الأحد، 10 مايو 2020

أجراس العودة (مقالات ملفقة 24\2)

أجراس العودة

 

مقالات ملفّقة (٢/٢٤)

بقلم /محمد فتحي المقداد

 

   الحروب والنزاعات لعنة الحياة منذ الأزل؛ فقد دمّرت بُنية الاستقرار في الحياة عامّة، وألجأت البشر للهجرة والتهجير القسريّ عن أوطانهم، وفي نيّتهم الرّجوع إلى بيوتهم وسابق حياتهم، بعد أن حطّت الحرب أوزارها.

   من هنا نشأ مُصطلح حقّ العودة المعترف به كمبدأ، وحقّ مُكتسب في القانون الدُّوليّ، مُدوّن في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والميثاق الدوليّ حول الحقوق المدنيّة والسياسيّة، وهو يعطي أيّ شخص حقّ العودة، والدّخول إلى بلده الأصليّ. والارتباط الروحيّ للعرب والمسلمين بفلسطين، والقدس، والخليل، وبيت لحم على الأخصّ؛ جعلها قضيّة مركزية؛ تَنادى لها العالم الإسلاميّ قبل العربيّ.

   وما حصل في عام ألف وتسعمئة وثمان وأربعين، وما قبله بسنوات من قتل وطرد وتهجير قسريّ للفلسطينيّين من ديارهم. نشأ واقع جديد في جوارهم العربيّ مخيّمات لاجئين؛ أقيمت على عجل برعاية الأمم المتّحدة، ومنظّماتها من خلال (الأونروا - اليونيسيف).

   وعندما غنّت فيروز: (الآن الآن.. وليس غدًا // أجراس العودة فلتقرع).

   ردّ عليها الشاعر نزار قباني بقصيدة طويلة جريحة عصماء مليئة بالغضب على واقع الهزيمة، ورؤية الشّاعر واثقة؛ بما استندت إليه من قراءة الواقع بمعطياته الواضحة:

(غنّت فيروز مُغـرّدة // وجميع الناس لها تسمع. عـفواً فـيروزُ ومعـذرةً // أجراسُ العَـودة لن تـُقـرَع.

خازوقٌ دُقَّ بأسـفـلنا // من شَرَم الشّيخ إلى سَعْسَع).

   و(شرم الشيخ) مدينة مصريّة مُطلّة على البحر الأحمر، و(سعسع) قرية سوريّة في هضبة الجولان المحتلّة. وهو ترميز لحدود فلسطين الجنوبيّة والشماليّة.

   هذه النتائج قادت إلى إنشاء مؤسّسة عائدون.. التي تناضل على جميع المستويات من خلال المنابر العربيّة والدوليّة، مُنادية بحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين؛ لكي يعود إلى وعيه ويصحو مَن نسي أو تراخت همّته.

   وعيادة المريض سُنّة محببة بين النّاس، ومن زاره؛ فقد عاده للسّؤال والمواساة وللعلاج، ولا بد من أن يعود أدراجه قافلًا من حيث أتى، ومن عاد إلى رشده فإنّه اهتدى للصواب. والعيادات الخارجيّة في المستشفيات أوّل مرحلة لدخول المريض؛ تعمل الكشف الطبيّ السّريع، وتأخذ قرارها بشأن حالته.

  وعَدَا الغزال جرى وركض، وعدا الماء جرى، وعدا الشّخص اعتدي وتجاوز، وعَدا عليه وثب، وعدا اللّصوص على أمواله: سرقوها، وأخذوها عُنوة بغير حقّ. وعوّد الرّجل أو الحيوانَ الشيءَ، جعله يعتاد حتّى صار عادة له.

   وعوّاد الجمع عاديات وعَوادٍ والعوادي، هي غوائل الدّهر. والعادة كلّ ما اُعتيد حتّى صار يُفعَل من غير جهد، والعادة تتكرّر على نهج واحد، وأمر خارق للعادة: مُجاوز لقدرة العبد أو لطبيعة المخلوقات، كالمُعجزة والكرامة للأنبياء والأولياء الأتقياء الأخفياء. جرَت العادة على كذا، صار من المُعتاد والمألوف، وقيل في المثل (اقطع عادة ولا تُجرّيها)، و(زوْج صالح أعوَدُ عليكِ من زوْج ذي مالٍ). وعادٍ، العاديُ العدوّ الظّالم، وعاد عليهم الدّهر: أتى عليهم.

   والعادات والتقاليد تراث الشّعوب على اختلافها، وفيها تمييز وتمايز ما بين شعب وآخر، وهي مما اعتادوه من جيل إلى آخر، من عقائد وأديان ولباس وطعام ومسكن وأعياد وأفراح ومآتم، وجميع نشاطاتهم الاجتماعية والاقتصاديّة، وهذه مرجعيّة يُعاد ويرجع إليها لمعرفة طرائق التفكير والسّلوك والعيش، بما يخلق المُبرّرات لدى الباحث في هذه المجالات.    

   جرت العادة على اتّخاذ أسماء للأشخاص من هذه المعاني: (عايد - عُويّد-  عيد- عيّاد- عوّاد- عودة - عايدة- عيدة). وفي دول الخليج نسمع قولهم: (يا معوّد..)، وفي مصر: (متعوّدة..) وفي كلا الحالتيْن يمدّونها بطريقة النّطق ليستقيم المعنى المُراد منها. وفي الأمثال الشعبيّة ورد  العديد منها على سبيل المثال: (عِدْ رجالك وأرِد المَيْ) يورد هذا المثل لحسم المواقف، لبلوغ الماء، وهي المقصودة في المعارك والحروب التي كانت. وفي الأعياد: (إن شاء الله من عوّادينه..)، وللأمر السيّئ الطّالع: (يِنْذَكر وما ينعاد) أي لا يعود إلّا فقط من خلال ذكره على اللّسان، (عُدتَ و العوْد أحمَدُ) أي أفضل وأحسن على كلّ الأوجه. و(عادت المياه إلى مجاريها) مثلُ يُضرب لأمر صلُح بعد فساده، وزوال سوء تفاهم.

   ممّا تقدّم، نشأت فكرة جمعيّة (العاديات) في مدينة حلب السّوريّة القديمة تأسّست عام 1924م؛ بهدف حماية قلعة حلب؛ ومن ثمّ استمرّت كجمعية هدفها الأساسيّ هو المحافظة على التراث السّوريّ الماديّ وغير الماديّ المتخصّص. ولها فروع في مختلف المحافظات. وليس لها أيّ تدخّل في الشّؤون السّياسيّة والدّينيّة.

   وردت الآية الكريمة من القرآن: (وأولئك هم العادون) المُعتدون المُتجاوزون لحدود الله أو القوانين والأعراف، وهي من اسم (عاد) وجمعها (عادون) و(عُداة)، وتؤنّث على (عادية). والآية: (والعاديات ضبحًا) قيل هي الخيل تعدو في سبيل الله. يُعتبر الصحابيّ (المقداد بن عمرو) أوّل من عدا (جرى) به فرسه في سبيل الله، حيث كان ذلك في  معركة بدر، والفرس الثانية للصحابيّ (الزّبير بين العوّام). ومنه العدو الجري الرّكض السّريع، والعدّاؤون في الماراثونات والمباريات والمسابقات الرياضيّة، وأشهر العدّائين كان على مستوى العالم المغربي (سعيد بوعيْطة). وعادّ الشي فلانًا: فاعل من عدّ – عاددتُ، وأعادُّ، عادِد، مصدر مُعادّةٌ، عِداد، ومنها عادّ رفيقه أي فاخره في العدد، ومن عادّه المرض يكون قد تركه ثمّ عاوده، وفي الحديث الشّريف: (ما زالت أكلةُ خيْبر تُعادّني) أي تُعاودني، ومن عادّ خصومه فقد قاومهم في الحرب. وإذا عادّ الأولاد الإرث، إنّا تقاسموه فيما بينهم بالتّساوي، وكلٌّ حسب حقّه الشرعيّ المفروض.  

   وفي دول العالم عامّة صارت الحماية الجُمركيّة للمحافظة على الانتاج الصناعي والتّجاريّ، وفرض ضرائب على المُستوردات، لتُشكّل هذه الرّسوم الجُمركيّة من عوائد الدّخل للميزانيّات، لعمل توازن ما بين الاستيراد والتّصدير. والعائدات مصدر دخل ما يعود بالنّفع على المصلحة العامّة، ومن عادت له الحياة فقد بُعث من جديد، وجًدّد الاهتمام به، ومن لم يعُد باستطاعته السّيْر: لم يبق، وعاد إلى وعيه صحا، ومن عاد إلى رشده صحا، وإذا عاد الأمر إلى نصابه يكون قد تولّاه من يُحسن التّدبير، أو رجع الحقّ إلى أهله، وعاد القهقرى تراجع، ومن رجع عاد بالذّاكرة إلى الوراء، الآية الكريمة: (لو رُدّوا لعادوا لما نُهُوا عنه).  ومن عادَ أَدْرَاجَهُ: رَجَعَ، وَلَّى مِنْ حَيْثُ أَتَى.

   جرت العادة على كذا: درجت العادة على كذا؛ وصارت من المعتاد والمألوف، وسفير فوق العادة: دُبلوماسيٌّ له أكثر من صلاحيّات السّفير غير المُعتادة، ومن كان على عادته حسبما تعوّد، وفَطَمَهُ من العادة قطعه عنها، والعادة الشّهريّة حيضُ المرأة، والعادة السّرّية هي ما يُعرف (بِجَلْدِ عُمَيْرة)، أي الاستمناء باليدّ.

   أختمُ مُلفّقتي بمثل عربيّ قديم شهير (عادت حليمة إلى عادتها القديمة) ما زالت الألسنة تتداوله إلى هذا الوقت، ويُضرب للشخص الذي يعود إلى عمل بعد أن قرّر التوقّف عنه. وفي الرّجوع إلى هامش(كتاب ثمرات الأوراق- لابن حجّة الحمويّ) للتعرّف على القصّة الحقيقية لهذا المثل، فقد ورد فيه أنّ: [حليمة هذه هي حليمة الزناريّة، بغيٌّ عاشت في قاهرة المُعزّ إبّان العصر الأيّوبيّ, وكان الجند والفلّاحين وصغار الكَسَبة؛ يأتونها للفاحشة؛ ثمّ تاب الله عليها؛  فلبست الصّوف، وتسلّحت بمِسْبَحة أمّ تسع وتسعين حبّة؛ من أجل الوِرْدِ والأذكار بين قيام اللّيل ونوافل النّهار، بعد أن كسرت الطّنبور والبُربُط وآلة النبيذ . ويبدو أن توبة حليمة وتقاها لم يدوما طويلاً؛ ففي أحد أيّام الرّبيع الجميلة تحرّك عِرْقُ الدِّمَن في تلك الخضراء؛ فتجمّرت، وتعطّرت وتبخّرت، ولبست أفخر ثيابها؛ ثم أسفَرَت؛ لتعود للجلوس إلى شِلّة جلد عميرة، كما كانت تفعل أيّام عِزّها، فقال النّاس: رجعت حليمه لعادتها القديمة].

  والعودة إلى الله غاية لا بدّ منها في النّهاية لكلّ شخص مهما تاهت الدّروب به، لراحة القلب والضّمير، غالبًا ما يأتي عند الغالبيّة في نهاية مسيرهم، ليلقوا الله بقلب سليم.

 

عمّان – الأردنّ

ــــا 12\ 5\ 2020

 


السبت، 9 مايو 2020

قراءة في مجموعة (على خطى الشيطان)

قراءة في مجموعة
(على خطى الشيطان)
للقاص والروائي توفيق جاد.

بقلم الروائي - محمد فتحي المقداد

أقام القاص توفيق جاد نصوصه الثمانية على بُنى واقعيّة اقتطفها من مخزون تجربته الحياتيّة.
وما أكثر الدّروب، وتشعّباتها المتشابكة والمتفرّعة في الحياة بداخلها ومخارجها المعقولة واللامعقولة، بما نستطيع تصديقها أو تكذيبها.
من هنا تتأتّي جدليّة العنوان (على خطى الشيطان)، وهي إشارة صادمة لمن سلكوا هذه الطريق بخطاهم الضلاليّة، نحو الهاوية بتدبير وتخطيط من عقل، أو عن جهل وعدم دراية.
وقيمة العنوان الرّئيس ذات الدلالة العميقة بإيحاءاتها، والاستهلاليّة لافتتاحيّات عنوانات فرعيّة، وليكون عتبة دخول إلى نصوص المجموعة ذات البعد الإنساني، والجانب المظلم المسكوت عنه عمومًا، خوفًا من الفضائح، وتجنّبًا للمشاكل وتبعاتها.  وكانت مقدّمة  المؤلف أشارت بوضوح تام وصريح، إلى مثل هذا العقبات والزوايا الخاملة والمغطّاة تحت ستارات الخشية من الهيئة الاجتماعية التي لا ترحم.
** النص الأول  من المجموعة (الموت قاعدًا) عالج قضية هامّة في حياة الموظّفين، ووصولهم سنّ التقاعد وهو الشبيه من حيث المبدأ (بسنّ اليأس) عند النساء. الآثار النفسية لكلا الحالتين مشوبة بشعور عميق مؤلم دواخل المُتقاعد، وانحسار دوره الفاعل إلى الظلّ.
** أمّا النصّ الثّاني (الشّيطان ثالثهما) فهو صاحب قضيّة كبيرة نادرة الحدوث، ومُقزّزة لذوي الذوق والفطرة السّليميْن. ألا وهي زنا المحارم.
** (على خُطى الشّيطان) النص الثالث، قضية العصر المؤرّقة للعالم أجمع، التطرّف والإرهاب الأعمى المُستهدِف لكافّة الفئات العُمريّة في أيّ مكان ينزل فيه، مُتّخذًا أشكالًا دينيّة وسياسيّة وقوميّة وطائفيّة وعنصريّة.
** (البكارة) النصّ الرّابع، الفقر والجهل والبُخل، والموت، والميراث، والاستغلال الجنسيّ، والنّصب والاحتيال، وهو ما عبر عنه الكاتب (بكارة العقل و بكارة العُذريّة).
** (السّاحرة أم كُشّة) و (الزّانية) هما عنوانان للنصّان الخامس والسادس، يتربّعان على منصّة السّحر والشعوذة، وبيع الأوهام للنّاس ممّن يقصدون المُشعوذين،  الذين يستغلون جنسيًّا ضحاياهم خاصّة من النّساء.
** (الزّائر والجنّي) النصّ السّابع، يتناول موضوع مختلف فيه وعليه، علاقة الجنّ بالبشر  والعكس، بين مُكذّب لذلك أو مُثبِت له ومؤيّد. رغم اختلاف طبيعة تكوين العالمين الإنسيّ والجنّي.
(الدفينة) النص الثامن والأخير، سلط الضوء على مشكلة الكنوز والدفائن، والباحثين عنها تحدوهم أشواق الثراء وبريق الذّهب، وهذا الموضوع كبير بتشعّابته، وحيثيّاته المُتداخلة ما بين الواقع، وطائفة من الجنّ الذين يرصدون الدفائن. وهناك ضحايا نصب، واحتيال لعصابات منظّمة تعمل في مجال خارج مألوف العقل.
القاص توفيق جاد.. أبدع في تكوين مجموعته هذه، نصوصه سهلة التناول، ذات أبعاد فكريّة تنويريّة. بثّ رسائله التوعويّة. دخل مناطق مُحرّم الكلام فيها. أضاف لبنته في بناء الصّرح الاجتماعيّ. 

عمّان - الأردنّ 
١٢/ ٥ / ٢٠٢٠

المربي الفاضل موسى حمدان السويدان

المُربّي الفاضل الأستاذ 
(موسى حمدان السّويدان)
بقلم الرّوائي – محمد فتحي المقداد
   يحقّ لبصرى خاصّة.. ولحوران ولسوريّة عامّة، أن تفتختر وتشمخ عاليًا، بأبنائها البررة، الذي أفنوا أعمارهم في تنشئة الأجيال، وبُناة الأوطان، الذين قضوا أعمارهم في سلك التربية والتعليم، وهم على كثرتهم، ولكن هناك الأميز والمميّز، والأستاذ (موسى حمدان السّويدان –أبو مجدي) رحمه الله. 
   كان أحد قادة الفكر والرأي والثقافة في مجتمع بصرى الشام الرّيفيّ الفلّاحي، وهو من الجيل على كافح وناضل حتّى وصل إلى الدراسة في دار المعلّمين العُليا في القاهرة أيّام الوحدة بين سوريّة ومصر1958 حيث قضة ثلاث سنوات هناك مدّة دراسته، مع إخوته من الطّلبة المتفوّقين من كافة المحافظات السّوريّة والمصريّة. 
   الأستاذ (موسى) هو من مواليد بصرى الشّام 1943من القرن المنصرم، بعد الانفصال 1961 رجع إلى سوريّة، واستكمل دراسته في مدينة حمص، وبعد التخرج تم تعيينه كمدير مدرسة في قرية (الجوخدار) من الريف الغربي في محافظة درعا المحاذي للجولان، ببعد ذلك عمل لمدة سنتين في قرية (صماد) جنوب بصرى الشّام في عام1963.
  عندما دخلت المدرسة في العام (1971)، ان الأستاذ موسى مديرًا للمدرسة الشّرقيّة نسبة للحي الشّرقيّ من بصرى، وهي (مدرسة بصرى الثانية للبنين)، آنذاك كانت المدرسة الغربية نسبة للحارة الغربيّة، وهي (مدرسة بصرى الأولى للبنين) غرب (باب الهوى)،والتنافس بين المدرستين كان على أشدّه في المسابقات الثقافيّة بين الأوائل والمتُفوّقين، والمباريات الرياضيّة، وعلى ما أذكر في العام 1972 أنّه أُجريَت مباراة كانت تاريخيّة لكرة الطّائرة، أخذت قوّتها وقعها في قلوب أهل بصرى؛ لأنّها جرت أحداثها في قلعة بصرى العتيدة، وعلى أرض مُدرجّها الشّهير، فكانت عظيمة عندما فازت مدرستي الشّرقيّة، وخرجت جماهير الحارة الشرقيّة من القلعة بهتافهم الخالد: (المعامل للعمّال.. والكاس للشرقيّة). يحملون أعضاء الفريق على الأكتاف، وهم يرفعون الكأس فوق الرّؤوس.
   الأستاذ موسى جلس مديرًا للمدرسة الشرقيّة لمدة 14 عام، فكانت إدارته قويّة جديّة صارمة في تعاملها مع الطّلاب. ويعتبر من ألمع المدراء بوضع بصمة بقيت طويلًا، وأصبحت جزءًا من العمليّة التعليميّة، وكان شخصّا بطبيعته قياديًّا ومُبادرًا. ومتفانيًا في عمله، فقد الدّوام وقتها على فترتين صباحيّة ومسائيّة، والمسائيّة فقط كانت في الأيّام الزوجيّة من الأسبوع (السّبت - الإثنين- الأربعاء)، وكان هناك في المساء قد فرض الطلّاب دروسًا مسائيّة، تجري في المدرسة، وقد طلقوا عليها اسم (المُطالعة) لمراجعة الدّروس وتأكيد حفظها، وهذا خارج ساعات أوقات الدّوام الرّسميّ، وتطوّعًا بلا مقابل، ولم النّاس يعرفون موضوع الدّروس الخصوصيّة، لأنُ الحالة التعلميّة كانت تبذل قُصارى ما تملك من جهد، لكن لمّا هبطت سويّة التعليم في المدارس، انتشرت موضة الدّروس الخاصّة في البيوت، ويدفع أهالي الطّلاب الأموال الطّائلة على ألادهم لتحسين تحصيلهم العلميّ.
   في العام 1976 سافر إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، وعمل مُدرّسًا هناك، وعاد بعد استقالته إلى بصرى في العام 1988. وأثناء وجوده هناك بادر بأفعال الخير التي لا يعرفها الكثيرين عنه، فقد سعى بجمع وحثّ أصدقائه هناك لجمع مبلغ من المال ساعدوا ببعضه المحتاجين، اشترى به مُكبّرات الصّوت والإذاعة للجامع العمريّ وتحديث كافّة الأجهزة، مما كان نقلة نوعيّة وقتها. في إيصال صوت الأذان والتذكير إلى أرجاء بصرى التي تباعدت في جميع الاتجاهات. وعمل كذلك على تجديد للأثاث في المسجد، وفرشه   بالموكيت، مع إرساله لأدوات كهربائيّة للتنظيف ساعدت خادم الجامع وأعانته على القيام بمهمته على أكمل وجه. و كذلك جرى تغيير الإضاءة القديمة، وتجهيز مُصلّى  خاصّ للنساء في أحد الزّوايا. 
   عاش كريمًا ومات شهيدًا سعيدًا مع اثنين من أحفاده  بعد صلاة الجمعة أثناء خروجهم من جامع خالد بن الوليد في الحيّ الغربيّ، وحتى آخر يوم في حياته حين اصطحب أحفاده معه إلى صلاة الجمعة واستشهد حينها مع اثنين من أحفاده في ــــا 15\ 6\ 2012.  
   رحمه الله وتقبّله مع النبيّين, والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين في جنّات النّعيم، وحسن أولئك رفيقًا، ومن الجميل أن أكتب عن إنسان مثل الأستاذ (موسى السّويدان) فلم أعرف عنه إلّا كلّ هدوء وطيب معشر، صادق في تعاملاته، لم يأكل حقًّا، ولم يفتر على أحد، كان خيّرًا مُحبًّا للخير وأهله، دائم البّشر ودودًا. 
الجمعة ــــا 9\ 5\ 2020

الخميس، 7 مايو 2020

القصة المثقفة عند علي السباعي

القصّة المثقّفة عند القاص (علي السّباعي)
قراءة في نص (رحلة الشّاطر كلكامش إلى دار السّلام) من مجموعته (مسلّة الأحزان)

بقلم الروائي -محمد فتحي المقداد

   بالتوقّف أمام عنوان المجموعة، يقودنا للتساؤل: لماذا مفردة (مسلّة)؟. أعتقد أنّها عودة بنا إلى (حمورابي) وقوانينه الشّهيرة التي دوّنها على عمود أسطوانيّ الشّكل وهو المسلّة. بطول يزيد عن المترين، وبقطر (60) سم. وهي أوّل وثيقة قانونيّة سجّلت (282) مادّة، تعالج مختلف شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية وهو على جانب كبير من الدقة لواجبات الافراد وحقوقهم في المجتمع، كل حسب وظيفته ومسؤوليته. لكنّ مسلّة (علي السباعي) وثّقت أحزان العراقيّين، كما فسّره بمقولة شاعر سومريّ: (كُتب على هذه الأرض؛ أن لا يُقال فيها سوى المراثي والمناحات). وأحزان العراق كما أحزان جواره السّوريّ، الذي عانى من طغيان الدكتاتوريّة، وكأنّ الهلال الخصيب، غاب نور القمر عنه، فتلبّسته حُلل دياجير الظّلام.
    استحضار المِسلّة جاء بذكر (حمورابي)، وبطل قصّته (كلكامش) استحضر بطولات ذلك البطل السومريّ (كلكامش) الخارقة في مساعدة الإلهة (إنانا) بطرد المخلوقات التي تُزعج شجرتها (الحلبو). نستنتج منه أن استعادة تاريخ بابل وسومر العريقين، و(أور) مدينة أبو الأنبياء سيّدنا إبراهيم عليه السّلام.
   وفي عنوان نص القصّة ذات العنوان الطويل (رحلة الشّاطر كلكامش إلى دار السّلام)، وكأنه يشير لطول العهود التاريخيّة المتعاقبة على العراق، من حروب وملاحم، ومسرّات ومظالم، تآكلت فيها الآمال والطّموحات، لتتقزّم الحياة بحجم شخص حمل اسمًا عظيمًا ببطولاته، شخص أصبح ضمن رقم في قطيع، بدل أن كان صانع الأرقام والتواريخ. وجاء اختيار الاسم القديم لبغداد (دار السّلام)، وتطبيقه على الواقع المُحزن بحروبه ودماره، وكأنّ النقيض بالنّقيض يُقرن، وهذا التقابل في ذهن (علي السّباعي) جاء على محمل الكتابة الاحتياليّة، لاختراق حواجز الممنوع، والنجاة بالنفس والفكرة إلى عالم المسموح بأمان. وكأنّي بالشّاطر حسن الذي أعتقد أنّ قصّته التي قرأناها أيّام صغرنا، قد كان في أحد أحياء بغداد. 
   أستطيع الجزم أن القاص (علي السّباعي)، مازال في قماط التّاريخ، في مهده الأوّل الممتد فيما بين النّهرين، يتمدّد مُتفيّئًا ظلال النّخل الذي استظلّ به حمورابي، وكلكامش، وإبراهيم عليه السّلام، ويونس عليه السّلام صاحب الحوت، ونبوخذ نصر، والحسين سيّد الشّهداء، والسيّاب. شخص مثله مُترعٌ بهذه الجُرعة الزّائدة من العراق، وهو يستعيدها لاستحضار المجد والعزة، للخروج من النّفق المُظلم الطويل. 
    في هذا النصّ القصصيّ الذي استنهض ذاكرة المكان بحرفيّة كاتب مُتمكّن من أدواته بطريقة العرض الشيّقة، ورمزيّة المكان ارتبطت بذهنه بأساطير قديمة، حينما قال: (كانت غلطتي بألف، حاولتُ أن أحيط نفسي بالمجد مثل "إيروسترات"  الشيّقة، ورمزيّة المكان ارتبطت بذهنه بأساطير قديمة، حينما قال: (كانت غلطتي بألف، حاولتُ أن أحيط نفسي بالمجد مثل "إيروسترات" إذ دمّر  إحدى عجائب الدّنيا السّبع؛ بإحراق معبد "دلفي" في أثينا كي يُخلّد اسمه).  و (إيروس) في الميثولوجيا الإغريقية، هو الإله المسؤول عن الرّغبة، الحب والجنس، وتمّت عبادته كإله الخّصوبة، وهو من الشخصيات المحبوبة في الأدب والرسم والنحت والموسيقا.
   دلفي  هي مدينة تقع على المنحدرات الجنوبيَّة لجبل بارناسوس. وكان في هذه المدينة أقدم معبد ديني في بلاد اليونان القديمة. وكانت في مقاطعة فوكيس. كما اعتقد الإغريق قداسته "دلفي" خاصّة في نظر الإله أَبولو. واكتسبت أهمية في وقت مبكّر يعود إلى القرن الثَّاني عشر قبل الميلاد. وفيما بعد أصبح موقع دلفي مزارًا يونانيًا دوليًا. 
   جاء هذا الكلام على لسان بطل النص، حيث قال قبل ذلك: (ولأوّل مرّة خالفتُ حكمتي، وقصدتُ دار السّلام، واعلموا أنّ بطبيعتي حمار، حمارٌ لأّني أتعثّر بالأشياء ذاتها مرّتيْن، ولقد أنفقتُ جُلّ وقتي، وإن في ردّ الفعل، ولم أكن أبدًا فعلًا). المفارقة في بطل (علي السّباعي) في زمن انعدام البُطولات أمام بطولة القائد الأوحد، فلا رأس يعلو رأسه، شاغل النّاس في نومهم وصحوهم، وعملهم ولهوهم، وما ذاك أمام صانع الملاحم الأسطورية، هذا كلكامش، لو عاد سميّه ذاك لانتحر على أحد بُوّابات بغداد قبل أن يدخلها، على مرأى مشهد من أهلها.
   معالم (دار السّلام) أو (باغ داد)، أخذنا إليها القاصّ علي السّباعي مع بطله كلكامش، الذي كان كارهًًا لرحلته، بينما نتشوّق حُبًّا إلى حواري وأزقّة مدينة المنصور التي ابتنها لتصبح عاصمة الدّنيا قاطبة ما بين شرق وغرب، محجّة العلم الأدب والدّين والسياسة والاقتصاد. لذلك كثُر بها أطماع الطّامعين الفرس والسّلجوق والمستعربين والمستعمرين الأوربيين وحديثًا الأمريكيين. فيها تمازج العُرب والعجم، وتنازعوا حكمها لكن كلّ ذلك تحت رمز الخلافة، حتّى أمير الأندلس كان يؤدّي فروض الولاء والطّاعة للخليفة في بغداد. حينهما حكمت العالم قديمًا، وحديثًا العالم انتقم منها كما انتقم قبل ذلك (تيمورلنك)، فـ(ابن العلقميّ) فتح له بابها آنذاك، وقد سلّم مفتاحها مؤخّرًا للمغول الجُدد.  
    اصطحبنا (الشّاطر كلكامش)  معه في رحلته التي ابتدأها من منطقة (الزوراء)، وهي موضع في مدينة بغداد  في الجانب الشرقيّ منها، وسُمّيَت بالزوراء؛ لازورار في قبلتها أي انحراف على الاتّجاه الأصلي لطبيعة موقعها. وسمة بغداد الحضاريّة بإنسانيّتها المطلقة هي مكتباتها، دكاكين الورّاقين قديمًا، وما ذاك إلّا حين تلوّن نهرها بالأسود أيّامًا دليل على غزارة عقلها المُفكّر، وأوّل هدف للغزو الأمريكي للعراق 2004 كان المتحف العراقي، ذاكرة العراق، وسرقوا النّسخ الأصلية للألواح السّومريّة، والاشتغال على محو الذاكرة: هو المحور الأقوى الذي يعمل عليه الأعداء قديمًا وحديثًا. 
والأدباء هم ذاكرة الشّعوب، وعلي السّباعي ذاكرة العراق، التقط بنظرته الثّاقبة مشاهد الخوف والبؤس والظلم والموت، وبفطنته أدرك معاناة ممن هم حوله من الأهل والجيران وعامّة النّاس، وأضفى على ذلك خصوصية ثقافته العميقة، بإسقاطات تاريخيّة بمُمازجة القديم مع الحديث، والخيال بالواقع، مما أنتج لنا لوحة تشكيلية وهو الفنّان الذي تخرّج في كلية الفنون الجميلة في بغداد. على يد أستاذه (جواد سليم) و(فائق حسن).
    ويأخذنا برحلته في قطاره الأدبيّ، إلى ساحة الحريّة في بغداد، لنتوقف أمام جدارية (جواد سليم) وفيها تجسيد لحضارة العراق العظيم، وفيها يتوقّف أمام  تمثال الأمّ، وحديقة الأمّة التي كانت حديقة الملك غازي قبل ثورة تموز، وأمام نصب الحريّة.
     توقّفتُ تأمّلًا من اختياره لساحة الحريّة، ونصب الحريّة، في بلد عزّت فيه الحريّة مع وجود الجندي الأمريكي الواقف قُبالة النّصب، وبيده سلاحه المُشهر في وجه أبناء العراق. لم يكتفِ علي السّباعي بنقل مُشاهدات الوصف الراقي لأحد معالم مدينة بغداد، بل جاء على ذكر كتاب (بغداد مدين السّلام –لابن الفقيه الهمداني)، ونقل شيئًا من الوصف المثير  للحياة في بغداد قديمًا، وما فيها من جوانب مضيئة من علم وثقافة وفنون، وأبّهة المدينة الأولى في العالم. 
   يقول: (ستمطر مطرًا مُرتعًا بشقائق النّعمان، تلك هي دار السّلام، بينما أسير فيها مثل سيْر عقرب السّاعة في ساحة التّحرير، أمام نصب الحريّة وقفتُ أتطلّعُ مبهورًا، كمن يُشاهد نصب الحرّية لأوّل مرّة في حياته). بوضوح تامّ الكاتب مُنحازٌ للقيمة الإنسانيّة العُظمى الحريّة، واشتياق بغداد وأهلها لها، كما اشتياقهم انتظارًا للمطر يُعيد الحياة انتشاءًا وارتواء بقيمتها الحقيقيّة. من هناك يُخاطب أستاذه (جواد سليم): (إذا عُدتَ إلى الحياة ماذا ستُبدع؟). اقترن خطابه هذا بقصّة شهيرة, أيّام احتلال النّازي لفرنسا، عندما زار ضابط ألمانيّ الفنّان (بيكاسو) أيّام الحرب العالميّة في منزله. نظر الضّابط للوحة الـ (الجرنيكا) فأعجِب بها, وقال لبابلو بيكاسو: (أحسنتَ صنع (الجرنيكا) يا سيد بيكاسو. أجابه بيكاسو بذكاء: (لم أصنعها يا سيّدي؛ بل أنتم الذين قد صنعتموها..!!). 
  بعد ذلك مباشرة يقول (علي السّباعي): (شاهدتُ سيّارة "همفي" فوقها جنديّ أمريكيّ صوّب فوّهة قنّاصته إلى صدري فوق القلب؛ فاكتشفت بأنّني أكبر  مُغفّل على وجه الأرض.. أعيش كالنّعامة).  هنا يخرج الكاتب رؤيته الحقيقيّة بعيدًا عمّن طبّل وزمّر للمُحتلّ الغاصب ونثر عليه حبّات الأرزّ والزّهور، واستقبلوه استقبال الفاتحين.. وما كانوا يدرون..!! أي جريمة اقترفوا، وها هي إدانة الأدب ستبقى لعنة عليهم. هذا الاستحضار كان أمام نصب الحريّة في ساحة الحريّة، وهل جلب المُحتلّ الغاصب إلّا العبوديّة والخراب والموت.  وجاء باستشهاد ذكي، للشّاعر السّومريّ (دنجي رامو): (وا حسرتاه..!! على ما أصاب لكش، وكنزها، ما أشدّ ما يُعاني الأطفال من البؤس، أي مدينتي: متى تستبدلين الوحشة بالفرح..!!؟). وحال الشّاطر كلكامش في رحلته إلى دار السّلام، نَقَل لنا بعين الرّاصد ما شاهد ورأى، وهو ما زال يُردّد على مسامعنا: (موطني.. موطني.. موطني). 
    وفي خطابه الأخير لزليخة التي ما فتِئ علي السّباعي يستعيد رمزيّة المرأة والحب والحياة، وكأنّها هي مدينة دار السّلام "بغداد": (زليخة: كنتُ غضّ العود شابًّا ارتديتُ الخاكي، وهناك.. هناك فقط في الحرب في جبهة القتال أثناء المُنازلة، واشتداد القصف تعود أحزاني إلى الناصريّة). هنا لم يكن النّعامة التي دفنت رأسها عن الواقع، بل يذكر المقاومة ومعركة الناصريّة مفخرة العراقيّين. 
وفي إيراده لقصة تذكّرها أمام نصب الحريّة: (ذات يوم كنتُ أتجوّل في شوارع فيينا القديمة في النمسا،  مرّ موكب الإمبراطور؛ فتوقّف كلّ من في الشّارع لتحيّته. كان "بيتهوفن" على الرّصيف، كلّ النّاس رفعوا أيديهم وقُبّعاتهم احترامًا للإمبراطور إلّا "بيتهوفن"، لمّا سُئل: (يا سيّد بيتهوفن لماذا لم ترفع قُبّعتك احترامًا للإمبراطور..!!؟). أجابهم: (إذا مات الإمبراطور فهناك ألف رجل يستطيع كلّ واحد منهم أن يكون إمبراطور. لكن إذا مات بيتهوفن، فمن يستطيع أن يخلُفه من أبناء الجنس البشري..!!؟). هنا تتجلّى حكمة الكاتب في أنّ الأوطان والشّعوب باقية، والحُكّام يذهبون ويأتي من يخلفهم. ومازال دجلة والفرات ينبضان بالحياة، ولم يتوقّف نخل النّاريّة و العمارة والبصرة عن انتاج التمر, رغم الحرب والألم والمآسي. والعراق ستبقى ولّادة أمثال المثّنى، ومحمد بن القاسم، وأبي نؤاس، والجواهري. 
عمّان – الأردنّ
6 \ 5 \ 2020

الأربعاء، 6 مايو 2020

صالون البرج. بقلم ابو غانم

#كتب الصديق الأستاذ أبو غانم #

صالون البُرج:- 
*ها قد بدأنا نتعافى ونستفيق من حلم كورونا رويدا ً رويداً ؛ وبتنا ننتظر عند كل مساء التقرير اليومي وما  سيصدر عنه من تعليمات لليوم الذي يليه ...*

*لقد عشنا الأزمة بكل تفاصيلها في بلد شهد له الجميع بسلاسة وحسن الأداء ...* 

*البارحة ومع بوادر الانفراج وبعد غياب  تجاوز الشهرين ؛ زرت صديقي الروائي والناقد الأديب محمد فتحي المقداد أبا هاشم في صالونه الخاص بالحلاقة الرجّالية وهو الذي أبدع في الأسابيع العشرة المنقضية وبأسلوبه المبتكر ؛ ومن خلال قصصه الكورانية الجذّابة شبه اليومية والتي تحاكي الواقع بأسلوب نقدي فريد امتص الواقع بدعابة ربطه بالماضي مع ولادة الفكرة المتجددة لتخرج بثوب جديد ...*

*التقيته البارحة في برجه المتواضع والذي بات مهوى أفئدة عشّاق الكلمة الواعية والهادفة في محيطه من لاجئين وأردنيين ؛ ذاك المكان الذي لايعكس إلّا اليسير من قدرة صاحبة الهائلة وفطنته وإبداعه في فنون أدبية عدة ؛ وهو القامة الأدبية الفذّة القادمة مع فلول الهاربين اللاجئين من حروب الرِدّة وجحيم الموت الزؤام وفوضى الحياة وانسداد الأفق ؛ بعد أن أدار ظهره مُكرهاً لمسقط رأسه فوق أوابد بصرى الشام النفيسة بأعمدتها العملاقة ومدرجها الساحر وشوارعها الطويلة وميادينها وساحاتها الجميلة المرصوفة جميعها بالحجارة البازلتية السوداء ، ومساجدها الموغلة بالقدم كمبرك الناقة والعمري والحمامات وبٍرك الماء ؛ تلك المدينة التي توالت عليها حضارات وأقوام ووطأ ثراها قبل نبوته سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - ويبقى أديبنا المقدام من مكان لجوئه يُيمّم وجهه نحو العرين الذي غادره مع كل صلاة وفي كل دعاء ؛ لا بل مع كل صباح ومساء ؛ وتجده يستنهض الهمم ويحاول بالوعي والإيمان وكلماته الصادقة أن يكفكف مابقي من دموع على أمل ذرفها في لحظات الفرح والعودة واللقاء القريب إن شاء الله ...*

*إن برج صديقنا وإن بدا صالوناً للحلاقة يكسب - من خلال أصابعه الذهبية وحسّه المُرهف ومباضعه وأدواته البسيطة - القليل من المال - يساعده على نوائب الدهر وقهر اللجوء ودفع الأجور والفواتير ؛ إلّا أن هذا الصالون يحاكي شيئاً ما وبصورة مُصغّرة صالونات الأدب الشهيرة كصالون عباس محمود العقّاد وصالون ميّ زيادة و صالون ثُريّا الحافظ وما أن تَدخل إليه حتى تواجهك عشرات وربما مئات الكتب المعلقة بالجدران ؛ تلامس السقف وعلى الطاولات والطربيزات وجميعها تُعنى بالفكر والفنون  والأدب ...*

*البارحة وعلى حين غِرّة دفعني فضولي الخروج الفوري من برج صديقي لأتابع بنظراتي ما لفت انتباهي وأثار فضولي حيث مرَّ من أمامنا رجلان وامرأة؛ وكان عليَّ أن أوثق في ذاكرتي قصة هؤلاء والتي مرّ بي خبرها من أيام سبقت أيام  كورونا ...*

*لِمَ نعجب من كورونا وبين ظهرانينا من البشر من هو أخطر وأسوأ آلاف المرات من كورونا ...؟؟*

*نعود للرجلين والمرأة وليتهم كذلك فهما ذكران و أنثى !!!!* 

*لقد كانت تتقدمهما بالمسير بفارق أمتار  يتبعها زوجها الحالي ؛ وأما من كان في ذيل الرتل فهو طليقها الأول ويبدو أن هناك حالة من التوأمة والتوافق وإن تفرقوا بعض الشيء أثناء المسير ؛ وها هم استقلوا سيارة أجرة واحدة إلى وجهة أجهلها والأغرب أن سكنهما في بيت واحد أيضًا. 

*لم أعد أفهم طبيعة بعض البشر وكيف لهم الاستمرار والعيش معاً مع غياب الغيرة؟! وتذكرت غيرة الجمّل الشديدة والذئب وبعض الحيوانات الأخرى لكني عدت وتذكرت الخنزير ...*

*يبدو أن برج صديقي العاجيّ يستفزني ويعيد لذاكرتي بعض ملفاتي العتيقة بالمحاماة ؛ ومنها تلك المماثلة لِمَن هم مرّوا من أمامنا البارحة ، وكيف لي أن أنسى من قام وأوصى زميله بالسجن لحظة خروجه بأن يزور زوجته وأولاده ويطمئن على أحوالهم؟! وكيف كان المُفرج عنه وفيّاً وقام بالزيّارة لا بل أتبعها بزيارات تحوّلت إلى إقامة؟! وما أن خرج صاحب البيت من سجنه حتى وجد أمامه زيادة طارئة في تعداد أفراد أسرته ؛ وكذلك كيف لي أن أنسى حادثة الغانية وطفلتها التي تجهل نسبها وما أن أوقعت خليلها الأخير في شِركها حتى اشترطت للاقتران به أن يقوم بتسجيل ابنتها البالغة ست سنوات على اسمه وكان لها ذلك ؛ وما بين ليلة وضحاها فاق المُغفَّل ووجد ابنة جديدة تحمل اسمه ونسبه وتنضم لقائمة أولاده من زوجته الأولى ؛ وما أن وقع الفأس بالرأس -وراحت السكرة وجاءت الفكرة- حتى بدأت معارك نفي النسب القضائية والتي استمرت لسنوات ؛ ولا أنسى حينها مسيرة تحليل الدم الخاص والمُكْلِف مادياً والذي تعذر القيام به أنذاك إلّا بمخابر خاصة في الهند ؛ وهذه حادثة أخرى من حوادث مرّت خلال مسيرتنا الطويلة بالمحاماة ...*

*شكراً لكورونا لأنها علّمتنا بأن الفوضى طريق للرذيلة، وإضعاف للشعور بالغيرة ...*

*شكرا لصديقي صاحب صالون البرج في إربد- عروس الشمال - وندعو الله أن يكون صالونه الأدبي الجديد في أم المدائن دمشق الجريحة بعد تحريرها، أو بجوار أحد أبراج مدرج بصرى الشام الشهير - مسقط رأسه ومهوى فؤاده وما على الله بعزيز ...*

*#خربشات_أبو_غانم*

الثلاثاء، 5 مايو 2020

قراءة لنص (تحدي) ق. ق. ج

قراءة نقدية لنص (حيرة) ق. ق. ج
للأديب نزار الحاج علي.

بقلم الروائي / محمد فتحي المقداد

**النص - (//حيرة//
لقد نسيتُ أن أكبُر، لأني كنتُ مشغولاً بمراقبة أمّي، وهي تتلاعب بالخيوط، وأشعرُ بالدهشة كلما أدخلتها في خرمِ الإبرة .
اليوم أنا خائف؛ فقد قامت بإعطاء ثيابي لأخي الأصغر.
نزار الحاج علي /سوريا 🖋️) ٠
==========
** القراءة النقدية:
للوهلة الأولى وقفت بدهشة الحيرة أمام النص مصدومًا في قراءتي الأولى، وفي المرّة الثانية سلّمني النص مفتاحه، فدخلت في رحابه بجرأة، ولم أستطع الرد للحيرة فيما كيف سأقابل قوّته بما يتناسب، أعلنت إعجابي الشديد، وكتبتُ: (ألجمني النص.. ولا أستطيع الرد).
(نسيتُ أن أكبُر) استوقتني تأمّلًا، تعبير مدهش بإبداعه، ولماذا نسي نزار أن يكبر..!!؟. رغم أن قطار العمر يسير رغمًا عنّا ماضيًا بنا إلى محطّاته، ولا خيار لنا بالتخلف. وهذه بديهة الحياة عند كلّ البشر.
زوابع التساؤلات ثارت؛ فغطّت مساحاتُ عمرٍ بحجم السنين ما بين المهد واللّحد.
بالانتقال للتعبير الذي يلي الأوّل ( لأنّي كنتُ مشغولًا بمراقبة أمّي، وهي بالخيوط) هنا ينفتح استغلاق باب النص ويبقى مواربًا: (لأنّي كنتُ مشغولًا) الإنشغال بأمر ما مُبرّر للنسيان العادي.. أمّا (نسيتُ أن أكبُر) هنا المعضلة. وبالانتقال لتتمّة العبارة: (كبُر، لأني كنتُ مشغولاً بمراقبة أمّي وهي تتلاعب بالخيوط). هنا تتجلّى نقطة أخرى، وهو يراقب أمّه وهي تلاعب بالخيوط، وكأنّه استهوى عدّها، وقد راقت له حركات يد الأم المشغولة بهموم الحياة في تدبير شؤون أبنائها.
بعد ذلك يعلن دهشته ولا يستطيع أن يخفيها ليقول لنا: (وأشعرُ بالدهشة كلما أدخلتها في خرمِ الإبرة) فالخيوط والإبرة لزوم رَتْق ما انقتق، أو تغيير مواصفات ثوب ليكون بقياس التصغير والتكبير. ليتوافق أناقة بمظهر صاحبه. ومُقاربة ذوقه.
الجملة الأخيرة جاءت تفسيرية تنويرية فتحت آفاق النص: (اليوم أنا خائف؛ فقد قامت بإعطاء ثيابي لأخي الأصغر).  ونزار يخاطب الطفل الذي لم يكبر في داخله.. طفولة المعاناة، وضيق ذات اليد، والفقر ثيمة شراء الملابس المستعملة (البالة)، وتوارث الأخوة لملابس بعضهم البعض جيلًا بعد جيل.
وتوضيح الخوف له وجه آخر، بتساؤل لماذا كنت خائفاً عندما أعطت ثيابي لأخي الأصغر؟
لأنه في هذه اللحظة، اكتشفت أنه كبُر.
بالمعنى السطحيّ للكلمة، حيث انتقلت ثيابي لأخي الأصغر بسبب كبري.
والمعنى المجازي، لأني بدأت أحسّ وأشعر بمعاناة أمي.
والمشاهد الخفيّة المُستخلصة من إعادة تدوير النص قرائيًّا وتفسيرًا، أظهرت حكاية الفقر، رغم أن كلمة الفقر لم ترد في النص.
وقد وعيتُ هذا الأمر.. وجميع أمهاتنا اجتهدن في التدبير، وإقناع الأولاد بشيء كثيرًا ما يكون مرفوضًا، بارتداء ثياب أخيه الأكبر منه. ولمحدوديّة الخيارات، فالإذعان المشحون غضبًا وألمًا يتبدّد بمرور الأيّام. ومازال هذا الأمر يحفر مساربه في نفوسنا.
***

لقد أجاد الكاتب بطرح أمر مضى، باسترجاع مُرمّز للألم والحرمان وقساوة الأيام على الآباء والأمهات، وكانت أوليّاتهم غرس القِيَم، والإصرار العنيد على التعلّم والتحصيل العلمي العالي، وهو ما ساهم في صنع الأجيال المتفوقة بمواهبها وأفكارها، وقد اتّضح ذلك حديثًا للعالم أجمع، بإبداعات السوريّين على الأصعدة في سوق المنافسة.
النصّ مشحون بالألم والشّجن المُستكنّ في داخل الكاتب؛ ليخرجه لنا  لأخذنا عنوة إلى طفولتنا التي لم نعشها.
اعتمد النص بأفعاله صيغة الماضي، وهي تعبير دقيق عن ذلك: (نسيت، كنت، أشعر، أدخلتها، قامت) خمسة كلمات فعلية، أعتقدُ أنها عقود الكاتب التي لم أعرفها، ولكن كلماته فضحت المستور.
العنوان (حيرة) ولماذا الحيرة؟. تأتي الإجابة في الجملة الأخيرة (القفلة): (اليوم أنا خائف؛ فقد قامت بإعطاء ثيابي لأخي الأصغر).
والحيرة طبع إنساني متأصّل، ومصداقه قول الله سبحانه وتعالى:  ( فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وأما إذا ما ابتلاه فقَدر عليه رزقه فيقول ربّي أهانن). تقلّبات النفس، ما بين تمنياتها وحسراتها. ما بين جزعها وتفاؤلها. تتفاوت معدّلات الفرح والحزن.
وختامًا فإن النص متقن السبك.. رشيق بانتقاء كلماته ذات الدّلالة على الفكرة البسيطة التي صنع منها نزار الحاج علي خريدة أدبية، ويمكن إبداعه ببساطة الفكرة وبساطة الكلمات. ببناء متين لا يمكننا الاستغناء عن أيّ منها، لأن النص سيتصدّع بناءه المتين. والحيرة عمل شاق.

عمان الأردن
٤ / ٥ / ٢٠٢٠

الأحد، 3 مايو 2020

سامحوني أنا في الحمّام

(أدب العزلة في زمن الكورونا)

سامحوني.. أنا في الحمّام
قصة قصيرة

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

   لقاء العيون في المدينة عابر سريع. مئات الوجوه صافحتني كشريط سينمائيّ قديم من أيّام (شارلي شابلن)، خلال مشوار صغير لم يستغرق أكثر من خمس دقائق للوصول إلى ذلك المكان، أستحثُّ خُطاي إسراعًا للوصول إلى جسر فكتوريا؛ لتخفيف ما يضغط في بطني يريد الخروج، سندويشة فلافل تناولتها وقوفًا أمام مطعم الصغير قريبًا من مقهى الحجاز في دمشق. 
   ومن باب المجاز كلّما آتي هذا المكان أو شبيهه، أعتقدُ أنّني داخل إلى سجن، أبواب غُرَفه العديدة على الجانبين، والتي لا تتعدّى بمساحتها المتر طولًا وعرضَا، أبوابها مُتقابلة وهي أفضل من أبواب الزنازين لأنّها تُفسح لمساحة فارغة منفتحة إلى الخارج من تحت الباب ومن أعلاه.
   في وسط المدينة قضاء الحاجة (التبوّل والتغوّط) مُشكلة عظيمة، أماكن الحمّامات العامّة مُتباعدة، والوصول إليها يحتاج لحساب الوقت. اصطفاف الأبنية، والمحلّات التجاريّة المُتراصّة؛ لم يترك فسحة، ولو كخُرم إبرة من الممكن اللّجوء إليها في حالة الاضطرار  لمثل هذا الأمر.
    من إن وطئت يُسراي الباب الرّئيس المُعاكس لاتّجاه الشّارع العامّ، حتّى استقبلتني رائحة.. لا بل روائح لا يُمكن تصنفها، ولا أعتقدُ أنّ أعتى مُختبرات التحاليل الطبيّة المُتقدّمة تقنيًّا تستطيع تفكيك رموزها إلى عناصر معروفة لديهم. ولو أنّ فيروس الكورونا مرّ من هنا.. لقُضي عليه نهائيًّا ونقطع خطره عن البشريّة.
   قطعة منديل ورقيّ ما زلتُ قابضّا عليها؛ بعدما مسحتُ بها حول فمي آثار الطعام، ولم أفطن لرميها في  واحدة من سلّات المهملات المعلقة على بعض الأعمدة بجانب الرّصيف. من فوري وضعتها على أنفي اتّقاء الرّوائح المُقرفة.
الخطوة الأخرى نقلتُ جسمي بكامله داخل ممرّ بعرض متر تقريبًا، في نهاتيه شكل شيء يشبه طاولة مُتهالكة، خلفها يقبع رجلٌ أشعث الشّعر الأشيب، عُثنونه طويلُ لم يَمَسّه مقصّ حلّاق منذ زمن طويل، بُقع الأوساخ المُتراكمة على جاكيته وسرواله؛ شكّلت خارطة فقر بائس أثارت اشمئزازي. 
   حيّيْتُه بصوت مسموع، شفتاه لم تتحرّكا.. ردّ عليّ بهزّة واحدة من رأسه فقط.  يجلس على بقايا كُرسيّ من أيّام المماليك. هكذا يبدو..!!. في هذا الرّجل كلّ شيء قديم، دُخان سجائره لوّن شعر شاربيْه بالأصفر مع أجزاء من شعر الدقن وحاجبيْه. لا يختلف كثيرًا بشكله عن عمارات هذه المنطقة الدّاكنة من سُخام السيّارات. 
   في نهاية الممرّ فُسحة أوسع مرّتين منه. ثلاثة أشخاص ورابعهم أنا؛ نصطفّ بانتظار دَوْر الدّخول.. أحدهم عابس. تغضنات وجهه تنبئ عن ازدحامه الشديد.. كلّ قليل يطرق الباب الذي أمامه ُمباشرة .. نحنحة.. يتلوها.. انفجار هائل يطير له صوابي.. أنفاس مقهورة تتأوّه صادرة من زنزانة على الطرف، طشطشة ماء تنذر عن اقتراب انتهاء محنة أحدهم... روائح حوّلت مزاجي من متفائل إلى اكتئابي.. لا فائدة من وضع يدي ومعها قطعة المنديل على أنفي لصدّها.
   دخل المزنوق بحركة سريعة مُرتبكة؛ ارتطام الباب الحديديُ كما صوت باب السّجن المركزيّ، وكأنّه سجّان غاضب، أغلق الباب بقوّة خوف انفتاحه، ويخرج أحد مسجونيه.
   الواقف أمامي وجهه يتلوّن احمرارًا مع قتامة واضحة، فخذاه يصطّكان بتناغم مع تأوّهات صادرة من أعماقه، لكن لا حيلة له، إلّا المُصابرة لانفتاح باب الفرج يأتي من خارج آخر. نوبة مغصٍٍ جعلتني أنطوي للأمام، وأشدّ على بطني بكلتا يديّ.  مازال تأتي أصوات الانفجارات من داخل ساحات المعارك، متناغمة بقوّة صوتها، وأخرى بشذوذ بعضها عن المعتاد، كبرميل ترميه طائرة على حيّ سكنيّ انتقامًا من أهله. 
   دقائق حسبتُها دهرًا من العذاب. تُغالبُني الغازات انفلاتًا، الحياء من ضحك وسخرية الآخرين منعني. وذلك العجوز خلف طاولته يتناول النّقود، لا يكترثُ لشيء مما يحدثُ حوله، يسحب دُخان سيجارته الدّائمة الاشتعال، شغلتني ظنوني الكثيرة به، رغم أنّ أكثرها ليس بإثم.  والدقائق تمرّ بسرعة النملة.

عمّان – الأردن
2 \ 5 \ 2020

تأملات قرآنية