الثقب
قصة قصيرة
بقلم- (محمد فتحي المقداد)
لا أدري على وجه التحديد ما الذي أصابني، حتى أتقمص شخصية السندباد عندما تذكرت من بدخل مكاناُ قديماُ مهجوراً، تفوح من باطنه الرطوبة، تزمر الريح في أرجائه، العتمة حالكة لا يمكن أن يُرى أي شيء في داخله أبداً، ربما تصورات الجنّ و الشياطين هي التي تسيطر على ساحة التفكير، ينتقل بخطوة بطيئة مليئة بالحذر الشديد.
خطواتي تتثاقل شيئاً فشيئاً، أشعر كأن عضلات الساقين تيبست وفقدت مرونتها، لهاث الأنفاس الحرى يتراقص على حركات ارتفاع صدري و انخفاضه، وخفقان قلبي لولا ضجيج الجيران وصراخهم لكان صوته طغى على ما يحبط بي من ضجيج وجَلَبَه، أثناء عودتهم لبيوتهم بعد أن ابتعد صوت طائرة (الميغ)، بعدما انتشر الجميع في البراري، و السهول البعيدة عن البنيان، و البيوت المستهدفة، نسمع هديرها، ولا نراها، فمن يدري أين سيكون استقرار صاروخها؟.
***
بحذر شديد أخطو خطوة وراء خطوة، أحاذر الاصطدام بالجدار، أو المشي فوق شيء ربما ينغرز في قدميّ، الظلام يلف المكان، الكهرباء تزامن انقطاع تيارها مع بداية الانفجار عندما هز القرية، شعرت بشيء ما يمسك بي من كتفيّ، تخشّب جسمي كعمود حجريّ، حاولتُ الاستدارة للخلف، لا فائدة من أعضائي وقد توقفت عن العمل.
عرق بارد تصبب عليّ، انفتحت ثقوب مسامات جلدي للمرة الأولى على غير عادتها، وكأنني أمارس هوايتي في المشي تحت الأمطار، العادة التي درجت عليها منذ صغري، كأن العجوز الشريرة تصرخ بي بصلفٍ، وجلجلة ضحكتها تدوي بصداها تملأ البيت، حاولت تلمس مصباح علاء الدين، أرسلت نظراتي تخترق الظلام، وتعود حاسرة، صوت سقوط طنجرة من على رف المطبخ على حين غفلة، كاد أن يقعدني أرضاٌ، اتكأت على الجدار، تماسكت، تنفسّتُ ببطء شديد، وكأن صعوبة الحصول على الهواء في هذه اللحظة، رعشة سَرَتْ من أخمص قدميّ إلى قمة رأسي، كأن تيار الكهرباء عاد فقط لجسدي.
***
استجمعتُ بقايا شجاعتي، بعد الرعشة، خطوتُ أول خطوة باتجاه الصالة، أتهادى خوفاً من أمر مجهول لا أعرفه، أتوقع أي شيء يسقط على رأسي و تنحدر قدمي في هوّة عميقة، خطوةٌ أخرى فأخرى، ضوء شاحب ينبعث من الغرفة، انبعث أمل من قلب دوحة الظلام، أضاء قنديل أمل في نفسي، تقدمت بثقة أكبر، إلى مصدر الضوء الجديد في هذا الجدار الأصم، لم تصدق عيناي، ثقب لا يتجاوز باتساعه مساحة الليرة.
رائع ضوء القمر يخترق دوّامة الظلام من خلاله، ليكون مصدراً مفيداً لمعرفة أهمية الجدار المطلّ على ساحة الحارة، شكراً لك أيتها الشظايا المتناثرة عندما اخترقت الجدار العازل لنا عن الآخرين، تراءت صورة جدار الفصل العنصري في فلسطين، وقد شتت الآمال وباعد أحلام التواصل، ازدواجية الجدار قاتلة، تذكرت أهمية إيجاد مصدر للضوء من الغرفة المجاورة، أصوات أولادي تأتيني من مكان غير بعيد عني، كسلحفاة عجوز وصلتُ إلى مبتغاي، النور من جديد يعود للبيت.
***
الثقب من جديد يأخذني في رحلة ذاكرة مثقوبة عبر دروب النسيان، جعلني أتواصل مع العالم الخارجي من خلال حصني وأنا متمرسٌ خلفه، خفية أراقب الماريّن عبر الطريق، أعاين أشكالهم، أتسمّع كلامهم، عبثاً حاولوا إغلاقه، عارضت بشدّة منقطعة النظير، وكأنني معارض عريق لنظام القهر والعهر.
هيامٌ العشق جعلني أتسَمّرً أمامه ساعات طويلة كل يوم, أسهُو عن محيط البيت وضجيجه، يا إلهي..!!، كيف قضيت هذه السنين كلّها غافلاً عن قضية الثقب؟، الآن أعيد اكتشاف الثقب من جديد، لأصبح مهندس ترتيق الثقوب، ومعالجة شروخها، ثقبي هذا فتح جحيم ثقوب الدنيا كلها في وجهي دفعة واحدة.
عمّان - الأردن
28 \ 2 \ 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق