الاثنين، 5 أبريل 2021

الفصل (5) من رواية خلف الباب

(6)

الرسالة الثانية من فاضل السلمان (السّويد)

 

** خلف الباب أبواب..

(مقالة فاضل  على صفحته الجديدة)

 

   "انفتح الباب الكبير على بوابات وهميّة لا تُعدّ ولا تُحصى، لطوابير الخِيَم المُصطَّفة بانتظام بخطوط مستقيمة طولًا وعرضًا، وخلف الأبواب ينكشف المستور، وتُنثَر العطور، وتُقام المذابح، وتُبنى المسالخ، ويُهان المشايخ. 

 

   وخلف الأبواب تُكتَم الأسرار، وتُنتهَك الحُرمات، وتُجتَرَع الغُصّات، وتُسكبُ الدّموع على وَقْع العذابات.

 

   المُتضايق من شيء ما؛ يُطلّ من النّافذة، والخائف  يُغلق الباب ويجلس خلفه. ومن قائل يقول: (الباب إلّلي يجي منه الرّيح سِدّه، واِسْتريح).

   خلف الأبواب تنحني القامات.. تتمدّد صحارى العَثَرات.. تستطيل الإحباطات في النّفوس الخائفات اليائسات.

   خلف الأبواب تُسْدَل الرّحمات.. تتنزّل المَغْفِرات.. تطمئنّ القلوب المؤمنة في كَنَف خالقها، هنا تُسكَب العبرات لتطهير القلوب، وتنقية الدُّروب من أشواك الذّنوب.

   وخلف الأبواب يَحتجِبُ المتآمرون، والمنافقون، والسَرّاقون، جميعهم ذوي الأيادي السّوداء المُستحوذة على البَيَاض؛ فلوّثته بِدانستها" .

 

 

الكلام هنا (فطين)

   تنازعتني الأفكار شرقًا وغربًا، وطافت بي مُحيطَ الكُرةِ الأرضيَّة مرّات ومرّات؛ قبل انتهائي من قراءة مقالة صديقي (فاضل السلمان) بعد أن عثرتُ على صفحته على الفيسبوك، قبل وصولِ أوّل رسالةِ إلكترونيّة منه على الإيميل.

 

    أضناني البحثُ عنه لفترة طويلة، انقطعت أخباره عنّي، وتطابق ذلك تزامنًا مع تهكير صفحته المعروفة، وجاءت هجرته إلى أوربّا عبر البحر؛ لتُؤكّد التباعد القسريّ بيننا. والدُّنيا في عصر وسائل التواصل؛ جعلت من عالمنا قرية كونيّة صغيرة.

 

   كانت مفاجأة سارّة فتحت شهيّة الحياة عندي مُجدّدًا، وآمالي لم تَمُت، ازداد نبض قلبي من فرحة طويلة، بعدما انقطعت أخباره تمامًا ليس عنّي فقط، بل  على جميع الأصدقاء.

..*..

 

    خلف الباب فلسفة كبيرة لم يتطرّق ذهني لهذه المعاني التي قرأتُها في مقالة صديقي فاضل، فتحَتْ عَيْنيّ على أشياء جديدة، ومعانٍ غارقة في العمق، وكلّما "ضاقت العبارة اتّسع المعنى.

 

  أخذتني بعيدًا إلى عوالم لم أتصوّرها، هناك كلمة تكون مفتاحًا(ماستر كيْه) تفتح جميع الأبواب الموصدة بلا استثناء؛ هذا ما استدعاني لاستذكار آخر كلمة في رسالة أبي فندي، وهو ينظر إلى اللّوحة: (أهلا بكم في مخيّم الزعتري).

 

   أدخلوه، وأغلقوا البُوابة؛ فصار هو وعائلته، ومن معهم جميعًا من اللّاجئين خلف الباب، كأمواتٍ بلا قُبور.. اللّجوءُ موتٌ بطيءٌ، بمرور الوقت تَتَهرّأ الأجساد هُزالًا هَرِما، وتذبُل على أعتاب المنافي مقهورة، كانت مُتلهّفةً لرؤية ذكرياتها، أمنياتٌ ماتت على أعتاب أحلام العودة، غصّةُ البُعاد والموت تآخَيَتا؛ لإخماد أنفاس الحياة. 

 

أبو فندي:

   داخل الخيمة.. خلف بابها نام هو وأولاده، التي أخبرني عنها سابقًا بمقولة، كأنّها السّكين الماضية غُرست بقلبي، وما زالت تنخزني برأسها الحادّ، ودمي ينزّ منذ عشر سنوات، ومازال:

   "إنّها خيمةٌ يا فطين..!! وما أدراكَ ما الخيمة..!!.. أبدًا ليست كخيمة جيراننا في كَرْم العِنَب أيّام موسم الصَّيْف، ولا مثل التي سَكَنْتُها أثناء خدمتي العسكريَّة، كَرَاهتي لها..!!، مثلما كرهتُ تلكَ التي كانت تنتصبُ على الحاجز في وسط بلدتنا.. ألَا تذكرها؟".

 

فطين:

   محطّاتٌ التوقّف فيها إجباريٌّ لا مناص منه؛ هدأت أعصابي قليلًا، وخَفَّ توتُّري، استعدتُ صوابي، استغرقتُ بتفكير عميق، أطْلَلْتُ من نافذة ضيّقة على فضاء واسع، استنشقتُ هواء نقيًّا، نبَضَتْ رئتاي بقوّة، وتباطأت دقّاتُ قلبي بعد التسارع المديد، وأنا أعيشُ على أعصابي التَّالفة.

 

   استقرّ الرّأي على نُقاطٍ ارتكز عليها هذا العمل الروائيّ، خلف الباب.. والخيمة، نُقطتان بارزتان، نبّهني إليهما أبي فندي؛ فالخيمة خلف باب المُخيّم.. الخيمة وطن صغير، فقط من أجل مُمارسة الحياة بحدودها الدّنيا، وخلف بابها أسرة وحياة خاصّة، وهي لا تسترُ أدنى الخُصوصيّة أبدًا.

   ومن خلف باب المُخيم.. انهالت الخيالات بالمعقول واللّامعقول، وما لم يخطر على البال، ما أروع انفتاح الأفق برؤاه، لكنّ المشكلة إذا استدعى الأحزان والآلام لتجديد مواسمها.

 

   وتتالت الرّسائل من محمد أبي فندي، وفاضل أبي المجد بحماس، بعدما كنتُ أودّ إخبارهَما: بِنِيّتي جمع رسائلهما في عمل روائيّ؛ أطلقتُ عليه (خلف الباب)، إكرامًا وإجلالًا لذكراهم.  

 

   ولم يكُن أمامي إلّا احترام رغبة صديقَيّ (محمد وفاضل) باجتهاد فيما أسعى إليه؛ لأنّهما شَهِدَا بأمّ أعيُنِهِما، و(من رأى ليس كم سمع)، وشاهدُ العيانِ وثيقُ الصّلة بالحدث المُنحفِر في دواخله، لا يمكن اِنْمحاء آثاره حتّى الموت، وإن اِخْتَفَت مُؤقّتًا في مجاهيل غابات النّسيان.

 

   أنا من شهدتُ ولادة فكرة وخاتمة الرواية، ومن خلال ما أرسلوا لي أصبحتُ بمنزلتهم، لأنّهم مصدرٌ موثوق عندي، آخُذُ عنهم باطمئنان، وأروي عنهم بثقة؛ وكأنّني رأيتُ بأمِّ عينيَّ، لا بدّ لي من إكمال مِشوار مُشاهداتي.. والإدلاء بشهادتي.. بصدق وأمانة لله والتاريخ، والمستقبلُ الذي سيكون لأبناء سوريّة.

 

   لم أشأ إخبارهما بقراري الأخير هذا. بل أبقيْتُه طيّ الصّفحات؛ لأفاجئهم به فيما بعد، لأنّني شهدتُ ما شهدوه، في كلّ ما ناقشناه ثلاثتنا، كنتُ واثقًا بحقيقة وقوعه، مُتيقّنًا من صحّته، أعرف أبطاله، واعٍ تمامًا ما حصل بدقّة، وإن باعدتني عوامل الزْمان عنها، أظنّ أنّني كنتُ خائفًا من خيانة ذاكرتي الهَرِمة.

 

   المتعةُ لا تكتمل؛ لأنّها كانت افتراضيّة. تداعي الأفكار كثيرًا ما يُنقذ السّقوط في متاهات اليأس والإحباط".

..*..

فاضل

 

*المشاعر لكل فرد من الأسرة بعد جلوسه داخل الخيمة..

*التشابه الكبير بين الخيم.. كأسرب القطا  يصعب التفريق بينها من الصياد الماهر الخبير..

ضاع الولد.. ارتباك في الاسرة واستنفار.. وحالة خوف..

*الخوف على الولد من الخطف. او التعرض للتحرش.. الذهاب للمسجد والاعلان من مايكروفون المسجد عن ضياع الصبي وإعطاء مواصفات ولباسه بالألوان.

*الليلة الأولى في الخيمة الخاصة

 

******

رسالة فاضل:  

المطرقة تهوي بقوّة ضرباتِها السّاحقة على رأس الوَتَد الحديديّ. أشعرُ بأنينِه يكوي قلبي. ماذا لو كانت ضربة واحدة منها انحرفت عن هدفها إلى اُصْبعي؟، لا شكّ أن صُراخي سيشُقُّ تجمّع الأولاد من حولنا؛ وسيُغطّي على صُراخهم المُتَماوِج مع حركاتهم السّريعة غير المُنضبطة، اِنْتباهي مركّزٌ على المكان الصحيح لضربات المِطرقة التي لا ترحم.

   لا أذكر أهي ثمانية أم عشرة أوتاد، التي كانتُ مُعدّة لتثبيت حبال الخيمة، عندما تنتصبُ بكامل أرْكانها، قويّة بوجه الرّياح العاتيات، كما لا أنسى أنّني سأنام في باطنها، كيف لو نمتُ، وأنا خائف غير مطمئن، ونبضات قلبي تتسارع عندما كنّا هُناك؛ بمُجرّد سماع هدير الطّائرة المروحيّة، لستُ وحدي ممّن لم يتمالك نفسه، جميع أهل الحارة يُسارعون بالخروج هائمين على رؤوسنا إلى الأرض الخلاء، نتراكضُ في اتّجاهات شتّى طالبين النّجاة، لننتشرَ مُنبَطحين بين أشجار الزَّيْتون المُتقاربة بصفوفها المُنتظمة طولًا وعَرْضًا بخطوطٍ مُستقيمةٍ، مُتشابهة مع ترتيبات مُخَطِّطْ المُخيّم كما أراد له المُهندس، الذي رسم الخطوط على الورق، لو لا بعض الخيام انحرفت عن أماكنها المُقرّرة من؛ فَشوّهت التناسق المرسوم مُسبقًا.

     ما إن بدأ الدّوام حوالي التّاسعة في يومنا الأوّل، كُنّا قد تناولنا إفطارنا، استعدادي المفعم بأمل الاستقرار  منذ ساعات النّهار الأولى، توجّهتُ مع القادمين المُستجدّين حسب إرشادات المسؤول عن النُّزل الجماعيّ، بالتوجّه إلى الجانب الآخر إلى المُستودع لاستلام الخيمة وأدواتها.

   مشوارنا ذو هدفٍ واحد، آراؤنا مُختلفة. نظراتي حائرة.. عينياي تُوصْوِصان بلا ثبات على شيء مُعيّن، أُذُنياي أظنّ أنّهما تسمعان، كأنّي لم أُدركْ أنّ أحدهم، يشكو لمن في جانبه موت ابنه في المُعتقل، وآخر يهمسُ بصوت مَبْحوحٍ، لا يكادُ يُفصح عن كلامه: "من يوميْن جاءت الحوّامة، ورَمَت بِرميلًا على بيت أختي، وما خَرَج من البيت المُخبِّر عما حصل، لأنّهم كانوا مُجتمعين على طعام الغداء". ثالثٌ: "حملة أمنيّة مُشتركة كبيرة مُدجّجة بالعتاد الثقيل؛ داهمت بيوتنا في القرية".

   سأله آخر: "سمعتُ أنّهم يملؤون جيوبهم ممّا يجدون من الموبايلات والمصاري". بوتيرة أعلى أجابه: "بل حتّى المصوغات الذهبيّة، والله أخبرني صديق لي من حارة أخرى، أنّهم أثناء التفتيش في أحد بيوت المُغتربين الأثرياء، أخذوا منه خمسة كيلو غرامات من الذهب، جرّدوه من ثروته التي أفنى عمره يجمعها، ضاعت في لحظة".

   ما زلتُ أسمعُ، أحمدُ الله أنّ أحدًا لم يسألني. خُطواتي مُتسارعة قليلًا عنهم؛ فأتقدّم قليلًا عنهم، كأنّي لم أكُن معهم. طليعة القوم من المتوقّع تلقّي الصّدمة الأولى، على مدخل المُستودع أوّل وجه رأيتُه خارجًا منه، يُرسل بكلماته: "إذا كنتم تريدون استلام الخِيَم، مَن هُم في الدّاخل؛ أرشدوني إلى الجهة الجُنوبيّة، هناك.. الخِيَم منصوبة جاهزة لاستقبالكم".

   أتلفّتُ حوْلي، لعلّه يقصدُ أحدًا، لكنّ عيناه مُصوّبتان نحوي تفترسان ملامح وجهي بنهم. تلمّستُ وجهي بِنَيّة حمايته، خوفًا من إصابته بسوء من أثر نظراته الغاضبة، أوّل ما تَبَادر إلى ذهني صفعة قويّة؛ كتلك التاريخيّة من يد ذاكَ السَجّان اللّئيم.. يا إلهي..!! ما زلتُ أحسبها بمساحة سهل حوران.

   كأنّ لَسْعةَ الألم المُخدّر تحرّكت الآن، تشنّجت  عضلات وجهي، امتدّت يدي لتليين ومحو آثار الصّفعة. أذكرُ أنّني صرختُ بصوتٍ مُفاجئ أخرج من حوْلي من حكاويهم الطويلة، انتبهوا لي..!!.

   مؤكّدٌ أنّهم ظنّوا بي جُنونًا، هكذا كأنّني سمعتُ مقولاتهم المُتولدّة في قلوبهم، وما هَمَسُوا به لبعضهم بعضًا، رَغْمًا عنّي حفظتُ ما تناهي إلى مسمعي.

   أُذُناي أخبرتاني أنّهما لم تسمعا شيئًا؛ إحداهُما مُعَطّلة عن مُهمّتها من أثر صَفعة السجّان منذ أشهر، وطنينُ الأخرى منذ انفجار  البرميل قربَ بيتي، يمنعني من سماع أصواتٍ قريبة، لأيّ كلام،  ولو من مسافة وما يزيد.

   استدرنا عكس الاتّجاه من تلقاء أنفسنا، دون تلقّي أمْرِ آمِرٍ، وكيف أستطيعُ تفسير حركات شِفاهم؟. كلامهم مُجدّدًا. تأفَّفَ أحدهم: تكسّرت رجلاي، لولا ضيق الوقت لجلستُ في مكاني. أنفاسٌ تصعد وتهبط من آخر.

   حاولتُ استجلاء وجهه المُتعب، هيأته؛ كأنّها تقول: "إنّه سِتينيّ  على طريق الكُهولة، خلفيّته رأسه بشعره المُشعّث، ولباسه المهلهل يحكي فقره". موقعي تحوّل إلى مؤخّرة المجموعة، بعدما كنتُ في المُقدّمة. آخر: "هل المكان بعيدٌ من هنا؟". لا إجابة تلقّاها. تباطأت خُطواتي لإبقائي في موقعي المتأخّر بقصد.

   "لم يعرف أحدًا ذلك، إلّا أنتَ يا فطين.. والآن فقط أقولها للمرّة الأولى: "تمنيّتُ لو أنّني اِسْتطعتُ التقاط صورة لأقفيتهم، لحظة ذهنيّة كنتُ أتمنّاها، كأنّ هناك من دغدغ دواخلي؛ فأيقظها لو أنّ اللّوحة أمامي لتشكيل ربّما أنال عليها جائزة دوليّة، فيما لو أرسلتُها لمسابقة، وأحقّق حُلُمي بالشّهرة كما بيكاسو".   

.. *..

 

     مئة خطوة أو يزيد بقليل؛ وضعتنا قُبالة الشّارع الرّئيس الوحيد المُعبّد في المّخيّم؛ كان فاصلًا ما بين قِسميْه الشّرقيّ والغربيّ، حسبما عرفتُ، أنّهما تشكّلا قبل سنة.

 

   من غير المُتوقّع الذي لم يكُن يخطر على بالي أبًدا، ولم أعرف مُسبقًا بوجود مساكن  الكرفان الجاهزة. صُدِمتُ للمنظر.

 

   بصوت عالٍ من أحدهم، هذه المرّة أسمع: "هاه..!!، لماذا لا يُسلّموا الكرفانات للجميع؟".

  آخر: "ليس عدْلًا".

  صوت غاضب: "يا عمّي هناك خيار وفَقُّوس".

 كأنّي بملامح وجه الأخير، وهو يتفوّه بكلماته المُقتضبة الشّائعة: "عُوجَة من يوم يومها يا خال، ما رَحْ تَتعدّل الآن..!!".

  

   بنظرة ماسحة لأقفيَتِهم، شَعْر رؤوسهم الأشيَبِ المُشعّث، كمكنسة البُلّان. مرآةُ مُخيّلتي عكست لوحاتَ وجوهِهِمُ الباهتة. غُبار الحرب يكسوها بُؤسًا بلمسات الموت. قراءتُها وتفسيرها لا تحتاج لمهارات فنيّة مُتخصّصة.    

 

   هالةُ غُبارٍ مُتولّدةٍ ليس بفعل رياح. خُطواتُهم تضربُ الأرض بعُنف ظاهر. يا إلهي..!! هل هم يقصدون ذلك؟؛ انصرف تفكيري بحثًا عن الرّابط بين طبقَتيْ الغُبار. تَزاوُج حالتَيْ الاغبرار بِعُرسٍ غير مُعْلَنٍ عنه؛ سأنتظر وليدهما بصبر طويل. تصوّراتي مُشوّهة عنه.

 

   خُطواتنا على الإسفلت هَدَأت حدّة ضغطها على الأرض، لم أعُد أسمعُ وَقْعَها، وغُبارها اختفى خلفنا؛ انفتح الأفُق أمامنا، وانقشعت الرُّؤية بشكل جيّد عكس ألوان الكرفانات الباهتة أيضًا بغبار صحراويّ مائلٍ للاحمرار، وكأنّها باقية هنا من عهد الأنباط، مُرابطة بجوار قصور عَمْره والحرّانه والحلّابات، تستمتعُ بغبار حوافر خُيول عبد الملك بن مروان.

 

   وعند نهاية وادي الزّعتري المُنحدِر من هُناك، كأنّ أحدهم مُستفسرًا: "من أين..؟".

رفعتُ نبرة صوتي: "من جبل حَوْران" وأشرتُ باُصْبُعي إلى الجهة المقابلة.

انتبهتُ: "لا أحد سمع جَوابي".

تذكّرتُ أنّني من سألتُ نفسي بنفسي.

 

   ربوعٌ تنتظر بداية الرّبيع بفارغ الصّبر، صراعُها العنيد، وإصرارها المُتجذّر في مُقاومة غضب الصحراء، مَلْءُ الآبار والبِرَكُ في قرية الزَّعتريّ فرضُ عيْنٍ، له طقوسه وتراتيله من كلّ عام، تُقام في محرابها، وجِوَارها الغافي على مَجدٍ أثِيلٍ تحتفظ به من أجلنا، والزّعتر فيها؛ يُعبّق الوجود برسائل السّلام .

  

   الصحراء ما زالت بنتًا بِكْرًا من رَبّات الخُدور، عتّقها الزّمان؛ فنامت قريرة العين على صخب التّاريخ، وعَبَق الحضارة؛ لتستفيق على دموعٍ وأحزانٍ، لم تكُن مُنتظرةً أبدًا بهذا الحجم، الغارق في مُستنقعات الدّماء والدّموع، التي لا تروي عطش المُتعطّشين لها.  

  

   الشارع الوحيد.. السّوق الوحيد هنا، اختلف الوضع قليلًا عن نغمة مجموعتي الاحتجاجيّة غضبًا وتنفيسًا عن أوجاعها، أصوات الباعة بدّدت اهتمامنا وأنا معهم.

 

   "يا إلهي.. ماذا أرى.. محلّات تجاريّة على الجانبيْن، اكتظاظ مُكثّف.. ازدحام العابرين في الاتّجاهين، هدير مُحرّكات السيّارات القليلة المُصرح لها بالدّخول هُنا لخدمة النّاس في نقل أمتعتهم، أو السيّارات الرسميّة الحاملة لشعارات زرقاء بلغة أجنبيّة، أظنّ أنّها تابعة للـUN)).

  

   صراع بالكلام بين مُتناقشين، يقفون أمام إحدى المحلّات على شيء غير مفهوم لي. أولادٌ يتراكضون؛ يشُقُّون طريقهم بصعوبة بين الجُموع، كأنّهم يُطاردون شيئًا. شبابٌ آخرون خطواتُهم مديدةٌ مُتعجّلة. "أهم على موعد..!!؟" أظنّ ذلك.  

 

   بعض العابرين فرّق شمل جماعتي، "لا تغفل عنهم" تنبيه لي مجهول المصدر، تلفّتُ حولي؛ مُستفسرًا من وجوه لا أعرفها، ولا تعرفني. باهتمام تابعتُ من هو أمامي مُباشرة على مسافة متر واحد، بحركة روتينيّة كانت خُطواتي التي تنقلني للأمام؛ تقع مكان خُطواته، كلّما تقدمّت إحدى قدميْه، حلّت محلّها قدمي، مُشكلة إذا فقدتُ أثر خُطواتهم في هذا الخِضَمّ الهائل.

..*..

السبت، 3 أبريل 2021

الفكرة بين الخط الهمايوني والميلودي

 

الفكرة بين الخط الهمايوني والميلودي

خاطرة (4)

بقلم - محمد فتحي المقداد

 

       كما اتّفقنا سابقّا على مصطلح كاتب: (الشاعر والروائيّ والقاصّ والمُفكّر والفيلسوف والإعلاميّ.. إلخ).

   الذّهاب في عالم الأفكار سياحة فكريّة ممتعة حقيقة، ليس لدى جميع القرّاء بالطّبع، والإبحار عميقًا في بواطن المُصطلحات والقِيَم المُثقّفة، تحتاج منّا لرويّة وصبرٍ وأناة، لإيضاح ما ممكن أن نصل إليه.

   ففي المقال السابق (الكاتب بين الفكرة والتدوين)، كان التّركيز على ولادة الفكرة بداية، ومن ثمّ في مرحلتها الثانية التدوين، لتصبح في عالم المقروءات مادّة حيّة نابضة بالحياة.

   الكاتب عندما يمتلك فكرته، فهو بمثابة السّلطان عليها بامتلاك زِمامها، وهي وثيقة بيده، يوقّعها بكتابتها وتدوينها؛ لتكون بين أيدي قُرّائه من نافذة المقال أو القصيدة أو القصّة أو الرواية أو الخاطر.

   وهو بهذا لا يختلف عن السّلطان العثمانيّ الذي بيده حصرًا، صلاحيّة الكتابة والتأشير على الوثائق، التي كان يُخاطب بها الصّدر الأعظم (رئيس الوزراء) أو أحد وزرائه. وأوّل من استخدم الخطّ الهمايوني هو السّلطان عبدالمجيد يكتبُ على الوثائق باللون الأحمر أو الأسود.

   وهذا الشّرح ينطبق تقريبًا في كثير من جوانبه على الكاتب. وهو مُصطلح دبلوماسيٌّ لوثيقة أو مُذكّرة، مكتوبة بخطّ اليد تتّسم بطابع رسميّ، يصدر عن ديوان الخلافة السّلطانيّ.

   ولتكون الفكرة ذات اتّساق موضوعيّ، ووجهة عامّة لها بكافّة حيثيّاتها، لا بدّ أن لها من خط أساسيّ تنتهجه لتأدية مفهومها الرّساليّ عُمومًا، وهو الخطّ الميلوديّ لها. هذا المفهوم استعرتُه من النُّوتَة الموسيقيّة لأيّ لحنٍ مُتكاملٍ لمقطوعة سيمفونيّة أو أغنية طويلة كانت أم خفيفة.

   وللتعبير عن دروب الفكرة بمؤدّياتها بين الأدبيّ والتصوير الفنّي، وما يتفرّع عنها من وصف وبلاغة وتمثيلات تشبيهيّة، هي بمثابة الخط الهارموني لها، تأتي بمُوازاة الخطّ الأساسيّ للفكرة، وخادمًا ومُكمّلًا لها، لتتّصف بالإبداعيّة.

   وبالتالي فإن الهمايوني هو الفكرة حينما تكون بيد كاتبها، يشتغل عليها من حين ولادتها، لتأخذ معه ميلوديّتها، وتتفرّع إلى أنساق هارمونيّة، لتنتهي مُدوّنة ناصعة باهرة راسخة في العقول قبل الورق، تتناقلها الألسن في مجالس الأدب.     

(من كتابي – كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

 

عمّان – الأردنّ

3\ 4\ 2021

الجمعة، 2 أبريل 2021

الكاتب بين الفكرة والتدوين

 

 

الكاتب بين الفكرة والتدوين

خاطرة

بقلم – محمد فتحي المقداد

 

    كما اتفّقنا على مصطلح الكاتب هو لمجموعة مُسميّات (الشّاعر والروائيّ والقاصّ والمُفكّر والفيلسوف.. إلخ).

   تبدأ المرحلة بمخاض صعب عند  ميلاد الفكرة، تُؤرّقه.. تُحرّقه.. تقضّ مضاجعَه؛ فلا راحة ولا استراحة، تحرمه النّوم، كلّ ذلك حتّى تتضّح معالمها، وتفتح أبوابها المُسْتَغلِقة على صاحبها، وتُسلمّه مفاتيحها، وتبسطُ له أرديتها بِسَاطًا له، تَحُنُّنًا منها وإشفاقًا؛ لتأخذ مكانها في ورقة، فتخلُد بحبورها لخلودها الأبديّ ماثلة في عقول وقلوب القُرّاء.

   بالانتقال إلى إدارة الفكرة، وهو ما نُطلق عليه: المهارة والتألق والإبداع، ولكلّ كاتب طريقته في التّعبير عنها، ولو أعطينا الفكرة نفسها لعشرة كُتّابٍ، وطلبنا منهمُ الكتابة في نفس النّقطة؛ لجاءتنا عشر نسخ إبداعيّة مختلفة تمامًا، رُبّما تتشارك أو تتقاطع بقليل أو كثير من مُؤدّياتها.

   مؤكّد أنّ لكلّ فكرة مكتوبة أو مقروءة أو مرئيّة رسالة، واضحة جليّة، أو مُستترة فيما وراء الخطاب للترويج.. للتغيير.. لإعادة تشكيل الرأي، وهذا النوع يقف وراءه أساطين تشتغل عليه ليل نهار، بلا كللٍ أو ملَلٍ، لإيصال رسالتهم ورؤاهم، مُنتظرين ساعة الصّفر عند التنفيذ، وإن تباعد الزّمن بهم. 

   وما جدوى الحياة إذا لم تُؤسّس على فكرة هادفة، لتكون مُنطلقًا بنائيًا حضاريًّا يمتلكُ أسباب قوّته الذاتيّة الضّامنة للبقاء، والانفتاح على الآخر بتلاقحات مُنتجة للسّلم الاجتماعيّ، وإرساء قواعد المحبّة والتّعاون بين شُعوب العالم, والابتعاد عن التوحُّش والخُشونة، لتحيا الإنسانيّة عُمومًا بخير وأمان وسلام. حياة بلا أفكار لا تُعتبر حياة، فينطبق عليها قول الحقّ سُبحانه وتعالى:

-(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) *سورة الفرقان-الآية 44.

-أو (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) *سورة الجمعة الآية 5. باستشهادنا هذا بالآيتيْن القرآنيّتيْن الكريمتيْن، تتبيّن لنا أهميّة الأفكار للحياة، والمستقبل لأصحاب الأفكار الخلّاقة.

من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

عمّان- الأردنّ

2\ 4\ 2021

  

الخميس، 1 أبريل 2021

الكاتب بين القلق والقرار

 الكاتب بين القرار  والقلق

(خاطرة)


بقلم الروائي محمد فتحي المقداد


   بداية لنتفّق على كلمة كاتب، تكون مُصطلحًا للتعبير عن مدلولات بِعَيْنها، تتمثّل في المُفكّر والفيلسوف والشاعر والقاصّ، وغير ذلك ممّا يتعلّق بأوجه التدوين والإبداع، بمختلف أشكالها وأنواعها بتشكيلاتها الثقافيّة.

    ولنتوقّف عند كلمة، القَرَار للتثبّتُ من مُقاربة معناه على وجه الدّقَّة: هو الرّأْيُ يُمضيه مَن يملِكُ إِمضاءَهُ، بأمر صادر عن صاحب نفوذ أو رأي، بالاستقرار والثّبات على رأيٍ مُعيّن. وكما ورد عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب: "ولا رأيَ لِمَن لا يُطاع". 

   والقرار عند الكاتب كما أراهُ، هو الاقتناع فيما بينه وبين نفسه، بالاقتناع للتوقّف عند نهاية الفكرة، أو المُتابعة. والاقتناع إمّا يكون ناتجًا عن عجزه عن مُجاراة إشباع الفكرة إذا كانت قويّة، وإيصالها إلى قرارة مُنتهاها في دائرة مركزها الاقتناع منه أو من قارئه.

   وإمّا أن يأتي عدم اقتناعه، لعدم رِضاهُ عمّا كتبَ، ويطمح للأفضل ووصولًا بفكرته إلى مرحلة التألُّق والتفرُّد، هنا تتجلّى المُنافسة على القمّة، وهو ما نعني به التفوّق على محيطها من الأفكار المماثلة لها. 

   أمّا المساحة المُتاحة للمنافسة واسعة تبتلع المزيد والمزيد بلا توقّف، وفي بعض الحالات ربّما لا تتّسع، وهنا تتكوّن فكرة المُستحيل المُقيم في رؤوس العاجزين  والكُسالى، ممّن اِسْتَمْرؤوا الرّاحة مُؤثرين القُعود، وعدم المُغامرة، إمّا لنفاد هِمّتهم بإظهار عجزهم، أو خوف الفشل الذي يُفقدهم الكثير، وما دروا أن الفشل طريق النّجاح، والقدرة على مُقاومة أسبابه ودواعيه.

   لكنّ إفراد المساحات الذهنيّة عند الكاتب، لا تأتي أبدًا من فراغ، بل نتيجة معارفه المُكتنزة، وخبراته المُكدّسة في مُستودعات ذاكرته؛ يستدعيها عند اللّزوم لِمَلْءِ هذه المساحات باقتدار وثِقَةٍ، وتبقى الخيوط مشدودة بيده: وهو ما نعني به القّدرة على اتّخاذ القرار، وذلك من خلال تشكيل حالة من المُمكن وصفها بظاهرة، جديرة الالتفات إليها، والتوقّف في رِحابها للقراءة والتأمّل والدّراسة والمُدارسة.  

   كثير من الكُتّاب يصل إلى مرحلة من تشكيل هويّته الأدبيّة في جنس مُعيّن، فيتوقّف عند ذلك، مُدّعيًا بأنّه أصبح ذو بصمة محجوزة باِسْمه، ومعلوم أنّ البصمة هُويّة غير قابلة للانتحال والتزوير أبدًا، وهو استعارة من بصمة الإبهام بدوائرها الدّقيقة، يستحيلُ تشابهها بين بني البّشر. برأيي أنّ هُناك البصمة العاديّة، والأخرى الذهبيّة. 


(من كتابي – كيف..كاف.. ياء.. فاء)


عمّان – الأردنّ

30\ 3\ 2021

الصرصور المغامر

 الصُّرصورُ المغامر


قصّة قصيرة

بقلم- الروائي محمد فتحي المقداد


   سكونٌ رهيبٌ مُستَحوِذٌ على المكان بسطوة لا تُقاوم، مثيرٌ لشهوة تساؤلات، تبدأ، وتبتعد مسافات لتلامس حوافّ الكون، تشتهي النهاية؛ لتصل إلى جواب شافٍ، ما إن ينتهي سؤال حتى يزاحمه الآخر على احتلال الصدارة في نفس صاحبه. 

   الصُّرصور (خنفساء الجُعُل) جادٌّ بعمله هذه المرّة، كُتلةٌ عظيمة الحجم إذا ما قورنت مع حجمه الأضأل منها، صارت ككرة القدم من الدحرجة المستمرّة على الرّمال، يسوقها بقدميْه الخلفيّتيْن، رأسه عكس اتّجاه سيره، ومن غير المعلوم كيف يحدّد مساره لايصال غنيمته إلى جُحره، ألا فكّر بأنّه ربّما ضلّ وحاد عن طريقه؟، ولا خاف السُّقوط في حفرة ستكون خاتمته النهائيّة فيها. 

   يتابعُ غير آبه بأيّ منطق مسموح أو ممنوع، للصحراء قوانينها الصّارمة في مُعاقبة المُتفّطلين. الكرة تتدحرج بسهولة، وأحيانًا بصعوبة إذا ما صادف تبّة تُراب تعتلي قليلًا، أو حجرٍ ناتئٍ رفضتِ الأرض احتواءه كاملًا، وضاقت ذرعًا برأسه المُدبّب الموجع لخاصرتها. 

   ما لم يخطر بالبال، أّنّ حاجزًا اصطناعيٍّا هذه المرّة حال بينه وبين إكمال خطّ سيره، بسطار العسكريّ الواقف في نوبة حراسته، في هذا المكان الجَفَاء بجغرافيّته على حدود الوطن، في آخر نقاط اِلْتقائها مع الجِوار. 

   هنا لامجال للخطأ أبدًا، فالنسبة القليلة منه قاتلة، لا يمكن التّسامح أو التغاضي عن الهنّة؛ فتتوجّب العقوبة الصّارمة. 

   خفّت حدّة حرارة الشّمس اللّاهبة، وانكسر الظلّ إلى مِثليْه؛ ففي مِقياسه مُؤشّر وقت العصر قد فاتَ منذ أكثر من ساعة، هذا تقدير سكّان الصحراء، خبرتهم هدتهم لاكتساب معارف تخصّهم وحدهم، مجهولة لأبناء المدينة المُرفّهين التي تستحوذهم وسائل الرّاحة في كلّ اتّجاه. 

   تتزحلق رِجْلا الصرصور الأماميّتيْن، عندما يدفع بشدّة لتجاوز العقبة الكأداء، وهي تستعصي على قوّته، يدفع بأقصى ما لديْه، ويفشل المرّة تلو المرّة.

***

   العسكريّ واقف عيناه ساهمتان في الأفق الهادئ حدّ الرتابة المملّة بقسوتها، الموحشة بانقطاع سُبُل الحياة المُيسّرة منها، الفراغ من حوله فجّ الحضور باتّساعه ينهش الكوْن بنهَم، الصمت مطبِق بجبروت على المساحات مدّ السّمع والبصر.

   دُخان سيجارته يخترق الفراغ مُوزّعًا حلقاته على الاتّجاهات محاولُا ملأه، قانون التلاشي أصدر قراره بمنع التجمّع والتجمهر، وكأن قوّات مكافحة الشّغب مُتأهبّة؛ لتفريقه ولا تسمح بتجمّعه، ثانية ينفثُ الدُخان مصحوبًا بأنفاسه الحرّى، لا زالت نوبة حراسته في بدايتها، لم يمض منها سوى نصف ساعة، قطع شروده عندما انتبه للصرصور، وهو يصطدم ببسطاره، فتح عينيْه على اتّساعهما، الدهشة أفغرت فيه، رافعا حاجبيْه متأمّلًا المنظر، شعور مفاجئ بدبيب الحياة من حوله، اكتشف أن تشاركيّة الحياة مع الصرصور في هذا الخلاء القاصي؛ أشعره بمن يقتحم وحدته القسريّة، فلا يسمع إلّا زمجرة الرياح معظم الأحيان، ونتائجه من الزوابع وهي تسدّ الأفق فتظلم نفسه وتنقبض روحه وينخفض مدى رؤيته في مراقبة الحدود وتُصعّب عليه القيام بمهمته على أكمل وجه، أو ينتظر أفواج السّراب المتلألئة المهرولة إليه من بعيد ولا تصل إليه. داهمته الرحمة و الرأفة، ولم يؤنبّه ضميره عندما رفع بسطاره للأعلى لتسهيل عبور الصرصور وكتلته التي يدفعها، انتفض فجأة، اهتزّ جسمه، امتدّت يده إلى سلاحه الجاهز، خامره الشكّ أنّه يخون أمانته، عندما سمح للصرصور القادم من الجهة الأخرى للحدود، تجمّد إحساسه وغادرته الرحمه، عندما قرّر الإطباق عليه وهو تحت أرضيّة بسطاره تمامًا.

   انحفضت قدمه قليلًا، صوت قويٌّ من أعماقه هتف به: "دعه يمرّ، إنّه صرصور لا يضرّ ولا ينفع، وهو من سكّان هذه البقعة، ولا يعترف بخطّ الحدود الوهميّ، ولا معرفة له بالممنوع و المسموح". 

***


   الحرص الشديد بتنفيذ مهمّته، استذكر مقولة مدرّبه في الدورة: "النملة غير مسموح لها باجتياز الحدود". 

   تنازعه تأنيب الضمير ثانية، واستقرّ رأيه على كِتمان الحادثة، في اللّحظة الأخيرة، تذكّر معاينة الكرة المتدحرجة، تأكّد أنّا قطعة من بُرازٍ آدميٍّ، انتفض جسمه بقوّة كامنة مُدّخرة في جسمه، تتبّع خط سير الصرصور لمسافة مئة متر، ليتأكّد بما لا يدع مجالًا للشكّ، وهو يتذكّر مقولة: "أن البعرة تدلّ على البعير". 

   تناول جهاز اللّاسلكي للاتصال مباشرة بقائده للتبليغ عن الحادث. استنفار جميع مخافر حرس الحدود للبحث الدقيق، تحرّكٌ على كلّ المحاور، بتصميم قويّ على: "أنّ الوطن أمانة في أعناقنا".

عمّان – الأردنّ

10 \ 1 \ 2018

الاثنين، 29 مارس 2021

قراءة رواية (فجر أيلول - هاشم محمود) أرتيريا

 

 

حبُّ وحربُ في ذاكرة الأرتيريّين

قراءة في رواية (فجر أيلول للروائي هاشم محمود)

 

بقلم: الروائي محمد فتحي المقداد

المقدمة:

   أمرٌ مُهمٌّ لا بدّ منه قبل الولوج إلى عوالم رواية فجر أيلول، من تسليط الضّوء على القضيّة الأرتيريّة، وشعبها الذي كافح الاستعمار الإيطاليّ الأوربيّ، ومن ثمّ الاستعمار الأثيوبيّ (الحبشة) الدولة الأفريقيّة الجارة؛ فبعد الحرب العالميّة الثانية أصبحت أرتيريا جزءًا من إثيوبيا، بمزاعم لا دليل ولا بُرهان عليها، وهُما قد تحرّر كليْهما من الاحتلال الإيطاليّ. وهذه النُّقطة جديرة بالفهم للقارئ؛ لأّنها الموضوع الأساسيّ للرّواية التي بين أيدينا، وهي (فجر أيلول) للروائي الأرتيريّ (هاشم محمود).

إن إنشاء أرتيريا المعاصرة؛ هو نتيجة لإدماج ممالك مستقلّة؛ مما أدى في النهاية إلى تكوين أرتيريا وهو ما قامت به سلطات الاحتلال الإيطاليّة. وبعد هزيمة الجيش الاستعماري الإيطاليّ في عام 1941، بعد ذلك كانت أريتريا تُدار من قبل الإدارة العسكريّة البريطانيّة حتّى عام 1952.

 

   بعد قرار الجمعيّة العامّة للأمم المُتّحدة في عام 1952، كانت أرتيريا تحكم نفسها بنوع من أنواع الحكم الذّاتيّ ببرلمان أرتيريّ محليّ، أمّا الشّؤون الخارجيّة والدفاع هي من اختصاص حكومة أديس أبابا المركزيّّة؛  فإنّه محتوم على أرتيريا أن تكون ضمن  اتّحاد فيدراليّ مع أثيوبيا لمدة 10 سنوات. لكنّه في عام 1962 ألغت أثيوبيا البرلمان الأرتيريّ، وضمّت أرتيريا رسميًّا.

   لكن الأرتيريين دافعوا عن استقلالهم بوسائلهم المُتاحة، منذ الإطاحة بالإيطاليين في عام 1941، توقعوا ما هو قادم، ثمّ شهد عام 1960 أوّل تأليف لجبهة تحرير أرتيريا بين العمال والطلبة في القاهرة، وانتقل نشاطه في العام التالي إلى المرتفعات الأرتيريّة إثر الانتفاضة التي قادها (حامد إدريس عواتي).

وفي العام  1\سبتمبر أيلول \ 1961 مرحلة الكفاح المسلح. مع بضعة مُقاتلين يحملون بنادق إيطالية عتيقة، وقد تبنّت الجبهة تلك الانتفاضة؛ لتحوّلها في مدى سنوات قليلة إلى ثورة مُسلّحة مُنظّمة؛ تهدف للاستقلال الوطني الكامل عن طريق الكفاح المسلح، وانطلقت الجهود السياسية والدبلوماسية في الخارج، لكسب الدّعم والاعتراف العربيّ والدّوليّ، تأسّست رسميّا جبهة التحرير الأرتيريّة. واختار المؤسّسون المناضل (إدريس محمد آدم) أوّل رئيس للجنة التنفيذية للجبهة.  وبالعودة إلى الرواية: (منذ عانق إبراهيم حلمه صار باحثًا عن اللّيل في كلّ صدر، وليلُ إبراهيم لم يعرف الخوف أبدًا، ذلك أنه يراه ليلًا وحيدًا ذا نُسخٍ مُتكرّرة، ولا شمس تصلح لكلّ ليل؛ فاللّيل في هذه البقاع لا يعرف السّواد مُطلقًا؛ لأنّ في  جنباته تولد الشّمس، وعذراوات القمر، وفتيان الصّباح) ص11.

   ونال التشكيل الدَّعم الكافي من معظم الدّول العربيّة، وعلى الأخصّ سوريّا، التي فتحت مكاتب للحركة، وممثليها، وكانت القضيّة الأرتيريّة تُدرّس ضمن مناهج  التّاريخ والتربية القوميّة،  إلى جانب قضيّة فلسطين، ولواء الإسكندرون السّليب، والجولان، وعربستان الأهواز.

 

العنوان:

كلمتا العنوان (فجر + أيلول):  

   *فجر: كلمة موحية بدلالتها على النّور، وعلى الانعتاق من الظّلام، ورمزيّة الحريّة، وفي معجم اللّغة فإنّ: [الفَجْرُ : انكشافُ ظلمةِ الليل عن نور الصُّبْح، وهما فَجْرَانِ: أَحدهما: المستطيلُ، وهو الكاذبُ. صلاة الفجر: صلاة الصّبح. فَجْر التَّاريخ: هو فَجْر الحياة: مطلعه وبدايته. والفجر اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة رقم 89 في ترتيب المصحف، مكِّيَّة، عدد آياتها ثلاثون آية].

   *أيلول (سبتمبر): وهو الشهر  التّاسع من كلّ عام، وهو بداية فصل الخريف. وتقلّبات الطّقس بين هبوب الرّياح والعواصف والأمطار، وهو بداية مُبشّرة عمومًا عند الفلّاحين إذا نزل فيه المطر مُبكّرًا عن مواعيده، وقد عبّروا عن ذلك: (أيلول ذيلو مبلول) أي أنّ الأمطار غالبًا ما تأتي بعد منتصفه وفي أواخره.

   وجدليّة الكلمتان جاءت بتضاربهما ظاهرًا، فجر وفي أيلول..!! أي مع بداية الخريف، لو كان الفجر مع الرّبيع لكان ذلك يستقيم مع هذا المنحى، ولكن الفجر الحقيقيّ للشّعب الأرتيريّ جاء في 1\9\1961بانطلاق شرار الكفاح المُسلّح لتحرير بلدهم من قبضة الاستعمار الأثيوبيّ المُتوحّش، بقيادة المُناضل (إدريس عواتي). وكأنّهم أقسموا على ذلك، مُسْتَوحين قسَمُ الله تعالى بالفجر، على أنّه آيةٌ عُظمى من آياته، وبذلك جعلوه أعظم فجر لاسترداد حُريّتهم وتحرير أرتيريا.

      وهذا المنحى الذي أراهُ فيما ذهب إليه (هاشم محمود)، حينما استوحى عنوان روايته (فجر أيلول) رمزًا لانطلاقة الكفاح المُسلّح الأرتيريّ، و( لا حريّة من دون فجر) ص13. وفي تعبير الأستاذ أحمد الصّمادي بتقدمه للرواية: (فجر أيلول متاهة الضّباب،  موسم الغيْم والصًباحات الماطرة، والمطر هو شريك النّفس الإنسانيّة في الوجود، وليس الضّباب عن الغيْة ببعيد؛ فهو حالة سامية من التنقّل والحركة الأكثر حريّة من شكله الملموس باليديْن) ص6.

   ويقول الكاتب في روايته: (الفجر بردٌ وسلام.. والنّورُ من هنا يسطع، منذُ عانقَ إبراهيمُ حُلُمه، اعتاد أن يصرع اللّيل، ليس ليلًا بعينه، وإنّما كلّ ليل) ص10.

 

وصف الرّواية:

-       أدب الأطراف: أستطيع أن أطلق على الرواية (فجر أيلول) وغيرها من المؤلّفات؛ بأنّها من عِداد الأدب العربيّ على الأطراف الجنوبيّة العربيّة، بانتماءاتها العرقيّة والقبليّة والدينيّة والجغرافيّة والتاريخيّة.

 

-       الرواية (فجر أيلول) جاءت من أدب القاع، من الحياة اليوميّة، والواقع المُعاش، وهو ما جاءت على وصف عائلة أرتيرية، وهي بذلك تكون من المدرسة الواقعيّة الحداثيّة. وبتساؤل عميق: (كيف تنتهي الحياة الأبديّة ودليلها الحريّة؟) ويأتي الجواب: (على إمباسيرا بدأت الرّحلة.. إبراهيم وتِرْحَاس بشعلة الحبّ، التي أضاءت ما أظلمه ليل رُسُل الدمِّ، وحمَلَة رايات الغزو.. ومن هذه القِمّة نبت الزّرع الأخضر، برسالة النّماء التي قوّمت العيدان، لتدحر الرّصاص) ص12. وهو ما يتّفق مع رؤية الشاعر محمود درويش: (عَلَى هَذِهِ الأرْض ما يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: نِهَايَةُ أَيلُولَ، سَيِّدَةٌ تترُكُ
الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا, ساعَةُ الشَّمْسِ فِي السَّجْنِ، غَيْمٌ يُقَلِّدُ سِرْباً مِنَ
الكَائِنَاتِ، هُتَافَاتُ شَعْبٍ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إلى حَتْفِهِمْ بَاسِمينَ, وَخَوْفُ
الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ
) مع تشابه الحالتيْن الاستعماريّتيْن في فلسطين وأرتيريا، ولا غرابة إذا تشابهت آراء المُناضلين،  والمُكافحين في سبيل حُريّة أوطانهم، بطريقة تعبيراتهم عن حالتهم في المقاومة بكلّ أشكالها.

 

-       الرواية جاءت بغالب أحداثها ومساراتها على محمل الذّاكرة، وما جادت به من مخزونها لدى الكاتب، وما أسعفه قلمه في تدوينه بنسج أدبيّ جميل.

 

-       الرواية في الحقيقة تُعتبر جزءًا توثيقيًّا من تاريخ كفاح الشّعب الأرتيريّ، الذي امتدّ على مساحة زمنيّة حقيقيّة بـثلاثين عامًا، مليئة بالأمل والتطلّع إلى فجر الحُريّة بالاستقلال، الأرتيريّين بمجملهم كَبَسوا جِراحَاتِهم بالملح صبرًا واحتسابًا، لبلوغ الهدف المنشود.

 

-       جاءت الرواية برواية الكاتب مرّة، بصيغة أقرب للخطابيّة الشّعاراتيّة الوعظيّة ببعدها الثوريّ المُعتدّ بصلابته، أو التعليميّة، وفي هذا  المنحى أرى أنّه فعل كلّ ذلك؛ لإيصال صوت شعبه الأرتيريّ، وقضيّته التي أكلت الحروب الدّامية الأخضر و اليابس. ومرّة أخرى كان الحدث يُروى بلسان البطل البديل، لكن وجود الكاتب كان ظاهرًا إلى جانب أبطاله. جاء في الرواية: (هنا إمباسيرا.. هنا يرفرف علمٌ كبير، يعلو ويناطح السّحاب، في بلادنا إمباسيرا المجد، ولتسقط كلّ حكايات جبل الأولمب) ص11. إشارة للبعد التاريخيّ العميق. و(الأحرار هم يُلهمون العالم، والأحرار فقط هم من يلدون أحرارًا، والأحرار فقط من يحفظون عهد الحريّة، ويُدافعون عن طُلّابها في كلّ زمان ومكان) ص13. (الحرية دين البشريّة الذي لا يختلف عليه اثنان) ص13. و(الإنسان الحُرّ إذا آمن بحُريّته يستطيع أن بحق ّ كلّ صاحب حقّ، أن يحيا لا ينازعه في حياته طير جارح، ولا أسد مُهاجم، ولا ديدان تُفسدُ طعام الضّعيف) ص13.

 

 

الحب والحرب في الرواية:

   *الحبّ أوّلًا:- ابتدأت رواية فجر أيلول، من قصّة حُبّ تكلّلت بالزواج، بين شابٍّ مُسلم و(إبراهيم)، والبنت (ترحاس) المسيحيّة المختلفة دينيًّا عنه في محيطه الأرتيريّ ذي التقاليد والأعراف التي لا تقبل بسهولة مثل هذه الزّيجات المختلطة. و(لا فتى من دون ترحاس، ولا ترحاس من دون إبراهيم) ص14. و(يبتسم العاشقان في خجل بريء، ثمّ يتواريان خلف قلبيّهما المُفعميْن بالأحلام، قبل أن يُباركهما صوتان، تزامن صدحهما في نوبة عِشقٍ حُرّة.. جرسٌ وأذانٌ، وبينهما جسدان منذوران للحياة) ص14.

   *الحرب ثانيًا: الحروب الطّاحنة لم تتوقف منذ فجر البشريّة، ما إن تتوقّف في مكان، حتّى تشتعل نيرانها في مكانٍ آخر، بآثارها المُدمّرة للبشرية والكون على كافّة الأصعدة والمُستويات، ومُخرجاتها القذرة التي لا تندمل جراحاتها إلّا بمرور أجيال، وتبقى ذكرياتها الأليمة تقضّ مضاجع الطمأنينة والهدوء والسّعادة. وللتدليل على حالة الحرب في الرواية على سبيل المثال: 

-(هذا الشّيطان مملوء النّار، مُتعطّش إلى الدم.. هذا الشّيطان أراد أن تكون أرضنا جسرًا يعبر به إلى البحر باحثًا عن الجنّة) ص19، وهو إشارة رمزيّة للاحتلال الأثيوبيّ بدولته القاريّة، أراد أن يُطلّ على البحر الأحمر في ميناء (مُصوّع) من خلال احتلال أرتيريا.

-و(لم يتغيّر إدريس -بن إبراهيم وترحاس- كثيرًا عن صباه، كان يمسك بالورقة والقلم؛ فيصنع شِعرًا مُضحكًا عن أولئك الشّياطين الذين غزوا بلاده، يسمع من أبويْه بالمجازر التي ارتكبوها بحقّ الأرتيريّين) ص27.

- و(يتذكّر إبراهيم مذبحة عونا، وكيف رسمها ابنه إدريس على قطعة من الكارتون المقوّى، وعنونها بـ"شارون الحبشيّ") ص28.

-و(يتعجّب الرّجل أيضًا كيف ربط ابنه الصّغير بين المجزرة الأثيوبيّة بحقّ هذه القرية عونا، وبين صبرا شاتيلّا، التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيليّ في 16 سبتمبر من العام 1982) ص28. هذه الفائدة من الروائية بصدقها التوثيقي، لتكون ذاكرة الحاضر للمستقبل، وسجلًّا وثيقًا لا جدال ولا خلاف بشأنه. وما حياة شعب إذا ضاعت ذاكرته، ومقارنة بين احتلاليْن متشابهين بهمجيّتهما في القتل والتدمير.

-و(هل ينسى التّاريخ ما ابتلينا به من تغوّل هذه الطّغمة الدمويّة؟، إنّها خناجر مغروسة في قلوب أخل هذه البلاد، ولن تُفلح حِقَب السّلام، وابتسامات الدّبلوماسيّة اللّزجة في محو نُدُباتها) ص28.

-و(ما الفرق بين "عونا" و"صبرا وشاتيلّا"؟. 12 عامًا تفصل بين المذبحتيْن، لكنّ السّفّاحين كلّهم ملّة واحدة، تجمعهم شراكة القتل والإبادة، وشهيّة الاحتلال) ص29.

-و(كلّ أتباع الشّيطان يدينون بهذا الدّين، ومنهجهم "اُقْتُل، ولا تترفّق بأحد"، ثمّ اِزْرَعِ الأرض بالدّيناميت حتّى تُطهّرها) ص29.

-و(عندما تدينُ لك البِقاع، اِجْلس، واستمع إلى أنّات الثّكالى، وعويل الأطفال، وفكّر بالسّلام المُزيّف، ثمّ صافح المنهزمين بمخالبك، وأنتَ تزهو بأنّك إمبراطور فرش الأرض بالجُثث، ورقصَ فوقها كغراب) ص29. صورة بشعة للحروب، وللسلام الزّائف، من دعاوى السّلام التي تشدّق بها مرارًا الإمبراطور الأثيوبيّ هيلاسي لاسي، بعد القتل والتدمير والدم الذي غاص به حتّى ذقنه.

 

 

 

وقفات رمزيّة في رواية فجر أيلول:

-       إبراهيم وترحاس. رمزا الحبّ الذي كوّنا أسرة، وهما أبناء دينيْن مختلفين، ورسالة الأديان واضحة لما فيه خير البشريّة، وما استطاعت أثيوبيا وهي معاقل الديانة المسيحية في العالم ، إلّا أن تكون دولة احتلال قاهرة قاتلة، كما اليهود في فلسطين.

-       ترحاس لم تستسغ أبدًا زواج ابنها إدريس من فتاة بريطانيّة، وهو الذي ذهب إليها لدراسة التخصّص في القانون الدّوليّ, رغم أن  ليزا البريطانيّة تدين بالمسيحيّة الكاثوليكيّة، بنفس ديانة ترحاس، لشعور ترحاس بأنه ليزا ابنة الاستعمار البغيض.

-       رمزيّة اسم إبراهيم تسمو فوق جميع اختلافات الأديان، وهو يعود بنا إلى نبي الله إبراهيم أبو الأنبياء جميعًا عليهم السّلام.

-       رمزيّة اسم إدريس، لاستمرار النضال ما بين (إدريس عواتي) أوّل رئيس لجبهة التحرير الأرتيريّة، كما الشّاب إدريس المُثقّف سيأتي حاملًا شهاداته في القانون الدوليّ، للدفاع عن حقوق بلاده في المحافل الدوليّة، وعندما ذهب كان مُحمّلًا بحمولة وطنه الثّقيلة، تبيّن من حواره الأوّلي خلال جلسة مقابلة القبول من البروفسور، والتّعبير الصّريح الشّجاع، حينما سأله ما رأيك في بريطانيا، ولماذا جئت للدراسة في بريطاني؟ أجابه إدريس: "بريطانيا دولة استعماريّة، وجئت لأحصل على العلم، لمستقبل بلدي".

 

الخاتمة:

هذه الدراسة أضاءت جانبًا مُهمًّا من الجوانب الكثيرة التي تحتاج للدراسات الكثيرة؛ لتبيان جوانب وإظهارها للقرّاء وهي من جماليّات الرّواية، أعتقد جازمًا أن ليس هناك عملًا كاملًا تمامًا، وإنّما هي مُقاربات وتقاربات لقضايا، يطرحها الكاتب للتوثيق، أو للفت الانتباه للخلل، وليس مُكلّفًا بإيجاد الحلول، بل هذه وظيفة السياسيّين والمُصلحين والفلاسفة والقادة بالسّعي بحثًا عن الحلول لما فيه خير مُجتمعاتهم. 

أظهرت الرواية مهارة الكاتب الروائي (هاشم محمود)، وسعة اطّلاعه التاريخيّ، وإلمامه بقضيّته الأرتيرية والقضايا العربيّة، بعمل مزاوجته وإسقاطاته ما بين تشابُه القضايا، ما يجمع بينها، وأعجبني أكثر ما أعجبني وعيه العروبيّ، ولم يكن همّه الأوحد قضيّة أرتيريا، بل انطلق لقضايا الاستعمار والاستكبار العالميّ، وما واجهته فلسطين  ولبنان من ويلات الاحتلال الاسرائيلي، وتأصيل لقضيّة أرتيريا وربطها بالقضايا العربيّة.

 

عمّان - الأردنّ

29\ 3\ 2021

تأملات قرآنية