الجمعة، 26 يونيو 2020

مسرحية

مسرحيّة
قصة قصيرة

بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

- أعرَبَ لي: "سروري عظيم بانتهائي من مطالعة مسرحيّة(مغامرة المملوك جابر). 
-" بخبرتكَ العريقة، هل تستطيع إعطائي فكرة واضحة عن رسالة كاتبها سعدالله ونّوس..!!؟".
أخذ نفسًا عميقًا.. اعتدل في جلسته.. سحَبَ سيجارة من علبتي، فقال:
- "الممثلون يتحرّكون بإشارة من المُخرج القابع في زاوية لا يُرى منها، أوامره صارمة، وبعصبيّة". 
- "هل هوعسكريٌّ سابق؟". 
- "ومن أخبركَ بذلك؟". 
- "من وصفكَ له، تراءت لي الأيادي الخفيّة التي دائمًا ما تُحرّك المشهد وفق أجندتها". 
- "أثرتَ مواجعي من جديد، وإنّ ليل العبيد.. وليل الظّالمين قاسمهما المشترك الظّلام. كعربات نقل الموتى.. مملوءة بالملح والصديد. كلاهما مؤرّقان. 
النصّ موجوع ينثر الآهات. الأبطال فاقدو النّطق.. الإيماءات والإشارات ملأت صفحات رسالتهم الطويلة كالإلياذة. 
العناكب تتدلّى فوق السّتارة الباهتة غير آبهة ببؤسها. لهاث الأنفاس يتشارك العرض مع الممثّلين، شبيهًا بقصص احتضار الموتى التي لا تُنسى. 
ختامًا.. أُسدِلت السّتارة، من سّادن مبتور الكفّ اليمنى، واليسرى بلا أصابع. 
حرارة التصفيق مُتوهّجة تهزّ الأركان على وقع صدى: (موطني..!!)".
بُحّ صوتي، نمتُ واستفقتُ، وأنا ما زلتُ أردّد معهم:
- (موطني.. البهاء والجمال.. !!". 

الأردنّ - عمّان
24 / 2 / 202‪0‬

كتب فؤاد فؤاد قناية عن الروائي محمد فتحي المقداد

كتب فؤاد قناية/ سورية

====================

(محمد فتحي المقداد)
(أديب ألمعي وقاص ذكي وشاعر ومبدع)
في البدء كانت الكلمة فكانت السمة الرئيسة التي يتعالى بها شموخ البشرية وتصعد من خلالها إلى منابر الشرف لتبلغ بذلك أعلى درجات العلو والرفعة، فالكلمة ليست مجرد رسالة تصك في دقائق إنما هي من يحرر الإنسان من سجن العقول إلى فضاء الإبداع ومن المعروف لنا أن العلم لا تثمر أزهاره إلا إذا اقترن بالعمل وحسن الأخلاق وأديبنا جمع بين الحسنيين فهو مدرسة إبداع
وأدب وعلم وأخلاق، آتاه الله من الموهبة أجملها ومن الأخلاق أعلاها فهو كنسمة هواء رقيقة ومثال للباقة واللطافة وحسن المعاشرة، استمد ذلك من بيئته العريقة (بصرى الشام) التي تتوسطها قلعتها الشامخة بكل جلال ووقار
محمد فتحي المقداد صاحب كلمات لها فعل كفعل السحر كما أنه يمتلك بلاغة متميزة مما يجعل اللغة خاضعة في بنائها ووظيفتها لمكونات الجنس أما شعره الذي يجمع بين اللغة والأدب والحكمة وجزالة اللفظ lمما يجعل القارئ حائراً غارقاً بين سحر الكلمة والإبداع البلاغي فيزداد شوقاً للمتابعة وعند بلوغه النهاية يجد نفسه لا يستطيع أن يصف روعة ما قرأ، كما أن كلماته تعبر عن صدقه ورقة مشاعره وذلك من خلال مخاطباته الوجدانية وإشاراته الروحية وكشف القبح في المجتمعات ووضع الصورة أمام مقابلاتها فينتج في نفوس متلقييه الرغبة في الترقي للأجمل التي يمس بها النواحي والنواصي العليا التي تبدأ من الضمير وتنتهي إليه وكأنه يمسك بخناق الإنسانية لكي لا تتردى .
أما فيما يتعلق بموضوعاته فهو الرجل الجديد المتجدد من دون منازع فكل يوم يظهر لنا بحلةٍ جديدة مختلفةً عن سابقتها فهو يعُنى بتنويع المعاني الشيء الذي لا يجعل القارئ يصاب بالملل فهو يقوم بانتقاء الألفاظ السهلة والعبارات السلسة ذات المعنى والمغنى إضافة إلى الموهبة الساحرة التي يمتلكها والتي تعد بمثابة وقود توهجه وتكشف لنا عن أصالته التي حظيت بمرتبة الشرف بامتياز فيكون بذلك قد حقق شخصية الأديب فالأديب هو ضمير أمته ومرآة عصره
أما عن شخصيته فهو إنسان بكل معاني الإنسانية ودليل ذلك موضوعاته التي نقرأها كل يوم فلو اختل في شخصيته معنى من معاني الإنسانية لانعكس ذلك الخلل على فنه وكان بذلك غير مقنع لقرائه، وتجلى لي ذلك عند حديثي معه للمرة الأولى فوجدته إنساناً متواضع يعتنق فكرة عزة النفس والكرامة والإيثار وإنكار الذات وليس بعيداً عنه ذلك فالنظرة في عين المرء تريك مدى علاقته بالفكر ولو نظر أحد إلى وجهه لوجد القراءة والكتابة تحفر لها أخاديد على بشرته وتضيف إلى عينيه عمقا آخر .
وبذلك فإن تلك الصفات والخصوصيات التي تحدثت عنها ليست مطروحة على قارعة الطريق كما يظن البعض ، بل هي وهب من الله وأصحاب تلك الخصوصية قلة قليلون
وفي النهاية لا يسعني إلا القول بأن ومن بين كل النماذج الإنسانية الرائدة والطليعية يبقى الأديب متميزاً بالخيال الحر الطليق والتصور المكتمل لكل وجوه الحياة ، كيف هي كائنة وكيف يجب أن تكون تحية معطرة بأسمى آيات المحبة والتقدير لأديبنا محمد فتحي المقداد مع خالص الود والمحبة
.....................................................................
fouad kanaya

 


سادن الطريق (محمد فتحي المقداد) بقلم الشاعر محمد طكو



سادن الطريق

بقلم – الشاعر  محمد طكو 
فلقد قرأت روايتك الطريق إلى الزعتري قراءة حقيقية وإني أعني كلمة حقيقية قولاً وفعلاً :
و كنت قد تقمصت العديد من الشخصيات فيها
إن لم أكن تقمصتها جميعاً
في بداية الأمر وعندما استوقفني العنوان ظننتني سأقف على الحدود قليلاً ومن ثم أدخل إلى المخيم.
إلا أنك أعدتني إلى قرية من قرى سوريا الجميلة الحرة الثائرة.
هذه القرية ( مَوْج) التي تتربع على حافة الأمل
التي أراد بعض من أهلها لها أن تحيا كما قدر الله لها ذلك .
قرية أرادت أن تسدل سنيناً من الظلم والقهر وتتنفس هواءها النقي الذي أكرمها الله به لا الهواء المعلب الذي أعده لها ثلة من المجرمين .
لقد رسمت يا صديقي بعض بيوتها ومضافتها وشوارعاً منها حتى لكأني أتمشى في قرية فيها ما فيها من الحياة . تنبض بالحب على سعف من نخيل الأمنيات البسيطة للشعب البسيط .
وعندما رأيت المحامي وصافحته بيدي شعرت بحرارة المثقف الواعي المدافع حقيقة عن بلده وأبنائها.
ولي مع شاعرها وحروفه الثائرة وتصويره قصة وفنجان قهوة .
أما أبا فندي فلا يليق به إلا أن يكون عربياً أصيلاً من سهل حوران النابض خيراً وغلالاً والمنتصب كالزيتون واللامع كبيادر القمح وقت حصادها.
لا يليق به إلا أن يكون ثائراً ليقود كما قاد ويحمل كما حمل حب الوطن وحب أهله و ألا يعتب إلا على من باع .
لقد مضيت معهم جميعاً ، إلى أن وقفت مع أبي فندي على باب مخيم الزعتري وإني إذ أكتب لك هذا فإنما أتمنى عليك أن تعيده إلى بيته ليخرج الخاتم بيديه من قرب جذع شجرة الزيتون ، وألا يطول به الأمد فيوصي أبناءه بأن يفعلوا ذلك .
هذا ما خطه يميني على عجالة ولعلي أعود فأكتب ما شاء الله لي أن أكتب
مع خالص الود والأمنيات الطيبة لك



شهادة ملفقة قدمها الشاعر والناقد عبد الرحيم جداية عن الروائي محمد فتحي المقداد

 

 

شهادة ملفقة

 

بقلم - الشاعر و الناقد\ عبد الرحيم جداية

 

عندما ولد محمد فتحي المقداد في بصرى الشام أقسم أهل بصرى بأن الحارث ملك الأنباط فرح  لمولده..، وأُعدّت الموائد وأقيمت الأفراح..، ذلك ما حدثتني به الحاجّة منيفة جدته لأمّه التي التقيتها خارجة من الحمامات الرومانية هناك؛ متوجّهة إلى صلاة العصر في مسجد بصرى الشام العمريّ.

 وبعد الصلاة وحلقة الذّكر، قامت إحدى المتفقهات بتذكير النساء بقيمة استشارة الزوج حتى في خروجها للمسجد ..، وقبل أن يؤذن شيخ المسجد لصلاة المغرب سألت الحاجة منيفة زوجها أن يأذن لها بصلاة المغرب في المسجد..، تفاجأ الحاج محمد من سؤلها، وهي المرأة التي تطوف بيوت القرية ومسجدها..، ومن هول المفاجأة قال لها الحاج محمد: «صلي بالمسجد الأموي»، فضحكت بصرى كلّها من تلك الدّعابة.

فتحي المقداد..، هكذا أحَبَّ أن أناديه وأحيانا أناديه بكنيته: «أبو هاشم»، ولكن لم يخطر ببالي أن أناديه البصراوي مع أني أناديه كثيرا بالحوراني، مما ذكّرني بشيخنا الحسن البصري رحمه الله، وهو الذي يصرُّ دائما أن يناديني «أستاذ»، ربّما لأني علّمت الصبيان في المدارس، وأدّبتُهم وربيتهم حتّى أصبحوا بمقام أبنائي، ومع هذا يناديني «أبو حمزة»، وأحياني يُناديني بالحوراني، فكلانا ننتسب لهذه الأرض الطيّبة التي أنجبت فخر علماء الأمة "ابن كثير، النووي، وابن القيّم"، ومُفتيها أحد أجدادي لأمّي من (طيّبة) إربد الشيخ "عبدالرحمن الطيبي"  الذي سكن قرية طفس.

سادتي القضاة: ها أنا أتقدم لكم بشهادة ملفقة حول موكلي الذي ذرع الأرض في ليبيا والإمارات، واستقرّ به المُقام في الكرك بعد أن خطّ طريقه إلى الزعتري برواية تفتح مغاليق الحكاية، لكنّ أمّ الخنافس تمثّلت أحد أحلامه، وامتشقت قلمه لترسم نفسها مجتمعًا مصغّرًا عن المجتمع السوري في رواية  (دوّامة الأوغاد) التي لاقت نصيبها من الحضور الثقافيّ، حيث كانت إربد «الدّاية» التي تلقّت روايته في حفل توقيع بهيج في (جاليري أرب آرت)، فتملّحت روايته ما إن أبصرت النّور بكلمات ومداخلات وشهادات إبداعيّة ودراسات نقديّة لم يداخلها التلفيق ولا التزوير بل نبعت حُبّا وفرحًا في قلوب حورانيّة فرحت بولادة فارس وروائي. مع أن العرب كانت تفرح لولادة فارس أو شاعر في القبيلة وكانت القبائل تفتخر بشعرائها حتّى أن قريشا كانت ترى نفسها أقلّ شأنًا، إذ لم يكن فيها شاعر فحلٌ، حتّى ولد عمر ابن أبي ربيعة يوم مقتل عمر بن الخطاب..، فقالت العرب: «أي حق رفع وأي باطل وضع»، من وقتها ونحن نحتفل بحوران بولادة روائيّ.

درعا التي احتفلت بالعديد من الشعراء لم تحتفل إلا بالمقداد روائيًّا، وعلي العبدالله صاحب رواية(رجل منسي)، ومحمد الحفري ابن قرية (معرية) الصغيرة في درعا على حدود الجولان التي اتّخذتها قوّات الأمم المتّحدة مقرًّا لها بعد حرب تشرين عام 1973م، ولم يذكرها التاريخ ولم تعرفها الجغرافيا؛ لولا ذلك العلم الذي رفرف فاستوحى منه الروائيّ السوريّ الحورانيّ محمد الحفري رواية (العلم)، التي لم أقرأها بَعْدُ، رغم حثّ فتحي المقداد لي على قراءتها لكنّي لم أفعل بَعدُ. وأنا الذي زرت سعسع والقنيطرة والمعريّة، وشاهدت السياج العازل البسيط الذي يفصل بين السّهل والجبل، فهل كنتُ شاهدًا على العتمة حينذاك..، والسؤال يلاحقني: ما الذي منعك يا عبدالرحيم أن تخترق السياج، وتٌقبّل العلم الذي قبّلهُ محمد الحفري؟.

كيف لي أن أكون شاهدًا على العتمة؟، رغم الدعوة الالهيّة بقوله تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا»، فهل نحن الأمة الوَسَطَا التي ذكرها رب العزة في محكم تنزيله ..، ومع هذا كيف لي أن أشهد الزور؟، وأنا لم أر أو أسمع إلا القليل مما رواه المقداد لي وكتب التاريخ..، فهل تقبلون شهادتي. سادتي القُضاة، وهنا أتذكر الحديث الشريف: «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار»، وقد ورد في القرآن: «شاهد من أهله، وشاهد من أهلها»، فلست يوسف، وليس هو يوسف، وليس بيننا امرأة العزيز؛ لأُلفّق شهادة رائعة، كما لفّقها فتحي المقداد القاص والروائيّ والكاتب والباحث في كتابه مقالات ملفّقة، جامعًا اللّغة والتاريخ والسياسة والدين في أسلوب جديد، طوّر فيه المقالة لتلبس ثوب الجدّة والابداع، كما ألبس الحريريّ ثوب التجديد في مقاماته، والجاحظ في كتاب البخلاء.

صديقي الذي ما زال يشهد على العتمة زورا..، لفّق مقالا ليقنعني أنّي ما زلت على وجه الأرض..، هذا ما حدث ذات مساء، والأفكار تتصارع في دماغه كذئاب كاسرة تبحث عن طعامها في صيد، فلم تجد حتّى جاءه أحدُهُم. فسأله المقداد: كيف الحال (أبو طه). فردّ عليه الرجل المُتعَب، الذي لم يكن ذئبا كاسرًا، بل رجلًا طيّبا بسيطًا.. ببساطة الطيّبين: «فوق الأرض». فلمعت الفكرة في فراغ رأس المقداد، وكأن صاعقة تنزل عليه؛ ليشرع في روايته الجديدة بعنوان: "فوق الأرض".

وبهذا يا سادة يا كرام ألخّص لكم شهادتي الملفقة بلا مقدّمات، وبلا قيل أو قال، كما كتب المقداد لعلّي أحصل على عفو المحكمة باعترافاتي التي شابهت اعترافات مؤنس الرزاز في روايته: «اعترافات كاتم صوت»؛ لتَخلُص الحكاية، وتنتهي الرواية كلّما طلع الصباح على شهريار، وتسكتُ شهرزاد عن القول المُباح كلّما أذّن الفجر وصاح الدّيك. 

ألتقيكم في شهادة ملفّقة قادمة، مُنتظرًا الحكم بالبراءة فأنا لم آت بالجديد، وهذا ما أعرفه، وتابعته، عن لافتات المقداد التي غلّفها السراب بشاخصاته الإبداعيّة دائمة التجدّد، ولم أكذبكم قولًا فهو القاصّ والروائيّ والكاتب والصديق الذي أعتز بمتابعة تجربته الإبداعيّة.

 ولكم مني الشكر على حكم البراءة له من كلّ التّهم المنسوبة إليه، علمّا بأنّني لم أقسم على أيّ حرف مما قلت.. فهل تجوز شهادتي؟.

 

 

إربد - 19 آذار 2017

 


منذ متى

منذ متى..؟

بقلم/ محمد فتحي المقداد

منذ متى، وأنا بانتظارك حبيبتي؟.
عند التقاطعات
مال الغروب, واستطال الّليل
انثال الحزن, والجروح تنزّ من جديد
وذاكرة الأحزان تستعيد شريطها الطويل الممتد بلا نهاية.
منذ متى.. أتساءل؟.
من يوم عرفتك, من يوم ميلادي المكبّل فيك.. أنت وحدكِ.. وليس سواكِ
تواريتِ عن سمائي؛ فكبلتني أغلال أحلامي الورديّة، ورحتُ أرقبُها؛ لعلّها تتبسمُ يوماً ما ..
حبيبتي: يبدو أنكِ قدري المحتوم، وتاريخي المأسور فيكِ.. ولا فكاك.
إلاّ هناك بين القبور, وأنت تلاحقيني ولا تتركيني.
منذ متى جفّ الندى, يا حبيبتي؟.
ما عانقني، ولا رطّب جفاف أيّامي.
وأنتِ أنتِ, زهوتِ كما الشمس في أصيلها
تعبتِ الدّروب منّي, وكَلّتِ الأبواب على يدي..!!
وأنا بانتظارك حبيبتي ..
--------------
بصرى الشام - ٢٠١٤

الأربعاء، 17 يونيو 2020

حوران البيئة المكانية في رواية دوامة الأوغاد - بقلم سامر المعاني

 

حوران البيئة المكانية

في رواية دوامة الأوغاد

للروائي السوري محمد فتحي المقداد

بقلم - سامر المعاني

 

 

دوامة الأوغاد صادرة عن دار عمار للنشر والتوزيع عمان الأردن 2017 صمم الغلاف الشاعر السوري محمد طكو قدّمه الشاعر الروائي المقداد متضمّنًا غلافه، والإهداء نصوص مقتبسة من المنتج المتضمن 23 بابًا و 224 صفحة.

الرواية تمثل النمط والواقع المعيشي بأسماء مكانية وأسماء وألقاب مُستعارة تمثل مرحلة ستينيات حتى سبعينيات القرن المنصرم،  حيث  حوران  المكان الذي ولد وعاش فيه الروائي، علمًا أن حوران هي أجزاء واسعة من جنوب سوريا وشمال الأردن، حيث التشابه في كل شيء الممارسات والعادات والألفاظ والنمطية العملية والزراعية والمعيشية مع اتساع الرقعة المكانية والحدود السياسية بين الدولتين.

المقداد في دوامة الأوغاد استنطق المكان والزمان؛ ليكون مؤرّخًا لتلك الحقبة من الزمن بأدقّ تفاصيلها، وأدقّ المؤثرات، وكأنها تحاكي كل حوراني عاش أو نقلت له أحداث هذه المرحلة  فهي سرد قصص تَعايَشنَا سردها ونمطيتها.

أدرك الروائي المقداد خصوصية الحقبة، وحوران الزراعية البسيطة  الغافية على التعب والجهل والحاملة في سنابلها الحب وعرق الفلاحين الذين ينتظرون  لقاء السمر المفعم بالحب وقصص السارحة في مدار البطولة الجسدية، والأوهام الضائعة بين الحيوانات المفترسة (الضبع)، والمستعارة من  حصار الفكر بالأسماء والقصص المتكررة  والخرافات (أبو الهول) ولعلك أمام قصة واحدة متكاملة، نقلها مع كل ضيف أو كل مكان جديد، وما أقلها تلك الأمكنة  الناعسة غافية على قناديلها القديمة، والمفعمة بالبساطة وكثير من البركة في الوقت والمحبة.

***

الأسماء والألقاب المتضمنة في الرواية، وحتى اسم القرية الذي اختاره الكاتب على أنه غير واقعي، ولا توجد قرية على أرض الواقع بهذا الاسم, إلا أنها في رأيي تمثّل كل قرى حوران بكل تفاصيلها السردية، حيث انتشرت الألقاب بين الناس لحدّ الإستغناء عن الاسم الحقيقي كفرد وكعائلة وكمنطقة، حيث تُلغى الأسماء الحقيقية ولا تذكر، إلا في محاضر الدوائر الحكومية، وتصبح الألقاب ملازمة حتى عند من حملها مُستمدّة من سلوك أو مهنة أو صفات خلقية وخُلقية أو تضاريس مع بعض الألقاب العائدة على صاحبها،  التي نجمت عن موقف أوٍ لقب يعود لوظيفة، أو منصب جهوي  حتى بعد انتهاء عمله، وهذا واضح بامتياز في دوامة الأوغاد (النمس - العفاريت - المختار  البيك - الازعر- أبو غليون).

***

ومن الإشارات أيضا بأن المقداد أشار إلى أسماء الأدوات والحركات والأشكال وجميع الأسماء المرافقة للمنزل وللزراعة، ووضح ماهيته وعمله بين قوسين مثل (الزينكو - السنسال - الزغرودة - المشورب - تفوووو- وغيرها الكثير).

المفردة المتلازمة وهي مفردات يكررها شخص بشكل مستمر عند كل حديث؛ فتصبح صبغة  خاصة به  لها وقعها عند المتلقي  كالعذر المتكرر وعند الإستهلالية بالحديث أو في الدهشة، وكانت منتشرة حدّ أن يُستغاب صاحبها بتلك المفردة مهما كان مضمونها.

من يقرأ دوامة الاوغاد يؤكد ما أسلفنا به، إنها رواية تؤرّخ  المكان الحوراني ليس فقط بحدث ومكان وأسماء، بل هو يؤرخ لخصوصية المفردة والتراكيب وهو الناقل للصورة المجتمعية، بصورة واقعية بسيطة ومفردة حواريّة متضمنة لسان ولهجة أبطال الرواية،  بعيدًا عن  التأويل والإيحاء والرمزية فقد استخدم المفردة الدارجة بلسان الراوي، فمنها ما كان عاميًّا مفهومًا ومستخدمًا حتى الآن، أو عاميًّا انقرض مع تقدم الزمن وحياة العولمة، وتغير الصورة المجتمعية لتلك البيئة المكانية، وخاصة في القرى القريبة من المدن في حوران السورية والأردنية، وهذا يمثل الأسلوب السردي المباشر الذي امتازت به المدرسة الكلاسيكية في السرد الروائي.

المثل الشعبي احتل مساحة واسعة في كل أبواب الرواية  لدرجة أنك ربما تجد المثل الشعبي  يحتل كل صفحة من صفحات الرواية،  استخدمها الروائي المقداد على لسان أبطال الرواية  تمثل الحالة والواقعة، منهم من يستخدمه عند كل أمر ومنهم من يستخدمه من شدة هول الحدث، ومنهم للتشبيه، أو  للمقارنة،  ومن الأمثال من لها علاقة  بالمناخ والتضاريس والبدعة، ومنها من كانت للمواساة وعند المرض والفرح والترح.

***

السلوكيات المجتمعية والتي غلب عليها الجهل  كانت حاضرة في الرواية من حيث وجود الأمراض المجتمعية، كالحسد والنميمة ووجود أشخاص يمارسونها بشكل مباشر وغير مباشر، وسرعة انتشار الخبر والإشاعة والحدث بتفاصيل وإسهاب حدّ المبالغة مع كل شخص ووقت، كما السلوكيات التي كانت تمارس بالخفاء، والتي تمثل أمراضًا إجتماعية  لا يقيّدها دين ولا خلق، والخوف من العيب والعار وسيطرة الإقطاعيين، وقلة التعليم في مفاصل الحياة النابعة من الجهل  المتكئ على  الفقر وعدم الإختلاط والإندماج.

المرأة كانت موجودة في دوامة الأوغاد الزوجة والنساء كمجتمع، وعلاقات سيدات القرية ببعضهن البعض ، والتي كانت تمثل رمز الطيبة  والبساطة.

فلم تكن الرواية خارجة عن الهمّ العربي العام، وتأثيرات الشأن السياسي والحروب، وهُم من عاشوا فترات احتلال فلسطين و حرب الاستنزاف، ورفع وتيرة وأهمية الحوارات والجلسات العائدة إلى المرحلة وهول وجدية الأحداث حيث  الحوار القائم بين الأساتذة عطاالله و فهيم، وازدحام المشاهد الفرعية إلى الوضع العام، وكيفية  التعايش مع الأزمات، وموقف الحكومة من التعامل معها ومع الشعب.

***

القرية  التي كانت تنام على المحبة  رغم كل ما تطرقنا إليه  من وصف لتلك الحقبة الزمانية والمكانية، إلا إنها كانت تنسج دروسًا من الوئام والشعور مع الآخر، لم تكن تحلم  بأكثر من رزق حلال وبيئة  آمنة لهم ولأولادهم؛  لتجد ما أصاب كل القرى في الأمة بانتشار القبضات الأمنية، وانتشار الفتن والرعب من كل شيء، وكانت الدولة تمثل الرعب الذي يحيط بالناس في كل مكان، حتى جدران البيوت بعد انتشار المخبرين و قبضة الدولة القوية،  التي كانت تعتمد على الأحكام العرفية، فتشعر الناس بأن وجودها مُرتَهَن بتخويف الناس وترهيبهم بشتى الوسائل في جميع مناحي الحياة.

***

تسلسل الأحداث والنهاية المفتوحة من الخوف وعدم الثقة بعيدًا عن التخصيص والأشخاص، والترابط القصصي والفقرات في نقل مشاهد الرواية  سلسة وشيقة، كما عمل تعدد الأحداث وتشابكها من الرواية عذبة التناول  زاخرة بالتجديد، والتي ارتهنت لبيئة مغلقة رغم اتّساع بنيتها المشهدية  واستقطاب الشخوص المؤثرة في الأحداث، والتي رفعت من تأثير الحبكة والصراعات  التي أخذت معظم فصول الرواية، إلا من انعطافات وانتقالات تغيرت مع مرور الوقت، والتأثيرات الخارجية على مفاصل العمل.

دوامة الاوغاد للروائي السوري الحوراني محمد فتحي المقداد الإنسان الراقي والمهذب، عالي الهمة والقلب النابض بالحب لجميع الناس تتمثل الرواية المدرسة الكلاسيكية، فيها إعادة للتركيز على اللهجة الحورانية ببساطتها، قبل دخولها واندماجها مع اللهجات الأخرى، حيث ما زالت المفردة محفورة في ذاكرة أهل حوران، ومواليد ما قبل عام 1975، حيث بداية انتقال تلك القرى إلى نمط معاشي وتعليمي مختلف، وتغير ديموغرافي أيضا يسطر بروايته حديث الناس والأرض.

المرجع: كتاب منارات عربية - سامر المعاني ص55

 

***

ــــــــــــــــــــ


مقدمة كتاب (إضاءات أدبية) للروائي محمد فتحي المقداد


مقدمة كتاب إضاءات أدبية- للروائي محمد فتحي المقداد



أحمدُ الله ربّي على أن بثّ في أوصالي القوة، وفي عقلي القوّة على التفكير ومحاكمة ما قرأت وما كتبت، منذ سنوات كلّمّا قرأت كتابًا، كنتُ أتوق لحفظ الخطوط العريضة على الأقلّ، لسهولة الرّجوع إليها، كلّما احتجتُ واضطرّني الأمر لمعاودة استذكارها، وجاء هذا الكتاب حصيلة سنوات تنوف على العشر، ليس هذا  كلّ ما قرأت بل بعضه، هو الذي كتبت عنه قراءات وإضاءات.
ولا أدّعي أنّها نقد، بل هي إضاءات سجّلتُ فيها ما أسعفني ذهني في فهمه، وما استقرّ في قلبي من اطمئنان لما قرأت وطالعتُ. فالدّراسات النقديّة يجب أن يكون من يتصدّى لها على علم تامّ، وإلمام بطرق النّقد ومناهجه ومذاهبه، التي لم أحصل منها إلّا على ملامسة بعض منها. وهو ما لا يؤهّلني لوصف كتابي هذا بأنه نقديّ. وإن كان البعض من المعجبين بما قرأ لي من هذه الإضاءات على صفحات التواصل الاجتماعيّ حين أنشرها، بوصفها أنّها نقديّة.
   وكما يُقال: (رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه)، فلا أستطيع وضع نفسي في موضوع لا أراه مكاني الطبيعيّ، ليس المهمّ عندي الوصف الخارجي، بل اعتنائي وتركيزي على الجوهر الداخليّ، وبما اعتقدتُ أنّني قدّمت خدمة للقراء حاضرًا ومستقبلًا، بتوفير مادّة معينة لهم رافدة لهم في الاطّلاع الوجيز على عناوين كتب، مقرونة بأسماء كُتّاب وأدباء وشعراء، خلال هذه الدوحة المضيئة بإضاءاتها.
عمان – الأردن ــــا 3\ 6\ 2020
                                                                

تأملات قرآنية