السبت، 20 فبراير 2021
نوران الحوراني . يا ثلج
يا ثلج (خاطرة)
يا ثلجُ (خاطرة)
التعلي
قراءة ميسون حنا. على رواية فوق الأرض
قراءة لرواية (فوق الأرض)
للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د. ميسون حنا
فطين الشخصية الرئيسة في رواية فوق الأرض، هذه الشخصية المختفية خلف الكواليس، يتقمص فطين شخصية المقداد كاتب الرواية؛ لينوب عنه في سبكها، ولكنه يتمرد، ويأبى أن يكون السارد؛ ليتوارى خلف شخوص الرواية، ويتيح لهم أن يروُوا حكاياتهم، وينسجوا خيوطها من واقعهم المظلم المليء بالقصص والأحداث.
فنتذكر رواية (ميرامار) للأديب العالمي نجيب محفوظ، و (راشومون - للياباني ريونوسوكي آكوتا جاوا) ففي الرائعتين، يروي كل شخص من شخوص الرواية الحادثة من منظوره الشخصي؛ فتختلف الروايات والتأويلات، ولكن في رواية المقداد تتشابه الروايات، وإن اختلفت بأحداثها، ولكنها جميعها تعبر عن مضمون واحد: ألا وهو الظلم الذي يقع علينا، يا من نعيش فوق الأرض.
ويرى فطين أن هناك حاجز وهمي يفصلنا عن هؤلاء الراقدين تحت الأرض، إذ يقول: (ما يلاقيه الميت تحت الأرض في قبره من عذاب وحساب لا يقل عما يحدث فوق الأرض من ظلم وتظالم)، والظلم يدل على أن هناك أناس يقع عليهم فعل الظلم؛ فَهُم مظلومون، والظالم يبقى ظالمًا، والمظلوم سيبقى مظلومًا، وهما نقيضا وجه العملة واحدة، والانتهازيون والعملاء هم من تحولوا بمواقفهم المعادية للنظام؛ وأعداء الأمس هم أصدقاء اليوم كما ورد في الرواية،
أبطال الرواية جميعهم يعانون من الظلم، منهم من استشهد مثل فادي الرائد بالجيش، ومنهم من استشهد بيد النظام مثل نادر، وكلاهما شهيد بعرف الدولة والشعب.
وأشخاص الرواية يروون حكاياتهم النابعة من معاناة الشعب السوري؛ فمنهم من استشهد كما سبق وأشرت، ومنهم من أصيب بعاهة جراء إصابته بشظية مثلا، ومنهم من اضطر ليهادن (من جعلت يده تمتد لمصافحة الأيادي السوداء اللابسة القفازات البيضاء الأنيقة سعيا للوصول إلى رغيف الخبز رمز البقاء الأعظم) ص ٢٤٠.
وهناك الرحالة القادم من ليبيا، عند عودته يظهر الولاء عكس ما يضمر في قلبه من أحقاد (داخله المأزوم بصراع ما بين الذات والواقع المفترض أن يعيشه) ص ٨٢ ، وعليه استخدام طاقاته الهائلة للتوفيق بين حالتيه الحقيقية والزائفة، ومنهم من فضل الهجرة والهرب مثل فاضل، وخير مثال لرفض الواقع والهروب منه هو هالة نجم الدين الفنانة التشكيلية المهاجرة إلى إيطاليا، وهالة تتميز بثقافتها العالية، وطموحاتها الكبيرة إذ تسعى لإقامة معارض للوحاتها التشكيلية في بلاد الحرية.
وبذكاء الروائي يعلن أحد شخوص الرواية نصار: عن تشابه كبير بين وجهي هالة وحبيبته حمدة، والتشابه هنا ضمني، هو تشابه في القلب والوجدان حيث أن حمدة لا تختلف عن هالة في رفضها للظلم، ولكن طريقة التعبير عنه عند هالة تتخذ مظهرًا مختلفًا، تعبر عنه هالة بتعابيرها الواعية، والتحليلية لواقع الحال مع أنها ترى الفرق شاسعًا بين حياتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية، وبين التقاليد والحياة في الغرب، ومع ذلك تسعى للانتشار في بلاد الغرب ، ويهييِّء لها فكرها أنها تستطيع أن تعبر هناك بحرية عن آرائها الرافضة للظلم، ومع ذلك هي لا تختلف عن الأم الثكلى بولدها الشهيد ؛التي تعبر عن حبها بفقد ولدها إذ تقول: (دموعي غير قابلة للدخول في مزادات المتسلقين على الواجهات الإعلامية وأرفض التفاوض عليها وستبقى لعنة للتاريخ) ص٢٣. هذه المرأة البسيطة تعبر بشفافية عن وجعها، وتعكس ثقافة أكسبتها إياها التجربة والمأساة والإحساس بالظلم، والمعاناة.
اكتسبت هذه المهارات بالفطرة عكس هالة التي نهلت ثقافتها من علمها وفنها، ولكن فطين يفاجئنا في النهاية، إذ يعلن اختفاء هالة الغامض، لنستنتج أن القمع يمارس في بلاد الحرية تمامًا، كما يُمارس في بلاد القمع، ولكنه يُمارس هناك بفنية عالية يُمارس بهدوء، وصمت، وسرية تعلن عن ذاتها بالتواء؛ فالظلم عام وشامل، ويتخطى الحدود؛ ليعم العالم إذ يعبّر الكاتب، بقوله (البؤس لا يستحي بالإعلان عن نفسه سواء كان في روما، أو الدنمارك ، أو باريس، أو دمشق، أو بغداد، أو صنعاء) ص ١٣٩.
الرواية كتبت بأسلوب شائق، ينم عن خبرة ودراية بفن الرواية، وجاءت بمضمونها لدعم الإنسان أينما وُجد، والسعي لحياة حقيقية يحلم بها المواطن العربي ليعمّ السَّلام، وتنتهي الحروب، ولكن أبطال الرواية يقفون على شفا الهاوية بين السُّقوط والصُّمود، ويتوقّف الكاتب عند هذا الحد؛ ليترك للزمن والتاريخ رسم المستقبل المنشود.
الزرقاء – الأردن
18\2\2021
الخميس، 11 فبراير 2021
كتب أحمد المقداد على قارعة خاطر
*قراءة في كتاب على قارعة خاطر*
مع بداية العقد الحالي وتضخم استخدام الانترنت وسهولة وصوله لجميع الناس بمختلف ثقافاتهم ، انتشرت ثقافة العناوين لدى غالبية القراء كواحد من الأعراض الجانبية لهذا الانتشار ..
وعنوان هذه الكتاب .. هو كتاب بحد ذاته
لأنه يشد القارئ لمعرفة ما فيه .. حتى الشريحة الكبيرة من المجتمع التي تعيش ثقافة العناوين المقوقلة
حاسة التذوق الأدبي ذات خاصية تراكمية .. تحتاج للقراءة المتواصلة والمتنوعة ..
وتشترك بخصائصها مع الحاسة السادسة التي تخمن من هو الكاتب من صياغة حروفه وعمق كلماته وتعدد تأويلات الفكرة الواحدة
وقدرته على صياغة معاني متضادة الفهم بنفس الفكرة بحيث تختلف القراءة من متلقي لآخر وقد تصل أن تكون القراءات متعاكسة
وهذه هي الميزة الخاصة للكاتب والذي يتفرد بها
في كتاب على قارعة خاطر لن نجد الطريقة النمطية المعتادة من الكاتب هذه المرة
سنجد طعماً جديداً لمن سبق له تذوق هذا الصنف من الأدب
نجد الانتقال من أقصى اليمين الى أقصى اليسار بطريقة تشبه السفر عبر الزمن
نقرأ في ثقب الباب وما يحتويه من معاني ورموز واشارات وأفكار تأخذك من أقصى اليمين حيث الثقب الصغير وما يمكن أن تراه من خلاله، ثم يعيدك الى أقصى اليسار فجأةً حيث ان خلف هذا الثقب عالم فسيح ثم يعيدك أيضاً فجأةً الى المنتصف بتوسط هذا الثقب لموقعه في الباب ، وموقفه الوسطي رغم تعدد استخدامات هذا الثقب بحسب هوية المستخدم
الشيء نفسه ينطبق على الممحاة
وتأويلاتها ومعانيها واستخداماتها واسقاطاتها كلها على قيم الحياة
تم صياغتها جميعاً في وجبة أدبية دسمة ذات طعم فريد ومختلف وجديد ولذيذ لم يسبق تذوقه من قلم الكاتب
وجدت نكهة جديدة في هذا الكتاب وهي التكثيف
كما جاء في أدب اللجوء والمهجر
أدب اللجوء .. جملة قصيرة من كلمتين ذات معاني تحتاج لشروحات وتحمل عناوين وتفاصيل كثيرة تم تكثيفها بمصطلح واحد
مصطلح جديد لم يسبق تداوله على الصعيد الأدبي كمصطلح أدب المهجر مثلاً
يمكن أن يصبح الاسم المطور والمشترك للاسم القديم ..
وجدت الفكرة العميقة بالجمل البسيطة
كما جاء في جملة " أنا متفائل حد الفجيعة"
وجدت البعد السياسي في دمج مع البعد الديني
كما في متابعة لصورة أبي جهل في دمشق
وقد وجدت معاني اعتقدت جازماً أن أحداً غيري لن يجدها لدرجة وصلت من الخجل في طرحها حتى لا تكون مثار تندر وسخرية
وفي بعض الأحيان لم أجد شيئاً
في حين وجد غيري فيه الكثير
كما حدث في حوار الفاصلة والنقطة
حيث انني قرأته من جوانب كثيرة ، واعتقدت انني بحاجة لقراءته في ظروف أخرى تركيزي فيها أفضل
ولكن عبثاً أحاول ..
لم استطع ايجاد شيء لدرجة الاضطرار للسؤال والاستفسار من الكاتب ما هو المقصود ..
وجدت أفكاراً كنت أقف عندها وأعيد قراءتها بتأنٍ
كما في فكرة الموبايل الذي يختزل كل الأجهزة القديمة من تلفاز وراديو ومسجل وكاميرا والة حاسبة ودفتر ملاحظات وهاتف والتي سنضطر لحملها اينما ذهبنا
حيث أن هذه القراءة للموبايل لم تخطر بالبال يوماً
وأيضاً استوقفتني جملة "الحياة عبارة عن سطر يبدأ بالاسم وينتهي برقم القبر"
وأيضاً جملة "اللجوء فرصة حياة أخرى" فقد استدعتني لأقف عندها هي الأخرى
وكذلك جملة اللقاء الأخير لا يقل أهمية عن اللقاء الأول
كلها عبارات .. رغم أنها مألوفة الا انها تستدعي التوقف عندها وفهمها بطريقة مختلفة وجديدة
على قارعة خاطر .. هي الخلطة الجديدة التي قدمها الكاتب في محتوى خاص وفريد تميز عن كل ما سبقه
على قارعة خاطر .. هي بذرة نوع إبداعي جديد للأدب يبزغ
على يدي الكاتب
على قارعة خاطر .. هي نتيجة طبيعية لنوع من الأفكار يحملها الكاتب
وقد سماها ذات مرة في احدى مقالاته من عشر سنوات وهي الأفكار المُولّدة
والتي تتناثر من الفكرة الواحدة مجموعة أفكار بشكل لا نهائي
على قارعة خاطر .. حلقة مستقلة في سلسلة أدبية متصلة ..
انتهى…
الأربعاء، 10 فبراير 2021
البعد الاجتماعي في رواية(هنا ترقد الغاوية)
البُعد
الاجتماعي
في رواية
(هنا ترقد الغاوية) للروائي اللبناني محمد إقبال حرب
بقلم
الروائي- محمد فتحي المقداد
مدخل:
الصّراع سِمةُ الوجود الإنسانيّ في هذا الكون
منذ بدء الخليقة، وتتشابه حالاته في كثير من مُعطياته بفارق الزّمان والمكان.
دوافع حركة الحياة ولّدت الرّغبات.. الأحاسيس.. الآمال.. الأحلام.. الدموع..
الأحزان، ولم تزل راسخة ساكنة في واقع المُجتمعات البشريّة؛ منذ جيلها الأوّل بين
هابيل وقابيل أبناء سيدنا آدم عليه السّلام.
رواية (هنا ترقد الغاوية) تُعتبر
ببنيتها السّرديّة قد أخذت المسار الاجتماعيّ المُوشّى ببعض التلميحات السياسيّة،
وهذا لا بدّ منه لتكامليّة أيّ عمل روائيّ مهما كان، أثناء مُتابعتي لأحداثها قراءة؛
ظننتُ نفسي أمام (نجيب محفوظ) و(عبد السلام العجيلي)، وهما
من سادة المدرسة الواقعيّة الاجتماعيّة.
العنوان:
جاء العنوان بكلماته الثلاث بأبعادها
الدلاليّة؛ لتأكيد القضايا التي عالجتها رواية (هنا ترقد الغاوية).
-(هنا) وهي اسم إشارة دالّ على
المكان القريب المُشاهد؛ المُؤكّد بواقع تلتمسه الأحاسيس، وهو لخطاب آخر يُعاين
ببصره، ويستمع بأذنيْه لصوت القائل، مع اشتغال الأحاسيس التي لا تظهر تفاعلاتها
إلّا بمتابعة الحديث.
-(ترقد)
كلمة بصيغة فعلية تفيد الحاضر والاستمرار أي الفعل المُضارع. والفعل لا بُدّ له من
فاعل ضمن حدث، يُنتجُ مفعولًا به أو فيه.
ومن
نام رقد في فراشه، ومن استلقى تحت شجرة أو غرفة أو الى حافّة الرّصيف، أو في أيّ
مكان لأخذ قسط من الرّاحة، لن يكتمل المعنى المُراد من كلمة (ترقد) في
العنوان إلّا بانضمام الكلمة الثالثة لها، لتشكيل مفهوم يتكامل معناه في ذهن
المُتلقّي سلبًا وإيجابًا.
-(الغاوية)
بالرجوع إلى ثُلاثيّها (غوى) وغاوي؛ فمن أغواه الشيطان فقد أضلّه، وربّما يُمعن في
متاهات الضلال. وبالتحرّي المُعجميّ لاستجلاء دقّة المعنى المُراد من توظيف هذه
الكلمة في عنوان الرواية: (غوَى يَغوِي، اغْوِ، غَيًّا وغَوَايةً وغِوايةً، فهو
غاوٍ، وغَوِيّ، وغَيّانُ والجمع: غُوَاةٌ، وغاوُون، وهي غاويةٌ والجمع : غاوياتٌ
والمفعول مَغْوِيّ – للمُتَعدِّي).
بالغوص في دروب استطرادات المعاني
المُتولّدة تتضّح الصورة ببهاء، كما اشتهى وأراد الروائيّ (محمد إقبال حرب)
بإيراد بعض الأمثلة: [الشَّابُّ: أَمْعَنَ فِي الضَّلاَل (مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، غَوَاهُ الشَّيْطَانُ: أَضَلَّهُ، أَغْرَاهُ، غَوَى:
حاد عن الحَقّ ومال إلى هواه، غَوَى الرضيعُ: أَكثَرَ من الرَّضاع حتى اتَّخَم
وفَسَدَ جوفُه[..
وبالتوفيق
بين الكلمات الثلاث؛ بإعادة التركيب بعد التفكيك اللغويّ الدلاليّ، يبدو العنوان (هنا
ترقد الغاوية) يفتح فضاء العتبة الروائيّة، لتتسّع رؤية القارئ بإثارة
التساؤلات، في محاولة مبدئيّة لتفسير أبعاد العنوان، من خلال التأويل برسم صورة
مُتخيلةّ لما وراءه.
أمّا
وقد أخذ العنوان الرّئيس للرواية، أحد العناوين الداخلية في الرواية. لتأتي
الإجابة الشافية الكافية على لسان (صابرين) بطلة الرواية الني دارت عليها
محاور الحدث السرديّ حتّى نهاية الرواية، ومن أولى صفحاتها. وبعدما قالت بفصيح
العبارة لم تترك لنا مجالًا للتخمين والتأويل: (أخاف أن أموتَ؛ فيُكتب الناس
على ضريحي هنا ترقدُ الغاوية، غاويةٌ تُحيكُ غِيّها كالأرملة السّوداء. لا بل
سيكتبون "هنا ترقد الزّانية" نعم.. لن يكتبها شخص واحد.. بل كلهم
سيكتبون معه بإفكهم: هنا ترقد الزانية) ص١٢٥. و(زانية شريفة يا لحكمة
الأقدار..!! شريفةٌ توصِمُ وجودها بعارٍ لم ترتكبه، تبًّا لعهدٍ أصبحت فيه الشريفة
ركن مهانة..!) ص١٢٦.
المنظومة
الاجتماعيّة ذات المفاهيم الرّاسخة بسيطرتها لا تتزحزح قيد أنملة في أذهان
الأفراد، وتُشكلّ بأناها الأعلى تابُوهًا مُقدّسًا ممنوع الاقتراب منه أبدًا.
ويُنافس القِيَم الدينية الحقيقية، ويطمس كثيرًا منها. وصيرورة العُرف الاجتماعيّ
بديلًا للهَدْي السماويّ.
الشخصيات
الروائية:
الحدث الروائيّ امتدّت مساحته ما بين مصر في
الشرق الأوسط، والولايات المتّحدة الأمريكيّة، لكن مرتكز الأمر قام على عدد محدود
من الشخصيّات التي اِنْبَنى عليها العمل بأكمله.
وفي كلّ عمل هناك الشخصيّات الرّئيسة
والثانويّة، وكثير من الأعمال الروائيّة قامت تراتبيّاتها على البطل الأوحد. بينما
في رواية (هنا ترقد الغاوية) قامت على تقاسم تشاركي للبطولة.
عائلة (تامر) وأخته (صابرين)
وفيما بعد جاء دور ابنته (هنادي). وجاء دور (آدم – غسان) و(حوده) رغم
أنّه شرارة انطلاق قصّة المأساة عندما اغتصب صابرين في مصر فقد كان دوره مغمورًا، وكأنهّ مُكمل للحدث. هؤلاء بدأ
بهم الحدث في مصر، وانتقلوا لظروفهم إلى أمريكا، ليمتدّ إكمال حيثيّاته هناك.
(د. جون) الطبيب النفسي المعالج
لصابرين، وتابعها حتى مرحلة شفائها، و(د. منصور) دورهما ثانويّ للضرورة
القصصيّة. حيث أن د. منصور جاء في الأخير؛ لإضفاء صيغة رؤية ابتكرها د. جون.
سردية
الرواية:
منذ أيام (رفاعة الطهطاوي) في
منتصف القرن الثامن عشر، عندما ظهر كتابه (المرشد الأمين في تربية البنات
والبنين)، ومازال موضوع تحرير المرأة يأخذ أبعادًا مختلفة. الرواية رصدت جزءًا
من تعالقات الحياة الاجتماعيّة في الشّرق المُحافظ، وتشابكات طبيعة العلاقات
القائمة في مجتمعات شرقيّة تتشابه في الكثير منها، وتختلف أيضًا في الكثير الآخر.
العادات والتقاليد راسخة في يوميات النّاس؛
فأصبحت قانونًا مُقدّسًا، لا يمكن اختراقه بالخروج عليه، لأنّ المنظومة مُتَّفقة
على ذلك، مُتكافلة مُتضامنة في الاِسْتخذاء خُضوعًا للأقوى. من هنا تظهر أن قوّة
الأقوياء من ضعف الضعفاء. والأقوياء يفرضون شروطهم بالقوّة والإكراه.
وقضايا الشرف تُعتبر قمّة التعاطي مع أيّ أمر
باختراقها على أنه جريمة لا تُغتَفَر.
فالنساء حرم مُقدّس كالعبادة، والعِرْض رديف
الأرض في المفهوم العامّ تُراق من أجله الدّماء أنهارًا إذا ما انتُهِك. وجرائم
الاغتصاب من هذا الصنف من الجرائم، ففي الأعراف العشائرية: تُقتل المجني عليها،
ويُمجّد الجاني بما اقترفت يداه.
مع أن الشّريعة تُجرّم الفاعل والمفعول به
كلٌّ حسب العقوبة المنصوص عليها. كما أن القوانين القائمة على قاعدة الأحوال
الشخصيّة والمدنيّة؛ تُجرّم القائم بالفعل في حالات الاغتصاب القسريِّ في حال
الادّعاء من المجني عليه.
-كيفية سرد الرواية جاءت على محمل
الذكريات الموجعة في بلاد الاغتراب، بعد مغادرة الوطن، للدِّراسة ولتحسين الظروف
المعاشيّة، كَوْن الشرق يودّ لو كان باستطاعته الارتحال إلى الغرب؛ فقد ورد: (اختلط
الواقع بالخيال، الذكرى بالصورة، والصورة بالدموع) ص١٨. و(ارتطم الطفل في
داخله بمدار الذكرى مُترنّحًا، وسقط) ص١٩.
منذ البداية أفصحت محامل الرواية عن نفسها، حيث أنّ مساحات الذكريات للحدث
في حيّز زمكانيٍّ مُحدَّد، تفتح آفاقًا واسعة متأنيّة بوعي لتقييم الأمر، وتقليبه
على ضوء التفكير الهادئ والسَّليم.
-قضايا الفقر نتيجة الفساد، والدكتاتوريّات
العسكرية عندما أحالت الحياة جحيمًا. تتعالى تواثبًا أشواق الهجرة الدَّائمة من
الأوطان العاجزة عن تقديم الرّفاه لأبنائها الذين لا يفتؤون يتطلَّعون ساعين بكلِّ
ما أوتوا من قُوَّة وجهد للهجرة، للعمل في جَلْيَ الصُّحون في المطاعم الأجنبيّة.
والبطل غسّان، وفيما بعد هجرته لأمريكا تسمّى بآدم: (تأرجّح بين مِنَصّة الماضي
والحاضر، حاول الوقوف ثانية؛ ليؤدّي دورًا جديدًا. دونما يأس أو شكوى مُكابدًا
الفشل، حتّى نجح في مسعاه، ووقف بشموخ) ص٢٠، و(سعى لمزيد من النَّجاح في
مُهمَّة صعبة، أقصى آمالها الوصول) ص٢٠.
فعلا أقصى الأمنيات الوصول إلى حافة حياة كريمة، تليق بالإنسان هناك في
بلاد الاغتراب. وآدم ذلك الشَّاعر اللُّبنانيُّ كان يعيش في الخليج. كتب أشعاره في
محبوبته، وبقيت طيّ دفاتره وأوراقه، بعد هجرته عاد إلى ذكريات تُداعب قلبه وفكره،
ولم يكن يخطر بباله أن يلتقي بمحبوبته ثانية. هناك افترقوا.. وكان اللّقاء هنا مع
صابرين، صاحبة الأشعار التي كُتِبَت من أجلها، جاء اللَّقاء في رَمَق حياته
الأخير، بعد ذهاب الشَّباب ولذّته.
-حدسُ الأنثى غالبًا لا يخيب؛ فقد
تردَّد تهديد (حودة) بالعودة لاغتصابها من جديد، وقتلها، رغم تباعد
الزَّمان والمكان بينهما. صابرين أصيب بحالة عصبيّة من الضغط النفسي من
التَّخييلات، والعذاب النفسي مما تعرضّت له من اغتصاب، نظرة المجتمع القاتلة لها،
وتأنيب الضمير، وما بين صوت العقل.. ونظرة أخيها تامر في الانتقام لتبييض
شرف العائلة، ومحو العار، أصيبت بحالة هوس اكتئابيٍّ أدَّت بها إلى مزيد من
الهلوسات والفزع. واختلال نظامها الحياتيِّ، إلى أن نُقِلَت إلى مَصحَّة نفسية بعد
حادث أليم قضى على أخيها تامر.
وما منعه من قتلها، والانتقام لشرفه المزعوم
منها: هو رغبته بالحصول على الجنسيّة الأمريكيّة.
-موضوع الرواية الأساسيِّ والأبرز،
قضيّة جرائم الشَّرف في الشرق عمومًا. البنت صابرين تعرّضت لحادث اغتصاب في بيت
عمّها؛ أثناء إقامتها معهم لظروف الدِّراسة في المدينة، عندما قدِمت من القرية.
-الرواية سلَّطت الضوء على موضوع
اجتماعيِّ مُهِمٍّ جدًا، دور رعاية الأيتام، ممن فَقدوا آبائهم وأمهاتهم، وأبناء
السّفاح، ومجهولي النّسب، وأسس التربية، الانحراف إلى الإجرام، وربط ذلك مع الفقر.
ومثال ذلك الصبي (حودة)، الذي جلبه عمُّ صابرين من دار الرعاية
وتبنَّاه، بقصد أن يُربِّيه، ويعمل معه في مهنته.
-تفاعلات الحدث جرت في مصر، والظروف
عمومًا هناك لا تسمح بالحديث والنقاش، والإصغاء لصوت العقل؛ فكان ذلك على أرض
أمريكيّة في مدنها وقُراها ومنتجعاتها ومقاهيها.
-هنادي ابنة تامر
أخ صابرين، جاء حلّ عقدة الرواية، وتفسير الحدث على يديْها. موت أبيها ساهم في
حلحلة المشكلة القائمة، وكانت هي مفتاح مساعدة عمَّتها صابرين. لقاؤها بآدم كان
سببًا في لقاء بعيد المنال لآدم مع حبيبته التي ما برحت خياله، وكان لقاء السّحاب.
-لقاء الأحبّة.. موت (حودة)
بعد محاولته القذرة ثانية باغتصاب صابرين، ودخول العجوز آدم المفاجئ؛ فأنقذ
الجميع؛ ليورق الحبُّ من جديد في قلوبهم، والدَّهشة الصَّادمة لهنادي، ولقاء د.
جون. ود. منصور، وزيارتهما المشتركة إلى صابرين للاطمئنان عليها. كانت آخر فصول
رواية (هنا ترقد الغاوية). وأهمية الرِّواية كونها لم تستطرد
خُروجًا عن فكرة الانتقام للشَّرف، وقضايا قتل تبييضًا للعرض (جرائم الشرف).
وقًوَّة قانون العُرف العشائريِّ.
-(أخيرًا ركعت
هنادي على قدميْها، ونظرت إليه قائلة: "يُمكنكَ تقبيل العروس الآن.. لم يرها
غسان (آدم) رغم أنّ خلاياهُ أدركت سرّ كلماتها. تهادى رأسه ثقيلًا في حضن قصائد
صابرين المُتدلّية من شعرها الكستنائيّ، فيما أناملها البيضاء تُغلق جفنيْه، بينما
يركبُ قطار الموت).ص٢١٨.
نهاية
تراجيديَّة: عاش طيلة حياته على أمل لقاء جديد مع صابرين، لم يحصل إلّا في الرّمق
مع خروج آخر أنفاسه، بنظرات تَسْتَملي صورتها الأخيرة.
الخاتمة:
لا شكّ للمُتابع للأعمال الأدبيّة
الروائيّة؛ فقد رصدت مزيجًا لجوانب الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
ونحن بخصوص رصد البُعد الاجتماعيِّ لرواية (هنا ترقد الغاوية)، وإذا ما
أدرجناها في القائمة الطويلة للأعمال الروائيّة العربيّة المشهورة وخلافها، بإمكاننا
الإشارة بيقين تامٍّ إلى مصطلح الأدب الاجتماعيِّ، الذي رصد بمرآته الكاشفة
للمَخفيِّ والمسكوت عنه، تحت دواعي العيب والفضيحة وكلام النَّاس، والتقط القارئ
رسالة هذه الرواية بيسر وسهولة، ووضوح الرُّؤية لدى الروائي (محمد إقبال حرب)
في التفريق ما بين العادات والتقاليد والأعراف الشعبيّة، وما بين أحكام الدِّين
الحنيف، وأظهر بمهارة واقتدار الخلط النَّاجم عند كثير من الكُتّاب والمفكرين بين
الشعبيِّ وقوانينه، وبين الإلهيِّ المُتباعد بكافّة قِيَمه الثَّابتة عن الشعبيّ،
الذي يميل في كثير من جوانبه إلى الغوغائية والانتقائيّة.
عمّان – الأردنّ
١١/ ٢/
٢٠٢١
الاثنين، 8 فبراير 2021
تبادلات (أقصوصة)
تبادلات..
أقصوصة
بقلم/ الروائي محمد فتحي المقداد
ما بالُ الرّصيف راسِلٌ صمته المُريب، لم يَبُح بما حصل في آخر اللّيل، أو في الصّباح الباكر، وعند المساء. يتساءل سرًّا ذلك الرّجل الذي يحتلّ زاويته المعهودة منذ أشهر عديدة بجانب عمود الكهرباء.
قالوا: إنّ سُكّان الشُّقق في العمارة في الجهة الأخرى المُقابلة له، مُتوجّسون بِطُروئه على المكان، شكوكٌ أحاطته بهالة تأويلاتهم الصّابّة في اتّجاه وحيد.
شكلُه مُنبِئٌ عن خفايا لا تزيدُها ملابسه الرثَّة إلّا تأكيدَ وظيفته القائمة بجانب عمود الكهرباء، لم تنفعه ابتساماته المُصطنعة لفتح خطوط التواصل مع مُحيطه. عيناه تُوَصْوِصان على العابرين للطريق، ولم تنسيا جواره المقصود.
الصحفيّ الشّهير صاحب الزّاوية اليوميّة في الصفحة الأخيرة من الجريدة الحكوميّة، وعلى غير عادته بالخروج والدُّخول إلى شُقَّته، وقف أثناء عودته أمام باب العمارة؛ كأنّهُ تذكّر شيئًا من وصايا زوجته لشراء بعض الأغراض الضروريّة.
الرّجلُ مُتّكئٌ على العمود بوضعيّةٍ موحيةٍ بتعبه، لكنّه لم يبرَح مكانه منذ الصّباح.
لاحظ الصحفيّ ذلك، يبدو أنّه تذكّر أمرًا ما، بينما امتدّت يدُهُ اليُسرى لرفع قُبّعتِه رمزه الذي لا يُفارقه على الدوام، ابتهج الرّجل من الجانب المُقابل على الرّصيف. أرسل ابتساماته من جديد، ورفع يده بردّ التحيّة.
حرارة الجوّ عرَّقتْ صلعةَ الصحفيّ، أخرج منديلًا لتجفيفها، ولم ينسَ حكّها برؤوس أصابعه، ثمّ أعاد القُبّعة إلى مكانها، وتابع دخوله إلى بيته.
وما زالت ابتسامات الرّجل مُندلقةً على عرض الطريق، قوبلت بنظراتٍ الصحفيّ الشَّزِرة بشهادة عمود الكهرباء.
من كتابي (دقيقة واحدة)
عمّان – الأردنّ
٨/ ٢/ ٢٠٢١
الخميس، 4 فبراير 2021
أتيكيت (كيق وكاف وياء وفاء)
أتيكيت.. (خاطرة)
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد (عندما يموتُ الذين رافقوني في مسيرة حياتي)، بهذه العبارة فاجأني الصديق نوران الحوراني ردًّا على منشوري: (سؤالٌ ملعونٌ مُلِحٌّ، لمن يمتلك جرأة الإجابة بصراحة: كيف تصبح كذّابًا؟). قبل طرح السّؤال كنتُ أظنّ أنّني بحاجة إلى دورات مُتخصّصة لاحتراف الكذب على أيدي دهاقنته. إجابات عديدة من الأخوة المُتداخلين، أجمعت على فكرة الاشتغال بالسياسة، وما يتعلّق بالضمير وانعدامه، كما أنّ المُجاملات الاجتماعيّة اعتبروها من الكذب، وانعدام مراقبة الله، والوقوع في حبائل الحرام والحرام. أجزمُ بأنّ خصلة الكذب مخلوقة مع كلّ إنسان، تتنازع الصدق الباطن مُنعكسًا على ظاهره، فيما هو بعلاقاته مع محيطه الداخليّ والخارجيّ. فإذا ما تغلّبت إحدى هاتين الصّفتيْن؛ فإنّه يوصَم بها؛ فمسيلمة: الكذّاب، ومحمدّ: الصّادق الأمين. ممارسة الكذب ليست عمليّة شاقّة، كما الصّدق شاقّ مُتعِبٌ بتبعاته، كما تبادليّة الكذب إذا ما انكشفت أسراره. تغليف الكذب بسولوفان برّاق (الأتكيت)؛ إعادة تسويق الكذب المقبول بطريقة احتيالية تُرضي غرور المكذوب عليه، بدون اعتراض منه، رغم إدراكه أنّ ما يسمعه كذب. وسيبقى الكذب مِلحُ الكذّابين وليس الرّجال. وعطرٌ يعشقه الحُبُّ. فالكذب صغيره أو كبيره.. أبيضه وأسوَده.. لا يُمكن أن يُجمّل بالتقيّة.. أو يُقَوقَن بأي حال، ليصبح مُشرعنًا حلالًا. من كتابي (كيف.. وكاف.. وياء.. وفاء)-
رواية خيمة في قصر بعبدا ...
-
( من أيّ ضياء يستقي ثقافته ) الروائي محمد فتحي المقداد بقلم – محمد الحراكي الثقافة هي الوجه اللامادي للحضارة، وكلّ ما يُصو...
-
رسّام كاريكاتير قصة قصيرة بقلم-(محمد فتحي المقداد)* أثناء فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية، درجت موضة دفاتر تحمل على غلافها صورة الرئيس، ض...