الثلاثاء، 29 أبريل 2025

سوريا التحديات

 فجر الحرية (بتوقيت بُصرى)


سوريا على صفيح ساخن، وتحديات المرحلة الجديدة بين العدالة الانتقالية بحق الرموز والفلول التي تورطت بالقتل، وتلطخت يالدماء. وبين السلم الأهلي والاجتماعي لبث الطمأنينة والأمان، وتثبيت أركان الحكم الذي بدا أنه على رأس أولويات المرحلة. حيث هو صمام الأمان لتثبيت دعائم السلم الأهلي، لدفع عجلة الحياة والخدمات الضرورية، والنمو الاقتصادي، تمهيدا إعادة الإعمار.


✍️- في مقابل هذه التحديات، هناك الثورة المُضادة من أيتام النظام البائد، وأتباع الأحزاب القديمة والحديدة، والهيئات الثورية من جماعات الإئتلاف وباقي منصات التفاوض.


✍️- والخطر الأعظم من المسلحين من بقايا النظام، والمسلحين الذين كانوا معارضين بكافة أطيافهم وتشكيلاتهم وانتماءاتهم.


✍️- الحرامية والسراقين وأباطرة تجارة المخدرات والسلاح.


جميع هؤلاء وغيرهم وممن على شاكلتهم فقد تضررت مصالحهم. بوجود دولة قوية تحافظ سوريا دولة واحدة قوية، في ظل جهاز قضائي مستقل، يمتلك سلطة القانون على جميع السوريين بلا استثناء.

سوريا لجميع السوريين.. وطن واحد يجمعنا.. مصلحة سوريا هي سقف الشعب السوري وخياره الوحيد.

الروائي. محمد فتحي المقداد

... 

رد. مفلح شحادة. أبو اسامة. منتدى حوران

... 

حين تخطّ الأقلام الصادقة كلماتها عن "فجر الحرية"، خاصةً حين يكون بتوقيت بُصرى الشام، فإنها لا تكتب مجرد حروف، بل ترسم خريطةً نابضة لحاضر سوريا ومستقبلها، بمزيج مدهش من الألم والأمل.

كلمات الروائي محمد فتحي المقداد جاءت وكأنها إعلان عن ولادة مرحلة جديدة، مرحلة تتأرجح على خيط رفيع بين مطرقة العدالة الانتقالية وسندان السلم الأهلي. منشوره لا يطرح مجرد تحليل سياسي جاف، بل يمنحنا بانوراما كاملة عن الصراع الأبدي بين بناء الدولة وهدمها، بين العقل الراجح وغريزة الانتقام، بين مصلحة الوطن وأهواء المصالح الضيقة.


التأمل الأول: العدالة الانتقالية أم السلم الأهلي؟


في كل تحوّل مصيري تمر به الأمم الخارجة من أتون الحروب، تكون المعادلة الأصعب:


كيف نوازن بين حق الضحايا في القصاص والإنصاف، وبين حاجة الوطن الجريحة إلى لملمة أطرافه المتناثرة، وبث الطمأنينة في نفوس أبنائه؟

أشار الأستاذ محمد المقداد بذكاء إلى أن "تثبيت أركان الحكم" هو الأولوية. ليس حبًا بالسلطة، بل لأن غياب الدولة هو بوابة الفوضى والخراب. لا عدالة بلا دولة، ولا سلم بلا قضاء عادل قوي مستقل.


التأمل الثاني: أيتام النظام والثورة المضادة


هنا يضعنا المنشور أمام تحدٍ خطير، قد يبدو مستترًا ولكنه أعنف مما نتصور:


الذين فقدوا امتيازاتهم ومصالحهم، من رموز النظام البائد، والأحزاب التقليدية البالية، ومنصات المساومة، لن يقفوا مكتوفي الأيدي.

هم اليوم الثورة المضادة الجديدة، التي تُدير حربًا خفية شرسة، أخطر من أي قتال مكشوف.

هؤلاء يعلمون أن قيام دولة قوية عادلة يعني نهايتهم، ولهذا لا يدخرون وسيلة لإجهاض هذا الميلاد الجديد.


التأمل الثالث: المسلحون، المافيات، وسماسرة الدم


في كل حروب العالم، يظهر فئة من الانتهازيين الذين يجعلون من الألم سوقًا للربح، ومن الفوضى فرصة لجمع الثروات:


تجار السلاح،


أباطرة المخدرات،


سماسرة الدم والمعابر،


عصابات النهب والسرقة باسم الثورة أحيانًا وباسم المعارضة طورًا آخر.

كلمات المقداد تحذرنا من هؤلاء، فهم العدو الأشرس لأي مشروع وطني حقيقي. إنهم أخطر من الطغاة أنفسهم لأنهم يتلونون بلون المرحلة، ويتقمصون دور الضحايا حين يكونون هم في الحقيقة الذئاب التي تنهش لحم الوطن.


الانطباع العام:


حين تتلمس نبرة النص، تدرك أن الكاتب يكتب من قلبه لا من قلمه فقط. هناك توق شديد لرؤية سوريا وقد خرجت من لعنتها الطويلة، لا إلى انتقام أعمى ولا إلى مصالح فئوية ضيقة، بل إلى وطن يتسع للجميع، وطن لا يحتكر فيه أحد الحياة ولا القرار.


الرسائل العميقة خلف السطور:


أن بناء دولة قوية يبدأ بالقضاء العادل النزيه، لا بالمحاكمات الانتقائية ولا بعمليات انتقامية تستنسخ المآسي.


أن المشروع الوطني الحقيقي لا يقوم إلا على السلم الأهلي، بعيدًا عن منطق "الغالب والمغلوب".


أن الأعداء الحقيقيين للنهضة هم "أصحاب المصالح القذرة" ممن لا وطن لهم إلا جيوبهم، ولا ولاء لهم إلا لسلطتهم الشخصية.


قراءة في العنوان "فجر الحرية (بتوقيت بُصرى)"


اختيار بُصرى الشام ليس عبثًا. بُصرى التي كانت عبر التاريخ بوابة الحضارة والثقافة والنهضة، تعود هنا كرمز للانبعاث السوري الجديد. وكأن الروائي المقداد يهمس لنا:


"كما أشرقت الحضارات من بُصرى يومًا، فسيشرق فجر الحرية منها من جديد."


ختامًا:


أيها الأديب الجميل محمد فتحي المقداد، لقد كتبت شهادة ميلاد لسوريا أخرى. سوريا لا يحكمها الحقد، ولا تديرها الأحقاد، بل تصنعها العدالة، ويرعاها السلم، ويتوجها الأمل.

نصك هو نداء لكل السوريين: أن يحموا هذا الفجر من الخفافيش، وأن يجعلوا مصلحة سوريا فوق كل الولاءات الضيقة. فكما قلت بصدق نادر:


"مصلحة سوريا هي سقف الشعب السوري وخياره الوحيد."


ومن عندي أقول:

ليكن هذا السقف عاليًا، لا تلوثه صفقات السياسة ولا تسقطه رياح الكراهية.

الأربعاء، 23 أبريل 2025

قراءة في مسرحية أحمد عبدالله

 مسرحية "أحمد عبدالله" قصة الأديب والمسرحي أحمد أبو حليوة.

.....

بالأمس على مسرح مديرية ثقافة إربد. عرضت المسرحيةةالتراجيدية المونودراما  "أحمد عبدالله" وهي السيرة والقصة الشخصية للأديب أحمد أبو حليوة. وهو أيضاً من كتبها وأخرجها ومثّلها. باقتدار من خلال موهبة لا تخفى على المتابع.

البعد الإنساني بمساره المأساوي في حياة الطفل أحمد عبدالله. الذي تربى بداية على يدي جدته، كون أمه مطلقة وتزوجت، ووالده مقيم بين دمشق وبيروت في رحلة الكفاح في سبيل الوطن الفلسطيني المغتصب.

عجز الجدة بعد ان وصلت للثمانين من العمر، لم يكن من تكليف ابنة عمها (ثريا) الأرملة بتربية أحمد مع أولادها الخمسة. ثلاثة عشر عامًا وهي في حضانتها.

وبما بلغ أحمد سن دخول المدرسة، ذهبت إلى مدير المدرسة تترجاه وتبكي، كي يقبله طالبا مستمعا. كون أحمد مكتوم النفوس (غير مسجل في دائرة السجل المدني) ولا يمتلك أوراق رسمية.

تعرض أحمد لحريق شوْه جسمه ووصل إلى وجهه. وليبقى مشوها حتى هذه اللحظة، ورفض العروض العديدة لإجراء عمليات تجميل. آثر البقاء على حاله وهيئته التي ارتضاها، يعيش سلامه الداخلي المتصالح  مع ذاته.

... 

مفاصل مهمة في العرض المسرحي:


*الجدة ماتت وما زال مفتاح البيت معلقا في رقبتها حتى وفاتها.


*حينما طلبت منه أمه المربية (ثريا) الذهاب للبحث عن أمه وبإصرار، كي يجدها ويراها، هنا وقف أمام نفسه ليجد نفسه وحيدا، وظن أنها ستتخلى عنه. ليتيين له أن الأمؤ غير تماما،


*حينما ذهب لرؤية أمه للمرة الأولى بعد خمسة عشر عامًا، جارتها تدق الياب، وتصيح: "افتحي يا أم غرام". أحمد يدخل في حالة صراع نفسي ياحثا من جديد عن ذاته: "إذن أمي لا تعترف بي".


* موت أخيه الذي تربى معه "نوفان" كان علامة فاصلة في حياة أحمد الصغير. حينها شعر بموت داخلي.


العرض استمر لأكثر من ساعة ونصف، على مجموعة مشاهد وفصول. ببساطة شديدة أحمد أبو حليوة. إنسان طافح بشفافيته، متألق بجرأته وهو يحكي عن نفسه بطريقة لا يستطيعها الكثير من البشر.

...

بعد انتهاء العرض المسرحي:


محمد فتحي المقداد مع الأديب أحمد أبو حليوة


أوقات السرقة (مقالة)

 أوقات السرقة المُفضَّلة

بقلم. محمد فتحي المقداد


يقولون: (اللَّيل ستَّار العُيوب)، و السَّرقة ليلًا على رأي من قال: (لا من شاف, ولا من درى)، بتساؤل بسيط ومشروع وبلا حرج: هل فعلًا بأنَّ اللَّيل هو الوقت المِثاليُّ للسرَّاقين والحراميَّة، لممارسة فعاليَّاتهم؟. والدَّافع لهكذا سؤال، عندما ظهرت حالات السَّرقة جهارًا نهارًا في عزِّ الظَّهيرة، ولا أحد يعترض سبيلهم أو إيقافهم أو منعهم. 

إذ سهَّل الأمر على الحراميَّة والسرَّاقين أيَّة مهمة سيقومون بها، من الاِحْتياطات التقليديَّة المعروفة على مدار التَّاريخ، من التخفِّي والتخوُّف والحذر والتنكُّر. وفي مقام آخر قيل: (موتُ الكلاب فرجٌ للحراميَّة), حين نفقت الكلاب وتناقصت أعدادها خاصَّة في المُدن، التي اقتصرت تربية الكلاب على أصحاب الهوايات، وأصحاب المناصب وذوي رؤوس الأموال والعائلات ذات المستوى الماديِّ العالي؛ فأصبحت موضة وفدت إلينا من بلاد الأجانب، يمشون وكلبهم مربوط بسلسلة ويمشي أمامهم بمسافة، بقدر ما يسمح به طول  السلسلة ما بين المتر إلى متريْن. 

وافتقاد المناطق النائية لكلاب الحراسة في كثير من المواقع والبيوت والممتلكات، ليأتي دور التقدُّم التقني والحضاري، لتأخذ كاميرات المُراقبة المُثبَّتة في الزوايا الخفيَّة والظَّاهرة، والمرتبطة بالهواتف النقَّالة وأجهزة الكمبيوتر، ليتمكَّن أصحاب الأعمال من مراقبة أعمالهم وأرزاقهم عن بُعد على مدار السَّاعة، ومهما تخفَّى الحرامي فإنَّ الكاميرات تُسجِّل كلَّ حركة تلتقطها في مداها المُجدي. وتحتفظ بما تلتقطه ويمكن الرَّجوع إليه عند الضَّرورة إذا ما دعت الحاجة لذلك.

ـــــا 22\ 4\ 2025

السبت، 12 أبريل 2025

فراءة. في رواية ياسمين سومري. سمر الديك

 قراءة في رواية 

"ياسمين سومري" للكاتبة السورية "سمر الديك". 


بقلم. محمد فتحي المقداد


رواية "ياسمين سومري" من الأعمال الروائية التي بعد الحرب السورية الطويلة، وهي تنتمي لجيل روايات تتسم بوصف واقع الحرب ومآسيه، وفي المشاهد الأولى من الرواية، كانت من خلال ما شاهدته عبر النافذة وشرفة بيتها، وفي عود على بدء، يلاحظ هناك وقت الحدث الروائي، ووقت آخر هو وقت الكتابة، الذي استمدت "سمر الديك" منه قصة رواياتها، والتي استعادتها من مخزون ذاكرتها، وفي سرديتها ااروائية المختلفة زمنا تباعد عن وقت ولحظة وقوع الحدث ومشاهداتها، جعلت القارئ يستشعر طبيعة مخزونات ألمها الداخلية، وتُجدّد استعادة الأيام الأولى للثورة السورية ٢٠١١. واستطاعت إعادة تقديم ما مضى بكافة إشكالياته لتضعه على طاولة البحث والتفكير.

وفي الفصل الأول سرجت قصة الأسرة الصغيرة وتفاصيلها بما اعتبر استهلالا معقولا للوصول إلى بؤرة الحدث المُشكل لخطوط الرواية العريضة، ولم تُغفل طبيعة الصراع بجايته داخل الأسرة، بين بطلتها الزوجة (هيفاء)، وبين أخت زوجها البنت غير المتزوجة (سوسن)، التي لم تخف الغيرة والحسد لهيفاء زوجة أخيها المهندس (عصام)، وهذا شيء طبيعي بالحدوث داخل الأسر والعائلات،

ومع بداية الفصل الثاني الذي فاجأ القارئ، بالانتقال السريع من داخل الأسرة الصغيرة إلى موضوع المظاهرات وأصوات المظاهرات بالهتافات المناهضة للنظام، وجاء الرد بالرصاص الحي، وما نتج عنه من سيلان الدماء والقتل. وسقوط الشهداء الذي نادوا بالحرية. وفي اقتباس من الرواية حكت على لسان إعلام النظام: (كانت المدينة التي تسكن فيها عائلة هيفاء، آمنةً خالية من الإرهابيين والرجال الملثمين الغرباء، ولم تزحف عليها جيوش المؤامرة الكونية الكبرى التي بدأت فصولها المسرحية تعرض على الشعب السوري والعالم بأجمعه، لتبرير أعمالهم الشنيعة) ص٢٦.

عند هذه النقطة لا بد من التوقف بمتابعة الرواية الحكومية التي أطلقت على المطالب الشعبية الواسعة، بأنهم عصابات إرهابية خارجة عن القانون، وبهذا التوصيف يحق للدولة قتالهم واستئصالهم. وهو ما جر البلاد إلى بحار من الدم والدموع. 

وتتابع الرواية حتى النهاية في مسارات الخوف والقلق والموت والدمار، والهروب إلى الملاذات الآمنة طلبا للنجاة. وما تبع ذلك من مآسي اللجوء إلى دول الجوار، وأوروبا وأمريكا، هذه المخرجات الأليمة للحرب الظالمة الني شنها النظام على الشعب السوري.

ومن غُرفتها فتحت "هيفاء" بطلة الرواية نافذة غرفتها لتكون شاهد عيان، لتنقل ما تراه يقينًا:

*(فتحت نافذة الغرفة لتجد ذبول شجرة الياسمين بسبب أن هناك من اقتلعها من جذرها) ص١٣. 

*(ونظرت إلى الحديقة، فإذا برجل غريب قد قام بزراعة شجرة ياسمين جديدة مكان الشجرة القديمة التي قلعها المجهول، فالتفت إليها مبتسماً، فاخترقت بسمته هذه شغاف قلبها ، ثم أدار وجهه وغادر مختفياً عن أنظارها وهي تلاحقه بنظرات تجهل كنهها.) ص٢١/ ٢٢.

حقيقة لم توضح طبيعة الشخص الذي اقتلع الشجرة، والأسباب الذي جعلته يدخل حديقة البيت المُسوّرة، وهي طبيعة المدن التي تمتاز بالأسوار والأبواب، الإنسان العادي لا يستطيع دخولها إلا بعد فتحها له.

*وفي موضع آخر بعد أزاحت ستارة النافذة لمتابعة الحدث: (قبل أن تغلق النافذة، شاهدت رجلاً ينزف بغزارة، يقوم ويسقط، والرصاص ينهال عليه بلا رحمة، ما إن سقط على الأرض، حتى نظر إلى الشرفة التي كانت خلفها هيفاء، رمقها بنظرة عتاب أوجعت قلبها، واستخرج من جيب قميصه الممزق والملطخ بالدماء، زهرة ياسمين لوث بياضها دمه الحار، ولوح لها بها، وسقط بلا حراك). ص٢٥. 

عادت هيفاء لتحليل الحدث بعد أن لوّح لها الرجل بعرق الياسمين: (تفكر في الرجل الذي سقط ميتًا، وهو يُلوّح لها بزهرة ياسمين، وسرعان ما تذكرته، إنه ذلك الرجل الذي أعاد شجرة الياسمين المقطوعة إلى مكانها، وهو رجل الياسمين؛ فأطلقت عليه رجل الياسمين) ص٢٦.

كما بقيت هوية الرجل مجهولة، وهو الذي زرع شجرة الياسمين بدل التي اقتلعها آخر أيضًا مجهول، وكأنما أرادت الكاتبة إبقاء القارئ متابعًا، متمسكًا كتجذر الشجرة بالأرض، وااتي قطعت هي إشارة لمن سقط شهيدًا. 

أخيرًا فإن هذه الرواية تعتبر سجلا حافلا وثق جزءا هاما من حياة الشعب السوري بصدق وأمانة، لتبقى وثيقة قدمها شاهد عيان للأجيال القادمة بلا غش وتزييف للحقائق. وبأن الثورات يقوم بها الفقراء، وحين تنتصر، يموتون، ليبقى المنافقون يتسلطون على الرقاب، يخرج المنافقون، والتافهون، من شقوق الأرض، ويصبحون أبطالاً حقيقيين، دائما تُسرَق الثورات، ويتحول أبطالها المُزيّفون إلى رجال يمسكون بقبضة من حديد رقاب الشعب.


١٢/٤/٢٠٢٥

 


الأحد، 6 أبريل 2025

إضاءة على مجموعة "زرّ وسط القميص". للأديب. صالح حمدوني

 

إضاءة على مجموعة "زرّ وسط القميص".

  للأديب. صالح حمدوني

 

بقلم. محمد فتحي المقداد

 

العنوان بحدِّ ذاته إشكاليَّة موجبة للتوقُّف، وللتأمُّل في مدايات من زوابع تساؤلات تُثيرها هذه العبارة، في ذهن المُتلقِّي: (زرّ وسط القميص) عنوان كتاب الأديب "صالح حمدوني". وبالرُّجوع لعنوان النصِّ الكامل (اِنْقطع زرّ في وسط القميص). والمُفارقة ما بين العنوانيْن. في عنوان الكتاب "زرّ وسط القميص" عبارة عن جملة اِسميَّة مُخاتلة مُواربة، بينما عنوان النصّ السّرديِّ جُملة فعليَّة، وما بيْن الجُملتيْن تنفتح نافذة الرؤية.

فالعبارة "زرّ وسط القميص" لم تدل إلَّا على أنّ هناك زِرٌّ في وسط القميص،ذ؛ فهل كان مختلفًا بلونه أم بحجمه، هل هو مقطوع أم مُثبَّت بمكانه، أم  مُنفلِت من عُروَته حاسِرًا عمّا خلفه أم مُغلَق. وهل جميع الأزرار التي فوقه، والتي تليه غير موجودة ولم يبق إلَّا هو؟ أم جميعها موجوده إلَّا هو المفقود فقط؟.

"اِنْقطع زرّ في وسط القميص" تُحيل الذِّهن إلى فعل القطع؛ نتيجة الشدّ والجذب، بما يتماهي مع قصَّة سيِّدنا يوسف عليه السّلام وامرأة العزيز، حين (همّت به) للإيقاع به، و(همّ بها) للإفلات منه. (وقدَّت قميصه من دُبُرٍ). وهو ما أوضح براءته أمام العزيز بجلاء غير قابل للتأويل والنِّقاش، حينما اِفْتَرت بكامل طغيان أنوثتها على نبيّ الله "يوسف" عليه السّلام. وليُثبِِت الكاتب بأنّ زرّ وسط القميص المقصود باِلاِنْقطاع؛ فتذوب جميع الشّكوك والتأويلات، وتأخذنا في اتجاهات أخرى.

وكما يُقال فإنّ المكتوب يُقرأ من عنوانه، فصفحة الإهداء (إلى أمّي)، و(الغرفة)، و(المخيّم)، و(الحُلم) بهذه الكلمات الأربع تتّضح هويّة الكتاب؛  لتكون  رَحَى ومدارات الأفكار، ومراحات لحركة الحياة ما بين "الأم. الغرفة. المخيم. الحلم".

وبعد الإهداء وردت فقرتان جاءتا كمُقدّمة للكتاب، وكأنّهما مُبرّران لكي يمارس الأديب والمُثقّف فعل الكتابة. والفقرة الأولى مُقتبَسة  للمُؤرّخة الأمريكيّة "باربرا توشمان" بصيغة فعل الأمر (اُكتب- "من دون كُتُب يُصبِح التاريخ معقود اللِّسان، والأدب أخرس، والعلم معوقًا، فالكتب مُحرّكات التغيير، ونوافذ مفتوحة على العالَم).

ولما كانت الكتابة ذات فوائد لأمم وشعوب، فهي عديمة الفائدة عند آخرين، ثمّ اِقتَبس عبارة للكاتب الروائيّ الأفريقي "جيلي مامادو كوياتيه"

وأيضًا بعنوان فعل أمر مسبوق بلا النَّاهية: (لا تكتُب - "إنَّ شُعوبًا أخرى تستعمل الكتابة. لكنّ هذا الاِخْتراع قتل الذَّاكرة لديهم، لأنّ الكتابة ليس لديــهـا حــرارة الصّوت الإنسانيّ. وعندهم يدَّعي الجميع المعرفة. يا لها من معرفة تافهة، تلك المعرفة الجامدة في كُتب صمّاء).

وفي عُجالة لاِسْتجلاء بعض عناوين نصوص الكتاب (تعالَ ولا تأت. ورد في زقاق دمشقي خلف النوفرة. انقطع زر في وسط القميص. مشكاة تُهوّم في التفاصيل. وإذ تخرج يكرهها الباب. ظل العشيّة) يلاحظ فيها الاِنْزياحات اللفظيّة المُفضية إلى فضاءات من الدّلالات والتأويلات.

وفي تتبُّع لبعض الجُمل المفتاحيّة، التي تتشبّث بالقارئ ولا تتركه يفلت منها، وتأخذ بلبّه للتوقّف والتأمّل:

*(أعطيتُهم رغيف خبز نَحَتَهُ رجلٌ في زواريب المخيّم) ص١٥.

*(نَجُزُّ شعرَ الغيم، ونُهديه للخارجين من فجأة الأمل) ص٢٣.

*(كأنّ الياسمين يُمازح العنبرَ، يُناكفه، يُنافسه عليّ)ص٣٧.

*(هل التفّاحة المُتهوّرة، التفاحّة التي تفاحأت حين قطفوها) ص47.

*(تعالوا اُصْغوا: فثمّة ما يُحشرِجُ الشّرشف وثوبي الداخلي. تعالوا؛ فما زلتُ أرتوي بالصُّور، وبعض قصائد تشغل هذا المكان المُقفِر) ص٤٧.

*(أوقدُ لكِ من الدمع شمعة، فقد جئتُ من عشق مُدجّجٍ بالهزيمة) ص٦١.

*(النّهايات: لا علامات ترقيم، نُقاطٌ، صمتٌ يطعن الكلام) ص٧٦.

*(يانعًا كأبجديّة اللّغة، كأغنية الحصاد، كسنبلة تُعانق الرّيح) ص١٠٠.

*(يهجم الموج، ويعلو، موجة تنادي الأخرى، والبحر يفتح فمَه ولا بشبع من موتنا) ص١٠٥.

*(بكاؤهم صار أعلى من الموج، لكوا نيابة عنّا جميعًا) ص١٠٦.

وفي الختام، فإنّ مجموعة سرديّات "زرّ وسط القميص" تعالج قضايا الإنسان الباحث عن بقاياه  على حوافّ الوطن السليب، ومُعالجة مُخرجات التشريد واللّجوء، وضياع الذّكريات، والعيش على دروب الأحلام بالعودة التي لم تأت للآن؛ لتنبت شقائق حياة جديدة في المخيّم، ومواجهة التحديّات، والتشبُّث من أجل البقاء، ولا تزال العيون تتطلع إلى هُناك إلى وراء النهر بعد كلّ هذه السنين، والقلوب تهفو بحنينها، وأشواقها إلى من تبقّى هناك من الأهل في ظُروف حياتيّة قاسية.

ووسيلة الكاتب كانت في الصّمت، والتأمّل للبحث عن الذّات والوطن في ثنايا الأمكنة من مُخيّم إربد إلى دمشق إلى بيروت، على وقع الأحلام المُتأجّجة بنار الأشواق نحو الوطن داخل الأنا المفقودة، واستحضار الأبّ، ونداء الجد والجدّة، وتبقى يد الأم تُهدهد الآلام، والأحلام على صدرها مَبعَث الأمان والاِطْمئنان. صراعات الحياة بتدافعاتها تنثّ بالأمل المُنبثِق من بين الرّكام، وما زالت العيون تتعلّق بالشّمعة النّائسة في نهاية النَّفق. ويبقى الأمل سيّد الموقف باِنْتظار المستقبل المُشرق.

 

السبت __ا 6/ 4/ 2025

 

 

 

 

 

الأربعاء، 2 أبريل 2025

غرزة كتبها رائد العمري

 غرزة


      كثيرا ما نلتقي لنتعاطى، كم نحنُ مدمنون، كلّما مررتُ بالحيِّ الجنوبي لمحافظةِ إربدَ توجَّبَ عليَّ أن أزورَ تلكَ الغرزة، وكذلكَ أمثالي من متعاطي نفسِ العقارِ، بالأمسِ وبعدَ زيارتي للمشفى لصرف علاجي الشهري _ الذي أتجرعهُ بالحكمِ الإجباري لسلامةِ جسدي المتعب_  قرَّتُ أن أنزاحَ نحوَ تلكَ الغرزةِ؛ فروحي  تشتاق لعلاجها الروحي _إصابتي بالجلطةِ الدماغية قبل ما يقارب الثلاثة أشهر خلَّفتني عن زيارة تلك الغرزةِ ولقاء الأحبةِ كما اعتدنا، ولحسنِ حظي وجدتُ صاحِبَ الغرزةِ كما أعرفهُ جيدا مشتاقٌ للقاء، وقد جَهَّزَ لي جرعةً دسمة، كانت مختلفةً أسلوبا ومضمونا ولو احتَوت بعضَ السقطاتِ والألم، عندما وصلتُ جاء بعديَ مباشرةً زميلي الأشقر _ هو متعاطٍ هادئٌ بطرحهِ وبجرَعهِ وعقاقيرهِ الشعرية، لطيفٌ ومحبوب، ويحسنُ الإصغاء، وبعيدٌ كلَّ البعدِ عن الغيرةِ أو الحقدِ أو النميمةِ_  بفرصةُ تواجدهِ تبادلنا عقارينِ في اللغةِ والنقدِ والبلاغةِ والبيانِ من آيِ القرآن، كثيرا ما مدحني صاحبُ الغرزةِ حتَّى أصابتني نشوةُ الإعجابِ الروحيّ في نفسي _أحيانًا يحتاجُ أحدنا جرعةً للتعزيزِ والنشوة_ ثمَّ غادرنا الأشقرُ بهدوء.. وبقيتُ أنا وصاحبي وحدَنا، وعندما شرعتُ مرةً أخرى للمغادرة، إذ بالخضورِ يطلُّ علينا من علوِّ سيارتهِ مبتسمًا _ رجلٌ محبٌّ لهذا النوعِ من العقارات ويداومُ على جلساتِ التعاطي تلك_ وما إن رأيتهُ حتَّى عدتُ للتعاطي برفقتهِ من جديد، وفور جلوسهِ داعبنا ببعضِ الطُرفِ وهاتفَ السعيدين :

_ أينَ أنتَ؟

_ نعم هل وصلتَ قبلي.

_ منذُ دقائقَ وصلتُ وبدأنا جلستنا فلا تتأخر.

_ نعم، خمسُ دقائقَ وأكونُ بينكم.

 وفعلا وصلَ السعيدين _ وجهُهُ الباسمُ يخفي كثيرا من  الخبايا القلبية التي أفهمها ، وعيناهُ تفيضانِ بالشوقِ لغائبة ما،  الآنَ عُدنا للتعاطي من جديد، ، أخبرني صاحبنا المقدادُ بأنّهُ حَوَّل لي جرعةً لجوالي، لأبدأ بنثرها أمامَ الرفاقِ ونتبادلَ تعاطي جرعاتِ النقدِ، كان لحديثنا في هذه الغرزة الثقافية كبيرَ الأثرِ في نفسِ وروحِ كلّّ مِنَّا، حتّى أصابتنا النشوة الحقيقية التي نبتغيها... صديقنا الصمادي كانَ غائبا جسديًا عن جلستنا هذه ولكنَّهُ حاضرٌ كعادته في حديثنا، وقد تخيلتهُ يكتبُ أقصوصة لاذعةً ينتقدُ بها عادة سيئة.. نعم صالون البرج هذا للروائي المقداد  هو غرزتنا التي ننتشي فيها...


القيصر رائد العمري

الاثنين، 31 مارس 2025

حوار وليد العودة. مع فتحي

 




الصحفي والإعلامي السُّوريّ "وليد العودة"

يحاور

الروائي "محمد فتحي المقداد"

***


محمد فتحي المقداد روائي سوري من محافظة درعا وتحديداً من مدينة بصرى الشام التي ترقد بداخلها  قلعة بُصرى ومسرحها الشهير، عَشِقَ الكتابة والقراءة منذُ صِغَرِهِ  واستهوته الحِلاقة  فاحترفها  وعاشَ من مردودها ولايزال، كتب القصّة القصيرة والقصَّة القصيرة جداً  والرواية والمقالة  والعديد  من الدراسات  الأدبية، صدر  له حتى  الآن  أربعاً  وأربعين  كِتاباً، وفي  جعبتهِ الكثير  من  المخطوطات  والمشاريع المستقبلية. 

فاز المقداد بجائزة الأديب محمد إقبال حرب للرواية العربية عام ٢٠٢١  عن مجموع أعماله الروائية. 

من أشهر رواياته نذكر له: (دوّامة  الأوغاد   والطريق  إلى الزعتري  وفوق  الأرض  وبين بوابتين  وهي رواية تسجيلية، وتراجانا  ورواية  دع الأزهار تتفتَّح، وخيمة في قصر بعبدا) ، وغيرها إلى جانب الكثير الكثير من القصص والكتب المختلفة والخواطر والمقالات. 

معهُ  كان  حِواري  التالي الذي حاولتُ الغوص في دواخله، وهو جديرٌ بالمُتابعة  لِمَن  تستهويه  الثقافة عموماً، وعُذراً  من القُراء؛ فقد يبدو الحوار طويلاً، ولكن مع قامة  أدبية كقامة الروائي "محمد فتحي المقداد" سنستمتِّع  بحديثه ولاشك. 

وفي البداية سألته

*لو تحدثنا عن طفولتك وصباك  وطبيعة دراستك واهتماماتك بأسطر قليلة؟

   **يا لطفولة لم أعشها..!! خُلقت هكذا لا أدري على وجه الدّقة؛ ما هي أوّل كلمة نطقتُها؛ لكن من خلال إحساسي العميق: "ماما.. بابا"، حالة نسيان رهيب استفقتُ منها في الصفّ الأوّل على المُعلّم وكتاب القراءة، من جديد.. استعدتُ ذاكرتي لأكتب أوّل كلمة في حياتي: "ماما.. بابا".  

   لم يكن عندي كيس أو كرتونة للألعاب مليئة بالألعاب المختلفة؛ لأحتار بأيّ منها ألهو، أو أُحطّم أكثرها في حالة غضب ممزوجة بالملل السّريع منها، درّاجة ذات الثلاثة دواليب بمقعدها الخشبيً القاسي، لونها الأحمر شوّه ذاكرتي، ووَسَمها تشاؤمًا منها، وأضاع عليّ متعة مُراقبة قوس قُزح، ومحاولة قيادتي لها الفاشلة بين الأحجار الناتئة كرؤوس الشّياطين في ساحة بيتنا الترابيّة، وخارج البيت الأزقّة والطّرق لم تكن مُعبّدة بالزّفت الأسود بتوقيت بُصرى آنذاك.  

إلى الآن لم أُدرك ميلي الشديد لعود الثقّاب برأسه الأحمر المُدبّب الصّغير؛ المُغري بإشعال الحرائق للورق ومخلّفات الأشياء. تخويف شديد من النّار بألسنتها التي لا ترحم. وانتهت صلاة عيد الأضحى لأدخل في حالة بُكاء وفقدان حذائي البلاستيكيّ بلونه الأحمر.. يا لتعاستي.. البِشرُ يرسم خطوطه على وجوههم، وهم خارجون من بُوابة الجامع، عبارات متبادلة بالتهاني والأمنيات، ودموعي لم تتوقّف، تُعاند حيرتي الحزينة، وأنا أبحث عنه مع بعض الذين يكبرونني بسنوات، كنتُ جازمًا أن لا طفل آخر في القرية كلّها يمتلكُ هذا اللّون؛ لأنّ أبي أحضره من الشّام على حدّ زعمي. وصلتُ البيت حافيًا خائبًا من يومها فقدتُ الإحساس بفرحة في العيد. 

   

*متى بدأت الكتابة يا تُرى،  وبمن تأثرت وأُعجبت؟.

**اهتمامي بالكتابة مترافق مع القراءة، وهي النتاج الطبيعيّ للقراءة. وهي إعادة تدوير للمختزن الواعي واللا واعي في رواسب الذاكرة. وأعتقد بتأثير القراءات. لكن من غير المؤكد أن التأثؤ بكاتب ما هو تقليد له، إنما هناك صناعة نص جديد بروح كاتبه، ممكن أن يحجث التشابه ببعض الخيوط والمؤديات. لكن بالقطع هنلك نص جديد. 

 

*لماذا  تأخرت  في  إصدار  نتاجك  الأدبي قصة رواية مقاله؟. 

**في الأساس أنا قارئ مُتعلّق بالكُتب ومهتم بها منذ صغري مع بداية تفتح وعيي على الأبجدية العربية، ومبادئ القراءة والكتابة. تكوّن عندي محتوى مُثقل بالثقافة والمعرفة،  ومع وصول خدمات الأنترنت أواخر العام 2008 وبداية 2209، وتعرفي على أدواتها، ومن خلال المنتديات الأدبيّة وجدتُ مُتّسعا من حرية التفكير، والرغبة الجامحة لإفراغ مُحتواي المليء بفيوضاته المتعددة الأوجه المعرفية. بشكل طبيعي ربّما كان ظهور أول كتاباتي متزامنة مع وصولي لتقنيات التواسل عبر الشبكة العالمية للأنترنت.


*هل كتبت في صُحف محلية أو عربية ياتُرى؟.

**بكل تأكيد نشر لي كتابات في العديد من الصحف العربية المحلية (الأردن)، وفي الخارج وهي كثيرة. يظهر الكثير متها من خلال محرك البحث جوجل. 


*كيف تجمع بين الكتابة والعمل في الحِلاقة؟. 

**كمل تعلم من لا مهنة له لا يمكن أنويعيش بكرامة، منذ بدايات توجهي لسوق العمل، امتهنت الحلاقة كهواية، ثم تحولت إلى مهنة اساسية لاكتساب العيش. أما الكتابة فهي مهارة خاسة عندي، استطعت تطويرها، ومن خلالها قدمت مادة أدبية ذات محتوى محترم، إلى هذه اللحظة بلغ (44)كتابا. توزعت عاى مساحات القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا (ق. ق. ج)، والخاطرة، والمقالة الأدبية، والرواية التي أخذت جُلّ اهتمامي بها. 



*ماهي  طقوسك الخاصَّة في الكتابة؟. هل تميل للكتابة في الليل أم النهار؟.

**كما يُقال في ثقافتنا الشعبية: (إذا دَرّت عَنْزَكَ اُحْلُبْها)، الكتابة عندي تتولد كرغبة وحاجة مُلحّة، غير خاضعة لوقت وزمان أو مكان، عندما تتولّد الفكرة تُلحّ عليّ فتستولي على دواخلي، وتنعكس بمؤثراتها على مظهري. ممكن أن أكتب في الباص، أو أتوقف على قارعة الطريق، أو أجلس لطاولتي مع فنجان قهوة، في الحقيقة الفكرة لن تنتظرني حتى أهيئ نفسي لاستقبالها بكل راحة صمن طقس خاص، الفكرة كالعصفور تتفلت للهرب إذا لم تُقيّ دها، وتقييدها هو بالكتابة حصرًا. كم ركضت وتعبتُ خلف فكرة. 


*ما الذي  يُحرِّضك على الكتابة؟. 

**أولًا كإنسان أحمل قضيتي السورية الكبرى، إضافة لقضايا أمتنا العربية، أعتقد جازما أن أية قضية يحملها الكاتب هي المُحرّك والمُحرّض الأوّل لاستيلاد الأفكار. 


*الغُربة ماذا  تعني  لك  أستاذ محمد؟. 

**كما هو معلوم تعددت أسباب الغربة، والمبدأ واحد: بُعاد وحنين وأشواق. ولكل حالة مخرجاتها المُرْضية وغير المُرْضية. ولا شكّ بفوائد الغربة على صعيدي الشخصي، فقد أتاحت لي الوقوف على أفكاري، وفتحت آفاقًا من حرية التعبير غير المُتاحة في بلدي، واكتساب معارف وثقافات جديدة. 


*أيهما  تُفضِّل  كتابة الرواية أم القصة بفرعيها القصيرة  والقصيرة  جداً؟. 

**رغم الخوض في غمار هذه الأجناس الأدبيّة، إلّا أنّني أميل إلى الكتابة الروائيِّة، وأُفضّلها، لاتساع مساحات التعبير الواسعة. 


*نود لو تُحدثنا  عن روايتك الجديدة "بنسيون الشارع الخلفي"؟. 

** "بنسيون الشارع الخلفي" فكرة جديدة تتمحور حول مخرجات الحرب السورية القذرة على مدار أكثر من عقد من الزمن. الحرب في العادة تقلب كل مفردات الحياة عكس الاتجاه، وتشكيل أوضاع شاذة. وظاهرة المُساكنات الغريبة عن المجتمع السوري المحافظ بطبيعته الأزلية، هي نتيجة مليئة بالسلبيات غير المسبوقة، ومن أسباب هذه الظاهرة، الموت وفقدان الأسر بكاملها، ونجا أحد أفرادها، أو من وجد الفرصة للهروب والانفلات من قيود الأسرة والمجتمع، وهناك سبب آخر وجيه وجود الاستعمار المتعدد لسوريا. ومنه الاستعمار والاحتلال الإيراني المباشر، وتشجيع زواج المتعة.

الحيز الجغرافي للحدث الروائي على أطراف دمشق، وحصرًا الجنوبية منها بمحيط مخيم اليرموك. وكلمة بنسيون أجنبية بطبيعتها لكن رديفتها العربية "النُّزُل" لم تقنعني بالتعبير لتصوير حالة المساكنات بين الشباب والبنات بدون عقد زواج، وبعيد عن الرّقابة، ومن الطبيعيّ لا رقابة على الضمير والشرف بأوقات الحروب. ربما تكون الرواية هي العمل الأدبي الذي يلقي الضوء على هذه الجديرة بلفت الانتباه إلى سلبياتها، ورصد المتغيرات الاجتماعية بدقة وأمانة قدر المستطاع، وبما وصلت إليه مقدرتي الروائية في إدارة الفكرة بشكل مقبول ومعقول. 




*متى  بدأت بعملك في الحلاقة؟، ولماذا استهوتك هذه الحِرفة بالذات؟. 

**الهواية كانت بداية، والاحتراف استغرق عمري ما يقارب من أربعة عقود. مهنة الحلاق مهنة إنسانية في مآلات فحواها، وهي تفاعلية مع مشكلات المحيط الاجتماعي، وهي مهنة التواصل الإيجابي. 

ككاتب أتاحت لي بحورًا من الحكايا والسوالف ما بين القديم والحديث، في المفيد واللا مفيد، الجميع يأتون مصطحبين معهم حكاياهم بإرادتهم. ما سأذهب للبحث عنه يأتيني طوعًا، يريحني من عناء البحث عنه. فصالون الحلاقة هو ميداني الذي تتشكل فيه أفكاري، وينطلق أبطال قصصي ورواياتي على سجيتهم لا عوائق أمامهم، وتأتلق رؤاي لذاتي على ضوء عزلتي إذا كنت وحيدًا لا عمل عندي. 



*بصرى الشام ماذا تعني لك؟.

** "بُصرى الشام" بلا منازع على الإطلاق هي العالم كله بالنسبة لي، وكل حجر فيها يعادل جبال وحجارة الكرة الأرضية. لا أدري: هل هذا يُعَد تعصُّبًا مذموما؟. ارتحلتُ عنها جسدًا، وهي مُترحلة بدواخلي. 

روحانية مكانها تُضفي على الشرق ملاءات من اليقين الثابت، الذي لا تهتزّ معه الثقة بالحياة، ومن ذا ينازعني في الراهب بحيرا، وفي الناقة الني حملت نسخة من مصحف الشّام (مصحف عثمان. رضي الله عنه)، ومضافة جدّي لأمّي التي بناها بمكان موطئ قدم النبيّ محمد صل الله عليه وسلم. وجدي لأبي محمد الحسن الذي مازال صدى صوته بالأذان من على مئذنة العروس في الجامع العمري ببصرى، يتردد في أذني ويهز قلبي عند اقترابي من ستةّ عقود. فيوضات ربانية وروحانية تسبح بها روحي. هذه بتوقيت بصرى. نعم "بتوقيت بُصرى" الذي كان آخر كتاب مطبوع لي حمل هذا العنوان. 





*المرأة عموماً كيف تنظر إليها من موقعك ككاتب وإنسان؟. 

**لا أقول أن المرأة هي نصف المجتمع، ولا نصف الدّين الآخر، بل هي المجتمع بأكمله، وهي الدين كله، هذه الحقيقة، فالأمّ التي تهزّ سرير وليدها بيمينها، قادرة على هزّ العالم بيُسراها. أنا ضد تحويل المرأة لسلعة تُباع وتُشترى من خلال التعرّي التي أخذت أبعادًا، ولتكون معاول هدم وتدمير للفضائل الدينية والاجتماعية المحافظة، ومحاولة تعهير هذه القِيِم، والمرأة هي المدخل السهل المُتاح لاختراق المجتمعات وتفتيتها لتسهيل السيطرة عليها بلا أدنى مقاومة تُذكَر.

المرأة يجب أن تُصان كأمٍّ وأختٍ وزجةٍ وبنتٍ من غوائل العولمة وأدواتها وأذرعها التي تطال كل شيء في هذا الكون، وبحاجة لتظافر الجهود المخلصة من أجل صيانة المرأة وحقوقها. 




 *ماذا عن اهتماماتك الأخرى بعيداً عن الكتابة والحلاقة؟.

**أحبُّ الحياة أعشقها، الهدوء في كل معطيات حياتي، أكره النزاع والشقاق. أهرب من الكثرة إلى التقليل في جميع مسالكي. الكتابة والقراءة تحتاجان العزلة التي صرت أميل إليها كلما استطعت إلى ذلك سبيلا. أتمنى لو تتاح لي عزلة روحية في مكان هادئ للتأمل الوجودي، لإثراء تجربتي الروحية بعيدًا عن ضجيج العالم. 


16/10/2022 


تأملات قرآنية