الأحد، 14 مارس 2021

سر الارقام المتداولة عند السوريين

 منقول..

===== 


سر الارقام المتداولة عند السوريين 


بعض الأرقام في اللهجة السورية لها إستخدامات مختلفة جدا.. 

وهى 60 و 100 و 10 و 1000 و 7 و 2و3000

على سبيل المثال:


الرقم (60).. يستخدم فقط وحصرياً دون عن باقي الأرقام في الشتيمة..

مثل (ابن "60" كلب).. ولا يقولوا مثلاً ابن "50" كلب ولا ابن "70" كلب

هو بس 60 كلب فقط

على نفس المنوال اابن ال(60) صرماية 😅.. ؟؟؟

ويستخدم الرقم (60) أيضا لوصف اسوأ مكان أو وجهة

انقلع او روح في (60) داهية.. وابداً ما حدا قال ب 80 داهية مثلا ابدا ..  

أو حدّك (60) جهنم مثلاً.. مو حدك 40 جهنم لاء..


وأوقات يستخدم رقم (60) للتوبيخ:

(60) مرة قلتلك لا تعمل هيك.. هية بتكون  مرتين..

(60) مرة ناديتلك.. هية بتكون 3 مرات أيضاً..


أما الرقم (100) للتسليمات..

(100) أهلا وسهلا.. مامنقول 50 أهلا وسهلا مثلا..

(100) السلامة.. مو 40 سلامة مثلا..

(100) وردة بهالطلة.. مو 25 وردة مثلا..


اما (10) فتستخدم لوصف جودة الأشياء أو الأفعال ..

(الشغل  10 على 10) يعني ماشي تمام..

أو (فتح عيونك 10 على 10)  يعني انتبه..

كتب عمر الصايم عن محمد فتحي المقداد

 رأي عمر الصايم فيما كتب (الروائي محمد فتحي المقداد) عن رواية (مار خدر - للروائي عمر الصايم) 

.... 


كتابة تمتح من مخيال الروائي، وروحه الوثابة؛ لتسقي شجرة بازخة في البناء الموازي، واستكناه النص بدواله المتباينة.. 

شكرا يا صديقي الإنسان المتجلي قريباً في البعيد.. لقد قلت في صفحة واحدة من الرواية ما جعلني أستوقف ذاتي متأملاً في مشهدية الاستهلال، وتلك ليست براعة منك فقط وإن بدت كذلك، إنما هي وثبة الروح بمحبة لتلتقط الشوارد وتعيد استبصارها. 

 سعدت بها حد رقرقة الدموع فرحاً بلقيا حرفك ومارخدر، لقيا تؤكد أن المكان مهما تشاسع بنا نحن بني الإنسان، أو تعكرت أجواؤه لا يمثل حائلاً، ولا حجاباً بين الرؤى التي نمت حرة ومدت جذورها عميقاً، ورفعت أغصانها تداعب هامة الزمان.. 

خالص الامتنان، وجزيل المحبة. 

.... 

🌹🌹الروائي السوداني عمر الصايم 

الخميس، 11 مارس 2021

فصل (4) رواية خلف الباب

(4)

      في زمن الأزمات يتبدّد اليقين ضَياعًا على أعتاب تناقضات الأشكال غير المُتوافقة. ضبابيّة الرّؤية لهذه المتناقضات، خلقتْ رُؤىً جديدة بمخالفة نَمطيّةِ الواقع؛ انتقالًا لمساحات مفتوحة أتاحَت المُراقبة التأمليّة لِمَسْلكٍ يكاد أن يكون آمنًا لي.

   لكي لا تتعرّض مَحاور فكرتي إلى الشكّ والتشكيك، ولا أن تكون فيما بعد؛ مطعونة مَوْصُومَة على أنّها فكرة هُلاميَّة التعاطي مع الحدث، أخطبوطيّةٍ واهِمَةٍ بكَذِبِها، وتحريفها، أو ذات محورٍ أُحَاديٍّ؛ أرجوها مفتاحًا لأبواب ونوافذ الحوار الرّحبة، حاضرًا ومُستقبلًا بين فُرقاء القضيّة، ومُراقبيها، ومُنتقديها، ومُؤيّديها، ومُعارضيها.

  

    وإذا كان نَسْجُ هذه الرّواية قد اقتضى المُراوحة الزمنيّة بين عوالم التفكير والتأمّل، فإنّي أطمحُ لها القَبول لدى القارئ العربيّ، وإذا ما تُرجمت للقارئ الأجنبيّ؛ فسيكون الأمر مُراوحًا، وأكثر تعقيدًا، وتدويخًا تحت مِطْرَقة الدّراسات البحثيّة عندهم، التي لا تقبل الجمع بين المُتناقضات في ذات القضيّة الواحدة، منهجيَّة البحث بمقدّماتها السّليمة، من المُفترَض بالنَّتائج المُتوافقة مع المُقدِّمات، ليحصل الإقناع التّام.

    ربّما أُبرّرُ دوافعي العودة إلى كتابتي في مِحْورٍ، بعدما ظننتُ نفسي أنّي أوفيته حقّه، لكن تبيّن بُطلان ما ظننته سابقًا، لأنّ التقصير هنا هو ارتباك حقيقيّ، فيما أعتقدُ من مُعارضتي الذاتيّة غير المُنتمية حزبيًّا لأيّ اتّجاه، سوى تيّار سوريّتي، وحُبّي لها، أو بمثل تعقيداتها المُتشعبّة بكثرة توجّهاتها، التي يعجز المُراقب عن الإحاطة بها جميعًا.

 

   ولربّما من قائل يقول: إنّ هذا جنون وتخريف، ولا يُمكن أن يُسِرَّ به صاحبه أو يحكيه هَمْسًا، إلّا في أذُن طبيبٍ نَفْسَانيٍّ، وأنا مُدرِكٌ حقيقة بأنّ الكتابة الصَّريحة بواقعيّتها؛ ستعيش، وستبقى حتّى بعد مَوْتي، وإنُ كُّذِّبت حينًا، أو غَطَّتها غشاوات الكذب والتضليل الإعلاميّ.

   بل يتوجّبُ عليّ الإضافة بهذه الرّواية (خلف الباب)؛ لتُكمل سِفر ثورتنا المجيدة ذات البُعد الإنسانيّ، بعد عِقدٍ لم أُعْلن للمَلَأِ هزيمتي أو استسلامي على الأقلّ، لكنّي.. ما زلتُ أرى نافذة عالية ساميةً يأتيني منها نور، عِلمًاً أنّني لم أستطع النّصر إلى هذه اللّحظة المُكافحة بعنادها على صَوابيِّة موقفها، وما يضيرني مخالفتي للعُموم الجازع المهزوم نفسيًّا.

   مقولة الرّافعيِّ كما أحفظها من (وحي القلم): فإنّه "لا تَتِمّ فائدة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ، إلّا إذا اِنْتقلتِ النَّفس من شُعورٍ إلى شُعور؛ فإذا سافرَ معكَ الهَمُّ؛ فأنتَ مقيمٌ لم تبرح”.

   وهو ما لم يتحقّق لي من استقرارٍ نفسيّ وعاطفيّ، إلّا عندما عثرتُ مُجدّدًا على صديقيَّ (محمد الفهري أبو فندي، وفاضل السّلمان)، حتّى، وإن كان اللّقاء اِفْتراضيًّا؛ نسبحُ جميعًا في لُجّةِ فضاءٍ رقَميٍّ أزرق، رغم ذلك استعدتُ شيئًا من توازني النفسيّ، وحاولتُ من جديد أمدّ الخطوط استقامة بعد انطوائها، وأيقنتُ أنْ لا أهميّة لبداية التاريخ، أو نهايته على رأي (فوكوياما)، إذا لم تكن ذات تأثير يُذكر في ظلّ وضعي الرّاهن، مع مَنْ كُنتُ أتمنّى لقاءهم، ولو عبر الأنترنت.

   باعتقادي أنّ اللّقاء سيصنع تاريخًا جديدًا رطبًا؛ يُندّي قُلوبًا طالتها يد الجفاف سنينًا تناءت بنا؛ باستعادة البدايات على وجه الدِّقَّة واليقين، طازجة كيوم حُدُوثها.

   ذات مرّة أخبرني صديقي رياض المعلوف، نقلًا عن صديقه (ليون الأفريقي) الشّهير؛ عبر رسالة على الماسنجر: (في كلّ طائفة عُصاةٌ، يُلعَنون في العَلَنِ، ويُدعَى لهُم في السِّرِّ). كنتُ أظنّ أنّني من أولئك العُصاة، إعادة ترتيب حساباتي بدقّة أفضل ممّا كان سابقًا، والأخذ بالأولويّات الرّاسخة برسوخ وطنٍ كان. ولا أرجو من لَعَنَاتٍ تُلاحقني علانيّة، ولا بدعاء الخائفين والمُنافقين سِرًّا.

   الوُضوح غايةٌ، وليس وسيلةً. وما نَفْعُ الوُقوف في النّقطة الرماديّة. هناك فرق كبير بين من هو في بؤرة الحدث، وبين مُراقبٍ يُصفِّقَ في قلبه، وأفكاره الواهِمَة مَرْتعًا فسيحًا للأقوى، الرّماديّة ضارّة في اقترانها في الجانب الآخر الأسود، وهي أقرب له في كثير من مُعطياتها؛ بل هي مَطَبٌّ تتساقط عنده أكثر الأوراق، وتتعرّى الحقائق.  

..*..

ملأأ

   بحثي الدّائم مُختلفٌ تمامًا عن الثرثرة المُتأجّجة في دَوَاخلي لا تهدأ، وأحيانًا أخرجُ للآخرين بأحاديث؛ لاستجلاء بعض ما غَمُضَ وغاب عنّي. تعدُّد الرُّؤى يُوَسِّع مجال القرار النهائيِّ لكلّ حدث.

  

   في كلّ ما كتبتُ، وما فكَّرتُ به ما زالت نهاياته مفتوحة، الحَدَث لم يتوقّف، وإنْ اِسْتطال استغراقه للزّمن، ولم تتضّح حقيقة النِّهايات بعْدُ. كثيرًا ما تموتُ البدايات قهرًا على أعتاب الانتظار المأزوم.

 

   وما هي حقيقة النهايات المفتوحة..!!؟ كأنّها بُوابّاتٌ أضاعت مفاتيحها بتقادُم الزّمان عليها، وبقيت مُستباحةً للعابرين بلا قيْد ولا شرط.  جهلُ آخر النّهايات حريٌّ به إيقاف نُبوءات، وتوقّعات بأبعاد تأويليّة تَتَجافى مع مُستجدّات واقع جديد، سيفرض نفسه تحت مُسميّات مُستحدثة، وحتّى لا تكون رواية خلف الباب رجمًا بالغيب؛ رجعتُ للرُّؤية الوثيقة الصّلة بالواضح، وما استبانَت مُخرجاته بدقّة مُتفاوتة النِّسبة من الصِّحة.

 

   في صباح يوم شتويٍّ بارد.. اِنْهالتْ الأفكار اِنْهمارًا على وقع احتمال نوافذ البيت. ارتطامُ المطر المُستمرّ طوال اللَّيل، مُنَبِّهٌ لي على مدار السّاعة يوقِظُ أحاسيسي، أرفعُ رأسي.. أُطلِقُ نظراتي عبر الزّجاج المُعتّم بالبخار  الذي يكسوه، لا بُدّ من استخدام إحدى يديّ، أبحثُ عن ورقة منديلٍ لأمسحَ بها. تعبَثُ يداي تحت المَخدَّة السّاخنة؛ لا شيء.

  

   اليُسرى تخرجُ دافئة تتلمّس طاولة صغيرةً جانب السّرير، تلتقطُ بقايا مِنديلٍ مُستعملٍ سابقًا. بعد مَسْح البلّلور؛ تتّضح حبّات المطر  متلألئة على أضواء الشّارع الجانبيّ الصّفراء؛ فتتلوّن بِلَوْنها الذّهبيِّ، الذي يتمنّاه المُغْرَم بالغِنَى والثّراء. غرامي يتجدّد أملًا جديدًا مع كُلّ قطرة مطر.

  

   (مطر.. مطر.. مطر) يتردّد ذِكْرُ السَيَّاب اِسْتحضارًا في دماغي، وعلى لساني، مُحاولًا استذكار بعضًا من أُنشودته الخالدة؛ فلم يُجد جُهدي سِوى العُنوانَ فقط، وكلمة مطر المُكرّرة. شعورٌ داهمٌ بالخيبة من ذاكرة واهنة؛ تتراخى حدّ التَّزامُن مع نومي، وخُلود كامل أعضاء الجسم للنّوم.

 

   تداعيات الأفكار سلبتني النَّوم.. كلما دوّنت فكرة؛ أحاول الخُلود للنَّوم ساعة؛ أستعيد بها قواي. لمتابعة يوم عمل طويل، أحتاجُ فيه للتركيز والثبات. بدل التَّثاؤُب المُزعج للزبائن إذا ما جاؤوني.

 

   مكاني الذي يليق بي خَلْف متاريس أفكاري، لا أستطيعُ الفكاكَ منها، ولا هي تنفكّ منّي إذا ما حاولت ذلك. التَمَتْرُسُ قُوّةٌ وضعفٌ في آنٍ واحد.

 

.. *..

 

 

 

 

   عندما يتقزّم الوطن بحجم خيمة.. تَصغُر الحياة وتَهون.. تَموتُ الأحلام الكبيرة.. تنطفئ الآمال.. بعد ذلك فلا مُستقبلَ يُرتَجى.. يُصبح رغيف الخبز أغلى الأماني. يا لخيبة الحياة في زمن للحروب، تُعْتِم جميع دروبها، والبحث عن النَّجاة بالنفس.

 

لُيون الأفريقي لم يتردّد بالإفصاح عن مكنونات دواخله المُتعبة المُرهقَة، وهو في حديث طويل مع صاحبه رياض معلوف، أثناء روايته حكايته: (عندما يلوحُ لك ضيق عُقول النّاس؛ فَقُل لنفسكَ أرضُ الله واسعة، ورحبةٌ هي يداه وقلبه. ولا تتردّد قطّ في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار، إلى ما وراء جميع التُّخوم، والأوطان والمُعتقدات).

 

   صباحُ الزوجةِ (زوجة فاضل) مُزدحمٌ بأفكار، لا تجد اللّحظة المُناسبة للإفصاح عمّا يدور في ذهنها، انتقالها من إلى الغرفة الأخرى بعصبيّة تَكْظُمُها في قلبها، لسانُها مُتجمِّد؛ كأنّ فمها قارّة القُطُب.

 

   عيناها زائغتان لا تتركزان على شيء مُحدّد. مُشاغبات الأولاد لا تُلقي لهم بالًا على خلاف عادتها بتهدئة الجوّ، وتبريد حرارة الاحتكاك بينهم. طلب النّجدة من أحدهم لإنقاذه من أخيه الجالس بجانبه، وفمه مليء بالطَّعام، وآخر شرب الشّاي من كأس أخيه، وما إن كفكف دموعه، حتّى وجدَ صحنَ البَيْض المقليّ فارغًا: "ماما.. يا ماما.. هذا فجعان.. أكلَ بلقمة كبيرة أنهى البيض، لم يترك لي شيئًا".

 

   تشاكيهم طالَ، وهم جلوس حول المائدة، الماما تتفّقد الخزائن والحقائب؛ لاستخراج الملابس الشتويّة المرفوعة على السّقيفة منذ انتهاء موسم الشّتاء في السَّنة الماضية. عملٌ موسميّ يستنزفُ وقتها على مدار أيّام؛ لإعادة ترتيبها في أماكنها المُخصَّصة لأفراد الأسرة كلّ في مكانه.

 

.. *..

 

ملاحظة فاضل السلمان في السّويد

الرسالة الأولى من فاضل السمان (السويد)

   بعد الرّسالة الأولى من أبي فندي، وما تلاها من تفاعلات جدّدت الجُرح في نفسي على مدار سبوع كامل، أعادتني للأيّام الأولى من عُمر الثّورة، لم أتنفّس نسائم الحياة مُجدّدًا؛ طاقة حيويّة اجتاحتني، ودقّت أوتاد النّسيان في جنبات نفسي، بثّت فرحًا عميقًا في أوصالي، على إثره شذّبتُ شعر رأسي ولحيتي عند الحلّاق، خطوط اللِّحْية رسمتْ حدودَ ملامح وسامة قديمة، انمحت كثيرًا من مُعطياتها. 

 

   ما إن ذهبت إلى البريد الإلكترونيّ في يومي الموعود من كلّ أسبوع لفتحه، حتّى توقّفتُ عند رسالة من صديقي فاضل المُقيم في ألمانيا، أمّا وقد اكتسب الجنسيّة، بعد استكمال مراحل الاندماج على مدار سنوات، من تعلّم اللّغة والتدريب، حتّى انطبقت عليه الشّروط، مع تطابق الفترة الزمنيّة المُستمرّة في إقامته. رغم أنّه كان ينوي الاستقرار في مملكة السُّويْد، يبدو أن عناد الظّروف هو ما حال بينه، وبين إكمال مشواره.

 

   غالبتني الدّموع المُتساقطة على لوحة مفاتيح جهاز الحاسوب، مع كلّ كلمة أقرأها:

 

   [انتظار مُمِلٌّ مُقرِفٌ أمام (كرفانات) مكاتب مُفوضيّة اللّاجئين في (الكامب) المُنفصل عن ساحات المخيّم بأسلاك معدنيّة متينة، الدّخول إليها مُتاح عبر بُوَّابة وحيدة؛ تُفضي إلى ممرّات تتعرّج مُلتويةً كأفعى تلتفّ على نفسها، غير آبهةٍ بما يجري حولها، تحترسُ من أيّ خطر داهم مفاجئ. 

 

   رجُلُ أمْن أسمر البشرة شارباه يتدلّيان كذَيْل غراب، تختفي تحتهما شفتان غليظتان كَمِشْفَريْ جَمَلٍ، خطوط الزّمن حفرت مساربها على جبهته، عيناه واسعتان بلونهما البُنيّ الدّاكن، صرامة ملامحه رواية بوليسيّة تبثّ الرّعب في نفس قارئها، تأخذ بتلابيبه لمتابعة الحدث المشوّق لبلوغ النِّهاية، وانتصار البطل على أعدائه.

 

   إشارة معيّنة من يده، مَتبوعة بحركة اهتزاز من رأسه، مُترافقة مع رفع حاجبه الأيمن للأعلى، مما يعمّق خطوط جبهته كخطوط ممرّات إنسانيّة آمنة صالحة لخروج الُمحاصرين باتّفاقات مُعقّدة عبارة عن خارطة طريق فقط، وبضمانة وساطات أُمَميّة، عيون من تجمّع اللّاجئين الجالسين على إسْفِلْت السّاحة الواسعة مُتعلّقة به تنغرز نظراتها في وجهه، والأسماع مرهفة للتمكّن من معرفة الاسم الذي يُنادي عليه ذلك الحارس الجامد كَصَنَم لا يبرح مكانه أبدًا.

..*..

 

   من الأن فصاعدًا صرت من رعايا دولة الـ ( (UNالأُمَميّة، وقّع هنا على استلام بطاقتك الرقميّة، حافِظ عليها.

 

-"احذر المساس بالشريط الأسود اللّاصق على خلفيّتها؛ فإنّه يحتوي على كافّة معلوماتك الشخصيّة، ومن خلاله نتعاملُ معكَ، لأنّك أصبحتَ تحت حمايتنا، ألف مبارك؛ صرت الآن لاجئًا، وستحصل على كلّ امتيازاتك المُتاحة لك، اعتبارًا من الخَيْمة والبَطّانِيّة وكوبون الخبز"

   تأمّلتُ بقايا من نضارة قديمة باهتة على وجه الموظّفة. صرامةُ ملامحها حادّة كقرارات الأمم المتّحدة القاسية، ومُقرّراتها التي لا ترحم مَنْ صَدَرت لأجلهم. مكتب الكَرَفان نظيف أنيق بطاولته الخشبيّة البيضاء، والموظّفة جالسة خلفها، وعن يمينها طابعة موصولة بجهاز (اللّابْتُوب).

  

   تمدّ يدها لسحب أوراقٍ منها، وإيداعها في مصنّف حَوَى ملفّات ممن سبقوني بالدخول. زوجتي تجلس على الكرسيِّ المقابل لي أمام الطاولة, على صدرها الطفل سامر. يلهو بمصّ الحليب من ثَدْيِها، المُغطّى بطرف منديل رأسها المُتدلّي على صدرها. الطفل لم يتجاوز عمره الأربعة أشهر، ذكرى مولده كان يوم اعتقالي.

 

   تاريخ لن يُنسى، سيبقى محفورًا في سُويداء قلبي. والطفل (مَجْد) ذو الثلاث سنوات، عيناه تدوران في رأسه كَلَوْلَبٍ دائمِ الدَّوَران. مُتّكِئٌ على رِجْل أمّه الثابتة على أرضيّة مكتب (الكَرَفان).

 

   صامتٌ درجة السُّكون على غير عادته. وجهه يحكي ألف وألف حكاية، رغم أنّه لم يفهم شيئًا مما سِمعَ ورأى، فقط اِنْتبهَ حينما أجابت أمّه على سؤال الموظّفة عن اِسْميْ وعُمْرَيْ طِفليْها].

*النص مقتبس من رواية فوق الأرض للروائي محمد فتحي المقداد)

..*..

الأربعاء، 10 مارس 2021

إعلان ققج وقراءات عليه

 إعلان.. (ق. ق. ج) 


بقلم- محمد فتحي المقداد 


الجدارُ عارٍ عن نفسه، ومن نفسه. دقّقتُ النّظر.. لم ألمحهُ..!!.

قبل قليل ظننتُ أنّه هو. 

الولدُ يلعب في الخارج، ضَرَبَ بِعصاهُ؛ فاهتزّتٌ الخيمةُ بأكملها.

.....

رد/محمد علي المدخلي

يسعد مساك أ. محمد

بنيت القصة على بعد وجودي بين التعايش مع المكان وبين التطلع إلى الخروج منه.

 *"الجدار عار عن نفسه ومن نفسه"*

وكأنك ترمز إلى ذلك الساتر لايملك من الجدار إلا اسمه.

ظل لسان الراوي العليم يرصد انفعالات الطفل التي أعلنت عن تعري المكان والزمان.

وكأن بالعنوان يسلط الضوء على المشردين عن أوطانهم.

عميق ذلك النص الذي يترك أثر في نفوسنا.


مبدع ✨

... 

*محمد علي المدخلي

رد/ مبدع كعادتك أ. علي قاسم


عندما تسبقنا لأي نص جميل فإنك تعالجه وفق ضوابط القصة القصيرة جدا لتبرز قوته وعمقه.

هنيئا لأستاذ محمد مقدادي بهكذا قراءة.

وهنيئا لنا هنا برقي الذائقة القصصية بوجودكم.

🌹

......

رد. د. عبدالله الطيب.

اجد نفسي امام نص مختزل، ومكثف. فكرته قائمة على الحرفة اللفظية لتصوير حدث بسيط، لكن عن طريق الكلمات الدلالية يمتد الحدث فيشكل قصة كاملة ينسجها القارىء بتفاصيلها. ثم يتفكر في القصة ومآلاتها. 


هذا النوع من السرد يعتمد ويرتكز على نباهة القارىء، وصبره على القراءة المتأنية والمتكررة، مع قدرة هائلة على التخيل القصصي. 


قراءة الاستاذ علي قاسم تناولت النص بالتشريح بشكل جيد. ومداخلة الاستاذ نزار جاءت هي الأخرى باضاءات رائعة.


جملة البداية جاءت بنفس بلاغي ابداعي، بدا اكبر حجما من الققج ذاتها.  

"دققت النظر..لم المحه"، بدت لي زائدة، لأن الجملة التي قبلها تفيد ان الجدار غير موجود (بناء على فهمي المتواضع).


 النص يريد ان يجعل المكان بطلا رئيسا، والمحور له. فهو الجدار وهو الخيمة. أما الولد وحادثة ضرب الخيمة جاءت كأمر ثانوي شارح لمغزى ايراد المكان كبطل للنص. 


تقديري واحترامي ايها المبدع 🌹🌹🌹

......

رد. نزار الحاج علي

تحية للمبدع محمد فتحي مقداد.

والذي أتابعه بشغف على صفحته بالفيس بوك.

بالعودة للنص، جملة الاستهلال ( الجدار عارٍ عن نفسه، ومن نفسه) رغم جماليتها، ليس من المحبذ الاستهلال بجملة اسمية أو وصفية، في الققج.

الأجمل الانقضاض فوراً على الفكرة دون مقدمات.

لكن غرائبيتها ربما تبرر وجودها، فهي تجبر القارئ على السؤال: وماذا بعد.

يعود الكاتب ليدور حول نفس الفكرة، حيث يتراءى لبطل القصة أنه رأى الجدار...

لكن ما قصة هذا الجدار، تقودنا الجملة الأخيرة، عندما ضرب الولد بعصاه، فاهتزت الخيمة.

تحول الجدار إلى خيمة.

الجدار هنا رمز للمدنية، والأمان.

الطفل الذي يمثل المستقبل، أخذ يضرب بعصاه فتهتز الخيام، هذه هي التسلية الوحيدة للأطفال في مخيمات اللجوء.

نص جميل جداً، استطاع الكاتب أن يلمح لنا تلميحاً، ليصف في مشهدين قصة مؤلمة لشعب.

جدار وخيمة.

تحيتي لك

......

رد. أ. علي قاسم

إعلان.. (ق. ق. ج) محمد فتحي المقداد.


"الجدار عارٍ عن نفسه، ومن نفسه. دقّقتُ النّظر.. لم ألمحهُ..!!.

قبل قليل ظننتُ أنّه هو. 

الولدُ يلعب في الخارج، ضَرَبَ بِعصاهُ؛ فاهتزّتٌ الخيمةُ بأكملها."


الاحترافية في النص الأدبي ليست بتكوين وترتيب فكرة وتكلفها بل الاحترافية في ذلك الترابط بين المتن والعنوان والفكرة ودلالة اللغة في الخطاب السردي الرمزي العميق.

وبالنظر إلى العنوان والذي جاء مصدرا " إعلان" 

من الفعل"  علن" والذي يأتي بمعنى الظهور للخفي والكشف عن المستور والانتشار والتفشي ليس فحسب فحين نقول الأمر" نشره وأظهره وربما روج له " وذلك الترويج يتطلب جماهير ويعكس الأهمية لمن يتتبع الإعلان ففي الإعلان مفاجأة وفيه وفيه تداولية بين مرسل ومستقبل ورسالة ويأتي بعد ويأتي للأهمية فهو الحقيقة حين نقول: أعلن الحقيقةأي : جهر بها 

والإعلان الإشهار للأمور المهمة سواء كانت حياتية كالزواج أو تتعلق بسلعة أو وظيفة أو أمر مهم فللإعلان علاقة بحياة الإنسان وعلاقة بالتحول والتغير والمفاجأة والمتاجرة وحتى في  إعلان الحروب وشنها والسلام وتوقف الحرب. حين يقال" أعلنت الحرب" أي" شنت ودقت طبولها." 

باختصار العنوان مكثف مخاتل أبعاده التأويلية لاتنتهي بتفسير وقراءة .

والاحتراف جاء في النص العنوان ليتواءم مع دلالات النص في الحكي" الجدار عار عن نفسه، ومن نفسه" فالجدار هو الحد الفاصل بين شيئين ليحجب الرؤية ويعد حدا فاصلة يخفي المستور ويحجب المشاهدة فتحول لجدار شفاف وهش لايعتمد عليه للحماية وحفظ الحد وصون الحق فهو" عار" انكشفت أسراره وخلعت قوته فاصبحت مرئية وغير مستورة وربما هذا الجدار يظهر العورات فقد تعرى بتلقائية " عن نفسه" عما يمتلك من قيم ومميزات صلبة تميزه عن غيره وتميز غيره عنه ويردف" من نفسه" لم يفرض عليه أحد هذا التكشف والتعري ويتصاعد السرد بالحبكة" دققت النظر لم ألمحه" وكأن الجدار والذي يشغل حيزا من الفراغ تلاشى وتببدد واختفى وكشف المستور

لينتقل الحكي بالسرد إلى مشهد كأنه فيلم قصير " الولد يلعب بعصاه.. ضرب بها الأرض فاهتزت الخيمة بأكملها" كم أصبح الجدار هشا  من ضربة ولد تهتز لضربة عصاه  أركان الخيمة كيف لو كان  شابا  قويا؟!

ربما سيؤثر بشكل أكبر..


-  جاء العنوان محترفا بأبعاد تأويلية لاتنتهي ولايكتفي العنوان بقراءة فقط.

- تناغمت وانسجمت دلالات النص مع خطاب العنوان ورسالته فثمة تعرٍ وتحول وانكشاف للمستور بما يشبه التنازل.

- المفارقة بين قوة الجدار وصلابته وتلاشيه وتبدده وكأنه أصبح أثرا بعد عين.

- المباغتة والقفلة بأن ضربة ولد  تمكن هز أركان البيت فمن أين جاءت له هذه القوة.

- النص مترع بالرموز من " الجدار" الذي يعد رمزا للصلابة والحجب والحماية " إلى لفظ: ذ" لفظ عار " إلى التكشف وانفضاح الأسرار إلى الخيمة التي تعد رمز للحماية والقوة ويتمكن هز أركانها ولد فكيف لو امتلك القوة كلها وهو شاب فتي.

- السخرية في النص واضحة بين تناقض المواقف والقوة والضعف والتحول من الاستتار للعلنية والانفضاح.

الثلاثاء، 9 مارس 2021

مدرسة الحياة

 مدرسة الحياة (خاطرة)


الروائي-  محمد فتحي المقداد


الحياة مدرسة تعلمنا فيها أبجديات عُموميّة وخاصّة.

دفعنا أعمارنا أقساطًا لها.

لم يبق لدينا شيئًا ندفعه.

وما زلنا بحاجة للمزيد من الدروس. ما العمل؟.

على رأي من قال:

- "بني آدم، يعيش، ويموت، وبحاجة أن يتعلم".

- ًاُطلبِ العلم من المهد إلى اللّحد".

نسيتُ حاجة مهمّة:" أنّ بعض الدروس تكلفتها حياة بأكملها.

وأنّ من انتسب إلى جامعة ما، وحصل على أرفع الشّهادات العلميّة فيها".

لا غنى له عن مدرسة الحياة، وبلا الحصول على شهادة يُعلّقها في صدر مجلسه، ليتفاخر بها.

وهناك من تلقّنوا دروسها بصمتٍ تامٍّ: "أكلوا الخوازيق.. وسكتوا على مضض".

وعلى رأي أمير الشعراء أحمد شوقي: (قُم للمُعلّم وفّهِ التبجيلا// كاد المُعلّم أن يكون رسولًا). أحيّي مُعلّمي مدرسة الحياة من المصلحين والنّصابين على حدٍّ سواء، بكُلّ احترام.

ومن لا يستفيد من دروس غيره؛ فهو رااااائع. 

من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

الاثنين، 8 مارس 2021

العابرون

 العابرون لا يكتبون ذكرياتهم. يتركون الأبواب مُشرعةً، لا يُكلّفون أنفسهم عناء إغلاقها. بكلّ تأكيد أنّ الأمر لا يعنيهم.

 المفاتيح ما زالت في أيدي أصحابها، بحرصٍ قابضين عليها، رغم أنّها فاقدة فعاليتها، لكنّها  صارت أيقونة ذكرياتهم المحفورة على جدران قلوبهم؛ فقط..!! تُؤكّد حقًّا ضائعًا. "عائدون".

كلّ ما قيل ويُقال، سجلّه العابرون انتصارًا لهم. 


من كتابي (كيف.. كاف.. ياء.. فاء)

رواية مار خدر. عمر الصايم

 

 

 

البناءُ المشهديِّ

في رواية "مار خدر – للروائي السوداني عمر الصايم"

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

المقدمة:  

   بما أنّ الرّواية عمومًا هي هروب من واقع المأساة، إلى تكوين العالَم المُوازي المُتخيّل في ذهن الكاتب، هو ذهاب لبناء جديد، قائم على بناء مشهديٍّ، يؤثّثه الكاتب وفق رؤيته دراميًّا، لغايات وأهداف ربّما لا تتكشّف عند القارئ عُمومًا.

   عندما تتضّح الرُّؤية لدى الكاتب، ينطلق من فوره للتدوين، لإفراغ حمولته الفكريّة والنفسيّة، وفق رُؤاه مُنطلقًا من ذاته الواعية الحاملة للأفكار، والحالمة بالأمثل على جميع الأصعدة؛ هذه الرّؤى مُتخمة بالرّسائل الهادفة قطعًا، التي يروم إيصالها بهدوء في محاولة التغيير الإيجابيّ في مجتمعه، أيضًا ربّما تتوافق رُؤاه، أو تتقاطع في كثيرٍ أو قليلٍ مع رُؤى مُحيطه الاجتماعيّ، وهو ما لمسناه في نهاية الرواية: (سنمضي سَويًّا، أنا وأنتِ، تاسي، مار خدر، وكابلا، ..و... سنمضي في أرض واحدة بزمن مُتَّصلٍ، ومحبَّةٍ أبديَّةٍ)

   ونحن اليوم أمام رواية جديدة بلغتها العالية الواضحة بسهولة تناولها للقارئ، قادرة على رسم لوحة الفكرة باقتدار. تنوّعت طُرُقها ووسائلها على محمل التداعيات المُنهالة على الرّاوي، العميقة بمراميها ذات الإشارات الرمزيّة والأسطوريّة، نهلت من واقع مليء بالمتناقضات، رواية نشأت القاع الاجتماعيّ، وحاولت كشف المساوئ، والتنبيه للخطر المُستكنِّ المسكوتِ عنه عُمومًا؛ لأسباب كثيرة منها:

-        تفاوت الأفهام، والمدارك لطبيعة الحياة.

-        عوامل الخوف السّاكنة دواخل البشر.

-        تحديّات الفقر والتهميش.

-        الصّراعات الاجتماعيّة عامّة، كالتفاوت الطبقيّ، الاختلاف الطائفيّ والدينيّ والمذهبيّ والعشائريّ والقبليّ.

   الكاتب حالة مُتفرّدة في محيطه، لا يعدو أن يكون شجرة وحيدة في صحراء قاحلة، بشجاعة حدّ التهوّر يقترب كثيرًا من التّابوهات الاجتماعيّة والسيّاسية،  المحروسة بأسوار منيعة، الاقتراب منها ممنوع، والابتعاد عنها مرغوب، لكنّ الكاتب (عمر الصّايم) اقتحم المعمعة، وحاول تصوير المشهديّات التي يراها من خلال بنائه الروائيّ (مار خِدِر) ببراعة، رغم أنّه عمله الإبداعيّ الأوّل. استطاع من  طرحي الواقعيّ ناشدًا التغيير، ولم يجد أفضل وأشمل من خيار مشروعه الروائيّ الذي نحن في رحابه هذا المساء.

***

 

 

 

 

 

 

 

1-مشهدية العنوان:

      العنوان لا بدّ أن يكون مُعبّرًا عن روح النصّ، وهو محور النصّ الأساسيّ بإيجازه الشّديد المُقتصر على كلمة أو اثنتيْ أو ثلاثة أو أكثر، وذلك لاستكمال الدلالة التي يطمح لها الكاتب، وكثيرًا ما يُقال أن العنوان هو عتبة النصّ المُفضية إلى رحاب النصّ ودواخله.

   غرابة عنوان الرواية التي بين أيدينا "مار خِدِر" بعدم إلفته للقارئ، مثير للذهاب بعيدًا في دهشة التساؤلات عن ماهيّته، فلا يوجد كلمة في العربيّة بهذا المصطلح، خُيّل لي وأنا أتأمّل: أنّها كلمة منحوتة لا وجود لها إلّا في ذهن الكاتب "عمر الصايم"، وللتدليل على صحّة ما استطعت تأويله، وأتمنّى أن أوفّق فيما ذهبتُ إليه.

  وللمُتتبّع لهذا المنحى؛ ليتبيّن ذلك فيما ورد من خلال المشهد الخفيّ مونولوجيًا في نفس الصّديقين، و في ص14: "قال لي من هما الرّجلان:" -.......... قال: ربّما الأبيض هو  مَارْجِرْجِس. قلتُ: والأسود هو الخدِرْ". مارجرجس والخضر، لكنّ الضّاد أُبدلتُ بالدّال باللّهجة السّودانيّة الدّارجة.

ليس من السّهل نحت مُصطلح للتعبير عن حالة ذهنيّة في محاولة ترسيخها في الأذهان بداية، ولتثبيته كمعلم يُصار إلى تداوله بني الحين والآخر في دنيا الواقع.

فهذه المزاوجة في العنوان ما بين اسمين ورَمْزَيْن (مارجرجس- الخضر)، يبدو أنّهما رمز للتضحية وللتسامح فيما بين أبناء الإنسانيّة، والتّسامي على الخلافات. ولفتح آفاق العيش المُشترك للجميع.  وفي بعض الآراء يقال بأنّ مارجرجس و الخضر ما هما إلّا ذات الشّخص مارجرجس: هو قِدِّيس حسب معظم الكنائس الشرقيّة والغربيّة، وهو واحد من المساعدين المقدسين الأربعة عشر حسب التقاليد الكاثوليكية. يحتفل به يوم 23 أبريل نيسان من كل عام. ومعنى اسمه الزارع أو الفلاّح. وكم في هذه اللحظات التاريخيّة التّعيسة، وما تمرّ به منطقتنا عمومًا، وبيروت خاصّة، حيث يُعتبر مارجرجس الرمز الوطني لمدينة بيروت ، وقد تغلّب على التنين وقتله، وبيروت تُصارع محنة غائلة التنّين لابتلاعها.  ومن أسمائه (جرجس، مارجرجس، جاورجيوس، جورج)، القدِّيس مار جرجس مارجرجس الفلسطينيّ: لأنه ولد سنة 280م في مدينة اللُّدّ في ولاية فلسطين السوريّة لأبويْن مسيحيّين من النبلاء. كما أنّ والدته كانت من مدينة اللُدّ بفلسطين،  وهو "أمير الشهداء" في الديانة المسيحيّة، اكتسب شهرة ومحبّة وتبجيلاً لم يحظ بها أقرانه من القدِّيسين والشهداء، ثبت على مبدئه وعُذّب ولم يتراجع، ومات شهيدًا بعدما قتله الإمبراطور الروماني)دقلديانوس) عام 303م،  حينها كان الرّومان يضطهدون المسيحيّين في تلك الفترة.

***

 

2- مشهدية الأنسنة

   "الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة، الأحجار تخبئ الذهب والعشب، وترتسم خطواتي على صفحة النهر، ضوء ابتسامتي يشع في محفَّة الريح، من أكون غير مار خدر  الواواتي! سليل الفجيعة القديمة، والأهرامات المترنحة" ص9

   من اللّافت للنظر: أنّ هذه الفقرة تكون منسوجة بدقّة وحذاقة، وقد حيكت بأيدي ماهرة بطراز أدبيّ فريد، توقّفتُ .. وتوقّفتُ أتأمل هذا الفيض الرّوحيّ للكاتب عمر الصايم. ومحاولات أنسنة الأشياء المألوفة بحكم عوامل الزّمن، والتعايش معها أذهب كثيرًا من مؤثّراتها في النّفوس، بينما لا أرى هذا الكاتب؛ إلّا مثل امْرِئ القيس حينما: وقف واستوقف.. وبكى واستبكى.  

يقول الروائيّ "عمر الصّايم" :

-"الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة":

   تشبيه الأرض بالإنسان، حذف كلمة الإنسان وأبقى شيئًا من لوازمه، والاحتفاء مثلًا في أوّل ما يتبادر إلى الذّهن هو للضيّف القادم والمسافر، والاحتفاء كذلك يكون بشيء معنويّ، كما الاحتفاء بنجاح أو فصل من فصول السنة.  أمّا أنّ الأرض تحتفي، وبأيّ شيء تحتفي بالوجوه المحروقة، وكأنّها إشارة من الكاتب إلى أفريقية المُحتفية بإنسانها الذي لوّحت الشّمس وجهه، فكأنّها حرقته، والإنسان الأسمر هو ابنها الحقيقيّ.

-" الأحجار تخبئ الذهب والعشب":

   الأحجار تُخبّئُ وكأنّها حريصةٌ مؤتمنة على ثرواتها بأمانة، تُخبّئها من أجل أبنائها لإسعادهم بها، خوفًا عليها من أن تُنهبَ بيد غادر أفّاق، وهنا إشارة مهمة للخيرات المكنونة في أفريقية عمومًا.

-" وترتسم خطواتي على صفحة النهر":

   لله درّكَ يا عمر، وأنت ترسم لوحة مُجسّدة قائمة بحقيقتها أمام عينيّ، ما هذه المهارة والتلاعب بالكلمات، وكأنّك تهيّئ قارئك بتخديره في لجّة عندما ينسجم، لتأخذه معك بعيدًا، وأينما تُريد.

الخطواتُ ترتسم بثقلها وآثرها، والخطوات لزوم المشي والانتقال. وأين مسرح تحرّكها..!! على صفحة الماء؟. وكأنّك ترسم قوانينك الجديدة من خلال مشهديّة اِستأنستها، لتُقنعني بأنّ صفحة الماء صالحة لممارسة فعاليّات عليها، لأذهب بنفسي ومن تلقاء نفسي.  

-"ضوء ابتسامتي يشع في محفَّة الريح":

   ضوء.. وابتسامة.. ويشعّ.. كلمات جمعها لرسم لوحة جديدة، لفتح مخيال القارئ على آفاق التأويل، الذي ربّما يتطابق أو يتقاطع مع غرض الروائيّ من إيرادها خاصّة مع الرّيح التي لا تُبقي ولا تذر. فكيف توافقت كلمة "ضوء ويُشع" الضوء كثير.. نزل إلى مستوى شعاع، وهو عبارة عن خيط من ضوء، وكأنّي به يريد أن يثبت لي قدرات الإنسان غير العاديّة، إذا ما ترجّل قائمًا ناهضًا بإرادة وعزيمة قويّة، بأنّه سيصنع المُعجزات، التي ستقلب الموازين على رؤوس حاسبيها.

 

-"من أكون غير مار خدر  الواواتي! سليل الفجيعة القديمة، والأهرامات المترنحة": كلّ اللّوحات هذه التي رسمها عمر الصّايم بحروفه، لم يطب له إغراقنا في متعة عوالم لوحاته، فاستجلب لنا صورة أخرى من التساؤل التّاريخيّ، رغم أنّه لم يأت بكلمة تاريخ بتاتًا، بل بدلالة كلمة "القديمة" و"الأهرامات"، هذا الاستحضار منذ أوّل كلمات الرواية "مار خدر"، ما هو إلّا  إبراز هويّة الرّواية، وإعلان انحيازها التّاريخيّ، الذي ستستقي منه بعضًا مما يتوافق مع خطّها في سرد الحدث، من خلال تقاطعات وإسقاطات كثيرًا ما يلجأ إليها الكاتب هروبًا من سطوة الرّقابة، ومن عدم تسمية الأشياء بمسميّاتها الحقيقيّة، ابتعادًا عن الشّخصنة بتعالقاتها من الواقع المشحون المأزوم حدّ التُخمة، ولاستلهام دروس التّاريخ، للاستفادة من دروسها، ولتكون جسر عبور للمستقبل المنشود.

***

 

3- مشهديّة ثنائيّة السّلطة والكهنوت:

   منذ فجر التّاريخ مع قيام أوّل سلطة تُحقّق أغراض الأقوياء، بفرض سيطرتهم وإخضاع شعوبهم، والشعوب المجاورة من خلال الحروب والاحتلال، لفتح آفاق الاستحواذ على الثروات.

   وهناك زواج غير معلن بين رجال السّلطة، ورجال الكهنوت الدينيّ والمُشعوذين بما لهم من سيطرة على عموم فئات الشعب،  بتدبير من سلطتهم  المُستمدّة من الآلهة. لابدّ من امتداد سلطتهم لتبارك الحاكم بداية، لتحقيق سلطتها، والحاكم بحاجة توطيد سلطته من خلالهم.

ومن خلال تضارب المصالح بين قُطبيْ السّلطة: الحاكم ورجال الدّين، يحدث الصّراع الخفيّ والمُعلن، وتكثر الدّسائس والمؤامرات، وتُسفكُ الدّماء، ومنذ الصّفحة الأولى، بعد إجبارنا لاجتياز بوابة التّاريخ بهذا الزّخم النّشِط؛ لدخول رحاب الرّواية؛ مُحمّلين بالهواجس والمخاوف، في محاولة لاستكشاف المسار والمصائر.

يقول أيضًا عمر الصايم:

   ("في البدء لم أنتبه لرفضِ الكهنةِ  لما يفعله الكُور الأعظم، قمّ بدا الهمسُ يتحوّلُ إلى جهرٍ. ناداني الكاهنُ الأكبرُ، وسألني: "ما رأيكَ في جلالتهِ؟". بدهشة أجبتُه: "هو من أفضلِ ملوكِنا". قال: "الإله غاضبٌ عليه، ولا بُدّ أن نقتله حتّى يتقدّم شعب مَدَوي".

  بعد هذه الحوارية، ننتقل إلى مجاز المونولوج الدّاخليّ، على لسان البطل بانفعال دواخله:

"أنا الغاضبُ عليكَ، وكلُّ شعبُ مَدَوي، لو أنّك  الأفّاق، سألتُ اشجار الهَشَابِ، وقرون الأبقار الميّتة عن سِرِّ غضبها؛ لقالتْ: أنتَ، أنتَ من مُغْضبُها الرّجيمُ من ظِلّها ودُعاشِها".

   قلت: "اقتلوني قبل أن تُلامسوا جلالته". ملأ أنفَه بالهواء كَتيْسٍ نَتِنٍ، وقال: "نعم يجب قتلَكَ قبلَهُ؛ فأنا أشْتَمُّ في جسدِكَ روحَ أُنثى داعرةٍ، تعالَ لنُطهِّركَ منها".) ص10

لم تنته الصّفحة الأولى، حتى يتتابع الحدث التاريخيّ، بتصوير بارع الصّراع على السّلطة، بممارسات الأقوى، بوضوح ووقاحة بالكذب والإيهام والتوهيم للعامّة. حواريّة عبر لوحة مشهديّة أخرى تُحتسب في رصيد الرّواية المكتنزة بوفرة الحدث التّاريخيّ حدّ الإتخام.

***

 

 

4- مشهديّة العنصرية:

التمايز سمة الكون والإنسان، ولما تنحرف الفطرة الإنسانيّة باتجاهات غامضة بانحرافات، لتحقيق أهداف ومطامع، تُجرّد الإنسان من إنسانيّته، فبدل أن يكون الإنسان أخا الإنسان، ويبذل له أسباب السعادة والرحمة.  جعلت أطماعه منه وحشًا كاسرًا يأكل الحقوق وينتهكها، ويقمع بشدّة وقلب كالحجر لا يلين، بمجيء الديانات السماويّة على مبادئ ربانيّة مُشتركة، لما فيه خير الإنسانية. لكن الأتباع بطريقة ممارستهم الخاطئة لمعتقدات ديانتهم، انحدروا إلى الحضيض، بتحقير المختلفين دينيًّا عنهم، وإيذائهم قولًا وعملًا. وهذا مخالف لروح عدالة الأديان التي هجروها إلى دائرة الأطماع والمكاسب بشتّى أنواعها.

   جاءت رواية "مار خدر" على معالجة هذا الموضوع، من خلال الصديقين، وتحكي قصة العنصرية البغيضة: التي تفرق الناس وتزرع في قلوبهم وأرواحهم الغصة مدى الحياة “استيفان” عاني من العنصرية لكونه أبيض في مجتمع من أصحاب البشرة السمراء، كما أنه مسيحي ويعتبر أقلية بينهم، مما جعله عرضة للعنف من قبل زملائه في المدرسة، والاعتداء الجنسي من قبل أحد المدرسين، لكنه قاوم استسلامه وضعفه، وأصبح قويا لكنه لم يجد الحب بسبب لونه أيضا ووضعه في المجتمع، فاضطر إلى الهروب من ذلك المجتمع القاسي، ليذهب بعيدًا في بلاد ظنّ فيها أنه سيجد إنسانيته المهجورة في بلده، ويذهب إلى ألمانيا على أمل أن يجد مجتمعًا أكثر تحضرا؛ليفاجأ بوجود عنصرية بغيضة هناك تتسبب في مقتل الملونين، ومقتل حبيبته الألمانية وينتقم لقتلها ثم يصبح قاتلا محترفا.

***

 

 

 

 ختامًا:

    الرواية "مار خدر" مليئة وطافحة بالمواضيع بالكثير من المشهديّات، وبحاجة للكثير من الدراسات النقديّة، لما تحتويه من جوانب جاءت على معالجتها بطريقة ذكية، حكت التاريخ بحيثيات إسقاطيّة ذكيّة، والفقر، والمنظومة الاجتماعية المُنهارة، من أسباب السياسة الفاسدة، والاقتصاد المنهار يسوء إدارته، وتحديات العولمة بنهجها الرأسماليّ السّاعي لنهب مقدّرات العالم، وتحميع الثروات بأيدٍ قليلة.  

 

عمّان – الأردنّ

8/ 3/ 2021

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأملات قرآنية