الخميس، 24 يوليو 2025

إضاءة رواية أردية الجسد لمحمد الحفري

 

 

ضجيج التساؤلات في رواية "أردية الجسد".

للروائي محمد حسن الحفري. سوريا

 

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

لمَّا يذهب الكاتب بعيدًا في مشواره الروائيِّ، فمع كلِّ عمل له يطرق أبوابًا جديدة، وزوايا مُعتِمَة يُسلِّط أضواءه عليها، ليُنيرها ويجعل منها مسرحًا ومسارات لأبطال عمله الروائيِّ. وكثير الأعمال الروائيَّة تُحاول الغوص إلى قاع القاع الاجتماعيِّ، لإيجاد صيغة مفهومة لكثير من الاعتقادات الغامضة على الأخصِّ، تتوافق مع طريقة التفكير بمنهجيَّتها البحثيَّة.

بعد مطالعتي لرواية "أردية الجسد" للروائي محمد حسن الحفري، دخلت في متاهة استعادة الوعي للمكان الدمشقيِّ في جانب من حيِّ الشَّاغور الشَّهير، وفي تفاصيل المكان نستدلُّ على حي الأمين أو كما هو متعارف "حارة اليهود". وقاد الحدث بطل الرواية ذلك الشابّ الفقير القادم من مجاهل الرِّيف السُّوريِّ الفقير. للعمل خلال العطلة الصيفيَّة بعد انتهائه من تقديم امتحانات الثانوية العامَّة، واصطحبه شابٌّ من حارتهم لقبه "الثرثار" لكثرة كلامه بشكلٍ عامٍّ، وليتبيَّن في نهاية الرِّواية أن اِسْمه الحقيقيّ "زيدان".

رواية "أردية الجسد" قبل الولوج الصّعب إلى بوَّابة التساؤلات. لا بدَّ لنا من التوقُّف في رحاب العنوان، الذي جاء على شكل تعبير بجملة اسميَّة، لكنَّها مجزوءة من كلام سابق، وبهذا المنحى نلحظ الدَّلالة الانزياحيَّة لتفتح أبواب التساؤلات؛ فالأردية معروفة على أنَّها ما يرتديه الإنسان، ولن نتهمَّ لأشكالها وألوانها وموديلاتها المختلف.

ولماذا وقع اختيار الكاتب محمد الحفري على كلمة أردية بصيغة التَّنكير، إلَّا ليُرسلنا إلى متاهات لم تكُن من ثقوب ذاكرته، إنَّما من اِخْتياره الواعي. فهذه الأردية هل هي أقمشة لم تُخطها أيادٍ، وهل هذه الأردية ساترة أم تساقطت وكشفت ما تحتا؟ وهل كانت هذه الأردية مخصَّصة للرجال أم للنساء أم لكليْهما، وما هي أهميَّة هذه الأردية لتنسحب وتكون عتبة صالحة المدخل لرواية ذهبت بعيدًا في قضيَّة شائكة ومهمة، ألا وهي قضيَّة التقمُّص والتناسُخ غير الخاضعة لقوانين العلم والعقل، إنَّما اعتقادات أسطوريَّة استقرَّت في روح أتباع هذه الأديان والمذاهب، وتعتبر القبالة اليهودية مدرسة (الكابالا) التي تتناول فكرة التناسخ بشكل أكثر تفصيلاًيُعتقد أن الروح تتجسد في أجساد مختلفة لتنقية نفسها والتعلم من تجارب الحياة، بعض أوساط الصُّوفيَّة اليهودية وهم الطائفة المعروفة "غليغول" الذين يؤمنون بالتقمُّص، ممَّا يعني انتقال الرُّوح من جسد إلى آخر. هذه الفكرة ليست جزءًا من المعتقدات اليهودية الأساسية، إنَّما هي عند فئة "غليغول".

وفي هذا الاقتباس من عنوان خارج النص أول صفحة في الرواية: [الإغريق ومجامر التاريخ والحنين وتلك البدويَّة التي لا أبوح باسمها خشية الملامات، وتجنُّبًا لحُرَّاس اللُّغة الذين يحرصون على الضمِّ والكسر والفتح وينسون أوجاعنا. ها أنذا أتلوى من الرمح الطاعن في الصدر. يثرب والتوهان في الصحراء وسهام صنجيل وهي تخترقنا عند قلعة الحصن والعمر الهارب كأنه الحرام] ص2. من المتوقع بأنَّه مفتاح بوابة الرِّواية. ومن السِّياق العام للرواية نفهم أنَّ قضيَّة التقمُّص المطروحة هي في مجتمع يهودي منكفئ على نفسه، خائفٌ مُتوجِّسٌ مُتشكِّكٌ من مُحيطه المُغاير تمامًا، طبيعة الطَّوائف والأقليَّات الدِّينيَّة لا تختلف كثيرًا، سواء كانوا في دمشق أو في بغداد أم في القاهرة.

وردت عبارة على لسان "ليلى" أو "ليليان" عندما قدوم إليها يثرب الشاب القروي عامل مطحنة المعلَّم "أبو عرب". لم يبق إلَّا هذه الكأس من التوت الشَّامي. يا إلهي كم خرقت أعماقي هذه العبارة "توت شامي" ووددت لو أنَّها كانت عنوانًا للرواية، وما أخذني لهذا المنحى هو المكان الدمشقي الذي جاء تصويره وكأنَّني أمشي مع يثرب، وأتملَّى باب الصَّغير والأزقَّة والأبواب والشَّبابيك والرَّوائح.

أمَّا رمزية اسم الشابّ "يثرب" وما له في ذاكرتنا من يهود المدينة وما كادوا للنبي محمد صلَّى عليه وسلم ولأصحابه، جاءت الكلمة مفتاحًا يعين على الفهم وهو مُجرَّد إشارة رمزيَّة لطبيعة حياة اليهود في المدينة "يثرب". وما طبيعة اسم ليلى الرّامز للمرأة العربيَّة، وهو الرداء الذي تتخفَّى تحت ليليان اسمها اليهودي الحقيقيِّ. أمَّا اسم المعلم الأعور "أبو عرب" وهو رداء آخر تخفَّى تحته، وإخفاء حقيقة "عوسج الأعور". أمَّا عندما أطلقت ليلى على الشَّاب القروي الفقير اسم "موسى" وهو رداء آخر من التخفِّي لما يحمل من قداسة لدى المسلمين، كما أنه عندما أرسلته ليلى بصرَّة مليئة بالأعشاب لزوجة المعلَّم "أبو عرب"، ولمَّا ناولها الصُرَّة بعد أن فتحت له الباب وزوجها في العمل، فقال لها عندما تلدين، أسميه "يعقوب" أيضًا رداء لستر حالة، ولما يحمل من رمزية القداسة أيضا في مجتمع دمشق المحافظ. الأمر الذي يقود لتساؤل يجب التوقف عنده.

كيف لأبي عرب أن يأخذ الولد الذي شغَّله عنده في مطحنة البهارات، منذ بداية عمله كانت أجرته عالية مقارنة بباقي زملائه من العمال القدماء، وفي نهاية الشَّهر سلَّمه مئة ليرة كاملة أي بزيادة عشر ليرات عن استحقاقه، كما أنَّ أبا عرب منذ الأيَّام الأولى أخذه معه إلى البيت، وقدَّم له الطَّعام اللَّذيذ وبحضور زوجته، كيف انكشفت على هذا الغريب المجهول. وكيف بعدما خرج بعد انتهاء الغداء أرسلت مع زوجها بمبلغ عشر ليرات إلى الشابِّ موسى.

أمَّا قضية وصوله إلى عيادة الطَّبيب الذي عالجه من صداع مزمن، نكَّد عليه هناءة حياته، بعد تشخيص الحالة أعطاه الدَّواء المُناسب، ورفض أخذ الأجرة أو قيمة الدَّواء، فقال له الحساب مدفوع من السيِّدة ليلى.

هذه التساؤلات المشروعة للقارئ، بينما جاءت الإجابات على شكل مشاهد خفيَّة غير منظور ولا واضحة في السرديَّة القصصيَّة داخل رواية "أردية الجسد"، وعند هذا لا يسعني إلَّا بالإشارة لا بل ليس إشارة، إنَّما بملء الفم وباللِّسان العريض، بأنَّ حرفيَّة الروائي "محمد الحفري" المُنبئة على خبرته الواسعة في الكتابة الروائيَّة، واستجرار المادَّة التاريخيَّة الاعتقادية الشَّائكة، وإعادة إسقاطها بمزاوجة متقنة مُدمجة بواقع بحاجة لأفكار جريئة بعيدًا عن التنميط الرَّتيب، الذي لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر ولا يُثير تساؤلًا جادًا هادفًا في نفس قارئه.

 

الخميس ـــــــا 24\ 7\ 2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تأملات قرآنية