السبت، 22 أغسطس 2020

تأملات في الأيادي(2ن

 تأملات (2).. في الأيادي


بقلم(محمد فتحي المقداد)* 


تعتبر الأيادي هي أداة الفعل الإيجابي و السلبي في الحياة على حد السواء، وهي الحانية التي تمسح الآلام، و الأحزان عن القلوب، وأخرى تزرع الخراب، والدمار، والأحقاد، حينما تنبش الأسى من مكامنه.  

الأيادي البيضاء لها السّبْق في المبادرة إلى دروب الخير، بفيْض عطائها، لتجدد الأمل في القلوب الظامئة.

الأيادي السّود، الملوثة بمشاريع قاهرة، غارقة في وَحْلِ المؤامرات، فنسجت، وحبكت خيوطها في عتمة الليالي بعيدًا عن الأنظار، لتعيث فسادًا في الكون على كلّ المستويات، فتنعكس آثاره على العباد لاحقًا أم آجلًا. 

الأيادي المتوضئة، تطّهرت من أوطار الحياة، ونفضت عنها الأرجاس و الآثام، وامتدّت لنثر الخير، فسكبت السكينة و الطمأنينة على الأرواح لتسكن في أمان من غوائل الدهر، وفي الليل ترتفع لتمسح دموع الضراعة، و الخوف من الله، نهارًا تفتح أبوابها، وتشرعها للعابرين إلى رحابها، تمتد لتعطي. 

الأيادي الأثمة، الأثيمة، المُؤثّمَة، تُلوّح من بعيد بخناجرها المسمومة، تطعن بها في الظّهْر، و في الخاصرة في غفلة من عيونٍ، غَفَتْ في سبيل استراحةٍ، ولو لبرهة. 

الأيادي الحائرة فيما، بين ..و.. بين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أيادٍ أقّل صفة لها أنها منافقة، أقلامها مأجورة للأقوى، تُلوّح بعصاه، وتُصفّق له، تخطّ مصائر البُسطاء بقسوة، وبلا رحمة، فقد باعت ضميرها المتكلّس بأبخس الأثمان، تصطف بتوافق عجيب من الباطل جهارًا نهارًا، بلا حياد، أو وقوف على مسافة واحدة من الفرقاء، وقاعدتها الدافعة لرؤيتها الميكافيليّة، "أن الغاية تُبرر الوسيلة". 

أيادي الحقّ تعلن على الملأ بلا خوف أو وَجَلٍ، أنها نصيرة المظلومين، شعارها رفع الظلم عنهم، ومقاومته بشتى السبل المتاحة، خيارها صعبٌ مليء بالعقبات الكأداء، وستصرف جهدها، وربما تستنفذ كل زَخَمها قبل أن تصنع شيئًا ملموسًا، بينما تأتلف ضدّها كلّ الأيادي الشريرة؛ لتكريس حالة الظلم والظلام.  

أيادي العَسَس، أيادٍ مخيفة، تنشر الرّعب و الخوف في كلّ مكان تحلّ فيه، لها آذان كبيرة، تتسمّع فيها همسات الهامسين، وتفهم كلام البُكم على أنه احتجاج ضدّها، تُسكتُ الأصوات، وتزجّ بأصحابها خلف القضبان وراء الأسوار، وتحرك الستارة من الخلف، والأحجار على رقعة الشطرنج، عيونهم تدور في رؤوسهم على مدار السّاعة، يتلصصون على دقائق الأمور الخاصة و العامة، باسم القانون ينفذون أعمالهم.

الأيادي ميّزتها العظمى أصابعها، فإذا ما ارتفعت السَّبابة وحدها بمحاذاة الوجه فتكون علامة تحذير من أمر ما، والإبهام إذا ما أطلق للأعلى، والكفً مضمومة على شكل قبضة، فإنه يكون علامة إعجاب، و الوسطى إذا ما نتأت واقفة بحركات إيمائية، والكف مبسوطة، وممدودة للأمام علامة وسخة يُشار بها لشخص ما لإغاظته، وإذا ما اجتمعت الكفّ مضمومة؛ فتشكل قبضة تتهيأ للضرب و المقاومة، وإذا  ما اجتمعت رؤوس الأصابع لتتشكّل بشكل أجاصة فإنها تُحذّر وتتوعد. 

والفرق شاسع ما بين اليد التي تمتد للسلام على الآخرين، وتحمل غصن الزيتون تُلوّح به، وبين اليد التي تضغط على الزناد لتُسيح الدماء، وتسفح أرواح الأبرياء, و "اليد العليا خير من اليد الدنيا"، و" يد الله فوق أيديهم ".   


عمّان - الأردن

22 \8 \ 2016

الجمعة، 21 أغسطس 2020

قراءة نقدية على نص محاولات للاستاذ أحمد الغماز

 محاولات.. 

ق. ق. ج


تحرّش بها؛ فأعرضت عنه.

رفعت يديها إلى السّماء،

ثمّ حاولت جاهدة أن تتذكّر، ماذا ستدعو.

________

نموذج للقصة القصيرة جداَ للروائي والقاص محمد فتحي مقداد .

في الواقع ،  أرى ان هذه القصة يجب ان تدرس في منهاج الأدب الحديث تحت صنف القصة القصيرة جدا. 

اتبع القاص هنا كم هائل من الإحساس المكثف لتغليف النص بورق السولوفان وتقديمه للقارئ كباقة ورد .

تكثيف المشاعر هنا هو احد شروط القصة القصيرة جدا ، ان دخوله للشخصية ورسمها من الداخل بذلك المونولوج الخفي لهو عمل شاق ويحتاج الى كم هائل من الذوق الفني وتلبس أو تقمص الشخصية بكامل تفاصيلها الانسانية حتى يتمكن القاص من عرضها في نصه .

الشرط الاخر ، هي تلك النهاية التي لم تخطر على البال ولا على الخاطر ، حيث حققت دهشة صادمة صادمة وغير متوقعة للقارىء من خلال الثنائية أو المفارقة الهائلة بين بداية النص ونهايته حيث بدأ بالتحرش ، الذي هيئ القارئ للمتوقع ثم باغتنا بنهاية غير متوقعة ومفاجئة  ومدهشة بأن الشخصية أعادت النظر بموقفها .

اذا نظرنا الى الاقتصاد المدروس في اللغة ، قد نلاحظ ان لكل كلمة وظيفة ولكل فاصلة ونقطة وعلامة تعجب ايضا وظيفتها ، فلا مجال للاستطراد ( في الحكي ) بذلك يحقق القاص الشرط الاكبر في القصة القصيرة جدا  ، وهو تقديم النص بأقل أقل الكلمات ليذهب الى تلك المساحات الشاسعة من المعنى .

رؤية سريعة فقط لنص الصديق محمد المقداد

=====

كتب أحمد محمد دحبور 

حين اقرأ للصديق العزيز احمد الغماز لا ادري لم ابتسم لطريقته واسلوبه في قراءة ونقد النصوص انها ابتسامة الزهو والاعجاب لانه في كل مرة نقرأ له نقدا او سردا نشعر بأنه اضاف لنا إضافة نوعية في عالم المعرفة .

فالقصة القصيرة جدا تعمل على تكثيف الزمن والاختزال في اللغة وتذهب بنا رأساً الى الغاية والغرض عبر الإيماء والتلميح والإشارة ، فتأخذ من الشعر التلميح، والوظيفة الشعرية للغة وعنصر المباغتة والمفاجأة في التحول، وتقطيع الزمن السردي وتحويله الى مركز شعوري اشار اليه ناقدنا الغماز في قصة الصديق محمد مقداد من حيث الاقتصاد في اللغة والتعبير ، والتقشف في المعنى الظاهر والقريب ، فالخبر والشعر هو المرجع الشكلي والبنائي للقصة القصيرة جدا، اما المرجع والسند في مضمون ق.ص.ج فهو متنوع حسب الخلفية الثقافية والفلسفية ودرجة تخيل الكاتب، ومقصديته ووعيه وتجربته بالنوع الأدبي الذي ينشئه، وتحتل المرجعية الاننسانية مساحة هامة في مثل هذا النوع من القص كما هو حال هذه القصة التي بين ايادينا وايضا المرجعية الوجودية والمصيرية.

القصة القصيرة جدا لا تروي، أي الزمن فيها ليس متسلسلا ومرتبطا بتعاقب الأحداث أو محكوم بحركة الشخصية على مساحة النص.

احساس الكاتب بالزمن هنا مكثف ومتقطع وعميق اشتغل محمد فتحي المقداد هنا على بلاغة تقوم على الألتباس النوعي (تداخل الانواع) والسرعة في الزمن السردي والاختزال في الموضوع الدال والرامز حيث النص محكوم بالتحديد الضيق : لعدد الكلمات، عدد الاسطر، وعدد الجمل .

في الختام نحن امام قاص مبهر وناقد متمكن ومبدع في ادواته وقرائته لكما مني عظيم المحبة والتقدير.

=======

كتبت فايزة رشدان 

رد من الأديبة فايزة رشدان المشهد الذي يستطيع القارئ ان يُشاهده بتفاصيله ويتأثر بمجرياته ,بلا شك يعود فضله لإلهام يمتلكه صاحب الإلهام نفسه

صورة تشفّ ما تواريه التفاصيل

وللحديث بقيّة تعرفها المواقف وحدها.. هنا إبداع محلّق بهمسات غامضة لمن شاء أن يتعمق و لمن شاء أن يكتفي بما فوق السطور

 ما هي إلا ينابيع جياشة مُتدفقة من المشاعر الإنسانية والطبيعية .

بإيقاع الحياة ما بين الرجل والأنثى.. وفكر مضطرب .. لو جاز لي التعبير بذلك .. فبين تفقد حاله .. وحالها ..كانت الحبكة تتعقد ..بحيرة.. هل تدعو عليه.. ام تدعو له

تحياتي مبدعنا

.... 

د. عبدالله الطيب 

رد من. د. عبدالله الطيب - السعودية.. من المفرح انها استطاعت الاعراض.

ومن المؤلم عدم استحضارها لكلمات الدعاء، وجميل ان النص ترك للقارىء تخيل هذه المعاناة، ولحظة خيانة الذاكرة/الكلمات.


تحياتي ايها المبدع 🌹


السبت، 15 أغسطس 2020

الأستاذ نوران الحوراني.. بقلم محمد فتحي المقداد

 كلمة لا بدّ منها: 

للصديق (نوران الحوراني) 


بقلم الروائيّ-  محمد فتحي المقداد

 

من محاسن لجوئنا أنّه فتح لنا أبوابًا جديدة، ونوافذ أطلننا منها إلى الآخر، وتلاقحت المعارف والثقافات، وتحفزت الأفكار للإبداع عن الكثيرين من أبناء بلدي خاصة في الأردن، البلد الذي فتح قلبه وصدره، فكان كالأم وصدرها الحنون.

ومما يجدر قوله: "الأردن يتقدم دول الجوار بخمسين سنة على الأقلّ في مجال الحريّات الشخصيّة".

وعلى الساحة الأردنية التقيت بالعديد من الفعاليات المحلية والسورية والعربية، ومنذ سنوات مجيئي في بداية العام ٢٠١٣، وفي كلّ صيف أرى عمّان خلية نحل نشطة ثقافيا على الصعيد العربي أجمع، يؤمّها الشعراء والكتاب والأدباء على مختلف جنسياتهم وانتماءاتهم ومرجعايتهم الفكرية والسياسية، وقد واعتلوا منصاتها الثقافية، وجمهور الأردن يستمع ويصفق لهم.

في عمّان كان لقائي الأول بالأستاذ (نوران الحوراني) ابن مدينة درعا، أسرني بلباقته منذ أول دردشة بيننا على المسنجر، وكان اللقاء الأهم وجهًا لوجه في وسط البلد في عمّان، وعلمت أنه يحمل بكالوريوس لغة فرنسية من جامعة دمشق، ثقافته الواسعة لم تأت من فراغ، فعمله في مكتبة (دنديس) أتاح له التعامل مع الكتب والأدباء والباحثين والأكاديميين، وفي أوقات فراغه القليلة يقرأ فيما يروق له، لا سيما اعظم كتب الأدب والعلم والدين بين يديه وفي متناول يده.

ابتسامته كانت دليله إلى قلبي، تواضعه الجمّ أسرني، حلو منطقه في الكلام استحوذ على اهتمامي لكي أستمع إليه بكل شغف.

لا يخفى طيبه ونقاؤه على من يلتقيه ولو لمرة واحدة، روحه مرحة رغم دواخله الموجوعة.. يعمل بجد ونشاط لا يكسل ولا يتأفف، ولم يمنعه تقدم العمر من مزاولة عمله بهمة عالية، واخلاص، ونصح، ومثابرة. تحياتي لك أبا رامز الغالي


عمان - الأردنّ

٦/ ٧/ ٢٠٢٠

المحامي ابو غانم. كتب

 كتب الأستاذ المحامي محمد الغانم أبو غانم.. عن الروائي (محمد فتحي المقداد) 

___----____

*لاجئ سوري حوّل المحنة إلى منحة ونقل في حقيبته وجيوب معطفه الممزقة  تراث بصرى الشام والشام وفي الطريق وعلى وقع القصف والرُعب طارت ذكرياته الورقية أدراج الرياح لكن  تلافيف مخه النظيفة احتفظت بتفاصيل وشيفرة المكان ...*


*حطّ رحاله بمخيم الزعتري حيث الغبار والزوابع وهجير الصيف وحرّه والرمال المتحركة والصحراء الممتدة وضيق الأُفق وقسوة العيش ...*  


*لم يستسلم ولم يرفع الراية ولم ينتظر طويلاً هبات وأعطيات المحسنين ولم يقف على أبواب الجمعيات ولم يتسول في الطرقات أو ينصب ويحتال بل شحذ الهمة وفعّل الإرادة ورقص فوق الرمال وجعلها صديقة وأيقن بأن التكيّف ضرورة والضعف والاستكانة عار وشنار وأن بصرى ستعود وإن طال الزمان وما بصرى إلّا من الشام والشام تبدأ من الشام نفسها وتمر بالقدس وبيروت وتحط رحالها بعمان ولبصرى شقيقات من مرضعة رومانية جرش وأم قيس وبيت راس وطبقة فحل وغيرها وكذلك أخت كبرى لأب عربي اسمها البتراء العظيمة ...*


*نهض اللاجئ من قمقمه وسنّ مقصه وبدأ يزيّن للناس رؤوسها وذقونها مقابل أن يحصل على ما ينفق به على أسرته وبرع في عمله وبات له زبائن يقصدونه لا بقصد الحلاقة والتزيين فقط وإنما للاستمتاع بحديثه، والسعيد من وقف أديبنا أبو هاشم فوق رأسه لدقائق يقص له شعره ويقرأ عليه ترانيم الأدب. *


*ماذكرناه هو مقدمة لرسالة بالغة الوصف خطّها أديبنا بثقة وتؤدة حتى بات صالون حلاقته مزاراً وملتقى عشاق الأدب كالعقاد ومي زيادة وما أن تدخل دكانه المتواضعة حتى تواجهك الكتب متشابكة ومعلقة كـ حدائق عدن.*


*لأديبنا الفذّ زوايا وحوارات أدبية نقدية على منابر ثقافية وخدمات مكتبية من طباعة وتنسيق ومراجعات إملائية ولغوية ونشاطات على دوريات متخصصة ومجلات وصحف  وكذلك اصدارات ومقابلات ولقاءات وكتب مطبوعة منها :*

*- رقص السنابل.*

*- كرسي الاعتراف.*

*- إضاءات أدبية.*

*- الطريق إلى الزعتري( رواية ).*

*- خيمة في قصر بعبدا ( رواية ).*

*- دوّامة الأوغاد ( رواية ).*

 *وأخرى عديدة في طريقها إلى الولادة.*


*ألف تحية لأديبنا الروائي السوري الكبير  محمد فتحي مقداد أبو هاشم ولكل لاجئ رسم طريق عودته بعرق وجهد وصبر .*

*#خربشات_أبو_غانم*

خاطرة على قارعة الأدب

 خاطرة على قارعة الأدب

____________________


على شُرفة حانةِ ذكرى ثَمْلَى احتضارًا..

دهاليز اتّسعت ساحاتها لتَرنّحات كآبتي المقبورة في صدري.

وانزلاق ابتسامة على شفتيّ؛ تستدرجُ أكوام حسد، 

وعيونٌ تتملّاني.. تنهشُ بقايا من بقايا هيكلي الواهن.

تستقوي.. تزدري..!!

تنشط في اعتلاء مراتب قهري..

ترقص طربًا على أنغام جراحاتي..!!

بسمتي صكّ امتلاكي الكون، ومفتاحه.

بكلّ ثقة أعلنها: "أنا متفائلٌ حدّ الفجيعة" .

متسائل: "أعليكَ حرارة؟ ".

وقيل كذلك: "يبدو أنّه تناولَ دواءً ليس له".

آخر مُخاطبًا نفسه: "مسكينٌ.. حِجابه ضاع منه".

_________

 *(الحجاب - التميمة المكتوبة تعلق في الرقبة وتتدلى على الصدر) 


الروائي محمد فتحي المقداد

قراءة نقدية للاستاذ أحمد علي بادي/ على قصة (الصرصور المغامر)

 كتب الاستاذ/احمد علي بادي -السعودية

قراءة نقدية على نصّي(الصرصور المغامر) قصة قصيرة

==========

*من العتبة الأولى للنص يبدأ الإيحاء بدرامية النص (الصرصور المغامر)،

وهنا رمزية يمكن إسقاطها على أولئك المسحوقين الذين دائما ما يحاولون التسلل عبر الحدود بحثا عن لقمة عيش كريمة فلا يجدون الاختناق بالإهانة.

*هنا اختيار موضوع الصرصور وهو يتسلل بغنيمته الحقيرة التي بالنسبة له عظيمة، مع وجود ذلك العسكري المرمي به ايضا هناك في العراء كان رائعا واسقاطاته الساخرة.

*لعل هنا المكان وتوحد الجندي فيه هو الشخصية الأولى في القصة وهو يصنع الخط الميلودي في القصة   ثم تأتي شخصية الصرصور لصنع خطا هارمونيا اثرى القصة وأبرز الرؤية.

*القصة بدأت بوصف المكان وإدخال القارئ شيئا فشيئا فيه ثم تتقاطع معه مشاهد الصرصور في رحلته المغامرة مع حيرة الجندي وتردده في امر ذلك الصرصور، وهنا تقع بؤرة الصراع التي يذهب إلى نهاية علت فيها الكوميديا السوداء.

*لغة القصة قوية ولائقة، هناك فقط تكرار يمكن الاستغناء عنه، للدقة أكثر: (انتفض جسمه، بقوة كامنة مدخرة في جسمه)، لاداعي لـ(جسمه) الأولى.

*أسلوب الوصف استخدم هنا ربما لحاجة رسم المكان والرواي العليم بضمير الغائب كان هو ما اعتمد عليه الكاتب.


تحياتي لك ا.محمد🌷

،،،،،  ،،،،،،

الصرصور المغامر


قصة قصيرة

بقلم- محمد فتحي المقداد


سكونٌ استحوذ على المكان بسطوة لا تُقاوم، مثير لشهوة تساؤلات، تبدأ، وتبتعد مسافات لتلامس حوّاف الكون، تشتهي النهاية لتصل إلى جواب شافٍ، إن ينتهي سؤال حتى يزاحمه الآخر على احتلال الصدارة في نفس صاحبه. 

الصرصور جادٌّ بعمله هذه المرّة، كتلة عظيمة الحجم إذا ما قورنت مع حجمه الأضأل منها، صارت ككرة قدم من الدحرجة المستمرّة على الرمال، يسوقها بقدميْه الخلفيّتيْن، رأسه عكس اتّجاه سيره، ومن غير المعلوم كيف يحدّد مساره لايصال غنيمته إلى جحره، ألا فكّر بأنّه ربّما ضلّ وحاد عن طريقه، ولاخاف السقوط في حفرة ستكون خاتمته النهائيّة فيها. 

يسير غير آبه بأيّ منطق مسموح أو ممنوع، الكرة تتدحرج بسهولة وأحيانًا بصعوبة إذا ما صادف تبّة تراب تعتلي قليلًا، أو حجر ناتئ رفضتِ الأرض احتواءه كاملًا، وضاقت ذرعًا برأسه المُدبّب يوجع خاصرتها. 

ما لم يخطر بالبال، أّنّ حاجزًا اصطناعيٍّا هذه المرّة حال بينه وبين إكمال خطّ سيره، بسطار العسكريّ الواقف في نوبة حراسته، في هذا المكان النائي بجغرافيّته على حدود الوطن، في آخر نقاط التقاء الحدود، هنا لامجال للخطأ أبدًا، فالنسبة القليلة منه قاتلة، لايمكن التّسامح أو التغاضي عن الهنّة؛ فالهنّة تستوجب العقوبة الصّارمة. 

خفّت حدّة حرارة الشّمس اللّاهبة، وانكسر الظلّ إلى مثليْه، ففي مقياسه أن وقت العصر فات من أكثر من ساعة، هذا تقدير سكّان الصحراء خبرتهم هدتهم لاكتساب معارف تخصّهم وحدهم، مجهولة لأبناء المدينة المرفّهين بما يستحوذون عليه من وسائل الرّاحة. 

تتزحلق رجلا الصرصور الأماميّتيْن، عندما يدفع بشدّة لتجاوز العقبة الكأداء، وهي تستعصي على قوّته، يدفع بأقصى ما لديْه، ويفشل المرّة تلو المرّة. 


*** 


العسكريّ واقف عيناه ساهمتان في الأفق الهادئ حدّ الرتابة المملّة بقسوتها، الموحشة بانقطاع سُبُل الحياة المُيسّرة منها، الفراغ من حوله فجّ الحضور باتّساعه ينهش الكوْن بنهَم، الصمت مطبِق بجبروت على المساحات مدّ السّمع والبصر.

دُخان سيجارته يخترق الفراغ مُوزّعًا حلقاته على الاتّجاهات محاولُا ملأه، قانون التلاشي أصدر قراره بمنع التجمّع والتجمهر، وكأن قوّات مكافحة الشّغب مُتأهبّة؛ لتفريقه ولا تسمح بتجمّعه، ثانية ينفثُ الدُخان مصحوبًا بأنفاسه الحرّى، لا زالت نوبة حراسته في بداية، لم يمض منها سوى نصف ساعة، قطع شروده عندما انتبه للصرصور وهو يصطدم ببسطاره، فتح عينيْه على اتّساعهما، الدهشة أفغرت فيه، رافعا حاجبيْه متأمّلًا المنظر، شعور مفاجئ بدبيب الحياة من حوله، اكتشف أن تشاركيّة الحياة مع الصرصور في هذا الخلاء القاصي؛ أشعره بمن يقتحم وحدته القسريّة، فلا يسمع إلّا زمجرة الرياح معظم الأحيان، ونتائجه من الزوابع وهي تسدّ الأفق فتظلم نفسه وتنقبض روحه وينخض مدى رؤيته في مراقبة الحدود وتُصعّب عليه القيام بمهمته على أكمل وجه، أو ينتظر أفواج السّراب المتلألئة المهرولة إليه من بعيد ولا تصل إليه. داهمته الرحمة و الرأفة، ولم يؤنبّه ضميره عندما رفع بسطاره للأعلى لتسهيل عبور الصرصور وكتلته التي يدفعها، انتفض فجأة، اهتزّ جسمه امتدّت يده إلى سلاحه الجاهز، خامره الشكّ أنّه يخون أمانته، عندما سمح للصرصور القادم من الجهة الأخرى للحدود، تجمّد إحساسه وغادرته الرحمه، عندما قرّر الإطباق عليه وهو تحت أرضيّة بسطاره تمامًا.

انحفضت قدمه قليلًا، صوت قويٌّ من أعماقه هتف به: "دعه يمرّ، إنّه صرصور لا يضرّ ولا ينفع، وهو من سكّان هذه البقعة، ولا يعترف بخطّ الحدود الوهميّ، ولا معرفة له بالممنوع و المسموح". 

*** 


الحرص الشديد بتنفيذ مهمّته، استذكر مقولة مدرّبه في الدورة: "النملة غير مسموح لها باجتياز الحدود". تنازعه تأنيب الضمير، واستقرّ رأيه على كتمان الحادثة، في اللحظة الأخيرة، تذكّر معاينة الكرة المتدحرجة، تأكّد أنّا قطعة من بُرازٍ آدميٍّ، انتفض جسمه بقوّة كامنة مُدّخرة في جسمه، تتبّع خط سير الصرصور لمسافة مئة متر، ليتأكّد بما لا يدع مجالًا للشكّ، وهو يتذكّر مقولة: "أن البعرة تدلّ على البعير". 

تناول جهاز اللّاسلكي للاتصال مباشرة بقائده للتبليغ عن الحادث. استنفار جميع مخافر حرس الحدود للبحث الدقيق، تحرّك على كلّ المحاور، بتصميم قويّ على: "أنّ الوطن أمانة في أعناقنا".


10 \ 1 \ 2018

الأربعاء، 5 أغسطس 2020

كتب عن شاهد على العتمة بقلم محمد طكو

محمد فتحي المقداد - أدب اللجوء والذاكرة المصورة في كتاب (شاهد على العتمة) (محمد فتحي المقداد)
تاريخ الإنشاءApr 9, 2018
متابعة

•••
تمهيد العنوان : عنوان الكتاب ( شاهد على العتمة ) ولو أخذنا مفردة ( شاهد) فنقول أن الشاهد يكون شاهداً على خير ( بيع ، زواج ، شراء ...) أو شاهد على مصيبة ( موت ، جريمة قتل أو سرقة ،..... ) ولكن المقداد أتبعها بكلمة العتمة والعتمة هنا تعطي في لغة التمثيل أو التصوير الظلام والظلام لا يكون في فرح أو خير . ولعل القارئ سيدرك ذلك من خلال ما سيقرأ . غير أن الشاهد كان يرى فيما يرى ( حسب قول المقداد ) والله أعلم .
ولو ولجنا إلى النصوص :
تعريف ومفهوم :
اللاجئ هو الشخص الذي يهرب من بلده إلى بلد آخر خوفًا على حياته ، أو خوفا من السجن أو التعذيب ، وبتعدد أسباب اللجوء تتشكل أنواع اللجوء الحرب، الإرهاب والفقر.
واللاجئ لديه مجتمعه الذي يعيش فيه و يختلف بمكوناته عن مجتمع المواطن العادي . حيث تعتبر أهمها الذاكرة البعيدة القريبة ، وما حمل معه من الوطن ( من أغراض ومفاتيح ،،، ) والمخيم ( بكل ما يمكن أن يقدمه له أو يحرمه منه وكل ما فيه) ، مفوضية الأمم المتحدة وما تفعله ، بلد اللجوء ، الحلم والأمل.
إن كانت هذه مكونات مجتمع اللاجئ فهل نجح المقداد في تصويرها أو الإدلاء بها من خلال شاهده ؟!
بالعودة إلى الذاكرة وذاكرة اللاجئ هي التي لا تتركه لنومه وحتى وإن نام زارته فأعادته إلى ماضيه ومن خلال نصوص المقداد نلمس وندرك أن الذاكرة والحنين إلى الوطن لعبا كثيراً وصوراً مشاهد عديدة في سلسلة أحلامه .
والذاكرة تكون كلها مبكية بعيداً عن الوطن بالرغم من اختلاف أدواتها أو مواقفها .
كأن يقول ( رأى فيما يرى النائم خيراً ، صديقاً له وه يتحدث عن دعاء الدبابات ، فقال لقد سمعت شيخاً يدعو في الركعة الأخيرة من صلاة المغرب في أول يوم دخلت فيه الدبابات قريتهم : اللهم إنا نشكو إليك هذه الدبابات التي لم تطلق طلقة واحدة على إسرائيل ، فإنها تطلق علينا وقد آذتنا ، فهدمت بيوتنا وقتلت نساءنا وأطفالنا ، اللهم أفشل رميها وعطل آلتها ، واجعلها برداً وسلاماً .....اللهم آمين )
هذه القصة هنا أو هذا الحلم يوحي بحجم الحزن والأسى أيام كان الشاهد في الوطن ( قبل لجوئه ) وهذه كانت مصيبة عامة ، فبمجرد أن تحمل هذه الذاكرة المشهد فستبقى تكرره ولن يغيب عنها ولو طال زمن اللجوء. قسوة المشهد من جميع النواحي فالدبابات يقابلها الدعاء فقط ، لكنها لم تآبه به بل دمرت وقتلت ووو . وهو مشهد لا يمكن للاجئ نسيانه .
في الحلم التالي تماماً في نفس الصفحة يقول ( رأى فيما يرى النائم خيراً، أن أول دقيقة صمت على أول شهيد في الثورة السورية قد دخلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية ، حيث اعتبرت الأطول ..... )
وهنا تلقي ذاكرة الشاهد أو شهادته في جعبتنا المشاهد الأولى للثورة السورية وأول الشهداء الذين سقطوا في سورية كما أنه يصور لنا العالم رجلاً يقف صامتاً وقد خذل الشعب السوري .
ثم لتأتي شهادة بالغة ودقيقة الوصف بتصوير متقن لحظة دخول عناصر الأمن إلى بيت أحدهم والعبث بما فيه أمام أعين من فيه من أم وأطفال ومن ثم جره واعتقاله في سيارة الأمن المعروفة : ( رأى فيما يرى النائم خيراً ............ فتحت الأبواب ... دخل الزائرون ....
تلوح عليهم صرامة الموقف وفوهات مصوبة صوب الصدر المسكين .. ارفع يديك .. تفتيش الخزائن ... أين تخبئ أدوات إجرامك ؟!
خائن .. عميل.. جاسوس إسرائيلي .. ......
دموع الأم الزوجة الأطفال شقت سكون الفجر كأنها نداء غير مسموع .... يتلقى الأمر ... أنزل يديك ... وراء ظهرك .... يضعون القيد في معصميه ... عصابة سوداء تلتف على رأسه ... تختفي عيناه .. يساق إلى سيارة البيجو 504 ... يحشر في الصندوق الخلفي ويغلق الباب ... ويغيب في الغياهب .)
تصوير المشهد بهذه البساطة والبراعة جاء من ذاكرة لا يمكن أن يغيب عنها هذه الذاكرة رسمت أنواعاً من الظلم والذل الذي كان يعيشه اللاجئ ، وهذه الصور من ذاكرة السوريين أو من ذاكرة أي شعب يعيش تحت بطش الدكتاتوريات والأنظمة القمعية .
والحديث يطول أيضاً عن الذاكرة المليئة جداً بما تحمله مما مرّ بها . وحتى أن الذاكرة كانت تذهب بعيداً في عمق الوجدان العربي والموروث الثقافي ليصل إلى أبطال العرب ورموزهم أمثال عنترة وصلاح الدين وكأن الشاهد يبحث في المجتمع عن شبيه بهم في محاولة منه لبث روح التحرر في نفسه أولاً وفي من يقرأ أو يسمع شهادة الشاهد ثانياً .
وبالعودة إلى المكونات نجد المخيم الحاضر بقوة أيضاً . والشاهد هنا أرّخ للحظات ومشاهد حقيقية حدثت بالفعل في مخيم الزعتري ليكون بذلك شاهد صدقٍ فعندما يروي عن الحريق في مخيم الزعتري ويقارنه في الحرائق التي كانت تزهق الأرواح في وطنه الأم ، وكيف فرّ طالباً الأمان ليشهد الحريق في مخيمه .
( رأى فيما يرى النائم خيراً أن حرائق وطن قد ألقت بظلالها على الحياة التي هجرته إلى مخيمات اللجوء خارج حدود الوطن ، طلباً للأمان ...... طالبين النجاة بأرواحهم التي حرقتها نار التدفئة التي يعاقرونها ليشعروا بدفء أجسادهم المنهكة ، والتي احترقت ثانية داخل الخيمة ، المأوى التي أصبحت الحلم )
وفي الجهة الأخرى والعالم يحتفل برأس السنة والرياح اقتلعت الخيام وأغرقت أرض المخيم لينام الأطفال على الطين وقد اصطكت أسنانهم برداً . حتى أن اللاجئ في المخيم صوّر مشهد عبور الطائرة فوق المخيم ليظهر خوف الطفل إلا أنه برر له بأن لا أحد يقصف مكاناً للأمم المتحدة .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن الخيم في مخيم الزعتري تطير في السماء ن بفعل الرياح الشديدة، المصحوبة بالأمطار والثلوج بينما سكانها يغرقون في طين ومستنقعات المخيم )
ثم تأتي مشاكل المفوضية ومعاناة اللاجئ في كثير من الأحداث ، أول شيء تحويل اللاجئ إلى رقم وكأنه يقارنه بالمعتقلات في وطنه ومن ثم طوابير المعونة والازدحام الشديد والمكوث لساعات طويلة ، وايضاً الحالات المرضية التي تتطلب عناية فائقة في حلم وشهادة أخرى .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن طفلاً يلعب بجانب الخيمة في مخيم الزعتري فوجئ بمرور طائرة عابرة فوق المخيم . فقال لوالده : يا بابا هل تستطيع هذه الطائرة قصفنا ؟
- لا يا أبي
- ولماذا ؟!
- لا يستطيع أحد في العالم أن يعتدي علينا أبداً ، خوفاً من حرفين هما UN باللون الأزرق مطبوعين على سطح الخيمة .
استغرب الصبي كلام أبيه لأنه لم يفهم الكثير من المعنى ، وتابع اللعب دون اكتراث .)
المقداد برع جداً في تصوير ملامح المخيم بشكل كبير ليؤرخ لمرحلة مهمة جداً في رحلة اللجوء قبل أن يغادر المخيم كما كثيرون أمثاله ليبدأ رحلة جديدة في اللجوء بعيداً عن وطنه ويبدأ يؤرخ ما قد يراه ويعانيه ويصور أحداثاً من الوطن الذي لجأ إليه .
(رأى فيما يرى النائم خيراً أن نسمات الهواء اللذيذة على القلب خارج أسواء مخيم الزعتري تختلف مئة وثمانين درجة عن النسمات داخل المخيم )
وهنا يعطي الإشارة الواضحة بالدخول إلى عالم جديد خارج أسوار المخيم بعيداً عن كل ما لاقاه وقد حمّل في شهاداته العديدة العالم كله وبالأخص المفوضية والدول العربية مأساة السوريين في وطنهم وفي المخيمات .
غير أن هناك سمة حقيقية للشاهد وردت في شهادات عديدة وهي عروبته انتماؤه لوطنه الكبير وولاؤه للقضية الأولى (فلسطين ) وكأنه يقول بملء الفم بالرغم مما يجري كله فإن قضيتنا الأولى فلسطين أو أن البوصلة الحقيقية فلسطينية وبحلها تحل قضايانا كلها .
}رأى فيما يرى النائم خيراً ، أن المسجد الأقصى قد انهار ووقعت صخرته في الأنفاق المحفورة تحته وهو ينادي ويصيح : ( وا إسلاماه ) وما من مجيب .. ( وا عرباه ) والعرب قد باعوا آذانهم بثمن بخس . {
والأمل لا بد منه أمل بالعودة فاللاجئ مهما طال به الأمد لا بد أن يعود إلى وطنه
(رأى فيما يرى النائم خيراً ، أن رنين الأجراس التي قرعت في عيد الميلاد لازال يسمع صداه، ويتمنى ألا يزول حتى تقرع أجراس العودة لأرض الوطن ، لإنهاء مرحلة سوداء في حياته عندما أصبح لاجئاً إلى جوار وطنه )
وهنا ما يكن مقارنته بالعنوان ( مرحلة سوداء ، شاهد على العتمة )
لنكون بذلك قد وصلنا إلى ما أراد قوله المقداد من خلال شاهده فحياة اللاجئة سوداء أو عاتمة المهم أنها لا تحمل إلا الأسى في كل ما فيها.
والمقداد قد صوّر ببراعة فائقة حياة اللاجئ ولعله بذلك قد وضع أولى لبنات أدب اللجوء السوري خلال هذه المرحلة المهمة جداً .
فعندما تصدر الأمم المتحدة إحصاءً بأن عدد اللاجئين السوريين تجاوز ستة ملايين في عام 2015 ( خارج سوريا ) يجعل من الضروري جداً وجود أدب خاص بهم أدبٍ يصوّر كل مرحلة وكل مشهد من مشاهد حياتهم قبل الخروج من الوطن وبعده .
ولعل محمد المقداد وفق إلى درجة عالية في توثيق شيء من هذه المرحلة وفترة مهمة من فتراتها ليترك الباب مفتوحاً على مصراعيه .
وهذا الكتاب ( شاهدٌ على العتمة ) لا يملّ القارئ قراءته مطلقاً .
بقلم/ محمد عبدالستار طكو

تأملات قرآنية