السبت، 16 مايو 2020
ليلة الطائرة الشراعية
الجمعة، 15 مايو 2020
الفضاءات الروائية في رواية (زيف القصاص)
الفضاءات الروائيّة
في رواية (زيف القصاص) للروائي (حامد الشريف)
بقلم الروائي – محمد فتي المقداد
ما إن تجاوزتُ الصّفحات الأولى من رواية (زيف
القصاص) حتى وجدتُ نفسي، ولا أدري الرابط أو الشيء الذي ذكّرني برواية (عمارة
يعقوبيان – للروائي علاء الأسواني) رغم اختلاف الموضوع بينهما تمامًا، يبدو أن
الفضاء المكاني لكلا الروايتيْن جرى في عمارة احتوت معظم الحدث الذي دارت حوله
أحداثهما.
رواية (زيف القصاص) تُصنّف في الأدب البوليسي،
حدوث جريمة قتل غامضة المحاسب (جهاد) أردنيّ الجنسيّة في عمارة سكنية، اتّخذ له
شقّة لممارساته الآثمة خارج إطار العائلة وزوجته دكتورة علم النّفس (ميسون). وفي كلّ جريمة لابدّ أن يذهب ضحيّتها أبرياء لا
علاقة لهم، إلّا أن سوء الحظّ هو ما قادهم إلى مكن الجريمة لسبب ما. كما حدث مع
البنت المستهترة (فاتن) التي قادتها الظروف إلى استدراجها برضاها من قبل (جهاد)
وفضّ عُذرتها، بعد صحوتها حدث صراع بينهما تخرج وتعود لتجد (جهاد) صريعًا مقتولا
يسبح في بركة من الدم.
لا يُذكر الأدب
البوليسي وروايات الجيب التي كنّا نشتريها، وفي أغلب الأحيان نستعيرها ممن
يمتلكها، لقراءتها للحصول على الإثارة المغامراتيّة لأبطالها، إلّا أن نتذكر
الروائية العالمية (آجاتا كريستي)، أشهر كُتّاب الروايات البوليسيّة, وأوّل كتاب
اشتريته في حياتي دليلة والزيبق، وقصص علي بابا، وفيه كثيرًا من المقالب ومقاومة
الظلم نصرة للمظلومين، يقترب في كثير من جوانبه بطابعه الحكائي البسيط مع الجوانب البوليسيّة
الروائيّة.
إشكاليّة
العنوان:
جاء العنوان بكلمتين فقط هما (زيف)
و(قصاص). وبالرّجوع إلى المُعجم تتضح
الصّورة بجلاء: (دِرْهَمٌ زَيْفٌ : أَيْ رَدِيءٌ،
مَغْشوشٌ؛ فإذا زافت النّقود، ظهر فيها
غَشٌّ ورداءة). استخدم (الزيف) هنا بمعنى الوهميّ، وغير الحقيقي الذي لا يتناسب مع
طبيعة الجُرم. و(قصاص) هنا أخذت موقعها في
العنوان كمصطلح فقهيّ، وهو في خاص بوليّ الدم. إمّا أن يأخذ القصاص أو العفو.
المفارقة في هاتيْن الكلمتيْن؛
فإذا تحقّقت العدالة وكانت (السّنُّ بالسّن)، ولكن وصف القصاص الذي كان هو غاية
العدالة، بقتل الجاني، عندها يوصف هذا بالزّيف، هنا تكمن المفارقة. وحتّى تتضّح
الرؤية، فقد ورد في الصفحة 318 على لسان .د. ميسون في لقائها الأخير مع المحقّق
راشد:
(إيماني مطلق بأنّ القصاص
من القاتل ليس عدلًا في كلّ أحواله، بل العكس تمامًا، قد يكون العدل الحقيقيّ في
التّجاوز عن القاتل.. تمجيد تصرّفه.. مكافأته عليه كحالة "جهاد").
(إن أردنا إقامة العدل
التجاوز عمّن فعل ذلك). (أظنّك لو تمعّنت في هذا الأمر.. فكّرت فيه
بالطّريقة التي أحدّثك عنها؛ لتوقّفت عند هذه النّقطة، لما سعيْت في فكّ غموض
القضيّة، حتّى لا تُسهم في تقديم شابّ أو فتاة لعدالتنا الزّائفة).
(فالعدل أن يُكرم القاتل في هكذا حالات، لا
أن يُقتل). (لك أن تتخيّل، لو قام أحدهم بقتل ألف رجل، وقام شخص بقتل هذا
السّفاح، أترى القانون الذي تسعى إلى تطبيقه سيغفرها له..!!؟).
(صدّقني يا راشد: العدل لا يكون دائمًا في القصاص، بل في التّغاضي،
عندما يكون المقتول مُستحقًّا لهذا المصير.. "جهاد" كان ذلك).
من الحكمة التأني عند إبداء الرأي.. استجلاء فلسفة الأمر ،ومَدَاراته بعد تقليبها
على جميع أوجه الاحتمالات القويّة والضّعيفة. بعد ذلك يكون الحكم مُنصفًا على ضوء
ما تحقّق.
شخصيّات الرواية:
-
المحقّقان: راشد وخليل من مُرتّبات
شرطة دُبي، وهما إماراتيّان.
-
المحاسب جهاد في شركة محاسبة أعمال. (جنسيته أردنية).
-
زوجته دكتورة ميسون متخصصة في علم النفس (جنسيتها أردنيّة).
-
ميشيل مدير شركة المحاسبة التي يعمل فيها جهاد، (جنسيته لبناني).
-
ثامر مبرمج في شركة المحاسبة (جنسيته مصري).
-
فتحيّة زوجة ثامر، تعمل مدرسة لغة فرنسية (جنسيتها مصرية).
-
إيمان وهي المُتّهمة الأولى في قتل جهاد (جنسيتها فلسطينية من غزة).
-
رودينا تعمل في شركة تسويق عقارية مندوبة مبيعات (جنسيتها مغربية).
-
سهام مُعدّة برامج سياسية تلفزيونيّة لإحدى المحّطات (جنسيتها سوريّة).
تعدّد الشّخصيّات في رواية (زيف
القصاص)، كانت ضرورتها لتعدّد مسارات الحدث الذي تمحورت حوله الرّواية، وهو جريمة
قتل المحاسب (جهاد)، وقد توجّهت أصابع الاتّهام لهؤلاء جميعًا، حتمًا كلّهم
أبرياء، وبقي القاتل طليقًا قريبًا من مسرح الجريمة، يتلاعب بإدارة الحدث بمهارة
وذكاء حادّ بصمتٍ وكتمان، وهو كمن يدير لعبة أتقنها باحتراف قلّ نظيره.
جاءت البطولة موزعة بين البطل
الرئيس المحقّق (راشد) الذي قاد مُجريات التّحقيق بصبر وأناة، بالتشاور مع صديقه
المحقّق (خليل)، وعرض النتائج التي حصل عليها، ومن خلال ذلك كانا ينسجان قراءاتهما
وتحليلاتهما على النتائج والتوقّعات، كون الجريمة غامضة لكثرة تداخلاتها
وتشابكاتها، وهو يتحرّى العدالة للقبض على المُجرم الحقيقيّ، وتبرئة المُتّهمين
وعلى رأسهم (إيمان) المتّهمة الأولى التي سُجنت، لأن كلّ الأدلّة الواضحة تشير لها.
(رودينا) كذلك تقاسمت البطولة مع
المُحّقق (راشد)، وكانت المُحرّك الأساسيّ للرواية، ناصرت قضيّة صديقتها التي
تعرّفت عليها مؤخّرًا بعد جريمة اغتصابها من المحاسب (جهاد)، وكانت واثقة من
براءتها، ولفتت نظر (راشد) إلى براءتها، ودفعت بالأمور قبل تحويل أوراقها نهائيًا
إلى المحكمة، وإعادة البحث مُجدّدًا وفتح ملف التّحقيق بمغامرة استوعبت الحدث
السّرديّ الروائيّ بأكمله، وتعاونت (رودينا) مع المُحقّق في كشف علاقة (سهام
بجهاد) رغم صداقتهما الحميمة, وتعاونت كذلك معه في محاولة فتح الجدار الصلب مع (د.
ميسون).
أمّا باقي الأبطال جاءت أدوارهم
متوسّطة الفعل مثل (سهام) التي اتّهمت بجريمة قتل (جهاد)، بينما الباقين كانوا
أبطالًا ثانويين، لاستكمال الحدث من خلال مسارات التحقيق المتعدّة المراحل التي
استلزمت حضورهم. مثل (ثامر وزوجته فتحيّة)، وهما ممن وُجّهت إليهما أصابع
الاتّهام بقتل جهاد، (د. ميسون) كذلك كانت
محط اهتمام المُحقّق لمصلحتها في قتل زوجها الذي خانها، وسبّب لها العار، وللكراهة
والجفاء عن استهتاره بكلّ القيم الأسريّة، وكونه موظّفًا في الشركة، ولعلاقته مع
مديره (ميشيل) اذي كان دورًا في تخفيف حدّة التوتّر بين (جهاد وميسون)، وعلاقة
صداقة ميسون مع جهاد بعلاقة ظاهرة استجرّت كلام المحيطون بهم من معارفهم، ووصل
الأمر حدّ اتهامهم بعلاقة حميمة سرًّا، مما وجّه أنظار التّحقيق عليهم، لمصلحتهم
في قتل جهاد، كي يتزوّجا، وهذه العلاقة حكاها ثامر أوّل للمحقّق (راشد)،
كما حكى (ميشيل) عن علاقة (فتحيّة) زوجة (ثامر) مع جهاد
بعلاقة جنسيّة بمعرفة زوجها.
هؤلاء جميعًا كان لهم مصلحة في قتل (جهاد)،
لأنّهم أكرههم واستعبدهم لنزواته المُتكرّرة على الدوام بلا انقطاع، وقد استأجر
شقّة في عمارة استخدمها لعملياته ومغامراته الجنسيّة بِنَهم غير معقول فاق الوصف،
وقد جهّزها بتقنيّات التصوير المخفيّ، وبعد ذلك يبتزّ ضحيّته ليستعبدها بشكل دائم، ومن غريب الصّدف أنّهم كانوا يسكنون بها، حتّى زوجته ميسون كان لها
شقّة تستخدمها كمكتب لمزاولة مهنتها في الطبّ النفسيّ، وتستقبل فيها مرضاها.
تبيّن أنّ هناك نموذجان للشخصيّات، الأوّل هو
الشخصيّة ذات المُركّب البسيط التلقائيّة، من السّهل بناء علاقة ما ربّما تتطوّر
إلى صداقة حقيقيّة بعد مدّة قصيرة من الزّمن، وغالبًا ما تكون مُنفتحة، مثالها من
الرواية (إيمان، وسهام، وفتحيّه).
الظواهر الاجتماعيّة الصّارمة
غالبًا ما تُوَلّد شخصيّة إشكاليّة في حياتها ومماتها. هذا موضوع أساسيّ أخذ
بُعدًا واضحًا في تسيير الحركة داخل العمل الروائي (زيف القصاص). فلا بدّ من
التوقّف أمام الشخصيّة المحوريّة التي انبنى عليها الحدث الروائيّ، ألا وهو (جهاد)
من خلال الوصف الدّقيق لحياته فهو شّخصيّة (سيكوباتيّة) تابعاً لشهواته ونزواته وأطماعه
الشّاذّة، وقد يكون سَمْحَ الوجه من الخارج؛ لكنّه يفتقر إلى المشاعر والأحاسيس داخليّاً؛
فهو قد استغّل العديد من ضحاياه جنسيًّا بطريقة بشعة مُقزّزة. ويقول علماء النّفس:
(إنّ هذا الشّخص شيطانٌ في صورة إنسان، وهو التّجسيد الحيّ لكلّ المعاني الرّذيلة والسّيّئة).
وهو شخصّ أنانيّ لأبعد الحدود، يُحبّ الاستيلاء على كلّ شيء
بشغف، فكان شهوانيًّا مهووسًا، وهو شخصيّة
مُركّبة بأقنعته التي يختفي خلفها.
شخصيّة المُحقّق (راشد) جادّة واعية لطبيعة
عملها وموقعها، عقلانيّة إلى أبعد الحدود باحتراف مهنيّ عالٍ، العقل يتقدّم في كلّ
شؤونه، وهذا نتيجة التدريبات المكثّفة التي حصل عليها حتى أصبح ضابط تحقيق في
الجرائم، ومثله كذلك صديقه الضّابط (خليل).
أمّا الدكتورة (ميسون) فهو خبيرة
علم نفس، وتقوم على ممارسة الطبّ النفسيّ بمعالجة ممن يلجأ لها، وذلك ضمن ظروف
اجتماعيّة خاصّة جدًّا، حدّ الالتباس، مما أشيع عنها بعلاقة غراميّة مع (ميشيل)
مدير الشّركة التي يعمل بها زوجها المقتول (جهاد). وكذلك يُدرج (ميشيل) في خانتها،
كمدير تنفيذي لشركة محاسبة، لما يحمل من شهادات وخبرات، بتسيير عمل تجاريّ ضخم
بملايين الدّراهم.
أمّا الشخصيّة الأهمّ
(رودينا) البنت المغربيّة ذات الـ (27) عامًا، عاشت حياة بؤس وفقر واضطراب، بسبب
والدها المُدمن على الخمر والمُخدّرات، والخوف المُستكنّ الذي صنع منها شخصيّة
مُتوجّسة شكّاشة في كلّ شيء. توافقت فيها
مِسحة الجمال الآسر، مع ذكاء حادّ، تمتعت بشخصيتها الجذّابة، وتصنّف على أنّها
شخصيّة (سيكوباتيّة) ذات شهوة خفيّة انتقاميّة من الآخرين، تحاول
أن تتمتع بالأحاسيس والمشاعر، لكنّها في الحقيقة (نرجسيّة) بطاووسيّتها، وهي لا
ترى محيطيها إلّا من خلالها، أيضًا إنّها شّخصيّة (اضطهاديّة) لشعورها الدائمٌ
بالاضطهاد والضَّيم؛ لذلك فهي تشكّ في الجميع، وتتوقّع الأذى منهم، وتُضمِر لهم
الكراهية وعدم الارتياح، رغم أنّ عملها كمندوبة لشركة عقاريّة ُكُبرى، كانت تتخفّى
خلف قناعة الأتيكيت التي تدّربت عليه، والابتسامة السّاحرة والدّبلوماسية، وخبرتها
في اقتناص الزبائن، وإقناعهم بشراء ما تعرضه عليه، ولغة الجسد إحدى أدواتها حتّى
تُحقق مُستوى مبيعات للشركة.
مسار التّحقيق:
مدينة "دبيّ" هي مسرح الرّواية
عمومًا، كمدينة مال وأعمال جاذبة للطامحين من كافّة أنحاء العالم، والخليط غير
الذي اعتمدته الرّواية، تجمّع من العديد من الدّول العربيّة، وفي إحدى ضواحيها في
أحد العمارات، حدث جريمة قتل للمدعو "جهاد"، كلّ الأدّلة الواضحة أدانت
البنت "إيمان"، ومع كلّ يوم تظهر أدلّة جديدة، لا تقود إلّا إلى مزيد من
الغموض أكثر، "رودينا" حرّكت الحدث بإقناع المحقق "راشد"
براءة صديقتها "إيمان"، يوم الدّفن ظهرت صديقتها "سهام" في
المقبرة بشكل خاطف متخفية بنظّارتها، من خلال رسم تقريبي أكّدت أنّها
"سهام"، ودافعت عنها باستماتة أن تكون هي القاتلة. اعتقلت
"سهام"، وجاء اعتراف "فتحيّة" بأنها على علاقة كانت مع
القتيل، واتّهام زوجها بقتله، ثم اتّسعت دائرة الاتهام لتطال "ثامر" زوج
فتحية الموظّف في نفس الشركة التي يعمل فيها "جهاد"، ولكنّه وجّه
الاتّهام إلى مديره "ميشيل" و "د. ميسون" زوجة جهاد.
بعودة "راشد" إلى إطلاع صديق المحقق
"خليل" على نتائج تحقيقاته، لفت نظره إلى جهاز هاتف جهاد، وعن شريحة
الخطّ المفقودة، عند هذه النقطة أخذ البحث مسارًا آخر، إلى أن جاءت فتحية من تلقاء
نفسها باعترافاتها، وسلّمت الشريحة إلى راشد، وبالتدقيق بالأسئلة الحرجة لسهام
وفتحيّة أكّدتا أن جهاد كان يُصوّر كلّ جلساته معهن وفي لقاء آخر يأتي به ويشاهده
معهن بعد عمل المونتاج له. بالتّفتيش للمّرة الثانية للشقّة، جدوا الكاميرات فقط
بدون جهاز التحكم التسجيل، تأكّدوا أنّها كانت تعمل بالتحكم عن بُعد، وفي تفتيش
سيّارة جهاد آخر معاقله المتوقّعة، وضع راشد يده على جهاز "اللّابتوب"،
وكانت الصّدمة..!!.. تعب وجهد أنهكه واستنفذ كامل قواه، أخيرًا للخروج من حالته،
كان لا بدّ من لقاء محبوبته (رودينا)، وفاجأها بإلباسها خاتمًا لؤلؤيًّا نفيسَا،
وأعلن لها أمنيته التي طوى قلبه عليها زمانًا: "سأخطبك..". اصطدمت رغبته
برفضها، ليعلن لها أنّه يعلم أنّها هي من غرست السّكين في قلب جهاد، رغم ذلك تجاوز
عنها، إرضاء لقلبه، وتوصية .د. ميسون بأن لا يدعها تفلت من يده، بالمحافظة عليها،
وتكون له زوجة.
عمان - الأردن
15\ 5\ 2020
الثلاثاء، 12 مايو 2020
مراجعات
الأحد، 10 مايو 2020
أجراس العودة (مقالات ملفقة 24\2)
أجراس العودة
مقالات ملفّقة (٢/٢٤)
بقلم /محمد فتحي المقداد
الحروب
والنزاعات لعنة الحياة منذ الأزل؛ فقد دمّرت بُنية الاستقرار في الحياة عامّة،
وألجأت البشر للهجرة والتهجير القسريّ عن أوطانهم، وفي نيّتهم الرّجوع إلى بيوتهم
وسابق حياتهم، بعد أن حطّت الحرب أوزارها.
من هنا نشأ مُصطلح
حقّ العودة المعترف به كمبدأ، وحقّ مُكتسب في القانون الدُّوليّ، مُدوّن في
الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والميثاق الدوليّ حول الحقوق المدنيّة
والسياسيّة، وهو يعطي أيّ شخص حقّ العودة، والدّخول إلى بلده الأصليّ. والارتباط
الروحيّ للعرب والمسلمين بفلسطين، والقدس، والخليل، وبيت لحم على الأخصّ؛ جعلها قضيّة
مركزية؛ تَنادى لها العالم الإسلاميّ قبل العربيّ.
وما حصل في
عام ألف وتسعمئة وثمان وأربعين، وما قبله بسنوات من قتل وطرد وتهجير قسريّ للفلسطينيّين
من ديارهم. نشأ واقع جديد في جوارهم العربيّ مخيّمات لاجئين؛ أقيمت على عجل برعاية
الأمم المتّحدة، ومنظّماتها من خلال (الأونروا - اليونيسيف).
وعندما غنّت
فيروز: (الآن الآن.. وليس غدًا // أجراس العودة فلتقرع).
ردّ عليها
الشاعر نزار قباني بقصيدة طويلة جريحة عصماء مليئة بالغضب على واقع الهزيمة، ورؤية
الشّاعر واثقة؛ بما استندت إليه من قراءة الواقع بمعطياته الواضحة:
(غنّت فيروز مُغـرّدة // وجميع الناس لها تسمع. عـفواً
فـيروزُ ومعـذرةً // أجراسُ العَـودة لن تـُقـرَع.
خازوقٌ دُقَّ بأسـفـلنا // من شَرَم الشّيخ إلى سَعْسَع).
و(شرم
الشيخ) مدينة مصريّة مُطلّة على البحر الأحمر، و(سعسع) قرية سوريّة في
هضبة الجولان المحتلّة. وهو ترميز لحدود فلسطين الجنوبيّة والشماليّة.
هذه النتائج
قادت إلى إنشاء مؤسّسة عائدون.. التي تناضل على جميع المستويات من خلال المنابر
العربيّة والدوليّة، مُنادية بحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين؛ لكي يعود إلى وعيه
ويصحو مَن نسي أو تراخت همّته.
وعيادة المريض
سُنّة محببة بين النّاس، ومن زاره؛ فقد عاده للسّؤال والمواساة وللعلاج، ولا بد من
أن يعود أدراجه قافلًا من حيث أتى، ومن عاد إلى رشده فإنّه اهتدى للصواب. والعيادات
الخارجيّة في المستشفيات أوّل مرحلة لدخول المريض؛ تعمل الكشف الطبيّ السّريع،
وتأخذ قرارها بشأن حالته.
وعَدَا الغزال
جرى وركض، وعدا الماء جرى، وعدا الشّخص اعتدي وتجاوز، وعَدا عليه وثب، وعدا
اللّصوص على أمواله: سرقوها، وأخذوها عُنوة بغير حقّ. وعوّد الرّجل أو الحيوانَ
الشيءَ، جعله يعتاد حتّى صار عادة له.
وعوّاد الجمع
عاديات وعَوادٍ والعوادي، هي غوائل الدّهر. والعادة كلّ ما اُعتيد حتّى صار يُفعَل
من غير جهد، والعادة تتكرّر على نهج واحد، وأمر خارق للعادة: مُجاوز لقدرة العبد
أو لطبيعة المخلوقات، كالمُعجزة والكرامة للأنبياء والأولياء الأتقياء الأخفياء. جرَت
العادة على كذا، صار من المُعتاد والمألوف، وقيل في المثل (اقطع عادة ولا
تُجرّيها)، و(زوْج صالح أعوَدُ عليكِ من زوْج ذي مالٍ). وعادٍ، العاديُ
العدوّ الظّالم، وعاد عليهم الدّهر: أتى عليهم.
والعادات
والتقاليد تراث الشّعوب على اختلافها، وفيها تمييز وتمايز ما بين شعب وآخر، وهي
مما اعتادوه من جيل إلى آخر، من عقائد وأديان ولباس وطعام ومسكن وأعياد وأفراح
ومآتم، وجميع نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصاديّة، وهذه مرجعيّة يُعاد ويرجع إليها
لمعرفة طرائق التفكير والسّلوك والعيش، بما يخلق المُبرّرات لدى الباحث في هذه
المجالات.
جرت العادة
على اتّخاذ أسماء للأشخاص من هذه المعاني: (عايد - عُويّد- عيد- عيّاد- عوّاد- عودة - عايدة- عيدة). وفي
دول الخليج نسمع قولهم: (يا معوّد..)، وفي مصر: (متعوّدة..) وفي كلا الحالتيْن
يمدّونها بطريقة النّطق ليستقيم المعنى المُراد منها. وفي الأمثال الشعبيّة
ورد العديد منها على سبيل المثال: (عِدْ
رجالك وأرِد المَيْ) يورد هذا المثل لحسم المواقف، لبلوغ الماء، وهي المقصودة
في المعارك والحروب التي كانت. وفي الأعياد: (إن شاء الله من عوّادينه..)،
وللأمر السيّئ الطّالع: (يِنْذَكر وما ينعاد) أي لا يعود إلّا فقط من خلال
ذكره على اللّسان، (عُدتَ و العوْد أحمَدُ) أي أفضل وأحسن على كلّ الأوجه.
و(عادت المياه إلى مجاريها) مثلُ يُضرب لأمر صلُح بعد فساده، وزوال سوء تفاهم.
ممّا تقدّم،
نشأت فكرة جمعيّة (العاديات) في مدينة حلب السّوريّة القديمة تأسّست
عام 1924م؛ بهدف حماية قلعة حلب؛ ومن
ثمّ استمرّت كجمعية هدفها الأساسيّ هو المحافظة على التراث السّوريّ الماديّ وغير
الماديّ المتخصّص. ولها فروع في مختلف المحافظات. وليس لها أيّ تدخّل في الشّؤون
السّياسيّة والدّينيّة.
وردت الآية
الكريمة من القرآن: (وأولئك هم العادون) المُعتدون المُتجاوزون لحدود الله
أو القوانين والأعراف، وهي من اسم (عاد) وجمعها (عادون) و(عُداة)، وتؤنّث على
(عادية). والآية: (والعاديات ضبحًا) قيل هي الخيل تعدو في سبيل الله.
يُعتبر الصحابيّ (المقداد بن عمرو) أوّل من عدا (جرى) به فرسه في سبيل
الله، حيث كان ذلك في معركة بدر، والفرس
الثانية للصحابيّ (الزّبير بين العوّام). ومنه العدو الجري الرّكض السّريع،
والعدّاؤون في الماراثونات والمباريات والمسابقات الرياضيّة، وأشهر العدّائين كان على
مستوى العالم المغربي (سعيد بوعيْطة). وعادّ الشي فلانًا: فاعل من عدّ –
عاددتُ، وأعادُّ، عادِد، مصدر مُعادّةٌ، عِداد، ومنها عادّ رفيقه أي فاخره في
العدد، ومن عادّه المرض يكون قد تركه ثمّ عاوده، وفي الحديث الشّريف: (ما زالت
أكلةُ خيْبر تُعادّني) أي تُعاودني، ومن عادّ خصومه فقد قاومهم في الحرب. وإذا
عادّ الأولاد الإرث، إنّا تقاسموه فيما بينهم بالتّساوي، وكلٌّ حسب حقّه الشرعيّ
المفروض.
وفي دول
العالم عامّة صارت الحماية الجُمركيّة للمحافظة على الانتاج الصناعي والتّجاريّ،
وفرض ضرائب على المُستوردات، لتُشكّل هذه الرّسوم الجُمركيّة من عوائد الدّخل للميزانيّات،
لعمل توازن ما بين الاستيراد والتّصدير. والعائدات مصدر دخل ما يعود بالنّفع على
المصلحة العامّة، ومن عادت له الحياة فقد بُعث من جديد، وجًدّد الاهتمام به، ومن
لم يعُد باستطاعته السّيْر: لم يبق، وعاد إلى وعيه صحا، ومن عاد إلى رشده صحا،
وإذا عاد الأمر إلى نصابه يكون قد تولّاه من يُحسن التّدبير، أو رجع الحقّ إلى
أهله، وعاد القهقرى تراجع، ومن رجع عاد بالذّاكرة إلى الوراء، الآية الكريمة: (لو
رُدّوا لعادوا لما نُهُوا عنه). ومن
عادَ أَدْرَاجَهُ: رَجَعَ،
وَلَّى مِنْ حَيْثُ أَتَى.
جرت العادة
على كذا: درجت العادة على كذا؛ وصارت من المعتاد والمألوف، وسفير فوق العادة: دُبلوماسيٌّ
له أكثر من صلاحيّات السّفير غير المُعتادة، ومن كان على عادته حسبما تعوّد،
وفَطَمَهُ من العادة قطعه عنها، والعادة الشّهريّة حيضُ المرأة، والعادة السّرّية
هي ما يُعرف (بِجَلْدِ عُمَيْرة)، أي الاستمناء باليدّ.
أختمُ
مُلفّقتي بمثل عربيّ قديم شهير (عادت حليمة إلى عادتها
القديمة) ما زالت الألسنة
تتداوله إلى هذا الوقت، ويُضرب للشخص الذي يعود إلى
عمل بعد أن قرّر التوقّف عنه. وفي الرّجوع إلى هامش(كتاب ثمرات الأوراق- لابن
حجّة الحمويّ) للتعرّف على القصّة الحقيقية لهذا المثل، فقد ورد فيه أنّ: [حليمة
هذه هي حليمة الزناريّة، بغيٌّ عاشت في قاهرة المُعزّ إبّان العصر الأيّوبيّ, وكان
الجند والفلّاحين وصغار الكَسَبة؛ يأتونها للفاحشة؛ ثمّ تاب الله عليها؛
فلبست الصّوف، وتسلّحت بمِسْبَحة أمّ تسع وتسعين حبّة؛ من أجل الوِرْدِ والأذكار
بين قيام اللّيل ونوافل النّهار، بعد أن كسرت الطّنبور والبُربُط وآلة النبيذ . ويبدو أن توبة حليمة وتقاها لم يدوما طويلاً؛ ففي أحد أيّام الرّبيع
الجميلة تحرّك عِرْقُ الدِّمَن في تلك الخضراء؛ فتجمّرت، وتعطّرت وتبخّرت، ولبست
أفخر ثيابها؛ ثم أسفَرَت؛ لتعود للجلوس إلى شِلّة جلد عميرة، كما كانت تفعل أيّام
عِزّها، فقال النّاس: رجعت حليمه لعادتها القديمة].
والعودة إلى
الله غاية لا بدّ منها في النّهاية لكلّ شخص مهما تاهت الدّروب به، لراحة القلب
والضّمير، غالبًا ما يأتي عند الغالبيّة في نهاية مسيرهم، ليلقوا الله بقلب سليم.
عمّان – الأردنّ
ــــا 12\ 5\ 2020
السبت، 9 مايو 2020
قراءة في مجموعة (على خطى الشيطان)
المربي الفاضل موسى حمدان السويدان
الخميس، 7 مايو 2020
القصة المثقفة عند علي السباعي
-
رواية خيمة في قصر بعبدا ...
-
( من أيّ ضياء يستقي ثقافته ) الروائي محمد فتحي المقداد بقلم – محمد الحراكي الثقافة هي الوجه اللامادي للحضارة، وكلّ ما يُصو...
-
رسّام كاريكاتير قصة قصيرة بقلم-(محمد فتحي المقداد)* أثناء فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية، درجت موضة دفاتر تحمل على غلافها صورة الرئيس، ض...