثمينًا للكاتب عند قارئيه.

عمّان - الأردنّ

ـــــا 30\ 4\ 2021

 

الخميس، 29 أبريل 2021

كتب خليل النابلسي عن دوامة الأوغاد

 إطلالة على رواية دوَّامة الاوغاد للأديب محمد فتحي مقداد-سورية 

شخصيات الرواية .(النمس)

الشخصيات في العمل الروائي تعتبرُ من اهمِّ عناصر البناء الرّوائي ،اذ ان الشخصيات هي المحرك الأساسي للحدث الرِّوائي،ونموِّ وتصاعد وتشابك خيوط العقدة والوصول الى الحل،وعن طريقها يتم طرح الرؤى والقضايا التي اهتم بها الكاتب.

ورواية دوَّامة الاوغاد مزدحمة بالشخصيات الرئيسة والثانوية،ولكنّ براعة الكاتب ابعد التداخل بين الشخصيات وحافظ على نسق الترتيب المنطقي لتطوّر كل شخصية،وكما ورد في الرواية فقد جعل الاستاذ(فهيم)هو البطل الإيجابي لما يتصف به من شمائل،كما جعل النمس البطل السلبي لما يتصف به من خبث وخداع وتملّقٍ وحقد ورياء وكذب،وقد وصفته انا بالبطل السلبيّ مستعملاً اُسلوب الذّمّ في قالب المدح،وهو الأسلوب الاشد وقعا في النفس.

وقد يري البعض ان شخصية النمس شخصية مركبة معقدة،ولكن الكاتب سبر غورها وفرز أحاديات التركيب العقلي والنفسي لهذه الشخصية التي لعبت دوراً هاماً في سير احداث العمل الروائي.وقد رصد الكاتب تحرّكات هذه الشخصية بآلة تصوير دقيقة،وباختصار شديد كان النمس يمثل الخادم الأمين للسلطة فهو صاحب الدسائس،ونقل الأخبار،والتقارير،وبثّ الإشاعات الكاذبة، ومراقبة الصغير والكبير،حتى بات الجميع في رعب من لسانه وقلمه الذي يقطر سُمّاً زُعافاً.وقد جعل الكاتب هذه الشخصية تحت عين آلةِ التصوير دائماً،ليس لأنه يستحق ذلك،ولكنه كان المحرك والباعث على تصاعد الأحداث وتشابكها.

وقد تميز الكاتب بقدرته على تصوير المكان والشرائح الاجتماعية التي عاشت الأحداث خلال نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي،كما ابدع الكاتب في تصوير الوضع الاجتماعي والنفسيّ لأهل بلده،(فالنمسُ)وكل من سار في ركبه افسدوا حياة القرية وسكانها.وقد مثل (النمس) شخصية المخبر في قصيدة(المخبر)للشاعر بدر شاكر السّيّاب،والذي يقول فيها:

انا ما تشاءُ انا الحقير 

صبّاغ احذية الغُزاة وبائع الدّم والضمير 

وحتى يقول:

انا الدمار انا الخراب 

وكذلك في قصيدة (المخبرين)للشاعر العراقي احمد مطر.

وهكذا كان (النمس)يشبه حيوان النمس سلوكاً، فكان هو ومن سار في ركبه قد عاثوا في الارض الفساد. وقد أحسن الكاتب عندّما بدل اسم (النمس) ب(شايلوك)وهي الشخصية السلبية ذميمة السّمعة،ذميمة الخلق والخُلُق في مسرحية (تاجر البندقية)لشكسبير، فقد جُمعت رذائل الارض وجُبلت في هذا النمس حيث كان اسماً على مسمىً في داخله وخارجه.

ونتيجة ذلك فقد عاش أهل البلدة في توجّسٍ وخيفة،فالأب لا يثق بابنه،والأخ لا يثق بأخيه،ولا الصديق بصديقه،فالكل يخاف النمس وامثاله حتى باتت البلد في توتّر دائم،وتوقّع للاعتقال،لأن التُّهم جاهزةٌ حسب العادة وهذا الوضع هيّأ لما بعده من احداث وتطورات والتي مازالت مستمرة حتى الآن.

خليل النابلسي٢٠١٧/١/١١

الفكرة بين نكبة ونكسة

 

الفكرة بين نكبة ونكسة

(19)

بقلم – محمد فتحي المقداد

 الفكرة عُمومًا، أيّة فكرة تستولد الأصل والضدّ المُزيّف، تستولد الخير والشرّ، وعوامل النّصر والهزيمة، وتَسْتَوْلد سُبُل النهوض والمقاومة السِّلميَّة والعسكريّة. تساؤل يقلقني: هل تُنْكَبُ اللّغة  وتَنْتَكِس إذا أصيب أصحابها بذلك؟.

   إذا انحدرت الفكرة من هزيمة إلى أخرى، فتتلفّع بأقنعة التخاذل سلوكًا لتبرير موقفها أولًا، ثمّ لتبرير الهزيمة بالتهويم والتلاعب بالألفاظ.. وبالعودة لما كتب من نكبة ١٩٤٨مرورًا بنكسة ١٩٦٧. العلامتان المُميّزتان، للانكسار العربيّ بشكل عام.

   وفي رحاب اللّغة ما يُغني الموضوع، والفهم الدّقيق لمؤدّى كلمة نكبة: وهي (مُصيبة مُؤلِمة تُوجِع الإِنسان بما يَعِزّ عليه مِن مال أو حَميم، تُصيبه بخَسارة عظيمة، رَزيئة، فاجِعة. "مَوْته نَكْبة لأُسرته"، و هي: نازِلة عَظيمة ومُصيبة جماعيَّة تحِلّ بعدد كبير مِن النَّاس، كارِثة)، وتكلّلت النّكبة باغتصاب فلطسين الجُزء الأغلى على قلوبنا، ومهوى أفئدتنا من وطننا العربيّ، وقيام الكيان الصّهيونيّ الغاصب.

   وكلمة (نَكْسة هي: إخْفاق، هزيمة، اِنْكِسار، خِسارة. نكْسةُ المرض: معاودة المرضِ بعد البُرْء). وفي التحوّل الذي ترسّخ في ثقافتنا العربيّة الجمعيّة: بأنّها نكسة عسكريَّة، خسرنا فيها (الجولان في سوريا، سيناء مصر، الضفّة الغربية في فلسطين). وما زال الكلام في موضوع النّكسة محرَّم وممنوع تداوله وتعاطيه على نطاقات عربيّة واسعة. لِمَسَاسَه الفاضح المُباشر، لأوضاع سياسيّة قائمة مُتورّطة، وتتستّر تحت مِلاءات المُقاومة والممانعة، الأسطوانة المشروخة التي صدّعت أدمغتنا، بمحالات فاشلة لإقناعنا بانتصارات دون دونكيشوتيّة.

   التسّاؤل الآخر القائم: لماذا كان الالتفاف على الاعتراف بالهزيمة في المرّتين، واستبدلهما بمصطلح نكبة ونكسة؟. الاستخفاف بالعقول مهنة حاذقة يقوم بها دهاقنة السّياسة، رغم انكشافها بشكل فاضح ومهين.

                                                                                               عمّان – الأردنّ

ـــــــــا 29\ 4\ 2021

 

 

تأملات قرآنية