السبت، 16 مايو 2020

ليلة الطائرة الشراعية

ليلة الطائرة الشراعيّة


مقالات ملفّقة (10\3)
بقلم – محمد فتحي المقداد

يموت الأبطال وتبقى ذكراهم ماثلة شامخة لا تنحني، و لا تنمحي بتقادم الزّمان. لا أدري على وجه الدقّة ما الذي استدعى ذكرى ذلك الشّاب العربي السوريّ البطل (خالد محمد أكر) من مرتّبات صفوف الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، رغم تراكمات كثيرة كادت أن تذهب بذكرى رحلته التاريخيّة بـ (ليلة الطائرة الشراعيّة)، عندما انطلق ليلة الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1987م، مع ثًلّة من المقاتلين، اثنان منهما تعطّلت طائرتيْهما فهبطتا في المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وسقطت الأخرى.
استطاع خالد السّيطرة بإحكام على طائرته الصغيرة مُتفاديًا الرّادارات الصهيونية ونقاط مراقباتهم، بتحليقه الصّامت ببراعة وصل، منطقة الهدف (معسكر غيبور) قرب (بيت هيلال) والذي يضمّ نخبة القوّات الخاصّة الإسرائيليّة، هبط البطل في هدوء، حاملًا رشّاش كلاشنكوف، ومسدس كاتم للصوت، توجّه نحو بوابة المعسكر. فاجأ الجنود الإسرائيليين، وتمكّن من قتل عشرين جنديًّا، وجرح عشرين آخرين قبل استشهاده.
و الشّراع هو سطح مصنوع عادة من القماش أو الموّاد البلاستيكيّة المقاومة للتمزّق، و يتمّ نشره وتثبيته على صارية خشبيّة فيأسر الرياح، لغرض دفع قارب السفينة، أو أيّة مركبة أخرى في الماء، و قد تستخدم الأشرعة أيضاً في دفع المركبات البريّة، و للتحليق بالطائرات الشراعيّة.
أمّا الشّرعَة و الشريعة فهي ما شَرَع و سّنّ الله لعباده من الدّين، من خلال الأنبياء و الرّسل من أجل خير البشرية، والارتقاء بها روحيًّا و اجتماعيًّا و اقتصاديًّا وسياسيًّا، لإعمار الكون بطريقة تليق بكرامة الإنسان، بعيدًا عن سيطرة الأقلية على الأكثرية ونهب مقدّراتها، وخسفها ونفيها، ومنه قوله تعالى: (لكلٍّ جعلنا شِرْعةً ومنْهاجًا).
و سنّ القوانين تعتبر تشريعًا وضعيًّا لتنظيم التعاملات وفق رؤية ربّما تكون صائبة أو خاطبة، ولكنّها في العموم تتلّمس المصلحة العامة، وفيها الكثير من الثغرات و القصور التي ينفذ منها المحامون للدّفاع عن مُوكّليهم لتحصيل حق ضائع أو اغتصاب شيء ما. وفي الدولة البابلية قديمًا جاءت شريعة حمورابي وفق هذا المنظور، ويقال أنّها من أقدم القوانين النّاظمة للحياة آنذاك. ويتضادّ مع هذا المنحى مفهوم (شريعة الغاب) القائمة على الأقوى يأكل الأضعف، ويستخدم المصطلح على نطاق واسع على ألسنة النّاس إذا ما اغتصبت حقوقهم وضاعت، بغياب العدالة بكافة أشكالها.
كثيرّا ما تحدث المشاجرات الاجتماعية، ومن يُشهر سلاحًا حادًّا أو ناريّا، يُحكم عليه بالشُّروع بالقتل، حيث أن كافّة القوانين الجنائيّة تُجَرّم من يفعل ذلك، وينال جزاءه من السّجن وربّما تترافق مع الأعمال الشّاقة، ومن شَرعَ في الأمر أي خاض فيه.
وكذلك جاءت الشّريعة وهي الماء مورد الشّاربة، وإذا شَرَعَتِ الدّواب في الماء أي دخلت فيه، فهي شُرُوع وشًرّع، ومن هناك جاءت (نهر الشّريعة) المُتكوّن من التقاء ثلاثة روافد هي بانياس القادم من سوريا، واللَدّان القادم من شمالي فلسطين، والحاصباني القادم من لبنان مُشكّلا نهر الأردن العلوي، يبلغ طوله حوالي 251 كم، تصبّ مياهه بعد اجتماع الفروع الثلاثة في بحيرة طبرية، وما بعد بحيرة طبرية يُطلق عليه نهر الأردن وهو الحدّ بين فلسطين والأردن، ومن ثمّ يصب في البحر الميّت.
يؤخذ التاريخ جُملة وتفصلًا، من خلال القرائن و الدلائل، وبني اسرائيل لهم شرائعهم الخاصة بهم، فيوم السّبت هو يومهم الأسبوعيّ المقدّس، يمتنعون فيه عن الإتيان بأي عمل مهما كان، فكان اعتداؤهم في السبت بعد أن حرَّم الله عليهم كَسبَ السّبت, فكانوا يصطادون فيه السمك، وورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات عن بني اسرائيل وأطباعهم ومكائدهم واحتيالهم، فجاءت الآية في خصوص السّبت: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) 163سورة الأعراف، ودلالة الآية من التفسير، واسأل: يا محمّد، هؤلاء اليهود، وهم مُجاوروك, عن أمر القرية بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه، وذلك لأخذ العبرة و العظة من الأمم الأخرى.
أمّا الشّارع، فهو الطّريق الأعظم، فالشّوارع المَمَهّدة الواسعة النظيفة المُعبّدة من أساسيّات المدن الكبيرة قديمًا و حديثًا، وجُعِلَت لها الأسماء و الأرقام من خلال الشّاخصات الدّالة؛ لتسهيل الوصول إلى الوجهة المقصودة، حيث اتّخذت أشكالًا هندسية جميلة تتوخّى سلامة سالكيها من المسافرين على مدار السّاعة، وحاليًّا أصبح برنامج الـ ( ( gpsيستخدم على نطاق واسع من خلال أجهزة الهواتف الذكيّة؛ للوصول إلى الوجهة المطلوبة بدقّة وسهولة ويُسرٍ.
كما أنّ مجلّة الشراع اللبنانيّة السياسيّة الأسبوعيّة هي أحد أعمدة الصحافة العربيّة، ففي فترة سابقة من حياتي كنتّ مُداومًا على مطالعتها، وأهمّ إنجاز لها، نشر تحقيق عن صفقة الأسلحة الأميركيّة إلى إيران عام 1986 التي عرفت باسم (ايران - غيت)، وهي الحادثة التي أدّت الى وقف الحرب العراقيّة الايرانيّة عام (1980 \ 1988)، بعد أن خسرت إيران الحرب، وقال الإمام الخميني مقولته الشهيرة: (لو أنّي تجرّعت كأسًا من السُمّ أهون عليّ من ذلك). كما أورد الكاتب البريطاني باتريك سيل في كتابه (الأسد - الصراع على سوريا)، على إثر ذلك تعرّض حسن صبرا رئيس تحرير المجلّة لمحاولة اغتيال نجا منها.
ومن أجمل ما قرأت، كتاب (النّباهة و الإستحمار) للدكتور علي شريعتي (1933 - 1977م)، وهو مفكر إيراني إسلامي مشهور يعتبر مُلهم الثورة الإسلامية الإيرانيّة بأفكاره وتنظيراته، تخرّج في كليّة الآداب من جامعة طهران، ليُرشح لبعثة لفرنسا عام 1959 لدراسة علم الأديان وعلم الاجتماع، حصل بعدها على شهادتيْ دكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع.
أمّا آية الله شريعة مداري يعتبر مرجعيّة دينيّة إيرانيّة من طراز مختلف، كان يدعو إلى إجراء تعديلات جوهريّة على النّظام الملكيّ دون اللّجوء إلى الثورة المسلّحة، فالحلّ الأفضل في نظرة قيام ملكيّة دستوريّة، لكنّه أيّد الجمهورية الإسلامية بعد قيامها، وظلّ يدعو إلى قيام نظام ديمقراطيّ، وتميّز دائما بمواقفه المعتدلة، وربّما كان هذا هو السبب في إبعاده عن دائرة الضوء رغم شعبيّته الدينيّة الواسعة، وتعمقت هُوّة الخلاف بين شريعة مداري و الخميني، فأُبعِدَ شريعة مداري عن المسرح السياسيّ الإيرانيّ.
مُحلّلون سياسيّون يعتبرون تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا هو ميليشيا إسلام سياسيّ متطرّفة، تأسّست في شهر أبريل من عام 2012 بعد نهاية الثورة الليبيّة بشهور وتدعو إلى تحكيم الشريعة الإسلاميّة في ليبيا حسب وصفها، وتنظيم أنصار الشريعة في تونس، يُعدّان تنظيمًا واحد من حيث الأفكار الجهاديّة. والتنسيق بينهما والدعم المالي واللوجيستي.
و بالانتقال إلى عالم الثقافة تأتي رواية (الشراع والعاصفة) للكاتب حنّه مينه، الصادرة 2006 في المرتبة14 ضمن أفضل 105 روايات عربيّة، وترجمت إلى اللغة الروسيّة، الشّراع والعاصفة، قصّة مدينة سوريّة ساحليّة أثناء الحرب العالميّة الثانية، صوّر فيها الكاتب ببراعة مدهشة أثر الحرب، وما تركته من عواصف في بلاد يحتّلها الفرنسيّون، وأبرَزَ التناقضات التي كانت تفترس مجتمعًا غير متجانس، لكنّها أوّلاً قصّة رجال البّحر وانتصارهم على الطبيعة القاسية، قصة الارادة البشرية والمغامرة.
وها أنا أشرعتُ أمري في مخاضات شتّى، بعد أن أشرعت نوافذ كلماتي لعموم القرّاء و النقّاد، ليشرعوا سهام أقلامهم حمدًا وتجريحًا في باخرة مُلفّقاتي؛ للوصول بأمان على متن أشرعتهم إلى برٍّ ثقافيّ واضح برؤيته.

عمّان - الأردن
1 \ 3 \ 2017
____________
هذه المقالة نشرت قبل ثلاث سنوات من تاريخ نشرها هنا. ولكن أعيد نشرها هنا للتوثيق، لأن إدارة الفيس بوك حجبتها. قالوا: لاتوافق المحتوى الاجتماعي 

الجمعة، 15 مايو 2020

الفضاءات الروائية في رواية (زيف القصاص)

 

الفضاءات الروائيّة

في رواية (زيف القصاص) للروائي (حامد الشريف)

 

بقلم الروائي – محمد فتي المقداد

    ما إن تجاوزتُ الصّفحات الأولى من رواية (زيف القصاص) حتى وجدتُ نفسي، ولا أدري الرابط أو الشيء الذي ذكّرني برواية (عمارة يعقوبيان – للروائي علاء الأسواني) رغم اختلاف الموضوع بينهما تمامًا، يبدو أن الفضاء المكاني لكلا الروايتيْن جرى في عمارة احتوت معظم الحدث الذي دارت حوله أحداثهما.

    رواية (زيف القصاص) تُصنّف في الأدب البوليسي، حدوث جريمة قتل غامضة المحاسب (جهاد) أردنيّ الجنسيّة في عمارة سكنية، اتّخذ له شقّة لممارساته الآثمة خارج إطار العائلة وزوجته دكتورة علم النّفس (ميسون).  وفي كلّ جريمة لابدّ أن يذهب ضحيّتها أبرياء لا علاقة لهم، إلّا أن سوء الحظّ هو ما قادهم إلى مكن الجريمة لسبب ما. كما حدث مع البنت المستهترة (فاتن) التي قادتها الظروف إلى استدراجها برضاها من قبل (جهاد) وفضّ عُذرتها، بعد صحوتها حدث صراع بينهما تخرج وتعود لتجد (جهاد) صريعًا مقتولا يسبح في بركة من الدم.

    لا يُذكر الأدب البوليسي وروايات الجيب التي كنّا نشتريها، وفي أغلب الأحيان نستعيرها ممن يمتلكها، لقراءتها للحصول على الإثارة المغامراتيّة لأبطالها، إلّا أن نتذكر الروائية العالمية (آجاتا كريستي)، أشهر كُتّاب الروايات البوليسيّة, وأوّل كتاب اشتريته في حياتي دليلة والزيبق، وقصص علي بابا، وفيه كثيرًا من المقالب ومقاومة الظلم نصرة للمظلومين، يقترب في كثير من جوانبه بطابعه الحكائي البسيط مع الجوانب البوليسيّة الروائيّة.

 

 

إشكاليّة العنوان:

   جاء العنوان بكلمتين فقط هما (زيف) و(قصاص).  وبالرّجوع إلى المُعجم تتضح الصّورة بجلاء: (دِرْهَمٌ زَيْفٌ : أَيْ رَدِيءٌ، مَغْشوشٌ؛ فإذا زافت النّقود، ظهر فيها غَشٌّ ورداءة). استخدم (الزيف) هنا بمعنى الوهميّ، وغير الحقيقي الذي لا يتناسب مع طبيعة الجُرم. و(قصاص)  هنا أخذت موقعها في العنوان كمصطلح فقهيّ، وهو في خاص بوليّ الدم. إمّا أن يأخذ القصاص أو العفو.

   المفارقة في هاتيْن الكلمتيْن؛ فإذا تحقّقت العدالة وكانت (السّنُّ بالسّن)، ولكن وصف القصاص الذي كان هو غاية العدالة، بقتل الجاني، عندها يوصف هذا بالزّيف، هنا تكمن المفارقة. وحتّى تتضّح الرؤية، فقد ورد في الصفحة 318 على لسان .د. ميسون في لقائها الأخير مع المحقّق راشد:

   (إيماني مطلق بأنّ القصاص من القاتل ليس عدلًا في كلّ أحواله، بل العكس تمامًا، قد يكون العدل الحقيقيّ في التّجاوز عن القاتل.. تمجيد تصرّفه.. مكافأته عليه كحالة "جهاد").

   (إن أردنا إقامة العدل التجاوز عمّن فعل ذلك). (أظنّك لو تمعّنت في هذا الأمر.. فكّرت فيه بالطّريقة التي أحدّثك عنها؛ لتوقّفت عند هذه النّقطة، لما سعيْت في فكّ غموض القضيّة، حتّى لا تُسهم في تقديم شابّ أو فتاة لعدالتنا الزّائفة).

    (فالعدل أن يُكرم القاتل في هكذا حالات، لا أن يُقتل). (لك أن تتخيّل، لو قام أحدهم بقتل ألف رجل، وقام شخص بقتل هذا السّفاح، أترى القانون الذي تسعى إلى تطبيقه سيغفرها له..!!؟).

    (صدّقني يا راشد: العدل لا يكون دائمًا في القصاص، بل في التّغاضي، عندما يكون المقتول مُستحقًّا لهذا المصير.. "جهاد" كان ذلك).

من الحكمة التأني عند إبداء الرأي.. استجلاء فلسفة الأمر ،ومَدَاراته بعد تقليبها على جميع أوجه الاحتمالات القويّة والضّعيفة. بعد ذلك يكون الحكم مُنصفًا على ضوء ما تحقّق.

 

 

 

 

شخصيّات الرواية:

-   المحقّقان:  راشد وخليل من مُرتّبات شرطة دُبي، وهما إماراتيّان.

-   المحاسب جهاد في شركة محاسبة أعمال. (جنسيته أردنية).

-   زوجته دكتورة ميسون متخصصة في علم النفس (جنسيتها أردنيّة).

-   ميشيل مدير شركة المحاسبة التي يعمل فيها جهاد، (جنسيته لبناني).

-   ثامر مبرمج في شركة المحاسبة (جنسيته مصري).

-   فتحيّة زوجة ثامر، تعمل مدرسة لغة فرنسية (جنسيتها مصرية).

-   إيمان وهي المُتّهمة الأولى في قتل جهاد (جنسيتها فلسطينية من غزة).

-   رودينا تعمل في شركة تسويق عقارية مندوبة مبيعات (جنسيتها مغربية).

-   سهام مُعدّة برامج سياسية تلفزيونيّة لإحدى المحّطات (جنسيتها سوريّة).

   تعدّد الشّخصيّات في رواية (زيف القصاص)، كانت ضرورتها لتعدّد مسارات الحدث الذي تمحورت حوله الرّواية، وهو جريمة قتل المحاسب (جهاد)، وقد توجّهت أصابع الاتّهام لهؤلاء جميعًا، حتمًا كلّهم أبرياء، وبقي القاتل طليقًا قريبًا من مسرح الجريمة، يتلاعب بإدارة الحدث بمهارة وذكاء حادّ بصمتٍ وكتمان، وهو كمن يدير لعبة أتقنها باحتراف قلّ نظيره.

   جاءت البطولة موزعة بين البطل الرئيس المحقّق (راشد) الذي قاد مُجريات التّحقيق بصبر وأناة، بالتشاور مع صديقه المحقّق (خليل)، وعرض النتائج التي حصل عليها، ومن خلال ذلك كانا ينسجان قراءاتهما وتحليلاتهما على النتائج والتوقّعات، كون الجريمة غامضة لكثرة تداخلاتها وتشابكاتها، وهو يتحرّى العدالة للقبض على المُجرم الحقيقيّ، وتبرئة المُتّهمين وعلى رأسهم (إيمان) المتّهمة الأولى التي سُجنت، لأن كلّ الأدلّة الواضحة تشير لها.

   (رودينا) كذلك تقاسمت البطولة مع المُحّقق (راشد)، وكانت المُحرّك الأساسيّ للرواية، ناصرت قضيّة صديقتها التي تعرّفت عليها مؤخّرًا بعد جريمة اغتصابها من المحاسب (جهاد)، وكانت واثقة من براءتها، ولفتت نظر (راشد) إلى براءتها، ودفعت بالأمور قبل تحويل أوراقها نهائيًا إلى المحكمة، وإعادة البحث مُجدّدًا وفتح ملف التّحقيق بمغامرة استوعبت الحدث السّرديّ الروائيّ بأكمله، وتعاونت (رودينا) مع المُحقّق في كشف علاقة (سهام بجهاد) رغم صداقتهما الحميمة, وتعاونت كذلك معه في محاولة فتح الجدار الصلب مع (د. ميسون).

   أمّا باقي الأبطال جاءت أدوارهم متوسّطة الفعل مثل (سهام) التي اتّهمت بجريمة قتل (جهاد)، بينما الباقين كانوا أبطالًا ثانويين، لاستكمال الحدث من خلال مسارات التحقيق المتعدّة المراحل التي استلزمت حضورهم. مثل (ثامر وزوجته فتحيّة)، وهما ممن وُجّهت إليهما أصابع الاتّهام  بقتل جهاد، (د. ميسون) كذلك كانت محط اهتمام المُحقّق لمصلحتها في قتل زوجها الذي خانها، وسبّب لها العار، وللكراهة والجفاء عن استهتاره بكلّ القيم الأسريّة، وكونه موظّفًا في الشركة، ولعلاقته مع مديره (ميشيل) اذي كان دورًا في تخفيف حدّة التوتّر بين (جهاد وميسون)، وعلاقة صداقة ميسون مع جهاد بعلاقة ظاهرة استجرّت كلام المحيطون بهم من معارفهم، ووصل الأمر حدّ اتهامهم بعلاقة حميمة سرًّا، مما وجّه أنظار التّحقيق عليهم، لمصلحتهم في قتل جهاد، كي يتزوّجا، وهذه العلاقة حكاها ثامر أوّل للمحقّق (راشد)، كما حكى (ميشيل) عن علاقة (فتحيّة) زوجة (ثامر) مع جهاد بعلاقة جنسيّة بمعرفة زوجها.      

   هؤلاء  جميعًا كان لهم مصلحة في قتل (جهاد)، لأنّهم أكرههم واستعبدهم لنزواته المُتكرّرة على الدوام بلا انقطاع، وقد استأجر شقّة في عمارة استخدمها لعملياته ومغامراته الجنسيّة بِنَهم غير معقول فاق الوصف، وقد جهّزها بتقنيّات التصوير المخفيّ، وبعد ذلك يبتزّ ضحيّته ليستعبدها  بشكل دائم، ومن غريب الصّدف أنّهم  كانوا يسكنون بها، حتّى زوجته ميسون كان لها شقّة تستخدمها كمكتب لمزاولة مهنتها في الطبّ النفسيّ، وتستقبل فيها مرضاها.

  تبيّن أنّ هناك نموذجان للشخصيّات، الأوّل هو الشخصيّة ذات المُركّب البسيط التلقائيّة، من السّهل بناء علاقة ما ربّما تتطوّر إلى صداقة حقيقيّة بعد مدّة قصيرة من الزّمن، وغالبًا ما تكون مُنفتحة، مثالها من الرواية (إيمان، وسهام، وفتحيّه).

   الظواهر الاجتماعيّة الصّارمة غالبًا ما تُوَلّد شخصيّة إشكاليّة في حياتها ومماتها. هذا موضوع أساسيّ أخذ بُعدًا واضحًا في تسيير الحركة داخل العمل الروائي (زيف القصاص). فلا بدّ من التوقّف أمام الشخصيّة المحوريّة التي انبنى عليها الحدث الروائيّ، ألا وهو (جهاد) من خلال الوصف الدّقيق لحياته فهو شّخصيّة (سيكوباتيّة) تابعاً لشهواته ونزواته وأطماعه الشّاذّة، وقد يكون سَمْحَ الوجه من الخارج؛ لكنّه يفتقر إلى المشاعر والأحاسيس داخليّاً؛ فهو قد استغّل العديد من ضحاياه جنسيًّا بطريقة بشعة مُقزّزة. ويقول علماء النّفس: (إنّ هذا الشّخص شيطانٌ في صورة إنسان، وهو التّجسيد الحيّ لكلّ المعاني الرّذيلة والسّيّئة). وهو شخصّ أنانيّ لأبعد الحدود، يُحبّ الاستيلاء على كلّ شيء بشغف، فكان  شهوانيًّا مهووسًا، وهو شخصيّة مُركّبة بأقنعته التي يختفي خلفها.  

    شخصيّة المُحقّق (راشد) جادّة واعية لطبيعة عملها وموقعها، عقلانيّة إلى أبعد الحدود باحتراف مهنيّ عالٍ، العقل يتقدّم في كلّ شؤونه، وهذا نتيجة التدريبات المكثّفة التي حصل عليها حتى أصبح ضابط تحقيق في الجرائم، ومثله كذلك صديقه الضّابط (خليل).

   أمّا الدكتورة (ميسون) فهو خبيرة علم نفس، وتقوم على ممارسة الطبّ النفسيّ بمعالجة ممن يلجأ لها، وذلك ضمن ظروف اجتماعيّة خاصّة جدًّا، حدّ الالتباس، مما أشيع عنها بعلاقة غراميّة مع (ميشيل) مدير الشّركة التي يعمل بها زوجها المقتول (جهاد). وكذلك يُدرج (ميشيل) في خانتها، كمدير تنفيذي لشركة محاسبة، لما يحمل من شهادات وخبرات، بتسيير عمل تجاريّ ضخم بملايين الدّراهم.

   أمّا الشخصيّة الأهمّ (رودينا) البنت المغربيّة ذات الـ (27) عامًا، عاشت حياة بؤس وفقر واضطراب، بسبب والدها المُدمن على الخمر والمُخدّرات، والخوف المُستكنّ الذي صنع منها شخصيّة مُتوجّسة شكّاشة في كلّ شيء.  توافقت فيها مِسحة الجمال الآسر، مع ذكاء حادّ، تمتعت بشخصيتها الجذّابة، وتصنّف على أنّها شخصيّة (سيكوباتيّة) ذات شهوة خفيّة انتقاميّة من الآخرين، تحاول أن تتمتع بالأحاسيس والمشاعر، لكنّها في الحقيقة (نرجسيّة) بطاووسيّتها، وهي لا ترى محيطيها إلّا من خلالها، أيضًا إنّها شّخصيّة (اضطهاديّة) لشعورها الدائمٌ بالاضطهاد والضَّيم؛ لذلك فهي تشكّ في الجميع، وتتوقّع الأذى منهم، وتُضمِر لهم الكراهية وعدم الارتياح، رغم أنّ عملها كمندوبة لشركة عقاريّة ُكُبرى، كانت تتخفّى خلف قناعة الأتيكيت التي تدّربت عليه، والابتسامة السّاحرة والدّبلوماسية، وخبرتها في اقتناص الزبائن، وإقناعهم بشراء ما تعرضه عليه، ولغة الجسد إحدى أدواتها حتّى تُحقق مُستوى مبيعات للشركة.

 

مسار التّحقيق:

   مدينة "دبيّ" هي مسرح الرّواية عمومًا، كمدينة مال وأعمال جاذبة للطامحين من كافّة أنحاء العالم، والخليط غير الذي اعتمدته الرّواية، تجمّع من العديد من الدّول العربيّة، وفي إحدى ضواحيها في أحد العمارات، حدث جريمة قتل للمدعو "جهاد"، كلّ الأدّلة الواضحة أدانت البنت "إيمان"، ومع كلّ يوم تظهر أدلّة جديدة، لا تقود إلّا إلى مزيد من الغموض أكثر، "رودينا" حرّكت الحدث بإقناع المحقق "راشد" براءة صديقتها "إيمان"، يوم الدّفن ظهرت صديقتها "سهام" في المقبرة بشكل خاطف متخفية بنظّارتها، من خلال رسم تقريبي أكّدت أنّها "سهام"، ودافعت عنها باستماتة أن تكون هي القاتلة. اعتقلت "سهام"، وجاء اعتراف "فتحيّة" بأنها على علاقة كانت مع القتيل، واتّهام زوجها بقتله، ثم اتّسعت دائرة الاتهام لتطال "ثامر" زوج فتحية الموظّف في نفس الشركة التي يعمل فيها "جهاد"، ولكنّه وجّه الاتّهام إلى مديره "ميشيل" و "د. ميسون" زوجة جهاد.

   بعودة "راشد" إلى إطلاع صديق المحقق "خليل" على نتائج تحقيقاته، لفت نظره إلى جهاز هاتف جهاد، وعن شريحة الخطّ المفقودة، عند هذه النقطة أخذ البحث مسارًا آخر، إلى أن جاءت فتحية من تلقاء نفسها باعترافاتها، وسلّمت الشريحة إلى راشد، وبالتدقيق بالأسئلة الحرجة لسهام وفتحيّة أكّدتا أن جهاد كان يُصوّر كلّ جلساته معهن وفي لقاء آخر يأتي به ويشاهده معهن بعد عمل المونتاج له. بالتّفتيش للمّرة الثانية للشقّة، جدوا الكاميرات فقط بدون جهاز التحكم التسجيل، تأكّدوا أنّها كانت تعمل بالتحكم عن بُعد، وفي تفتيش سيّارة جهاد آخر معاقله المتوقّعة، وضع راشد يده على جهاز "اللّابتوب"، وكانت الصّدمة..!!.. تعب وجهد أنهكه واستنفذ كامل قواه، أخيرًا للخروج من حالته، كان لا بدّ من لقاء محبوبته (رودينا)، وفاجأها بإلباسها خاتمًا لؤلؤيًّا نفيسَا، وأعلن لها أمنيته التي طوى قلبه عليها زمانًا: "سأخطبك..". اصطدمت رغبته برفضها، ليعلن لها أنّه يعلم أنّها هي من غرست السّكين في قلب جهاد، رغم ذلك تجاوز عنها، إرضاء لقلبه، وتوصية .د. ميسون بأن لا يدعها تفلت من يده، بالمحافظة عليها، وتكون له زوجة.    


عمان - الأردن

15\ 5\ 2020

الثلاثاء، 12 مايو 2020

مراجعات


(أدب العزلة في زمن الكورونا) 

مراجعــــات
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد
   الميزان أوّل شيء تُشير المُمرّضة به إليّ في كلّ مرّة أدخلُ مكتبها في بداية كلّ مراجعة لي لمنظمّة (أطبّاء بلا حدود)، خشيتي من مخالفة أوامرها؛ من فوري أستجيبُ أيضًا بالجلوس على الكُرسيّ المُخصّص لقياس الضّغط. لا أدري لماذا أحاول إظهار التزامي بإشاراتها..!!؟. ولم يخطر ببالي مرّة التمرّد عليها.. أو بالتلكّؤ في تنفيذ ما تطلب منّي. بينما هي منشغلة في تسجيل بيانات قراءاتها، وملاحظاتها عن تطوّرات حالتي المُراقبَة بدقّة تامّة، ولا تلتفتُ لي لانهماكها في عملها.. بينما أمتثلُ لإشارتها بالخروج والانتظار من جديد لموعد دخولي على مكتب الطبيب. حتّى وصول إضبارتي إليه، وهي دائمة السّمن في حجمها ووزنها المُتزايد كل مرّة آتيهم من إضافة معلومات جديدة لها. 
   في صغري لم أعتد الالتزام بالدّور على باب الفرن في الصّباح الباكر قبل ذهابي إلى المدرسة، لأنّه لم يكن هناك دور، باءت جميع مُحاولات المصلحين في تخفيف المُزاحمة على الكُوّة الصغيرة، المسدود ولا يظهر منها، كان تحتها مباشر تاج عمود أثريّ هو الضّمان لي ولأمثالي الصّعود إليه والتجمهر فوقه، بتلاصق عجيب لا يخلو من مضايقات. 
   في العام 1986 قدمتُ إلى الأردنّ للعمل فيها بمهنتي، التغيير مهمٌّ بالاختلاف عمّا اعتدتُه هناك في بلدي، كثيرًا ما سمعتُ عبارة هناك: "إذا تعلمّنا الالتزام بالدّور.. سنرتقي". باب الفرن كان مدرسة مختلفة بدروسها، تعلّمنا أنواع السّباب والشّتائم، والتشابك بالألسنة غالبًا ما يتطوّر إلى عِراك بالأيدي، في بعض الأحيان كان أحدهم يسحب موس الكبّاس أو الكندرجيّة، السّكّينة الرقيقة المغلفّة بالجلد يتجنّدون بها تحت حزام البنطلونات.
   المرّة التي حدث فيها انقلاب بمفهوم بيع الخبز، عندما كتبوا لائحة فوق الفتحة التي يخرج منها الخبر: الرجاء الالتزام بالدّور، امتدّ الصفّ بالتواءاته كأفعى تتلوّى في زحفها. الفكرة عظيمة أن أنتظم في صفّ مع أمثالي، الخروقات المُتكرّرة من النّافذين كالشّرطة والأمن والموظفيّن وأقارب البائع وجيرانه، وجيران أبناء خالته. قهري لم يتبدّد إلى الآن منذ ذاك الوقت، أنّ بيع الخبز توقّف، وانتهى العمل في الفرن مع انقطاع التيّار الكهربائي، رجعتُ خاليَ الوِفاض، وأذيال الخيبة تتجرجرُ خلفي مثيرة نوبات التأنيب والتذمّر من كيفيّة تأمين خبرنا لهذا اليوم، الحلّ في رحلة أخرى للاقتراض من الجيران. يداهمني الوقتُ.. وأسرعُ للحاق بالدّوام والسّاعة تقترب من الثامنة.. العقوبة تنتظرني..!!.. وحلم الرّغيف لإسكات جوعي.. سال مع دموعي. 

  مجيء حظر الكورونا مفروض بالقوّة، عدم خروجي من البيت خوفًا أن أخالف القانون، كي لا أتورّط في عقوباته الصّارمة، خطر لي تقبّل الأمر على غير هذا المنحى، فلماذا لا يكون الموضوع يأخذ بُعدًا فلسفيّا في أحاديثي خاصّة مع جماعة المُثّقفين أصدقائي وغيرهم. دائمًا ما أعرب لهم عن سروري على أني مُلتزم، ولن أخرق الحظر مهما كان الأمر. 
   ذهبتُ تطرّفًا في آرائي: "الحصار حياة جديدة، خارج الحدود لتحطيم الملل والضّجر، المُتناوب سعيًا لاحتلال ساحات الفرح في قلبي". أردتُ إبراز البُعد الجماليّ لعدم خروجي مُتذرّعًا بالالتزام قسرًا. أضحكُ من نفسي سرًّا بحقيقة ما أُخفيه في داخلي. سأضرب عرض الحائط كلّ التعليمات والأوامر لولا الخوف مانعي. 
   استدركتُ حساباتي بجردة بسيطة، مقارنًا بين السرّ والإعلان، أصابني الخوف حقيقة رغم أنّي أجلسُ مع نفسي فقط، وحديثي بها لا يتعدّى حدود شفتيّ، ماذا لو عرف الوزير "سعد جابر" بهرطقاتي الانتهازية..!!؟.. بلا نقاش.. ولا جدل أبدًا.. سيقول: "أن السّبب المباشر لتخييب أمله بإعلانه المُتكرّر المتفائل مُراهنًا على وعي الشّعب..!!.. وأنّني أعملّ على توهين وإضعاف وعي الجماهير". زوابع الأفكار سحيتني بعيدًا، إلى اللّعنات التي ستلاحقني حتّى مماتي، كما "عرس إربد" الذي اشتهر عالمياً، ودخل موسوعة "غينيس"، و"السائق" القادم من الخارج حاملًا للفيروس مُتسيّبًا بنكبة جديدة بعد أيّام من الفرح الغامر بنظافة البلد من الإصابات. وماذا لو اتّخذ قرارًا بتقديمي للمحاكة بتهمة التجديف..!!؟.
   الآن أدركتُ فداحة الذي أفكر فيه، قرّرتُ أن أكون رسول الالتزام على وسائل التواصل، وأقيلُ عثرة اليائسين، والمُحبَطين، مُخالفًا للمتأفّفين المُتذمّرين من كلّ شيء.. شاحِنًا وشاحِذًا رؤيتهم للأمل القادم عمّا قريب.. مُظهرًا لهم محاسن الالتزام الذي لم أطيقه يومًا.. منذ ذلك التاريخ أيّام باب فرن البلديّة في "بُصرى الشام" الذي اندثرت آثاره الآن مع سرير بنت الملك من همجيّة الحرب. لن أحتسي دموع النّدم ثانية؛ فلأكُن في المقدّمة.. ولن أتأخّر كما أيّام المدرسة من أجل الخبز.. وأعاقَبُ وأنا طاوٍ على جوعي.

عمّان – الأردنّ
١١/ ٥/ ٢٠٢٠

الأحد، 10 مايو 2020

أجراس العودة (مقالات ملفقة 24\2)

أجراس العودة

 

مقالات ملفّقة (٢/٢٤)

بقلم /محمد فتحي المقداد

 

   الحروب والنزاعات لعنة الحياة منذ الأزل؛ فقد دمّرت بُنية الاستقرار في الحياة عامّة، وألجأت البشر للهجرة والتهجير القسريّ عن أوطانهم، وفي نيّتهم الرّجوع إلى بيوتهم وسابق حياتهم، بعد أن حطّت الحرب أوزارها.

   من هنا نشأ مُصطلح حقّ العودة المعترف به كمبدأ، وحقّ مُكتسب في القانون الدُّوليّ، مُدوّن في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والميثاق الدوليّ حول الحقوق المدنيّة والسياسيّة، وهو يعطي أيّ شخص حقّ العودة، والدّخول إلى بلده الأصليّ. والارتباط الروحيّ للعرب والمسلمين بفلسطين، والقدس، والخليل، وبيت لحم على الأخصّ؛ جعلها قضيّة مركزية؛ تَنادى لها العالم الإسلاميّ قبل العربيّ.

   وما حصل في عام ألف وتسعمئة وثمان وأربعين، وما قبله بسنوات من قتل وطرد وتهجير قسريّ للفلسطينيّين من ديارهم. نشأ واقع جديد في جوارهم العربيّ مخيّمات لاجئين؛ أقيمت على عجل برعاية الأمم المتّحدة، ومنظّماتها من خلال (الأونروا - اليونيسيف).

   وعندما غنّت فيروز: (الآن الآن.. وليس غدًا // أجراس العودة فلتقرع).

   ردّ عليها الشاعر نزار قباني بقصيدة طويلة جريحة عصماء مليئة بالغضب على واقع الهزيمة، ورؤية الشّاعر واثقة؛ بما استندت إليه من قراءة الواقع بمعطياته الواضحة:

(غنّت فيروز مُغـرّدة // وجميع الناس لها تسمع. عـفواً فـيروزُ ومعـذرةً // أجراسُ العَـودة لن تـُقـرَع.

خازوقٌ دُقَّ بأسـفـلنا // من شَرَم الشّيخ إلى سَعْسَع).

   و(شرم الشيخ) مدينة مصريّة مُطلّة على البحر الأحمر، و(سعسع) قرية سوريّة في هضبة الجولان المحتلّة. وهو ترميز لحدود فلسطين الجنوبيّة والشماليّة.

   هذه النتائج قادت إلى إنشاء مؤسّسة عائدون.. التي تناضل على جميع المستويات من خلال المنابر العربيّة والدوليّة، مُنادية بحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين؛ لكي يعود إلى وعيه ويصحو مَن نسي أو تراخت همّته.

   وعيادة المريض سُنّة محببة بين النّاس، ومن زاره؛ فقد عاده للسّؤال والمواساة وللعلاج، ولا بد من أن يعود أدراجه قافلًا من حيث أتى، ومن عاد إلى رشده فإنّه اهتدى للصواب. والعيادات الخارجيّة في المستشفيات أوّل مرحلة لدخول المريض؛ تعمل الكشف الطبيّ السّريع، وتأخذ قرارها بشأن حالته.

  وعَدَا الغزال جرى وركض، وعدا الماء جرى، وعدا الشّخص اعتدي وتجاوز، وعَدا عليه وثب، وعدا اللّصوص على أمواله: سرقوها، وأخذوها عُنوة بغير حقّ. وعوّد الرّجل أو الحيوانَ الشيءَ، جعله يعتاد حتّى صار عادة له.

   وعوّاد الجمع عاديات وعَوادٍ والعوادي، هي غوائل الدّهر. والعادة كلّ ما اُعتيد حتّى صار يُفعَل من غير جهد، والعادة تتكرّر على نهج واحد، وأمر خارق للعادة: مُجاوز لقدرة العبد أو لطبيعة المخلوقات، كالمُعجزة والكرامة للأنبياء والأولياء الأتقياء الأخفياء. جرَت العادة على كذا، صار من المُعتاد والمألوف، وقيل في المثل (اقطع عادة ولا تُجرّيها)، و(زوْج صالح أعوَدُ عليكِ من زوْج ذي مالٍ). وعادٍ، العاديُ العدوّ الظّالم، وعاد عليهم الدّهر: أتى عليهم.

   والعادات والتقاليد تراث الشّعوب على اختلافها، وفيها تمييز وتمايز ما بين شعب وآخر، وهي مما اعتادوه من جيل إلى آخر، من عقائد وأديان ولباس وطعام ومسكن وأعياد وأفراح ومآتم، وجميع نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصاديّة، وهذه مرجعيّة يُعاد ويرجع إليها لمعرفة طرائق التفكير والسّلوك والعيش، بما يخلق المُبرّرات لدى الباحث في هذه المجالات.    

   جرت العادة على اتّخاذ أسماء للأشخاص من هذه المعاني: (عايد - عُويّد-  عيد- عيّاد- عوّاد- عودة - عايدة- عيدة). وفي دول الخليج نسمع قولهم: (يا معوّد..)، وفي مصر: (متعوّدة..) وفي كلا الحالتيْن يمدّونها بطريقة النّطق ليستقيم المعنى المُراد منها. وفي الأمثال الشعبيّة ورد  العديد منها على سبيل المثال: (عِدْ رجالك وأرِد المَيْ) يورد هذا المثل لحسم المواقف، لبلوغ الماء، وهي المقصودة في المعارك والحروب التي كانت. وفي الأعياد: (إن شاء الله من عوّادينه..)، وللأمر السيّئ الطّالع: (يِنْذَكر وما ينعاد) أي لا يعود إلّا فقط من خلال ذكره على اللّسان، (عُدتَ و العوْد أحمَدُ) أي أفضل وأحسن على كلّ الأوجه. و(عادت المياه إلى مجاريها) مثلُ يُضرب لأمر صلُح بعد فساده، وزوال سوء تفاهم.

   ممّا تقدّم، نشأت فكرة جمعيّة (العاديات) في مدينة حلب السّوريّة القديمة تأسّست عام 1924م؛ بهدف حماية قلعة حلب؛ ومن ثمّ استمرّت كجمعية هدفها الأساسيّ هو المحافظة على التراث السّوريّ الماديّ وغير الماديّ المتخصّص. ولها فروع في مختلف المحافظات. وليس لها أيّ تدخّل في الشّؤون السّياسيّة والدّينيّة.

   وردت الآية الكريمة من القرآن: (وأولئك هم العادون) المُعتدون المُتجاوزون لحدود الله أو القوانين والأعراف، وهي من اسم (عاد) وجمعها (عادون) و(عُداة)، وتؤنّث على (عادية). والآية: (والعاديات ضبحًا) قيل هي الخيل تعدو في سبيل الله. يُعتبر الصحابيّ (المقداد بن عمرو) أوّل من عدا (جرى) به فرسه في سبيل الله، حيث كان ذلك في  معركة بدر، والفرس الثانية للصحابيّ (الزّبير بين العوّام). ومنه العدو الجري الرّكض السّريع، والعدّاؤون في الماراثونات والمباريات والمسابقات الرياضيّة، وأشهر العدّائين كان على مستوى العالم المغربي (سعيد بوعيْطة). وعادّ الشي فلانًا: فاعل من عدّ – عاددتُ، وأعادُّ، عادِد، مصدر مُعادّةٌ، عِداد، ومنها عادّ رفيقه أي فاخره في العدد، ومن عادّه المرض يكون قد تركه ثمّ عاوده، وفي الحديث الشّريف: (ما زالت أكلةُ خيْبر تُعادّني) أي تُعاودني، ومن عادّ خصومه فقد قاومهم في الحرب. وإذا عادّ الأولاد الإرث، إنّا تقاسموه فيما بينهم بالتّساوي، وكلٌّ حسب حقّه الشرعيّ المفروض.  

   وفي دول العالم عامّة صارت الحماية الجُمركيّة للمحافظة على الانتاج الصناعي والتّجاريّ، وفرض ضرائب على المُستوردات، لتُشكّل هذه الرّسوم الجُمركيّة من عوائد الدّخل للميزانيّات، لعمل توازن ما بين الاستيراد والتّصدير. والعائدات مصدر دخل ما يعود بالنّفع على المصلحة العامّة، ومن عادت له الحياة فقد بُعث من جديد، وجًدّد الاهتمام به، ومن لم يعُد باستطاعته السّيْر: لم يبق، وعاد إلى وعيه صحا، ومن عاد إلى رشده صحا، وإذا عاد الأمر إلى نصابه يكون قد تولّاه من يُحسن التّدبير، أو رجع الحقّ إلى أهله، وعاد القهقرى تراجع، ومن رجع عاد بالذّاكرة إلى الوراء، الآية الكريمة: (لو رُدّوا لعادوا لما نُهُوا عنه).  ومن عادَ أَدْرَاجَهُ: رَجَعَ، وَلَّى مِنْ حَيْثُ أَتَى.

   جرت العادة على كذا: درجت العادة على كذا؛ وصارت من المعتاد والمألوف، وسفير فوق العادة: دُبلوماسيٌّ له أكثر من صلاحيّات السّفير غير المُعتادة، ومن كان على عادته حسبما تعوّد، وفَطَمَهُ من العادة قطعه عنها، والعادة الشّهريّة حيضُ المرأة، والعادة السّرّية هي ما يُعرف (بِجَلْدِ عُمَيْرة)، أي الاستمناء باليدّ.

   أختمُ مُلفّقتي بمثل عربيّ قديم شهير (عادت حليمة إلى عادتها القديمة) ما زالت الألسنة تتداوله إلى هذا الوقت، ويُضرب للشخص الذي يعود إلى عمل بعد أن قرّر التوقّف عنه. وفي الرّجوع إلى هامش(كتاب ثمرات الأوراق- لابن حجّة الحمويّ) للتعرّف على القصّة الحقيقية لهذا المثل، فقد ورد فيه أنّ: [حليمة هذه هي حليمة الزناريّة، بغيٌّ عاشت في قاهرة المُعزّ إبّان العصر الأيّوبيّ, وكان الجند والفلّاحين وصغار الكَسَبة؛ يأتونها للفاحشة؛ ثمّ تاب الله عليها؛  فلبست الصّوف، وتسلّحت بمِسْبَحة أمّ تسع وتسعين حبّة؛ من أجل الوِرْدِ والأذكار بين قيام اللّيل ونوافل النّهار، بعد أن كسرت الطّنبور والبُربُط وآلة النبيذ . ويبدو أن توبة حليمة وتقاها لم يدوما طويلاً؛ ففي أحد أيّام الرّبيع الجميلة تحرّك عِرْقُ الدِّمَن في تلك الخضراء؛ فتجمّرت، وتعطّرت وتبخّرت، ولبست أفخر ثيابها؛ ثم أسفَرَت؛ لتعود للجلوس إلى شِلّة جلد عميرة، كما كانت تفعل أيّام عِزّها، فقال النّاس: رجعت حليمه لعادتها القديمة].

  والعودة إلى الله غاية لا بدّ منها في النّهاية لكلّ شخص مهما تاهت الدّروب به، لراحة القلب والضّمير، غالبًا ما يأتي عند الغالبيّة في نهاية مسيرهم، ليلقوا الله بقلب سليم.

 

عمّان – الأردنّ

ــــا 12\ 5\ 2020

 


السبت، 9 مايو 2020

قراءة في مجموعة (على خطى الشيطان)

قراءة في مجموعة
(على خطى الشيطان)
للقاص والروائي توفيق جاد.

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

أقام القاص توفيق جاد نصوصه الثمانية على بُنى واقعيّة اقتطفها من مخزون تجربته الحياتيّة.
وما أكثر الدّروب، وتشعّباتها المتشابكة والمتفرّعة في الحياة بداخلها ومخارجها المعقولة واللامعقولة، بما نستطيع تصديقها أو تكذيبها.
من هنا تتأتّي جدليّة العنوان (على خطى الشيطان)، وهي إشارة صادمة لمن سلكوا هذه الطريق بخطاهم الضلاليّة، نحو الهاوية بتدبير وتخطيط من عقل، أو عن جهل وعدم دراية.
وقيمة العنوان الرّئيس ذات الدلالة العميقة بإيحاءاتها، والاستهلاليّة لافتتاحيّات عنوانات فرعيّة، وليكون عتبة دخول إلى نصوص المجموعة ذات البعد الإنساني، والجانب المظلم المسكوت عنه عمومًا، خوفًا من الفضائح، وتجنّبًا للمشاكل وتبعاتها.  وكانت مقدّمة  المؤلف أشارت بوضوح تام وصريح، إلى مثل هذا العقبات والزوايا الخاملة والمغطّاة تحت ستارات الخشية من الهيئة الاجتماعية التي لا ترحم.
** النص الأول  من المجموعة (الموت قاعدًا) عالج قضية هامّة في حياة الموظّفين، ووصولهم سنّ التقاعد وهو الشبيه من حيث المبدأ (بسنّ اليأس) عند النساء. الآثار النفسية لكلا الحالتين مشوبة بشعور عميق مؤلم دواخل المُتقاعد، وانحسار دوره الفاعل إلى الظلّ.
** أمّا النصّ الثّاني (الشّيطان ثالثهما) فهو صاحب قضيّة كبيرة نادرة الحدوث، ومُقزّزة لذوي الذوق والفطرة السّليميْن. ألا وهي زنا المحارم.
** (على خُطى الشّيطان) النص الثالث، قضية العصر المؤرّقة للعالم أجمع، التطرّف والإرهاب الأعمى المُستهدِف لكافّة الفئات العُمريّة في أيّ مكان ينزل فيه، مُتّخذًا أشكالًا دينيّة وسياسيّة وقوميّة وطائفيّة وعنصريّة.
** (البكارة) النصّ الرّابع، الفقر والجهل والبُخل، والموت، والميراث، والاستغلال الجنسيّ، والنّصب والاحتيال، وهو ما عبر عنه الكاتب (بكارة العقل و بكارة العُذريّة).
** (السّاحرة أم كُشّة) و (الزّانية) هما عنوانان للنصّان الخامس والسادس، يتربّعان على منصّة السّحر والشعوذة، وبيع الأوهام للنّاس ممّن يقصدون المُشعوذين،  الذين يستغلون جنسيًّا ضحاياهم خاصّة من النّساء.
** (الزّائر والجنّي) النصّ السّابع، يتناول موضوع مختلف فيه وعليه، علاقة الجنّ بالبشر  والعكس، بين مُكذّب لذلك أو مُثبِت له ومؤيّد. رغم اختلاف طبيعة تكوين العالمين الإنسيّ والجنّي.
(الدفينة) النص الثامن والأخير، سلط الضوء على مشكلة الكنوز والدفائن، والباحثين عنها تحدوهم أشواق الثراء وبريق الذّهب، وهذا الموضوع كبير بتشعّابته، وحيثيّاته المُتداخلة ما بين الواقع، وطائفة من الجنّ الذين يرصدون الدفائن. وهناك ضحايا نصب، واحتيال لعصابات منظّمة تعمل في مجال خارج مألوف العقل.
القاص توفيق جاد.. أبدع في تكوين مجموعته هذه، نصوصه سهلة التناول، ذات أبعاد فكريّة تنويريّة. بثّ رسائله التوعويّة. دخل مناطق مُحرّم الكلام فيها. أضاف لبنته في بناء الصّرح الاجتماعيّ. 

عمّان - الأردنّ 
١٢/ ٥ / ٢٠٢٠

المربي الفاضل موسى حمدان السويدان

المُربّي الفاضل الأستاذ 
(موسى حمدان السّويدان)
بقلم الرّوائي – محمد فتحي المقداد
   يحقّ لبصرى خاصّة.. ولحوران ولسوريّة عامّة، أن تفتختر وتشمخ عاليًا، بأبنائها البررة، الذي أفنوا أعمارهم في تنشئة الأجيال، وبُناة الأوطان، الذين قضوا أعمارهم في سلك التربية والتعليم، وهم على كثرتهم، ولكن هناك الأميز والمميّز، والأستاذ (موسى حمدان السّويدان –أبو مجدي) رحمه الله. 
   كان أحد قادة الفكر والرأي والثقافة في مجتمع بصرى الشام الرّيفيّ الفلّاحي، وهو من الجيل على كافح وناضل حتّى وصل إلى الدراسة في دار المعلّمين العُليا في القاهرة أيّام الوحدة بين سوريّة ومصر1958 حيث قضة ثلاث سنوات هناك مدّة دراسته، مع إخوته من الطّلبة المتفوّقين من كافة المحافظات السّوريّة والمصريّة. 
   الأستاذ (موسى) هو من مواليد بصرى الشّام 1943من القرن المنصرم، بعد الانفصال 1961 رجع إلى سوريّة، واستكمل دراسته في مدينة حمص، وبعد التخرج تم تعيينه كمدير مدرسة في قرية (الجوخدار) من الريف الغربي في محافظة درعا المحاذي للجولان، ببعد ذلك عمل لمدة سنتين في قرية (صماد) جنوب بصرى الشّام في عام1963.
  عندما دخلت المدرسة في العام (1971)، ان الأستاذ موسى مديرًا للمدرسة الشّرقيّة نسبة للحي الشّرقيّ من بصرى، وهي (مدرسة بصرى الثانية للبنين)، آنذاك كانت المدرسة الغربية نسبة للحارة الغربيّة، وهي (مدرسة بصرى الأولى للبنين) غرب (باب الهوى)،والتنافس بين المدرستين كان على أشدّه في المسابقات الثقافيّة بين الأوائل والمتُفوّقين، والمباريات الرياضيّة، وعلى ما أذكر في العام 1972 أنّه أُجريَت مباراة كانت تاريخيّة لكرة الطّائرة، أخذت قوّتها وقعها في قلوب أهل بصرى؛ لأنّها جرت أحداثها في قلعة بصرى العتيدة، وعلى أرض مُدرجّها الشّهير، فكانت عظيمة عندما فازت مدرستي الشّرقيّة، وخرجت جماهير الحارة الشرقيّة من القلعة بهتافهم الخالد: (المعامل للعمّال.. والكاس للشرقيّة). يحملون أعضاء الفريق على الأكتاف، وهم يرفعون الكأس فوق الرّؤوس.
   الأستاذ موسى جلس مديرًا للمدرسة الشرقيّة لمدة 14 عام، فكانت إدارته قويّة جديّة صارمة في تعاملها مع الطّلاب. ويعتبر من ألمع المدراء بوضع بصمة بقيت طويلًا، وأصبحت جزءًا من العمليّة التعليميّة، وكان شخصّا بطبيعته قياديًّا ومُبادرًا. ومتفانيًا في عمله، فقد الدّوام وقتها على فترتين صباحيّة ومسائيّة، والمسائيّة فقط كانت في الأيّام الزوجيّة من الأسبوع (السّبت - الإثنين- الأربعاء)، وكان هناك في المساء قد فرض الطلّاب دروسًا مسائيّة، تجري في المدرسة، وقد طلقوا عليها اسم (المُطالعة) لمراجعة الدّروس وتأكيد حفظها، وهذا خارج ساعات أوقات الدّوام الرّسميّ، وتطوّعًا بلا مقابل، ولم النّاس يعرفون موضوع الدّروس الخصوصيّة، لأنُ الحالة التعلميّة كانت تبذل قُصارى ما تملك من جهد، لكن لمّا هبطت سويّة التعليم في المدارس، انتشرت موضة الدّروس الخاصّة في البيوت، ويدفع أهالي الطّلاب الأموال الطّائلة على ألادهم لتحسين تحصيلهم العلميّ.
   في العام 1976 سافر إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، وعمل مُدرّسًا هناك، وعاد بعد استقالته إلى بصرى في العام 1988. وأثناء وجوده هناك بادر بأفعال الخير التي لا يعرفها الكثيرين عنه، فقد سعى بجمع وحثّ أصدقائه هناك لجمع مبلغ من المال ساعدوا ببعضه المحتاجين، اشترى به مُكبّرات الصّوت والإذاعة للجامع العمريّ وتحديث كافّة الأجهزة، مما كان نقلة نوعيّة وقتها. في إيصال صوت الأذان والتذكير إلى أرجاء بصرى التي تباعدت في جميع الاتجاهات. وعمل كذلك على تجديد للأثاث في المسجد، وفرشه   بالموكيت، مع إرساله لأدوات كهربائيّة للتنظيف ساعدت خادم الجامع وأعانته على القيام بمهمته على أكمل وجه. و كذلك جرى تغيير الإضاءة القديمة، وتجهيز مُصلّى  خاصّ للنساء في أحد الزّوايا. 
   عاش كريمًا ومات شهيدًا سعيدًا مع اثنين من أحفاده  بعد صلاة الجمعة أثناء خروجهم من جامع خالد بن الوليد في الحيّ الغربيّ، وحتى آخر يوم في حياته حين اصطحب أحفاده معه إلى صلاة الجمعة واستشهد حينها مع اثنين من أحفاده في ــــا 15\ 6\ 2012.  
   رحمه الله وتقبّله مع النبيّين, والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين في جنّات النّعيم، وحسن أولئك رفيقًا، ومن الجميل أن أكتب عن إنسان مثل الأستاذ (موسى السّويدان) فلم أعرف عنه إلّا كلّ هدوء وطيب معشر، صادق في تعاملاته، لم يأكل حقًّا، ولم يفتر على أحد، كان خيّرًا مُحبًّا للخير وأهله، دائم البّشر ودودًا. 
الجمعة ــــا 9\ 5\ 2020

الخميس، 7 مايو 2020

القصة المثقفة عند علي السباعي

القصّة المثقّفة عند القاص (علي السّباعي)
قراءة في نص (رحلة الشّاطر كلكامش إلى دار السّلام) من مجموعته (مسلّة الأحزان)

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

   بالتوقّف أمام عنوان المجموعة، يقودنا للتساؤل: لماذا مفردة (مسلّة)؟. أعتقد أنّها عودة بنا إلى (حمورابي) وقوانينه الشّهيرة التي دوّنها على عمود أسطوانيّ الشّكل وهو المسلّة. بطول يزيد عن المترين، وبقطر (60) سم. وهي أوّل وثيقة قانونيّة سجّلت (282) مادّة، تعالج مختلف شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية وهو على جانب كبير من الدقة لواجبات الافراد وحقوقهم في المجتمع، كل حسب وظيفته ومسؤوليته. لكنّ مسلّة (علي السباعي) وثّقت أحزان العراقيّين، كما فسّره بمقولة شاعر سومريّ: (كُتب على هذه الأرض؛ أن لا يُقال فيها سوى المراثي والمناحات). وأحزان العراق كما أحزان جواره السّوريّ، الذي عانى من طغيان الدكتاتوريّة، وكأنّ الهلال الخصيب، غاب نور القمر عنه، فتلبّسته حُلل دياجير الظّلام.
    استحضار المِسلّة جاء بذكر (حمورابي)، وبطل قصّته (كلكامش) استحضر بطولات ذلك البطل السومريّ (كلكامش) الخارقة في مساعدة الإلهة (إنانا) بطرد المخلوقات التي تُزعج شجرتها (الحلبو). نستنتج منه أن استعادة تاريخ بابل وسومر العريقين، و(أور) مدينة أبو الأنبياء سيّدنا إبراهيم عليه السّلام.
   وفي عنوان نص القصّة ذات العنوان الطويل (رحلة الشّاطر كلكامش إلى دار السّلام)، وكأنه يشير لطول العهود التاريخيّة المتعاقبة على العراق، من حروب وملاحم، ومسرّات ومظالم، تآكلت فيها الآمال والطّموحات، لتتقزّم الحياة بحجم شخص حمل اسمًا عظيمًا ببطولاته، شخص أصبح ضمن رقم في قطيع، بدل أن كان صانع الأرقام والتواريخ. وجاء اختيار الاسم القديم لبغداد (دار السّلام)، وتطبيقه على الواقع المُحزن بحروبه ودماره، وكأنّ النقيض بالنّقيض يُقرن، وهذا التقابل في ذهن (علي السّباعي) جاء على محمل الكتابة الاحتياليّة، لاختراق حواجز الممنوع، والنجاة بالنفس والفكرة إلى عالم المسموح بأمان. وكأنّي بالشّاطر حسن الذي أعتقد أنّ قصّته التي قرأناها أيّام صغرنا، قد كان في أحد أحياء بغداد. 
   أستطيع الجزم أن القاص (علي السّباعي)، مازال في قماط التّاريخ، في مهده الأوّل الممتد فيما بين النّهرين، يتمدّد مُتفيّئًا ظلال النّخل الذي استظلّ به حمورابي، وكلكامش، وإبراهيم عليه السّلام، ويونس عليه السّلام صاحب الحوت، ونبوخذ نصر، والحسين سيّد الشّهداء، والسيّاب. شخص مثله مُترعٌ بهذه الجُرعة الزّائدة من العراق، وهو يستعيدها لاستحضار المجد والعزة، للخروج من النّفق المُظلم الطويل. 
    في هذا النصّ القصصيّ الذي استنهض ذاكرة المكان بحرفيّة كاتب مُتمكّن من أدواته بطريقة العرض الشيّقة، ورمزيّة المكان ارتبطت بذهنه بأساطير قديمة، حينما قال: (كانت غلطتي بألف، حاولتُ أن أحيط نفسي بالمجد مثل "إيروسترات"  الشيّقة، ورمزيّة المكان ارتبطت بذهنه بأساطير قديمة، حينما قال: (كانت غلطتي بألف، حاولتُ أن أحيط نفسي بالمجد مثل "إيروسترات" إذ دمّر  إحدى عجائب الدّنيا السّبع؛ بإحراق معبد "دلفي" في أثينا كي يُخلّد اسمه).  و (إيروس) في الميثولوجيا الإغريقية، هو الإله المسؤول عن الرّغبة، الحب والجنس، وتمّت عبادته كإله الخّصوبة، وهو من الشخصيات المحبوبة في الأدب والرسم والنحت والموسيقا.
   دلفي  هي مدينة تقع على المنحدرات الجنوبيَّة لجبل بارناسوس. وكان في هذه المدينة أقدم معبد ديني في بلاد اليونان القديمة. وكانت في مقاطعة فوكيس. كما اعتقد الإغريق قداسته "دلفي" خاصّة في نظر الإله أَبولو. واكتسبت أهمية في وقت مبكّر يعود إلى القرن الثَّاني عشر قبل الميلاد. وفيما بعد أصبح موقع دلفي مزارًا يونانيًا دوليًا. 
   جاء هذا الكلام على لسان بطل النص، حيث قال قبل ذلك: (ولأوّل مرّة خالفتُ حكمتي، وقصدتُ دار السّلام، واعلموا أنّ بطبيعتي حمار، حمارٌ لأّني أتعثّر بالأشياء ذاتها مرّتيْن، ولقد أنفقتُ جُلّ وقتي، وإن في ردّ الفعل، ولم أكن أبدًا فعلًا). المفارقة في بطل (علي السّباعي) في زمن انعدام البُطولات أمام بطولة القائد الأوحد، فلا رأس يعلو رأسه، شاغل النّاس في نومهم وصحوهم، وعملهم ولهوهم، وما ذاك أمام صانع الملاحم الأسطورية، هذا كلكامش، لو عاد سميّه ذاك لانتحر على أحد بُوّابات بغداد قبل أن يدخلها، على مرأى مشهد من أهلها.
   معالم (دار السّلام) أو (باغ داد)، أخذنا إليها القاصّ علي السّباعي مع بطله كلكامش، الذي كان كارهًًا لرحلته، بينما نتشوّق حُبًّا إلى حواري وأزقّة مدينة المنصور التي ابتنها لتصبح عاصمة الدّنيا قاطبة ما بين شرق وغرب، محجّة العلم الأدب والدّين والسياسة والاقتصاد. لذلك كثُر بها أطماع الطّامعين الفرس والسّلجوق والمستعربين والمستعمرين الأوربيين وحديثًا الأمريكيين. فيها تمازج العُرب والعجم، وتنازعوا حكمها لكن كلّ ذلك تحت رمز الخلافة، حتّى أمير الأندلس كان يؤدّي فروض الولاء والطّاعة للخليفة في بغداد. حينهما حكمت العالم قديمًا، وحديثًا العالم انتقم منها كما انتقم قبل ذلك (تيمورلنك)، فـ(ابن العلقميّ) فتح له بابها آنذاك، وقد سلّم مفتاحها مؤخّرًا للمغول الجُدد.  
    اصطحبنا (الشّاطر كلكامش)  معه في رحلته التي ابتدأها من منطقة (الزوراء)، وهي موضع في مدينة بغداد  في الجانب الشرقيّ منها، وسُمّيَت بالزوراء؛ لازورار في قبلتها أي انحراف على الاتّجاه الأصلي لطبيعة موقعها. وسمة بغداد الحضاريّة بإنسانيّتها المطلقة هي مكتباتها، دكاكين الورّاقين قديمًا، وما ذاك إلّا حين تلوّن نهرها بالأسود أيّامًا دليل على غزارة عقلها المُفكّر، وأوّل هدف للغزو الأمريكي للعراق 2004 كان المتحف العراقي، ذاكرة العراق، وسرقوا النّسخ الأصلية للألواح السّومريّة، والاشتغال على محو الذاكرة: هو المحور الأقوى الذي يعمل عليه الأعداء قديمًا وحديثًا. 
والأدباء هم ذاكرة الشّعوب، وعلي السّباعي ذاكرة العراق، التقط بنظرته الثّاقبة مشاهد الخوف والبؤس والظلم والموت، وبفطنته أدرك معاناة ممن هم حوله من الأهل والجيران وعامّة النّاس، وأضفى على ذلك خصوصية ثقافته العميقة، بإسقاطات تاريخيّة بمُمازجة القديم مع الحديث، والخيال بالواقع، مما أنتج لنا لوحة تشكيلية وهو الفنّان الذي تخرّج في كلية الفنون الجميلة في بغداد. على يد أستاذه (جواد سليم) و(فائق حسن).
    ويأخذنا برحلته في قطاره الأدبيّ، إلى ساحة الحريّة في بغداد، لنتوقف أمام جدارية (جواد سليم) وفيها تجسيد لحضارة العراق العظيم، وفيها يتوقّف أمام  تمثال الأمّ، وحديقة الأمّة التي كانت حديقة الملك غازي قبل ثورة تموز، وأمام نصب الحريّة.
     توقّفتُ تأمّلًا من اختياره لساحة الحريّة، ونصب الحريّة، في بلد عزّت فيه الحريّة مع وجود الجندي الأمريكي الواقف قُبالة النّصب، وبيده سلاحه المُشهر في وجه أبناء العراق. لم يكتفِ علي السّباعي بنقل مُشاهدات الوصف الراقي لأحد معالم مدينة بغداد، بل جاء على ذكر كتاب (بغداد مدين السّلام –لابن الفقيه الهمداني)، ونقل شيئًا من الوصف المثير  للحياة في بغداد قديمًا، وما فيها من جوانب مضيئة من علم وثقافة وفنون، وأبّهة المدينة الأولى في العالم. 
   يقول: (ستمطر مطرًا مُرتعًا بشقائق النّعمان، تلك هي دار السّلام، بينما أسير فيها مثل سيْر عقرب السّاعة في ساحة التّحرير، أمام نصب الحريّة وقفتُ أتطلّعُ مبهورًا، كمن يُشاهد نصب الحرّية لأوّل مرّة في حياته). بوضوح تامّ الكاتب مُنحازٌ للقيمة الإنسانيّة العُظمى الحريّة، واشتياق بغداد وأهلها لها، كما اشتياقهم انتظارًا للمطر يُعيد الحياة انتشاءًا وارتواء بقيمتها الحقيقيّة. من هناك يُخاطب أستاذه (جواد سليم): (إذا عُدتَ إلى الحياة ماذا ستُبدع؟). اقترن خطابه هذا بقصّة شهيرة, أيّام احتلال النّازي لفرنسا، عندما زار ضابط ألمانيّ الفنّان (بيكاسو) أيّام الحرب العالميّة في منزله. نظر الضّابط للوحة الـ (الجرنيكا) فأعجِب بها, وقال لبابلو بيكاسو: (أحسنتَ صنع (الجرنيكا) يا سيد بيكاسو. أجابه بيكاسو بذكاء: (لم أصنعها يا سيّدي؛ بل أنتم الذين قد صنعتموها..!!). 
  بعد ذلك مباشرة يقول (علي السّباعي): (شاهدتُ سيّارة "همفي" فوقها جنديّ أمريكيّ صوّب فوّهة قنّاصته إلى صدري فوق القلب؛ فاكتشفت بأنّني أكبر  مُغفّل على وجه الأرض.. أعيش كالنّعامة).  هنا يخرج الكاتب رؤيته الحقيقيّة بعيدًا عمّن طبّل وزمّر للمُحتلّ الغاصب ونثر عليه حبّات الأرزّ والزّهور، واستقبلوه استقبال الفاتحين.. وما كانوا يدرون..!! أي جريمة اقترفوا، وها هي إدانة الأدب ستبقى لعنة عليهم. هذا الاستحضار كان أمام نصب الحريّة في ساحة الحريّة، وهل جلب المُحتلّ الغاصب إلّا العبوديّة والخراب والموت.  وجاء باستشهاد ذكي، للشّاعر السّومريّ (دنجي رامو): (وا حسرتاه..!! على ما أصاب لكش، وكنزها، ما أشدّ ما يُعاني الأطفال من البؤس، أي مدينتي: متى تستبدلين الوحشة بالفرح..!!؟). وحال الشّاطر كلكامش في رحلته إلى دار السّلام، نَقَل لنا بعين الرّاصد ما شاهد ورأى، وهو ما زال يُردّد على مسامعنا: (موطني.. موطني.. موطني). 
    وفي خطابه الأخير لزليخة التي ما فتِئ علي السّباعي يستعيد رمزيّة المرأة والحب والحياة، وكأنّها هي مدينة دار السّلام "بغداد": (زليخة: كنتُ غضّ العود شابًّا ارتديتُ الخاكي، وهناك.. هناك فقط في الحرب في جبهة القتال أثناء المُنازلة، واشتداد القصف تعود أحزاني إلى الناصريّة). هنا لم يكن النّعامة التي دفنت رأسها عن الواقع، بل يذكر المقاومة ومعركة الناصريّة مفخرة العراقيّين. 
وفي إيراده لقصة تذكّرها أمام نصب الحريّة: (ذات يوم كنتُ أتجوّل في شوارع فيينا القديمة في النمسا،  مرّ موكب الإمبراطور؛ فتوقّف كلّ من في الشّارع لتحيّته. كان "بيتهوفن" على الرّصيف، كلّ النّاس رفعوا أيديهم وقُبّعاتهم احترامًا للإمبراطور إلّا "بيتهوفن"، لمّا سُئل: (يا سيّد بيتهوفن لماذا لم ترفع قُبّعتك احترامًا للإمبراطور..!!؟). أجابهم: (إذا مات الإمبراطور فهناك ألف رجل يستطيع كلّ واحد منهم أن يكون إمبراطور. لكن إذا مات بيتهوفن، فمن يستطيع أن يخلُفه من أبناء الجنس البشري..!!؟). هنا تتجلّى حكمة الكاتب في أنّ الأوطان والشّعوب باقية، والحُكّام يذهبون ويأتي من يخلفهم. ومازال دجلة والفرات ينبضان بالحياة، ولم يتوقّف نخل النّاريّة و العمارة والبصرة عن انتاج التمر, رغم الحرب والألم والمآسي. والعراق ستبقى ولّادة أمثال المثّنى، ومحمد بن القاسم، وأبي نؤاس، والجواهري. 
عمّان – الأردنّ
6 \ 5 \ 2020

تأملات قرآنية